(7)
(394)
(615)
(4)
شرح الحبيب العلامة عمر بن محمد بن حفيظ على كتاب القدوة الحسنة في منهج الدعوة إلى الله للسيد محمد بن علوي المالكي، يتحدث عن مسائل مهمة عن منهج الدعوة الإسلامية وحقيقة القدوة الحسنة في سبيلها.
الدرس الحادي عشر: المجاهدة بتربية النفس على الكرم والإنفاق (1).
المجاهدةُ بتربية النفس على الكرم والإنفاق
وذلك ببذل المالِ بسخاءٍ ودون ترددٍ في مواطن البذل التي تعود بالخير الكبير والأجر الوافر، وقد رتب الله على الإنفاق من خصال الخير والفضل ما يجعل المؤمن الصادق مسارعًا إليها حريصًا عليها، فمن ذلك أن الله يزيد في نعمته عليه لأن الإنفاق مَظهرٌ من مظاهر الشكر، والله تعالى يقول: (لَئِن شَكَرْتُمْ لَأَزِيدَنَّكُمْ) [ابراهيم:7].
ومن ذلك أن الله يوَكِّلُ ملكًا من الملائكة يدعو له بالخَلَفِ عما أنفق، وقد جاء في الصحيحين عن أبي هريرة رضي الله عنه قال: "قال رسول الله ﷺ: "ما من يوم يصبح العباد فيه إلا ملكان ينزلان فيقول أحدهما: اللهم أعطِ منفقًا خلفًا، ويقول الآخر: اللهم أعطِ ممسكًا تلفًا".
ومن ذلك أن الله تعالى يحرُسه من البلاء لما روى رزينٌ عن علي -رضي الله عنه- قال: "قال رسول الله ﷺ: بادروا بالصدقة فإن البلاء لا يتخطاها" .
ومن ذلك أن الله يحفظ عليه صحته ويمنّ عليه بالشفاء، لما جاء في الحديث: "حصّنوا أموالكم بالزكاة، وداووا مرضاكم بالصدقة".
الحمد لله رب العالمين وصلى الله على المصطفى الأمين سيدنا محمد وعلى آله وصحبه ومن سار في دربه وتبعه بإحسان إلى يوم الدين، وعلينا معهم وفيهم إنه أرحم الراحمين.
يتحدث الشيخ عن المجاهدة بتربية النفس على الكرم والإنفاق والبذل في سبيل الله. وفيه حديث: "أين المتباذلون فيَّ"؛ الذين يتسابقون إلى البذل والإعطاء والإنفاق في سبيل الله تبارك وتعالى. وما يمكن لمتوجّهٍ إلى الله سائرٍ إليه، ولا لداعٍ إلى الله سبحانه وتعالى، لا يمكن أن يتمّ له أمره دون أن ينفق أو أن يبذل ما يستطيع، بل يرتقي إلى درجة الإيثار. قال: (وَيُؤْثِرُونَ عَلَىٰ أَنفُسِهِمْ وَلَوْ كَانَ بِهِمْ خَصَاصَةٌ) [الحشر:9].
فهذا رعيلنا الأول الذين حملوا راية الدعوة إلى الله، من ساداتنا الصحابة رضي الله تعالى عنهم وأثنى الله عليهم بذلك.
فمحبة البذل وخِفَّته على النفس، ثم فرح النفس به حتى يصير الحال كما قال الصادقون الأوائل -في مثل هذه الأيام- وقت خروج النبي ﷺ من المدينة في غزوة بدر، في مثل ما بعد الغد وما بعده بعده بثلاثة أيام كانت الاستشارة وقوله: "أشيروا عليّ أيها الناس"، وقد كان معه أربعة وستين من المهاجرين، والبقية من الأنصار؛ بقية الثلاث مئة وثلاثة عشر، وهي أول مرة يخرج معه الأنصار للقتال، فإنه كان يخرج في غزوته التي قبلها، الغزوتين التي تقدّمت، معدودة الغزوات التي تقدمت.. كان يخرج بمهاجرين فقط.
وكان الأنصار قد عاهدوه عند العقبة: أنهم في بلدهم وموطنهم يحمونه ويدافعون عنه ممّا يحمون منه نساءهم وأهلهم وأموالهم وأنفسهم وأولادهم، فاشترطوا أن يكون في بلدهم، وقالوا: نحن بُرءاء حتى تكون في بلدنا إذا كنت في بلدنا فلك هذا؛ فعاهدهم على ذلك؛ أنه إذا جاء بلدهم حموه فكان إذا أراد الخروج من البلد خرج بالمهاجرين. في تلك المرة تبعه كثير من الأنصار، فأراد أن يعلم أهُم على حروف وبنود المعاهدة واقفين معها؟ أم قد ترقَّت بهم أحرف الإيمان والقرآن إلى ميادين أوسع أخرى.
