القدوة الحسنة في منهج الدعوة إلى الله -12- المجاهدة بتربية النفس على الكرم والإنفاق (2)

شرح كتاب القدوة الحسنة - الدرس الثاني عشر - المجاهدة بتربية النفس على الكرم والإنفاق(2)
للاستماع إلى الدرس

شرح الحبيب العلامة عمر بن محمد بن حفيظ على كتاب القدوة الحسنة في منهج الدعوة إلى الله للسيد محمد بن علوي المالكي، يتحدث عن مسائل مهمة عن منهج الدعوة الإسلامية وحقيقة القدوة الحسنة في سبيلها.

الدرس الثاني عشر: المجاهدة بتربية النفس على الكرم والإنفاق (2).

 

نص الدرس مكتوب:

 

الحمد لله على تلقّي فائضات فضله، وتَطلُّب الحصولِ على شريف وصله، مِن خِلال هذا الوقت الأشرف، وهذهِ الأعمال التي جاءنا بها المُشرَّف صلى الله عليه وآله وصحبه وسلم ومن عَمِلَها بإخلاص قُبِلَ من الله بعطايا وتُحَف، فعسى لنا نصيب مما قسم الرحمن لِأهل التقريب من جُودِهِ الواسعِ الرحيب حتى نكونَ في أزمنتنا وأمكنتنا دعاة خيرٍ وهدى نلبّي شريف النداء ونقتدي بسيدنا المقتدى ونَسلم من الآفاتِ والعاهاتِ والحجبِ والانحرافاتِ في ما خفي وفي ما بدَا.

ونفي بعهد الله مع من وفى بالعهد، ونظفر بمحبة الله مع من فاز منه بالمحبة والود، حتى نلقى ربنا فيلقاه كل فردٍ منّا والرب راضٍ عنه وهو صادق في وجهته ومحبته، يحب لقاء الله ويحب الله لقاءه. اللهم أكرمنا بذلك، اللهم أكرمنا بذلك، اللهم أكرمنا بذلك في خير ولطف وعافية.  

 

المجاهدة بتربية النفس على الكرم والإنفاق 

"ولقد سار على هذا المنهج الصحابة الكرام رضي الله تعالى عنهم وحققوا بأفعالهم الصادقة صدق الدعوة وصحة المبدأ وواقعيه المنهج؛ وإمكانية التطبيق ما دام هناك عزمٌ وتصميمٌ وهِمة خلق كريم، وأدل دليل على ذلك قصة المؤاخاة بين المهاجرين والأنصار، فهذا عبد الرحمن بن عوف لما قَدِمَ المدينة وآخى رسول الله ﷺ بينه وبين سعد بن الربيع الأنصاري رضي الله عنهم، قال له سعد: أي أُخيّ، أنا أكثر أهل المدينة مالًا فلك شطر مالي وتحتي امرأتان فانظر أيهما أعجب إليك حتى أطلقها، فقال عبدالرحمن: بارك الله لك في أهلك ومالك، دلّوني على السوق، فدلّوه فذهب فاشترى وباع فربح. الحديث رواه أحمد. وهؤلاء الأنصار يقولون للنبي ﷺ لما جاء المهاجرون: يا رسول الله اقسم بيننا وبين إخواننا النخيل. رواه البخاري.

واعترف المهاجرون بهذا الفضل وهم أهل الفضل فقالوا: يا رسول الله ما رأينا مثل قوم قدمنا عليهم أحسن مواساة في قليل ولا أحسن بذلاً من كثير، لقد كفونا المؤونة وأشركونا في المهنة. رواه أحمد كذا في البداية.

ومواقف الصحابة الكرام في هذا الباب لا تنكر وهي كلها مستمدة من القدوة الحسنة رسول الله ﷺ ."

 

صلى الله عليه وعلى آله وصحبه وسلم ومن سار في دربه إلى يوم الدين.

