القدوة الحسنة في منهج الدعوة إلى الله -13- الخاتمة

شرح كتاب القدوة الحسنة - الدرس الثالث عشر والأخير - الخاتمة
للاستماع إلى الدرس

شرح الحبيب العلامة عمر بن محمد بن حفيظ على كتاب القدوة الحسنة في منهج الدعوة إلى الله للسيد محمد بن علوي المالكي، يتحدث عن مسائل مهمة عن منهج الدعوة الإسلامية وحقيقة القدوة الحسنة في سبيلها.

الدرس الثالث عشر : الخاتمة.

 

نص الدرس مكتوب:

 

"الخاتمة"

يالله بحسن الخاتمة، يالله بحسن الخاتمة، يالله بحسن الخاتمة.

لكل درس خاتمة، ولكل كتاب خاتمة، ولكل يوم خاتمة، ولكل ليلة خاتمة، وللدورة خاتمة، وللعمر خاتمة ويالله بحسن الخاتمة... يُذكر في الأثر أن إبليس قال: قصم ظهري الذي يسأل الله حسن الخاتمة، أقول متى يعجب هذا بعمله؟ ما دام يخاف الخاتمة، أخشى أن يكون قد فطن؛ أدرك الحقيقة.. نسأل الله كمال حسن الخاتمة، حسن الخواتيم كلها، اللهم أحسن عاقبتنا وأحسن خاتمتنا في الأمور كلها، وأجرنا من خزي الدنيا وعذاب الآخرة.

 

"إن هذه السيرة العطرة في شخصية هذا النبي ﷺ وصحبه الكرام -رضوان الله عليهم- ترسم المنهج السويّ والطريق المستقيم والسنن الواضحة لدعاة الصلاح والإصلاح وأساتذة الإرشاد والتعليم، وتضمن لهم إن ساروا عليها النجاح والفلاح وتحقيق المرام على أكمل وجه وأحسنه.

وإن هذا الفراغ الفكري والخلاء الهائل المهيمن على العقول عن هذه السيرة الكريمة، وعن هذا التاريخ الإسلامي المجيد الذي خرّج أمثال أولئك الأبطال الغر الميامين والغزاة الفاتحين قادة العالم وأساتذة الحضارة الإسلامية، حماة الإسلام، الأعزة الأتقياء الذين قادوا العالم ودكوا العروش وفتحوا البلدان وثقفوا بالمعارف الأذهان وأسسوا حضارة إسلامية مزدهرة على تقوى من الله ورضوان وبنوا صرح دولة إسلامية عتيدة من الشرق الى الغرب.

 

رضي الله تعالى عنهم وأرضاهم.

لا يزال النجاح مربوطٌ بالاقتداء بهم وبمتابعتهم وبسيْرهم، فإن أصلهم وأساسهم رسول الله محمد، وهو في ذاته الكريمة الترجمة العظمى المُثلى الكبرى، الأتقن والأحسن للعمل بالتنزيل والسنة، هو ذاته المطهرة.

وإنما استقى منها صحابته استفادوا بالنظر، واستفادوا بالسماع، واستفادوا بالجلوس، واستفادوا بالنظرات، واستفادوا بالمصافحة، واستفادوا بالسفر، واستفادوا معه بالإقامة، واستفادوا بالأكل معه، واستفادوا بالشرب معه، واستفادوا من الدخول والخروج معه، استفادوا من لحظاته، واستفادوا من نظراته، واستفادوا من هِمّاته، واستفادوا من دعواته، واستفادوا من نياته، واستفادوا من مجالساته، واستفادوا من تربيته، واستفادوا من تزكيته، واستفادوا من تعليمه، واستفادوا من تقويمه، واستفادوا من بيانه، واستفادوا من ذاته، واستفادوا مما يصدر عن ذاته ﷺ. 

فكانوا خير من يُقرأ فيهم هذا السيْر وذلك السر، فلذلك أثبت الله لهم التبعية وعد عليها الجنة، قال تعالى: (وَالسَّابِقُونَ الْأَوَّلُونَ مِنَ الْمُهَاجِرِينَ وَالْأَنصَارِ وَالَّذِينَ اتَّبَعُوهُم بِإِحْسَانٍ)،. فجعلهم قدوة وجعلهم مرجعية وجعلهم تبعية إلى يوم القيامة. (وَالَّذِينَ اتَّبَعُوهُم بِإِحْسَانٍ رَّضِيَ اللَّهُ عَنْهُمْ وَرَضُوا عَنْهُ وَأَعَدَّ لَهُمْ جَنَّاتٍ تَجْرِي تَحْتَهَا الْأَنْهَارُ خَالِدِينَ فِيهَا أَبَدًا ۚ ذَٰلِكَ الْفَوْزُ الْعَظِيمُ) [التوبة:100] اللهم اجعلنا من أهل الفوز العظيم.