فرأى ما قرت به عینُه، قال: "أشيروا عليّ أيها الناس" لما بلغه أن العير في طريقها إلى الهرب، هربت وأن الجيش خرج من مكة ليقاتل. فقام سيدنا أبوبكر وأحسن المقال وسمعه النبي، وقال: "أشيروا علي أيها الناس"، قام سيدنا عمر وأحسن الكلام، فقال: "أشيروا على أيها الناس"، قام سيدنا المقداد بن عمرو يقول: يا رسول الله، والله لا نقول لك كما قالت بنو إسرائيل لموسى (فَاذْهَبْ أَنتَ وَرَبُّكَ فَقَاتِلَا إِنَّا هَاهُنَا قَاعِدُونَ) [المائدة:24]. ولكن نقول: اذهب أنت وربك فقاتلا فإنا معكما مقاتلون، فوالله لنقاتلنَّ من بين يديك ومن خلفك وعن يمينك وعن شمالك، فسِر بنا حيث شئت. دعا له النبي بخير. ولكن عاد إلى مقالته، فقال: "أشيروا على أيها الناس" ففطِن لها سعد بن معاذ كان سنّه ستة وثلاثين تلك الأيام، قال: "كأنك تعنينا معشر الأنصار؟" بشأن قضية الاتفاقية والمعاهدة التي بيننا وبينك عند العقبة في منى، كأنك تعنينا معشر الأنصار فطن قوله: أشيروا علي أيها الناس والذين تكلموا سيدنا أبو بكر سيدنا عمر وسيدنا المقداد من المهاجرين هؤلاء.
فطن لها هذا الشاب الشيخ الذكي العارف، "كأنك تعنينا معشر الأنصار يا رسول الله؟، قال: "أجل". قام وقال: آمنا بك آمنا بك وصدّقناك، وشهدنا أن ما جئت به هو الحق، فأمرنا تبعٌ لأمرك، واصل حبال من شئت، واقطع حبال من شئت، وحارب من شئت وسالم من شئت، ونحن حربٌ لمن حاربت، وسِلمٌ لمن سالمت، خذ من أموالنا ما تشاء واترك ما تشاء، والذي تأخذ أحب إلينا من الذي تترك!"، شُف كيف!! "الذي تأخذ من أموالنا أحب إلينا من الذي تترك" الله الله الله...
ولعلك خرجت تريد أمرًا فأراد الله غيره، فامضِ لما أمرك الله ولما أردت، فوالله لو سِرتَ بنا حتى تبلغ بِركَ الغماد" من الحبشة "لسرنا معك ما تخلَّفَ منَّا رجلٌ واحد، ولو استعرضت بنا هذا البحر فخضتَّه لخضناه معك، ولقد تخلَّفَ عنك أقوامٌ بالمدينة ما نحن بأشدّ لك حبًّا منهم، ولو علموا أنك تلقى حربًا ما تخلفوا عنك فامض يا رسول الله لما أمرك الله، وما نكره أن تلقى بنا عدونا غدًا، إنا لصُبرٌ في الحرب صُدقٌ عند اللقاء، ولعلّ الله يريك منا ما تقرُّ به عينك" يا رسول الله.
استنار وجهه، استنار حتى كأنه فِلقة قمر، وقال: "سيروا وأبشروا ما يسُرُّكم، فإن الله وعدني إحدى الطائفتين إمَّا العير وإما النفير، والله لكأني انظر إلى مصارع القوم".
ففُطناء الصحابة علموا من هذه الكلمة أن العيرَ خلاص روّحت وأن القتال جاء، من "والله لكأني انظر إلى مصارع القوم" فعلموا أن المسألة خلاص انتهت ما فيها عير المسألة جيش ونفير وقتال. ومع ذلك بقي مع أمر الظاهر يرسل جماعة يتحسسون من العير، وجماعة يتحسسون من الجيش الذي جاء، وقد قال: "وكأني أنظر إلى مصارع القوم".
فلما وصل إلى بدر قبل المعركة حدّد الأماكن للمصارع، قال: هذا مصرِع فلان غداً إن شاء الله، وهذا مصرع فلان غداً إن شاء الله، وهذا مصرع فلان غداً إن شاء الله، بأسمائهم حدّد المكان وعيَّن الاسم في اليوم الثاني: رأوا كل واحد في المكان الذي حدده رسول الله، صُرع فيه ما تجاوزه ولا مقدار شبر نفسه، من قبل يوم! لو أنت تصارع واحد ما تقدر تحدد فين تصرعه إذا كان مثلك في القوة أو أقوى منك، يجيبك هنا يجيبك هنا ما تدري أين؟ لكن من قبل يوم تحدد هذا مصرع فلان، هذا مصرع فلان وكل واحد ما يتخطى الموضع الذي أشار إليه ﷺ.