يقول مشى الصحابة على المنهج النبوي، بل كلٍ منهم بذَلَ لله، بذلوا أفكارهم، وبذلوا أعمارهم، وبذلوا أموالهم، وبذلوا أرواحهم، وبذلوا نفوسهم، وبذلوا صدق وجهاتهم لله، فصحّ أنهم بايعوا ووفّوا.

وقد سمعتم أنه لما نزل قول الله: (إنَّ اللهَ اشْتَرَى مِنَ الْمُؤْمِنِينَ أَنفُسَهُمْ وَأَمْوَالَهُم بِأَنَّ لَهُمُ الْجَنَّةَ * يُقَاتِلُونَ فِي سَبِيلِ اللَّهِ فَيَقْتُلُونَ وَيُقْتَلُونَ وَعْدًا عَلَيْهِ حَقًّا فِي التَّوْرَاةِ وَالْإِنجِيلِ وَالْقُرْآنِ وَمَنْ أَوْفَى بِعَهْدِهِ مِنَ اللَّهِ ۚ فَاسْتَبْشِرُوا بِبَيْعِكُمُ الَّذِي بَايَعْتُم بِهِ ۚ وَذَلِكَ هُوَ الْفَوْزُ الْعَظِيمُ) [التوبة:111]. قالوا : "ربح البيع فلا نقيل ولا نستقيل" عليهم رضوان الله تبارك وتعالى.

وصحّ أنهم وجّهوا وجوههم للذي فطر السمواتِ والأرض، فصارت صلاتُهم ونُسكهم ومَحياهم ومماتهم الله رب العالمين.

فمتى يتخلص أحدنا من هذه الشركة؟.. فِكرُه ما خلص لله، مالُه ما خلص لله، وقته ما خلص لله، وجهته ما خلصت لله، يشرك دناياه وأشياء توافه وبعض أشياء يراها شيء وليست بشيء.. وإلى متى يظل هكذا موسخ ؟! ما يُصفّي وجهته، ما يُصفّي سريرته، فيلحق بأرباب البصائر.

ألذ العيش كله مع أرباب البصائر *** ولا الأسرار إلا لمن صفّى السرائر

أرى طرق الحقيقة قليلاً سالكيها *** وأضحى كل جاهل بلا شيء يدّعيها

بلا علمٍ وعملٍ محالًا يرتقيها *** حَمتها الأُسُد من دونها عُسرِ الشواجر

فيا أهل التلابيس *** فلا يغويكم إبليس 

عن التقوى مفاليس

ومن خالف مَقَاله ِفعاله فهو خاسر*** سألت الله يغفر ذنوبي خير غافر

ومن لم يبذل الروح ما يشفي الخواطر

 ومن لم يدمن الغوص ما جاب الجواهر

هذا بحر العشر الأواسط دخل علينا، وتوجد الجواهر في أعماق البحار، وقد مضى عليك أول ليلة، ليلة إحدى عشر قبل البارح، ثاني ليلة ليلة إثنى عشر البارح، أين وصلت في البحر هذا؟!

فيه جوهرة التصفية، فيه جوهرة الترقية، فيه جوهرة المواصلة، فيه جوهرة الإنابة، فيه جوهرة الخشوع، حصّلت أيش من هذه الجواهر؟ أو ما تغوص تمام؟!