غيْبة سيرهم وأخلاقهم وطريقة تفكيرهم ونظرهم وكيفية تطبيقهم لوحي الله وسُنة نبيه، غيبة هذا عن أذهان المسلمين؛ هو الذي أوقع المسلمين في ورطات وهو من أقوى أسباب ما سُمّي بالأمية في الدين، الأمية في الدين؛ الجهل بحقائق الدين عند المسلمين. اكتفوا بالصورة؛ صلِّ، صُم… وحتى الصورة صلحوا هم وإياها مصارعة! حتى صورة الإسلام صلحوا وإياها مصارعة ما استقاموا كلهم عليها، أين روح الإسلام؟ وأين حقيقة الإسلام؟.

إذا غابت عن الأذهان سِيَر هؤلاء، وأخلاق هؤلاء، ومسالك هؤلاء، وطريقة تفكير هؤلاء، ومعالجة هؤلاء لقضايا البشرية بأدوية الوحي، كانوا يعالجون قضايا البشر بأدوية الوحي، إذا غابت هذه عن الأذهان، صار فهمنا في الدين ناقص، وما تصوّرنا منه حقيقة، فلا بد من الرجوع إليهم وإلى سِيَرهم وإلى أخلاقهم، كم جُهِّل المسلمون بهم! وفي بعض الدول الكافرة في بعض جامعاتهم منها دراسات عليا في التاريخ ومنها يُدرَس تاريخ الإسلام ففي كلية من تلك الجامعة إذا أرادوا تدريس تاريخ الإسلام، قالوا: من متخصص في تاريخ الإسلام من المسلمين؟ ما حصلوا أحد!..

في الدولة عدد من المسلمين، لكن منهم متخصص في الرياضيات متخصص في الهندسة متخصص في الطيران، تاريخ الإسلام؟  ما في أحد، .. طيب من غير المسلمين؟ موجود يهودي! فجاؤوا بيهودي يدرس تاريخ الإسلام، على أي تاريخ يؤمن هذا اليهودي؟! فصار يُلقي بكيفه وقائع التاريخ ويطلع وينزل و يلعب بالعقول ويشوّه صورة الإسلام، لأن المسلمين ما يعرفون تاريخهم، ما حصلّوا متخصص في التاريخ يحمل شهادة تمكّنه أن يدخل أن يدرّس تلك المادة في تلك الجامعة، فجاؤوا بمن يحمل من هو ؟ يهودي! تفضل درس المسلمين وغير المسلمين إيش الإسلام!

وهو بحكم مبدؤه قد يحمل عداء، إذا حمل العداء كيف يؤمن على أن يذكر الحقيقة أو أن يُنصف؟! ولكن هكذا عقول المسلمين فين راحت؟ وضيعوا تاريخهم وضيعوا أنفسهم، ضيعوا سيرهم، ما دروا أن الأمم التي تعيش معنا اليوم، كل الأمم الموجودة معنا ليس لديهم تاريخ أعمق من تاريخنا، أبدًا ولا أنقى ولا أشرف ولا أطهر.

أيام وضعت هذه اللبنات البيضاء في الحضارة الإنسانية الإسلامية، كانت هذه الطوائف في غاية الظلام، في غاية الجهالة، في غاية الأميّة، في غاية التعاسة، في غاية البؤس والبأساء، ومع ذلك يحاولون يحافظون على تاريخهم. ووجدناهم في دولهم حتى بيت له خمسين سنة، ستين سنة وكان سكن فيه أحد من أهل الدولة حقهم؛ سابقين، لا بد يحافظوا عليه هذا تراث. فإذا يسكن فيه واحد؛ شروط من الحكومة ما يغيّر مَعْلم من المعالم، ما ينقص شيء من هذا وما يزيد؛ محافظةً على التراث، ما لهم تراث!