ايش قالوا؟ قالوا: "خُذ من أموالنا ما تشاء واترك ما تشاء والذي تأخذ أحب إلينا من الذي تترك"، فما قام هذا الدين إلا على باذلين منفقين معطين، يبذلون في سبيل الله تبارك وتعالى.
رضي الله عنهم، وبذلك أثنى عليهم القرآن: (وَالَّذِينَ تَبَوَّءُوا الدَّارَ وَالْإِيمَانَ مِن قَبْلِهِمْ يُحِبُّونَ مَنْ هَاجَرَ إِلَيْهِمْ وَلَا يَجِدُونَ فِي صُدُورِهِمْ حَاجَةً مِّمَّا أُوتُوا وَيُؤْثِرُونَ عَلَىٰ أَنفُسِهِمْ وَلَوْ كَانَ بِهِمْ خَصَاصَةٌ ۚ وَمَن يُوقَ شُحَّ نَفْسِهِ فَأُولَٰئِكَ هُمُ الْمُفْلِحُونَ) [الحشر:9]. والمهاجرين قال فيهم: (لِلْفُقَرَاءِ الْمُهَاجِرِينَ الَّذِينَ أُخْرِجُوا مِن دِيَارِهِمْ وَأَمْوَالِهِمْ) [الحشر:8].
فاجتمعوا على الله، جمعهم الله على حبيبه، جمعهم على وحيه، جمعهم على المعرفة به، جمعهم على القرب منه، الله الله الله.. جمعهم على نور القلوب، جمعهم على لذة الفهم عنه -سبحانه وتعالى- فصاروا يستحلون نعمة الإسلام كل حلاوة، ويرون أنه لا أكبر منها ولا أجلّ من النعم. الحمد لله على نعمة الإسلام وكفى بها من نعمة، الله يفتح لنا باب الفهم.
لما حضروا غزوة بدر صاروا أعلم الصحابة! أنت تعرف إن النبي ما قرَّأهم في كتب ولا صلّح لهم دروس، ولكن قرأوا فيه، قرأوا فيه، وفيهم نزلت الآية، لأنه بعد بدر كان إذا دخل أحد من أهل بدر يقول لهم النبي ﷺ: "أفسحوا له أفسحوا له في المجلس قدّموه". فإذا ازدحم المجلس قال لبعض الصحابة: قوموا خلوا أهل بدر يقعدون.. فكأن بعض الناس يستغرب لماذا يقدم أهل بدر هذا التقديم! فأنزل الله: (يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِذَا قِيلَ لَكُمْ تَفَسَّحُوا فِي الْمَجَالِسِ)، وتُقرأ: (اِ۬لۡمَجۡلِسِ)، (فَافْسَحُوا يَفْسَحِ اللَّهُ لَكُمْ ۖ وَإِذَا قِيلَ انشُزُوا) قوموا (فَانشُزُوا يَرْفَعِ اللَّهُ الَّذِينَ آمَنُوا مِنكُمْ وَالَّذِينَ أُوتُوا الْعِلْمَ) [المجادلة:11]. يشير إلى أهل بدر أوتوا العلم، أوتوا العلم بسبب صدقهم مع أعلم الخلق بالخلّاق، صدقوا مع أعلم الخلق ﷺ، فنالوا العلم قاموا معه، وجاهدوا معه، وفدوه بأموالهم وأنفسهم وأرواحهم، وصبروا وقابلوا ذاك الجيش فأيّدهم الله ونصرهم وعلَّمهم. (يَرْفَعِ اللَّهُ الَّذِينَ آمَنُوا مِنكُمْ وَالَّذِينَ أُوتُوا الْعِلْمَ دَرَجَاتٍ).
فلم يُستشهد منهم إلا أربعة عشر، قُبروا في بدر، إلا واحد في الطريق في الصفرة لما كانوا بالصفرة فاضت روحه فقبروه هناك، لما تخالف مع المشرك بالضربة فحملوه إلى خيمة النبي ﷺ. كان النبي يضعه على رجله، يضع رأسه على فخذه يقول: يا رسول الله أئذا متّ أنا شهيد؟ فقال له: "أشهد أنك شهيد".
قال: یا رسول الله لو رآنا أبو طالب لعَلِمَ أنّا أحق بقوله:
ونسلِمُه حتى نصرّع حوله *** ونذهل عن أبنائنا والحلائل
يعني ما نسلمه لكم حتى نُصرّع حوله ونذهل عن أبنائنا والحلائل؛ عن أولادنا وأهلنا.