…………………… *** ومن لم يدمن الغوص ما جاب الجواهر 

ولا نال الجوائز *** ولا يُدعى بفائز

على التحقيق عاجز

سأفني العمر فيهم خسِر من لم يخاطر*** ومن لم يبذل الروح ما يشفي الخواطر

ومن هاب العوالي فلا يرقا المعالي *** حقيقة كلّ غالي يكن مرقاه عالي

ولولا الشوك ما عزّ مجني كلّ حالي *** ومن لم يدمن الغوص ما جاب الجواهر

 

كان الإمام العيدروس كثير ما يتمثل بقولهم المشهور:

على قدر أهل العزْمِ تأتي العزائِمُ *** وتأتي على قدرِ الكِرام المكارمُ

وتكبُرُ في عينِ الصغيرِ صِغارُها *** وتصغُرُ في عينِ العظيم العظائمُ

 

عزمتُ شق الطاعة كل أمر*** أرى في قطّعِه نيل المقام الكريم

وارفض الدنيا الغرور التي *** من أجلها كان الحجاب مقيم

والنفس والشيطان أعصيهما *** بقوة الله العلي العظيم

 أُولّي الأكوان ظَهرًا ولا أرى*** سوى الله العزيز الحكيم

يارب هب لي منك حسن اليقين *** وعصمة الصدق وقلبًا سليم

وهِمّة تعلو وصبراً جميل*** ونور توفيق به أستقيم

وحسن تأييدٍ وعوناً يدوم *** فإنك الدائم وجُودك عميم

أرجوك تُعطيني الذي ابتغي*** بمحض جودك لا بِجَهدِي الذميم 

دُلِلنا على تجارة لا أربح منها، ولا أعظم حظًّا فعسى نُتاجر مع المتاجرين، لهم في كل فرض تجارة، في كل نافلة تجارة، في كل مجلس تجارة. جلسة بعد صلاة الصبح حتى تطلع الشمس غدوة في سبيل الله.. تجارة، "لغدوةٌ في سبيل الله أو روحة خيرٌ من الدنيا وما فيها"، ونَحن في كل يوم في رمضان عندنا غدوة، نحن فيها الآن وعندنا روحة تجينا في العصر.

"لغدوة في سبيل الله أو روحة خيرٌ من الدنيا وما فيها" صدق نبينا، والله صدق نبينا، وكذبت أوهامنا، وكذبت ظنوننا وخيالاتنا وصدق نبينا؛ "خيرٌ من الدنيا وما فيها".

وعادك قاعد تفكر في أيش من الدنيا وما فيها؟! وأنت في شيء خير من الدنيا وما فيها لماذا ما تكن معنا أحسن؟ ما هو أحسن لك تكون معنا؟ فاعزم معنا واطرب كمانا -مثلنا- واجزم ترانا.

إذا كنت في شيء بشهادة حبيب الرحمن "خيرٌ من الدنيا وما فيها" عادك تقوم تفكر في أيش من الدنيا وما فيها؟! أيش الذي يأخذك من الدنيا وما فيها؟ وهذا خير من الدنيا وما فيها، صدق نبينا نعم والله صدق صدق صدق (قُلْ صَدَقَ اللَّهُ ۗ فَاتَّبِعُوا مِلَّةَ إِبْرَاهِيمَ حَنِيفًا) [آل عمران:95]، صدق رسوله النبي العظيم.

اقتدى به الصحابة وبذلوا.. شوف السابقين الأولين الذين أثنى الله عليهم لا أحد منهم دخل الإسلام ليأخذ شيء؛ لا من المظهر ولا من الجاه ولا من المال ابدًا. بل أكثرهم تعرضوا لأن يُضايقوا حتى في معيشتهم، أن يُضايقوا حتى في مالهم وأكلهم، وأن تتنكر لهم الأسر فبعض أبناء الأغنياء كمثل سيدنا مصعب بن عمير تنكّرت له أسرته كلها، وصار بدل الثياب الفاخرة التي كان يعتادها في بلده في مكة، والعطور الفاخرة التي يُشرف لها الناس من الديار يقولون مرّ مصعب في الطريق، صار مع الغبار مع التراب وعنده ثوب يخلله بالشوك والعباء، وما عنده إلا هذا الثوب الذي يجلس فيه الفترة الطويلة، وهو بذلك فرح، جذلٌ، ليس بنادم على شيء. رآه النبي مرة مقبل وعليه ثوب خَلِق، وخلّله بالعباء، فبكى وقال: "لقد رأيت هذا وما بمكة فتى أنعم منه وترك ذلك حبًّا لله ورسوله". حتى استُشهد يوم أحد فما وُجِد له كفن يكفّن به من ثيابه، إلا هذا الذي عليه الثوب إذا غطوا رأسه بدت رجلاه، وإذا غطوا رجليه بدا رأسه.