لكن عندنا التراث من ألف وأربعمائة سنة ونحن نطحنه طحن ونعجنه عجن ونلعب به لعب… وكلما جاؤوا إلى أثر ومَعْلم من معالم الصحابة والتابعين وتابع التابعين، وبل المساجد القديمة في بلاد المسلمين شيء له ستمائة سنة وشيء له سبعمائة سنة، قالوا: هدّوه وصلحوا واحد مسلّح! وبعدين وأين التراث؟ والتراث ينطمس ينطمس ينطمس.. حتى كأن لا ماضي لهم.

وكم تفعل المعالم في إحياء الحقائق وإحياء المعاني، كم تفعل؟…علم ذلك كل من شعر بمشاعر الإنسانية والتأثيرات المعنوية عليها، ولكن يذكر الفاكهي في تاريخ مكة -وفيها أعظم المعالم-: لا تقوم الساعة حتى تُبعَج جبال مكة. وفي اللفظ الآخر: لا تقوم الساعة  -يقول- حتى تُخرّم جبال مكة! فرأينا في سنواتنا هذه أنفاق في الجبال وتهديم لبعض الجبال؛ التخريم هنا والبعج هنا.

وصدق الذي تكلم قبل ألف وأربعمئة سنة، في وقته عاد لا أحد يبعج الجبال ولا أحد يخرمها، تخرّمت وصارت أنفاق طويلة، وبُعجت بعضها كان جبل، أصبح غير موجود من أصله. وذكروا علامة لاقتراب الساعة وقدها قريبة، لا نسبة بين ما يبقى من عمر الدنيا بالنسبة لما مضى.. لا نسبة.

لا تقل لي واحد في المئة ولا واحد في الألف ولا واحد في المليون…أقل. بالنسبة لما مضى والباقي إلى أن تقوم الساعة، وإن كان سنين لكن نسبته لما مضى ضئيلة جدًا، الدنيا وحياتها صارت كالعجوز في آخر عمرها من حين بعثة النبي عاد باقي السنوات ذي التي بعده حق القرون هذا قليلة، قليلة جدًا، بالنسبة للماضي (وَقُرُونًا بَيْنَ ذَٰلِكَ كَثِيرًا * وَكُلًّا ضَرَبْنَا لَهُ الْأَمْثَالَ ۖ وَكُلًّا تَبَّرْنَا تَتْبِيرًا) [الفرقان:38-39]

"ما أنتم في الأمم قبلكم إلا كالشعرة البيضاء في جلد الثور الأسود" يقول ﷺ. (وَكَمْ أَهْلَكْنَا مِنَ الْقُرُونِ مِن بَعْدِ نُوحٍ ۗ)[الإسراء:17]...وَكَمْ أَهْلَكْنَا؟ (وَالَّذِينَ مِن بَعْدِهِمْ ۛ لَا يَعْلَمُهُمْ إِلَّا اللَّهُ ۚ )[إبراهيم:9]، طوائف طوائف طوائف… إيش تريد؟ مثلك، أسمن منك وأنحف منك وأكبر منك وأطول منك وأقصر منك ومثل تفكيرك وفوق زائد وأقل كلهم مضوا … (وَلَقَدْ أَهْلَكْنَا أَشْيَاعَكُمْ) أمثالكم ونظراؤكم كثير قد تقصموا كلهم روّحوا، انطوّوا (وَلَقَدْ أَهْلَكْنَا أَشْيَاعَكُمْ فَهَلْ مِن مُّدَّكِرٍ)[القمر:51]

كم جاؤوا مثلك؟! لذا يقول المذكّر الذي يبعث الاعتبار يقول على لسان حال النعش الذي اعتاده الناس لحمل موتاهم عليه: يقول إن هذا يقول: 

انظر إليَ بعقلك *** أنا المُهيأ لنقلك 

أنا سرير المنايا *** كم سار مثلي بمثلك؟!

واحد يمشي في جنازة فيها سيدنا الحسن البصري كان يقول من الميت؟ التفت سيدنا الحسن قال أنا وأنت وهؤلاء…من الميت! الميت واحد هو؟! (إِنَّكَ مَيِّتٌ وَإِنَّهُم مَّيِّتُونَ)[الزمر:30]، كلهم أموات، اعتبر ذا الحين وادّكر بدل تتخبر من الميت؟ تعال احضر باعتبار وادكار، أنا ميت وأنت ميت وهؤلاء كلهم ميتون، من الميت! ونحن كلنا أموات، لكن بخت من قدم إحسان.