فكان يلاطفه ﷺ بالقول، وبقي يُمرَّض ومشى بعد الثلاثة الأيام وهو معهم مريض من أثر الضربة، فلما وصلوا الصفرة مات، فقُبِرهناك ومعه شهادة بالشهادة من سيد السادة، وشهادة هذا الإنسان تمشي عند الملائكة وفي السماء وفي القبر وفي البرزخ وفي القيامة وفي كل محل تمشي حقه الشهادة! أما شهادات ما تنفع إلا في محلات معينة، أم لا؟ وعند الغرغرة ما عاد لها اعتبار أبدًا! لكن شهادات الحبيب تمشي معك.. حي ميت في القبر في البرزخ في القيامة عند الملائكة كل مكان، شهادة حبيب صاحب المملكة هذا.. حبيب الملك. كلامه هو: "قل يُسمع لقولك، وسل تعطى، واشفع تُشَفَّع" ﷺ.. الله أكبر!
كما قال لسادتنا أهل أُحد وقد نظر إليهم، سبعين قتيل وقد مُثّل بهم، قال: "أشهد أنكم الشهداء عند الله يوم القيامة، أشهد أنكم الشهداء عند الله يوم القيامة، والذي نفسي بيده لا يقف عليهم أحَد فيُسلّم عليهم إلا ردوا عليه السلام إلى يوم القيامة"، رضي الله عنهم. فلما كان بعد وقعة أحد بـأربعين سنة جرت سيول فكشفت قبور بعضهم فوُجِدوا كما وضعوا، ونادى المنادي: من كان له شهيد في أحد فليخرج فإنَّا ننقلهم من المحل الذي هم فيه إلى مكان أبعد من السيل، إلى المكان الذي هم فيه الآن الذي فيه سيدنا حمزة، آخره عنده اثنين عنده مصعب بن عمير وعبد الله بن جحش وراءهم هناك حوض فيه أكثر شهداء أحد، وبقي عدد منهم عند الجبل هناك أيضًا هناك حوش ثاني فيه بقية الشهداء نُقلوا من المكان الأصلي، المكان الأصلي كان في الجهة الثانية مقابلها.
فلما خرجوا يحفرون على موتاهم بعد السيول، وجدوا بعضهم في القبور متصافحين يصافح الأول الثاني، الأخوة بينهم البين أثّرت حتى على أجسادهم في القبور يتصافحون فيها! فوجدوا بعضهم واضعًا يده على جرحه، تضم جراحه فرفعوها فردَّها! هذا بعد أربعين سنة من الموت، (بَلْ أَحْيَاءٌ) وجاءت المسحاة وهم يحفرون في رِجل بعضهم فخرج الدم! (بَلْ أَحْيَاءٌ عِندَ رَبِّهِمْ يُرْزَقُونَ) [آل عمران:169].
وكان النبي يأتيهم على رأس كل حول؛ على رأس كل سنة يزورهم، وكانت السيدة فاطمة في كل خميس تخرج إلى أُحُد وتزور سيدنا حمزة عم أبيها، تخرج من المدينة إلى أُحُد تزور وترجع في كل خميس. عسى ما أحد يسميها قبورية؟!.. فاطمة سيدة نساء أهل الجنة فإن كانت سيدة نساء أهل الجنة قبورية، فكلنا قبوريين وراها!
يدوّرون لهم أحد من سادة النار ما هو قبوري يروحون وراه! نحن نعرف سادة أهل الجنة نريد وراءهم. يارب ثبتنا…
قال: "ما من يوم يصبح العباد فيه إلا وملكان ينزلان فيقول أحدهما: اللهم أعطِ منفقًا خلفًا"، من ينفق في سبيلك ويبذل المال من أجلك اخْلف عليه بخير، (وَمَا أَنفَقْتُم مِّن شَيْءٍ فَهُوَ يُخْلِفُهُ ۖ) [سبأ:39]. قال : ومن أيقن بالإخلاف أنفق.
"يا أسماء" يقول النبي لسيدتنا أسماء بنت أبي بكر: "أنفقي يُنفَق عليك، أرضخي يرضخ لك، ولا تحصي فيُحصي الله عليك، ولا توكي فيوكي الله عليك".
"اللهم أعطِ منفقًا خلفًا، ويقول الآخر: اللهم أعطِ ممسكًا تلفًا". فهكذا فتجيء له أشياء تتلف عليه ماله لا هو فيه ثواب ولا في خير ولا في صدقة ولا في صلة رحم ولا في دعوة إلى الله ولا في تعليم الدين… تروح عليه، الذي راح عليه كذا، ومَن سُرِق عليه كذا، والعملة التي معه نزلت وهبطت ما أدري كم، ومصائب روّحت تلف تلف تلف… بدل الإنفاق رجعت في تلف ولا نفعته في الدنيا ولا في الآخرة. "اللهم أعطِ منفقًا خلفًا"، قال: "اللهم أعطِ ممسكًا تلفًا". وهكذا…
قال: "ومن ذلك أن الله تعالى يحرُسه من البلاء"، فإذا أخرج الصدقة منعت عنه البلاء في طول اليوم، "باكروا بالصدقة فإن البلاء لا يتخطى الصدقة"، وجاء هنا بلفظ: "بادروا بالصدقة فإن البلاء لا يتخطاها".