ولكنه رابح والله، فائز والله، سعيد والله، مرتاح والله، مطمئن والله، مُهنّى والله، ما ندم على شيء مما تركه لله وقد وجد الله ووجد ما عند الله وهو خيرٌ للأبرار، رضي الله عن سيدنا مصعب بن عمير. فقال النبي : "غطوا رأسه واجعلوا على رجليه الإِذْخِر"؛ هاتوا ورق الشجر هذا حق الإِذْخِر غطوا رجله، هذا كفن سيدنا مصعب بن عمير… تنكرت له أسرته.

فالسابقون الأولون الذين أثنى الله عليهم في القرآن لا أحد منهم دخل الإسلام ليأخذ شيء، لا مكانة ولا سمعة ولا جاه ولا مال ولا ... دخلوا ليعطوا لا ليأخذوا! فلهذا ما يصلهم أحد. قال ﷺ: "والذي نفسي بيده لو أنفق أحدكم مثل أُحُدً ذهباً ما بلغ مُدَ أحدهم ولا نَصِيفه"، الله يرضى عنهم ويجمعنا بهم في دار الكرامة.

 سيدنا أبو بكر كان تاجر في مكة؛ وعنده ستة دكاكين ويشتغل في خدمة النبي ونصرته والقيام به، وشراء المعذبين من المماليك وإعتاقهم. قفلوا أول دكان وبعدين الثاني وبعدين الثالث وبعدين كمل الستة كلها، باقي معه مال في البيت بيهاجر مع النبي أخذه وذَهَبَ. حتى قال النبي آخر عمره: "إن أَمنّ الناس عليَّ في نفسه وماله أبو بكر" . قال: وأنفق ماله علي قبل الفتح.

وجاء أبو قحافة والده قبل إسلامه بعد الهجرة، بعد ما هاجر النبي وأبو بكر يقول لأولاد ولده هؤلاء وبنات ولده، ما أرى أبو بكر إلا قد فَجعكم بِنفسه وماله حتى ماله بيأخذه ما بيخلي شيء، بيأخذ ماله بينفقه على محمد وعلى الدين حقه هذا! قالت له أسماء: ترك لنا قال: ترك لكم شيء؟ قالت: نعم، وجاءت للمشكاة يحط فيها سيدنا أبو بكر ماله، الكيس ملأته حجر وعصبته - ربطته - وقالت له: تعال شوف هذا، وكان أعمى، قد عمي، قال: ما دام ترك لكم هذا لا بأس.

ما ترك شيء؟! قالت تطمئن به نفس الشيخ،  الشيخ ما يطمئن إلا بالدراهم، هذا ما يعرف معنى الله، ما يعرف معنى رسول الله .

مرة خرج سيدنا أبو بكر في غزوة تبوك، والنبي قال له: ما تركت لأهلك وولدك؟ قال: تركت لهم الله ورسوله. تلك الأيام عاده ما يعرف الله ورسوله، ما يطمئن إلا في دراهم خلاص اطمئن، لكن أسماء مطمئنة بلا دراهم، عائشة مطمئنة بلا دراهم، عبد الله بن أبي بكر مطمئن في البيت بلا دراهم، ما عندهم دراهم و مطمئنون. 

وكانت تطلع إلى الغار، ونحن نطلع فيه استغرقنا ساعتين نمشي في الجبل والطريق معبّد، وقال بعض الشباب أول مرة وآخر مرة.

قُلت له: أسماء ما قالت أول مرة وآخر مرة، وعاده الطريق غير مُعَبد؛ وتطلع وهي حامل وحاملة الطعام أول ليلة ثاني ليلة ثالث ليلة، ما قالت أول مرة آخر مرة وجاءت عادها رابع مرة وقت مشيهم حتى ما عاد وجدوا شيء يربطون به بعض المتاع حق النبي، خرّجت حزامها - نطاقها -  شقّته نصفين وربطت هنا وربطت هنا فسميت ذات النطاقين رضي الله عنها. لو رأيتم أين منازلهم في الملأ الأعلى؟ أين منازلهم في الدرجات العلى في الجنة؟! لو رأيتم أيش حصلوا من الملك الأكبر ؟!

وأكثر الذين يتفاخرون في زمانكم هم كمن قبلهم، لو رأيتم كيف حالهم… 

  • (لَوْ يَعْلَمُ الَّذِينَ كَفَرُوا حِينَ لَا يَكُفُّونَ عَن وُجُوهِهِمُ النَّارَ وَلَا عَن ظُهُورِهِمْ وَلَا هُمْ يُنصَرُونَ* بَلْ تَأْتِيهِم بَغْتَةً فَتَبْهَتُهُمْ فَلَا يَسْتَطِيعُونَ رَدَّهَا وَلَا هُمْ يُنظَرُونَ) [الأنبياء:39-40].
  • (وَلَوْ تَرَىٰ إِذِ الْمُجْرِمُونَ نَاكِسُو رُءُوسِهِمْ عِندَ رَبِّهِمْ رَبَّنَا أَبْصَرْنَا وَسَمِعْنَا فَارْجِعْنَا نَعْمَلْ صَالِحًا إِنَّا مُوقِنُونَ) [السجدة:12].
  • (وَلَوْ يَرَى الَّذِينَ ظَلَمُوا إِذْ يَرَوْنَ الْعَذَابَ أَنَّ الْقُوَّةَ لِلَّهِ جَمِيعًا وَأَنَّ اللَّهَ شَدِيدُ الْعَذَابِ) [البقره:165]. سبحان القوي.
  • (أَذَٰلِكَ خَيْرٌ نُّزُلًا أَمْ شَجَرَةُ الزَّقُّومِ) [الصافات:62].

يقول: "سار الصحابة، آخى النبي بين سيدنا سعد بن الربيع وسيدنا عبد الرحمن بن عوف" عبد الرحمن بن عوف مهاجري، سعد بن الربيع أنصاري قال: تعال، آخى النبي بيني وبينك، أنا من أكثر أهل المدينة مال نص بيني وبينك المال، وعندي زوجتان؛ هذا قبل أن يفرض الله الحجاب، قال: "انظر أيتهما أحب إليك أطلقها وتتزوجها". وسيدنا عبد الرحمن بن عوف ما رضي بهذا، قال له: "بارك الله لك في مالك وأهلك دلني على السوق" أنا أعرف أتجر.

 ما حصلوا ناس طيبين قعدوا يلهفون، لأنهم ما دخلوا ليأكلوا ولا دخلوا لينفقوا، "دلوني على السوق" وبدأ يتّجر، أول يوم ثاني يوم بارك الله له في تجارته وصار من أثرياء الصحابة. وهذا أخوه سعد بن الربيع رضي الله عنه من شهداء أحد، كان في الجرحى، والنبي بعد المعركة ذكر عدد من الصحابة منهم سعد قال: "من يأتيني بخبر سعد أفي الموتى أم في الأحياء؟" 