وبهذا رتب بعض الصالحين كان في سيؤون، يخرج آخر الليل إلى المسجد، لكن يُبقي نصيب من الطعام يضع في الرف يقول: أول الفجر أخرجوا هذا الطعام، يوَكِّل أهله أول الفجر يخرّجون هذا الطعام، يقول: من أجل المبادرة بالصدقة فإن البلاء لا يتخطاها. واستمر على ذلك مدة… في يوم وهو في المسجد بعد الفجر، جاءه له واحد يقول له أن ولده سقط وانكسر! قال: رح أسألهم خرجوا الصدقة أم عادهم؟ قالوا: قد غفلنا هذا اليوم ونسينا. قال: خلاص هذا هو؛ لو كان قد خرّجتوها لحمانا الله تعالى فالبلاء لا يتخطى الصدقة.. أما الآن ما قدّامه صدقة وصل!.. على كلٍّ الولد بنعالجه والصدقة خرِّجوها وانتبهوا مرة أخرى.. فكانوا يراعون تعاليمه ﷺ وتوجيهاته وبينون أمورهم عليه.
"من ذلك أن الله يحفظ عليه صحته ويمن عليه بالشفاء "حصّنوا أموالكم بالزكاة وداووا مرضاكم بالصدقة"." وكان واحد هنا أيضًا من الأخيار يتّجر عنده تجارة اسمه: عقيل، ومن خبره في التجارة، أنه يوم وصلته رسائل أنهم حمّلوا له حمول كثير من السكر في الباخرة الفلانية، ثم جاءت الأخبار أن الباخرة غرقت، الباخرة غرقت في البحر بكل ما فيها، هذا سكر خلاص يذوب… فجاؤوا ناس قالوا: اوه سيد عقيل عظم الله أجرك في حقك السكر راح.. قال: لا.. كيف لا؟! الباخرة التي أرسلوا لك فيها السكر غرقت، قال: سكر عقيل ما يغرق. قالوا: أنت مجنون ولا ايش! إيش سكر عقيل ما يغرق!! قال: إن أبي قال: حّصنوا أموالكم بالزكاة، وأنا أخرّج الزكاة وأعرف أين أطرحها وأخرجها مرتين وثلاث مرات من مالي وأضعها في مواطنها، فسكر عقيل ما يغرق!.. قالوا: مسكين الرجال هذا، كيف الباخرة التي فيها السكر غرقت كلها إيش بيبقى من السكر حقه هذا! ما هي إلا أيام والخبر يصل..قالوا: إنا تخالفنا مع أهل هذه الباخرة وما رضوا يحمّلوه، خرّجناه وأرسلناه في الباخرة الفلانية الثانية، وصل سالم ما فيه شيء.
قال: قلت لكم سكر عقيل ما يغرق، قال: أخذتها من النبي، "حصّنوا أموالكم بالزكاة، وداووا مرضاكم بالصدقة"، وقال: "ما تلف مال في بر أو بحر إلا بمنع الزكاة" وأنا أعرف نفسي أزكي تمام، أخرّج الزكاة ثلاث مرات، لكل سنة يزكي ثلاث مرات، يكرر الزكاة ويضعها في محلها غير إنفاقاته الأخرى، فلهذا حُفِظ ماله، سبحان الله..
وكان واحد يبيع اللبن، يغش يحط قليل ماء فيه، يبيع ويشتري يصلّح له تجارة، حتى كان يوم سافر مال حقه -رأس المال- سافر به في البحر، إلا وقرد وسط السفينة يجيء ويأخذ كيس الدراهم حق الرجال ويطلع إلى فوق رأس الدَّقَل فوق الحبل، ما يقدر يصل إليه، ويفتح الكيس، ويأخذ درهم يرميه عنده في السفينة، والثاني في الماء، واحد هنا وواحد هنا، واحد هنا وواحد هنا…
كان عنده ولده يقول: شوف يا أبوي حق الماء هذا الذي تحطه، حق الماء للماء! هذا الذي تحط الماء في اللبن الآن الدرهم حقه في الماء، واحد يعطيك إياه وواحد يحطه في الماء، حق الماء للماء! وما معه إلا يتشوَّف ويتفرج عليه، الذي يرميه عنده يمسكه، والذي يرميه في البحر، في البحر من أين يجيء به؟!.. قَسَم نصفين، نصف له ونصف للماء، من أجل العبرة، سبحان الله!