قام واحد قال: أنا آتيك بخبره، جاء حصّله  في  آخر رمق، ما عاد يقدر حتى يتكلم ولا يفتح عينيه، جاء إليه سعد سعد… ما يتكلم! رسول الله ﷺ يسأل عنك، فتّح عينيه! لما ذكر النبي فتّح عينيه قال: رسول الله! قال: رسول الله يسأل عنك في الموتى أم في الأحياء؟ قال: قل له إني في الموتى، أنا ميت أقرِئ السلام رسول الله أخذ يتكلم كان ما يتكلم، أقرِئ السلام رسول الله وقل له: جزاك الله عنا خيراً، واقرِئ السلام أصحابنا من الأنصار، قل لهم يقول لكم سعد: لا عذر لكم أن يُخلَص إلى رسول الله ما دامت فيكم عين تطرف، ما دام فيكم عين تطرف ما عذر لكم أحد يصل إلى النبي ولا يمسّه، هذا آخر وصية وأغمض عينيه ومات.

 شوف ايش كان يحمل من هم… هذا الذي جاء يكلمه ما كان يتكلم، لما ذكر له اسم النبي فتح عينيه صار يتكلم قال: رسول الله! هذا قال: رسول الله أرسلني إليك يسأل عنك يقول: كيف أنت؟ قال: "قل له أني في الموتى، واقرأه مني السلام وقل له جزاك الله عنا خيرا يا رسول الله، واقرِئ قومنا مني السلام؛ - الأنصار - وقل لهم يقول لكم سعد: "لا عذر لكم أن يُخلص إلى رسول الله"؛ حد يقرب هذا الجناب أو يمسه ما دامت فيكم عين تطرف، ما دام فيكم واحد حي ما لكم عذر تخلوا أحد يقرب النبي ولا يمسه. الله الله أيش الإيمان هذا، وفقه الرسالة وفقه المهمة. سعد بن الربيع رضي الله تعالى عنه: 

"أَقْسِم بيننا وبين إخواننا النخيل". ولما كان أول ما أخذ من نخل بني النضير وبني قينقاع، خيَّر الأنصار قال: إن شئتم شاركتموهم في الغنيمة وَرَدوا عليكم ما أخذوا منكم، النخيل الذي أعطيتموهم يردونه لكم، وإن شئتم شاركتموهم وبقوا على ما هم عليه، أو تركتم لهم هذه الغنيمة وَرَدّوا عليكم النخل.

النبي خَيّرَ الأنصار قال: إن شئتم أن تشاركوهم في الغنيمة يُبقوا على ما أخذوا منكم، أو يردّوا عليكم الذي أخذوا منكم، وتخلوا الغنيمة لهم هؤلاء المهاجرين ما لهم أملاك في المدينة عادهم؛ ايش جاوبوا الأنصار؟  قالوا: "نخُصّهم بهذا وما أخذوا لهم"، ما نشاركهم في الغنيمة، وما أخذوا لهم ما يردون علينا شيء. 

أنصار أنصار! "آية الإيمان حب الأنصار وآية النفاق بغض الأنصار"، من أحبهم أحبه الله ومن أبغضهم أبغضه الله.. رجالهم ونساءهم عجيبين كلهم غريبين أحبّوا محمدًا، أحبّوا محمدًا، أحبوه محبة الصدق، ففازوا وسعدوا عليهم رضوان الله، حشرنا الله في زمرتهم.

قالوا: "يا رسول الله ما رأينا مثل قوم قدمنا عليهم أحسن مواساة في قليل ولا أحسن بذلاً من كثير، لقد كفونا المؤونة وأشركونا في المهنة" رضي الله عنهم.

 

"وإنّ من أعظم ركائز الدعوة الإسلامية اليوم هو بذل الأموال في سبيلها بسخاء ومسارعة واستجابة كاملة، ونحن نرى ما يبذله أعداء الإسلام اليوم من أموال طائلة وإمكانية قوية في سبيل نشر أفكارهم وترغيب الناس فيها وجذبهم إليها وفي سبيل إفساد عقائد المسلمين وزعزعة إيمانهم وإفساد أخلاقهم وإدخال الشُبَه عليهم في دينهم وإضاعة ثقتهم في نبيهم وفي أئمتهم وفي أحاديثهم وفي قرآنهم وفي رواتهم، مع ما يقابل هذا من تأخر المسلمين عن الاستجابة الكاملة للمشاركة الفعّالة في المشاريع الخيرية والأعمال الإسلامية البنّاءة واحتضان مصادر الصلاح والإصلاح ورعاية رجالها وتأييدهم وتنشيطهم والقيام بحاجتهم وكفِّ أيديهم عن السؤال وصون وجوههم عن الابتذال، فإنّا لله وإنا إليه راجعون."

 

إنا لله وإنا إليه راجعون، اللهم أيقظ قلوب المسلمين، وأصلح شأنهم يارب العالمين.

 

"ومع هذا الضعف والتأخر فإن هناك إقبالاً كبيرًا على الإسلام برغبة صحيحة صادقة عن اقتناع ونظر، ونلاحظ أيضا تغيَّرًا كبيرًا في نظرة أعداء الإسلام والجهلة بحقائقه، وذلك برجوع مُشاهدٍ وملموس إلى قواعد للبحث والنظر والدراسة فيها ومكسب للإسلام وفيها أمل كبير لنا ننتظر به خيرًا أكبر ومقصدًا أحسن ونية أسلم ومن يهد الله فهو المهتدي ومن يضلل فلا هادي له."

 

اللهم اهدنا فيمن هديت.

كلما انكشفت الأوهام والأطروحات الكاذبة القائمة على تغيير الحقائق، وعلى الكيد في الصياغة وفي الإيصال، كلما انكشفت هذه الحقائق.. عاد الناس إلى الإسلام، كلما جُرّب أي منهاج في صناعة أو زراعة أو تجارة أو أنواع الاقتصاد أو شؤون الاجتماع، كلما جربت المناهج المخالفة للإسلام أرجعت عقلاء الأرض إلى شريعة الله شاؤوا أم أبوا، فإن من ترك بابًا من الشريعة أحوجه الله إليه، ومهما نظّم الناس لأنفسهم أنظمة وليدة عقولهم وأفكارهم، فلا بدَّ أن يمتزج بها ضعفهم وعجزهم وجهلهم، ولن تنجح في إقامة الحياة الهنيئة بينهم، فيبقى الخلل حتى يرجعوا لمنهج الله جل جلاله، (وَمَنْ أَحْسَنُ مِنَ اللَّهِ حُكْمًا لِّقَوْمٍ يُوقِنُونَ) [المائده:50].

ولكن هذه الحقائق تغيب عن أذهان كثير من المسلمين أنفسهم ولا حول ولا قوة إلا بالله! وقد يسبق إلى إدراكها بعض عقلاء الكفار؛ ونعني بعقلاء الكفار من لم يغلبه الحقد ولا الحسد ولا الكِبر ولا الغطرسة ولا التعصب، ممن يطلب إدراك الحقيقة. هؤلاء عقلائهم وإلا ما فيهم عاقل! لكن هؤلاء عقلائهم لأنهم لو عقلوا لآمنوا! في القيامة كل الكفار يعترفون أنهم ما كانوا عقال؛ (وَقَالُوا لَوْ كُنَّا نَسْمَعُ أَوْ نَعْقِلُ مَا كُنَّا فِي أَصْحَابِ السَّعِيرِ) [الملك:10]. نبغى قليل راحة في الحياة القصيرة ودخلنا النار، أيش من عقول معنا؟! ما فينا عقل نسينا الخالق ورحنا وراء مخلوقين ما فيهم عقل..

لكن عقلاؤهم الذين ما يحملون الحقد ولا الحسد ولا الكبر ولا الغطرسة ولا التعصب ويريدون إدراك الحقيقة هؤلاء عقلاؤهم، فعقلاء بني آدم ولو كفارًا بهذا المعنى، واقع الحال والتجارب تهديهم إلى دين الله، تردُّهم إلى منهج الله ويوقنون لا مَخْلص من شرور البشرية إلا منهج ربها جلّ جلاله وتعالى في علاه.