قال بعض الأنبياء: ربِّ أرني مظهر من مظاهر عدلك بين خلقك في الدنيا، قال: تحب ذلك؟ قال: نعم، قال: اذهب في وقت كذا، ساعة كذا، في المكان الفلاني، وانظر ما يجري على شاطئ النهر من بعيد، ولا تتكلم ولا تُحدِث شيء. قال: مرحبا، فذهب هذا النبي ينظر، وإذا شاب يجيء يريد يغتسل في النهر، ومعه صرة فيها دراهم كثيرة حطّها، تغسّل، طلع لبس ثيابه ونسي الصرة، وركب على فرسه ومشى، وهذا يشوف الصُرّة مطروحة والرجال راح...الله قال له: تفرّج ما تتكلم واسكت ساكت، سكت من بعيد يتفرج، إلا وواحد شاب ثاني يجيء، حَصّل الصُرّة أخذها وراح، لا حول ولا قوة إلا بالله! أنا قلت لربي يريني العدل والآن سرقات هذه …
إلا واحد شايب يجيء، شيبة مسكين، يخفّف ثيابه، ينزل في النهر يتغسل، إلا والرجل على الفرس الأول الذي نسي حقه الدراهم وصل. يا شايب! أين كيس الدراهم حقي كان هنا؟ قال: ما رأيت شيء. قال: ما رأيت؟! إلا، صُرّة أنا نسيتها هنا، ما أحد جاء بعدي إلا أنت أخذتها، قال: يا ولدي، أنا ما رأيت شيء، جئت ما حصّلت شيء هنا وجئت تغسلت، قال: أحسن لك هاتها، قال: ما عندي، ضربه، قتله!... قال: يا رب كيف العدل! واحد يَسرِق، والثاني يُقتَل، وليس هو الذي سرق!
فأوحى الله إليه: إنّ ذاك الشاب الأول كان أبوه قد سرقَ على والد الشاب الثاني بمقدار الدراهم التي في الصُرّة، واليوم رجّعتها لوارثه. تعجّب.. وإنّ هذا الشايب كان قد اغتال والد هذا الشاب خفية، وما عَلِم أحد مَن قَتَلَه، الناس ما علموا، أنا علمت، فاليوم مكّنتُ ولده يقتصّ لأبيه. تراه عدل؟!... سبحانك ما تبلغ العقول كُنهَ تدبيرك في كونك. لا إله إلّا الله.
كل شيء بحسابه، لا تحسب أنّ الكون مفلوت، الكون فوقه حيّ قيوم، حيٌّ قيّوم قائم على مملكته، ما فيه عبث، كل شيء بحسابه، (وَنَضَعُ الْمَوَازِينَ الْقِسْطَ لِيَوْمِ الْقِيَامَةِ فَلَا تُظْلَمُ نَفْسٌ شَيْئًا ۖ وَإِن كَانَ مِثْقَالَ حَبَّةٍ مِّنْ خَرْدَلٍ أَتَيْنَا بِهَا ۗ وَكَفَىٰ بِنَا حَاسِبِينَ) [الأنبياء:47].
إذًا تعلّم الإنفاق يُنفَق عليك. وقالوا في شأن الدنيا:
فلا الجود يفنيها إذا هي أقبلت *** ولا البخل يبقيها إذا هي تدبِرُ
وقال ﷺ: "ثلاثٌ أحلف عليهن.." وهو صادق بلا حَلِف، "ثلاثٌ أحلف عليهن،… ما زادَ الله عبدًا بعفوٍّ إلا عِزّا"؛ كل من عفا عن حق من حقوقه يعزّه الله "ما زاد الله عبدًا بعفو إلا عزا"، "وما نقصَ مالٌ من صدقة" ما نقص مال من صدقة .."ولا فتح أحد على نفسه باب مسألة للناس إلا فتح الله عليه باب فقر"؛ وكلما ازداد في السؤال ازداد فقر.
ولذا قال قائل:
لا تسألن بُنِيّ آدمَ حاجةً *** وسَلِ الذي أبوابُه لا تُحجبُ
الله يغضبُ إن تركتَ سؤالَهُ *** وبُنِيّ آدم حين يُسأل يغضبُ
الآدمي إذا تسأله ثاني مرة، ثالث مرة… يغضب عليك، لكن ربك… "إنّ الله يحب الملحّين في الدعاء"، كل ما تطلب يفرح، "من لم يسأل الله يغضب عليه"، "من لا يدعو الله يغضب عليه".
الله يغضبُ إن تركتَ سؤالَهُ *** وبُنِيّ آدم حين يُسأل يغضبُ
وقد مشى بعض الشيوخ الصالحين الشيخ أحمد بن عبد اللطيف باجابر، وإذا بصورة سائل قدامه يقول: أعطني. أعطاه، قال: عادك أعطنا. أعطاه، أخذ كل ما معه من الدراهم، ما بقي معه درهم، قال: والرادي، أعطاه إياه، قال: الملحفة التي عليك، فأعطاه.. خلاص ما عاد باقي إلا ثيابه الضرورية، وآخر شيء أعطاه الملحفة، قال له: ما ألحفك من سائل! قال: وأنت ما أسخاك من شيخ! واعلم أني الخضر، ووعدك الليلة عند المسجد، عند المنارة في المكان الشرقي، تجيء إلى هناك وأعاهدك، ويكون فتحً الله عليك، أنت صادق..
الشيخ بامخرمة هنا في سيئون - وقد أطلعه الله على الحادثة أو الواقعة- أنشد يقول:
يا ابن عبد اللطيف إني مِعي لك بشارة *** نجدي الحصن في الشرق حوال المنارة
حد بلا كيل تسعى له وحد بالمحارة
قال أحد الله يعطيه عطاء كثير، وحَد… ، يبسط الرزق لمن يشاء ويقدر، الظاهر والباطن، الحسي والمعنوي، فعلِّق قلبك بالله، واعطِ لله، وامنع لله، قال: "من أحب لله، وأبغض لله، وأعطى لله، ومنع لله، فقد استكمل الإيمان".
"وقد كان للقدوة الحسنة في هذا الباب أكمل المواقف وأجل الشواهد، يقول جابر بن عبد الله: ما سُئل رسول الله ﷺ عن شيء فقال لا. وعن أنس أن رجلا سأله، فأعطاه غنمًا بين جبلين. فرجع إلى قومه، وقال: أسلموا، فإن محمدًا يعطى عطاءَ من لا يخشى فاقة. وأعطى غيرَ واحدٍ مائة من الإبل، وأعطى صفوان مائة ثم مائة ثم مائة.
وهذه كانت خُلقُه ﷺ قبل أن يُبعث، وقد قال له ورقة بن نوفل: إنك تحمِلُ الكَلَّ، وتَكسِبُ المعدوم. وردَّ على هوازن سباياها، وكانت ستة آلاف، وأعطى العباس من الذهب مالم يطق حمله، وحُمِل اليه ٩٠ ألف درهم فوُضِعَت على حصير، ثم قام إليها فقسمها، فما ردّ سائلا حتى فرغ منها. وجاءه رجل فسأله، فقال: ما عندي شيء؛ ولكن ابتع عليّ، فإذا جاءنا شيء قضيناه، فقال له عمر: ما كلفك الله ما لا تقدر عليه. فَكَرِهَ النبي ﷺ ذلك، فقال رجل من الأنصار: يا رسول الله أَنفِق، ولا تخشَ من ذي العرش إقلالاً. فتبسّم رسول الله ﷺ، وعُرِفَ البِشرُ في وجهه، وقال: " بهذا أُمرت" ذكره الترمذي .
روى البخاري عن أبي هريرة -رضي الله تعالى عنه- قال: قال رسول الله ﷺ: "لو كان لي مثل أُحد ذهبًا لسرّني أن يَمر علي ثلاث ليال وما عندي منه شيء إلا شيءٌ أرصده لدَينٍ".
وروى البخاري عن عقبة بن الحارث قال: صليت وراء النبي ﷺ بالمدينة العصر، فسَلّمَ، ثم قام مسرعًا، فتخطّى رقاب الناس إلى بعض حُجَرِ نسائه، ففزع الناس من سرعته، فخرج إليهم، فرأى أنهم قد عجبوا من سرعته، قال: ذكرتُ شيئًا من تِبرٍ عندنا فكرهتُ أن يحبسني فأََمرت بقسمته."
صلوات ربي وسلامه عليه.
وفي السخاء كأنه البحر زخر*** يعطي مَئينًا وألوفًا من حضر
وما اصطفى لنفسه وما ادّخر *** إلا يسيرًا وهو ذو العيال
صلوات ربي وسلامه عليه
هو الزاهد الملقي الدنياه خلفه *** هو المجتزي منها بزاد المسافر
وباذلها جودًا بها وسماحة *** بكفٍّ نداها كالسحاب المواطر
أسخى الخلق ﷺ، كان أجود الناس، وكان أجود ما يكون في رمضان، فهو حين يلقاه جبريل في رمضان أجود بالخير من الريح المرسلة، صلوات ربي وسلامه عليه.