بينما كثير من المسلمين على ضعف في يقينهم، وعلى ضعف في ثقتهم -والعياذ بالله تعالى- وكأنَّ غير الله أعلم بالله في شيء من الشؤون، (أَلَا يَعْلَمُ مَنْ خَلَقَ وَهُوَ اللَّطِيفُ الْخَبِيرُ) [الملك:14] جل جلاله وتعالى في علاه.

وهم كما ذكر الشيخ مع تأخر المسلمين وإنفاق أموالهم إما على أنفسهم أو على شهوات أنفسهم، أو على المفاخرة أو على الألعاب والملاعب، أو في الميسر أو في أنواع من المباهاة والمفاخرة والإفساد والعياذ بالله تعالى، ولإرضاء بعض الجهات تروح الأموال الكثيرة. 

 ومن الكفار من وَصْفهم كما قال الله: (إِنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا يُنفِقُونَ أَمْوَالَهُمْ لِيَصُدُّوا)، لكن هؤلاء مهما أنفقوا وأضرّوا عدد كثير من الأمة وأوقعوهم في الشرء منهم من يرجع ومنهم من يسوء حاله والعياذ بالله إلى عاقبته؛ مهما كان (فَسَيُنفِقُونَهَا ثُمَّ تَكُونُ عَلَيْهِمْ حَسْرَةً ثُمَّ يُغْلَبُونَ)، قاعدة ما تتخلف، (ثُمَّ يُغْلَبُونَ ۗ وَالَّذِينَ كَفَرُوا إِلَىٰ جَهَنَّمَ يُحْشَرُونَ) [الأنفال:36].

ولهذا تجدهم الآن كما تشاهدون وتسمعون كم غشَّوا من عقول شبابنا وغيرهم وكم شككوهم في دين الله تبارك وتعالى، نزعوا ثقتهم بأئمتهم بخيارهم بصلحائهم بسندهم بالصحابة بالنبي، ما عاد بقى إسلام والعياذ بالله تبارك وتعالى.

الله يحفظ علينا وعلى المسلمين دين الإسلام والإيمان ويزيدنا إيمان، اللهم كما أنعمت علينا بالإسلام فزدنا منه، وكما أنعمت علينا بالإيمان فزدنا منه، وكما أنعمت علينا بالعافية فزدنا منها، وكما أنعمت علينا بالعمر فبارك لنا فيه. 

ولكن الخير فائض، هذا سلسبيل يجري لنا من البحر العريض الطويل نجتمع عليه في الزمن الذي كثير في العالم موجودين معنا يعادون الدين والإسلام ويعاندون ويريدون أن لا تقوم قائمة (وَيَأْبَى اللَّهُ إِلَّا أَن يُتِمَّ نُورَهُ) [التوبة:32].

 فالله يدفع السوء عنا وعن أهل لا إله إلا الله ويجمع شملهم على ما يحب ويرضاه آمين آمين آمين.

اجعلنا جميعًا من محبّيه، اجعلنا جميعًا فيمن يرتضيه، اجعلنا وإياهم وجميعًا فيمن يتوجّه بوجهته إلى باريه، وإن الله يحمينا به من الآفات ويجمعنا به في عليّ الدرجات ويجعلنا في خيار أمته القائمين بنصرته على أحسن الوجوه والحالات في ألطاف وعافيات وتأييدات ربانيات رحمانيات ندرك بها كمال السعادات في الدنيا والآخرات، وإلى حضرة النبي ﷺ.

 

تاريخ النشر الهجري

28 مُحرَّم 1434

تاريخ النشر الميلادي

12 ديسمبر 2012

مشاركة

اضافة إلى المفضلة

كتابة فائدة متعلقة بالمادة

الأقسام