نظر بعضهم إلى غنم كثير ملأ الوادي بين جبلين، تعجب وقال: لمن هذا؟ قال: هو لك هو لك، قال: لي؟ قال: نعم، هذا كله؟! هذا كله.. راح يصيح عند قومه: أسلموا أسلموا، فإن محمد يعطي عطاء من لا يخشى فاقة، من لا يخاف فقر ولا فاقة، محمد ﷺ. وهكذا كمّل التسعين الألف درهم وأنفقها، بعدين جاء واحد قال: الآن ما عندي شيء ولكن ابتع علي، اشترعلى ذمّتي، دَين علي، إذا جاء شيء نقضي الدَّين لك.
ويوم قسّم مال البحرين، قال: لسيدنا العباس خذ ما تطيق من الذهب، حَمل حَمل كثير ما قدر، قال: دع أحد من أصحابك يساعدني، قال: لا، خذ ما تطيق فقط! صار ينزل ينزل ينزل حتى طاق حمله، ثم مشى، فأتبعه النبي ببصره.
وكان مصداق قوله: (قُل لمَن فِي أَيْدِيكُم مِّنَ الْأَسْرَى إِن يَعْلَمِ اللهُ فِي قُلُوبِكُمْ خَيْرًا يُؤْتِكُمْ خَيْرًا مِّمَّا أَحَدٌ مِنكُمْ) [الأنفال:70]، فدى نفسُه، وفدى ابن أخيه عقيل بن أبي طالب في الأسرى يوم بدر، وقال: من أين أفدي ابن أخي ونفسي عاده.. ما عندي شيء؟! قال: والمال الذي دفنته في محل كذا، وقلت لزوجتك أم الفضل إن أنا مُتّ… قال: قد علمنا أنك رسول الله! فدى نفسه وفدى ابن أخيه، وأنزل الله: (قُل لمَن فِي أَيْدِيكُم مِّنَ الْأَسْرَى إِن يَعْلَمِ اللهُ فِي قُلُوبِكُمْ خَيْرًا يُؤْتِكُمْ خَيْرًا مِّمَّا أُخِذَ مِنكُمْ وَيَغْفِرْ لَكُمْ) [الأنفال:70]، فلما كان يوم البحرين، قال: تعال يا عباس، خُذ أحسن من الذي أنفقته هذاك، فأخذ مقدار ما يحمله هو، وهو كبير الجسد يحمل كثير، كان إذا هو على الأرض وراكب على الجمل، يستطيع يقبّل رأسه وهو على الأرض وهذا راكب فوق الجمل، ويستطيع من على الأرض يقبل رأس هذاك! رضي الله عنه.
بعد ما قسّم قسّم كمّل، خرج، دخل إلى البيت، وهو صائم ذاك اليوم وأهله صيام، السيدة عائشة قالت: ما تركت لنا من هذا الذي قسمته اليوم شيء نفطر عليه؟ قال: لو ذكرتيني وبقي شيء لتركت لكم ما تفطرون عليه. فتعلمَت منه، وسَرَت الأخلاق إليها، تُوفي ﷺ ومرت السنين، أرسل إليها بعض الأمراء ألوف من الدراهم، صَرّتها في الصُّرَر، قسمتها قسمتها، جاء وقت الفِطر، قالت الخادمة حقها: يا أم المؤمنين لو تركتِ لنا مما قسمتِ اليوم درهمين نفطرعليها؟ قالت: لو ذكرتيني وباقي شيء كان تركت ما نفطر عليه! أخلاقه سَرَت إليها، فتشربت إليهم، رضي الله عنهم، عجيب.. صلى الله عليه وعلى آله وصحبه وسلم.
"أنفِق ولا تخشَ من ذي العرش إقلالا" فاستنار وجهه، فرح بهذا الكلام، سيدنا عمر قال: له ما كلّف الله عليك، قد قسمت ويجيء ذا يقول لك أعطِنا تقول ابتع على ذمتي!. ما فرح النبي بهذا، قال له الأنصاري: "يا رسول الله أَنفِق، ولا تخشَ من ذي العرش إقلالاً. فتبسّم"، وأعجبه هذه الهِمّة وهذا السخاء، صلى الله عليه وآله وصحبه وسلم.
الحمد لله معنا الرب الكريم والنبي الكريم فما نضيع بين الإثنين.
اللهم أكرمنا بنبيّك، وبحقّه عليك وفّر حظّنا من كرمك في رمضان هذا، وفي العشر هذه، وفي هذا الختام لهذه الدورة، ألا يا الله بنظرة في هذا الختام لهذه الدورة ألا يالله بنظرة، تصلح لنا الشأن كله سِرًّا وجهرًا، أوله وآخره باطنه وظاهره، يا أرحم الراحمين.
26 مُحرَّم 1434