لا بد من الرجعة إلى سِيَر هؤلاء وأخلاقهم ومعاملتهم، هم عزنا وشرفنا. واجب كل مهندس من المسلمين، كل طيار من المسلمين، كل صانع من المسلمين، كل بنّاء من المسلمين، كل مزارع من المسلمين، يحمل ذهنه أخبار كثيرة عن تاريخ هؤلاء، واجب عليه يحمل تاريخ هؤلاء، حشوّا أفكار المسلمين الزراع والتجار والصناع بمسلسلات فيها سلسلات من ظلمات! إيش هذا ؟! إيش الحشوّ هذا؟ إيش الحشوّ للأذهان بالسواقط، حشوّ الأذهان بالتوافه! يجب تُحشى الأذهان بأخبار أهل العرفان، ورجال القرب من الرحمن، وأهل الترجمة للعمل بالقرآن والعمل بسنة سيد الأكوان ﷺ. الله ينظر إلينا وإلى المسلمين ويحيي ما مات ويرد ما فات.

 

"هذا الفراغ عن هذه السيرة أمر له خطره الجسيم، وعاقبته الوخيمة ونتيجته السيئة في الأمة الإسلامية إن لم نرجع إلى سيرة مجدنا القديم ونستمد حضارتنا من أصول تلك الحضارة العريقة، ونكون على صلة وثيقة تامة بأبطالنا ورجالنا وتاريخ حياتهم الذين تخرّجوا في مدرسة الإنسان الكامل ﷺ، فهم الذين لا يؤخذ إلا عنهم ولا يقتدى إلا بهم، ولا يسمع إلا لهم، ولا يصلحلنا حال إلا بما صلح حالهم به."

 

إنه لن يصلح آخر هذه الأمة إلا بما صلح به أولها! فلا بد من ذلك الرجوع، وهم من اكتملت فيهم مواريث النبوة بعد أن اكتملت النبوة "مثلي ومثل الأنبياء قبلي كمثل ملك ابتنى دارًا فأحسن بناءها إلا موضع لبنة، فجعل الناس يدخلونها ويتعجبون، ما أحسن هذا إلا موضع هذه اللبنة، قال: فأنا موضع تلك اللبنة"؛ کمل به بناء النبوة، كملت به النبوة وأداء المهمة في العالم الإنساني، فإذًا؛ فلنأخذ البناء على الكمال نبني على هذا الكمال الإنساني.

كملت محاسنه فلو أهدى السنا *** للبدر عند تمامه لم يخسف

وعلى تفنن واصفيه بوصفه*** يفنى الزمان وفيه ما لم يوصف

قال تعالى: (إِنَّهُمْ كَانُوا يُسَارِعُونَ فِي الْخَيْرَاتِ وَيَدْعُونَنَا رَغَبًا وَرَهَبًا ۖ وَكَانُوا لَنَا خَاشِعِينَ)[الأنبياء:90]، وقال: (وَجَعَلْنَاهُمْ أَئِمَّةً يَهْدُونَ بِأَمْرِنَا وَأَوْحَيْنَا إِلَيْهِمْ فِعْلَ الْخَيْرَاتِ وَإِقَامَ الصَّلَاةِ وَإِيتَاءَ الزَّكَاةِ ۖ وَكَانُوا لَنَا عَابِدِينَ)[الأنبياء:73].

هذا وصفهم: (مُّحَمَّدٌ رَّسُولُ اللَّهِ ۚ وَالَّذِينَ مَعَهُ أَشِدَّاءُ عَلَى الْكُفَّارِ رُحَمَاءُ بَيْنَهُمْ ۖ تَرَاهُمْ) تراهم تراهم (رُكَّعًا سُجَّدًا)، إن رأيتهم رأيت الركوع والسجود، قد برز من قلوبهم نور الركوع والسجود على وجوههم وعلى رمشات عيونهم وعلى لفتاتهم وعلى حركاتهم، (تَرَاهُمْ رُكَّعًا سُجَّدًا يَبْتَغُونَ فَضْلًا مِّنَ اللَّهِ وَرِضْوَانًا ۖ) رسموا الأهداف أمامهم، وضعوا الأهداف (يَبْتَغُونَ فَضْلًا مِّنَ اللَّهِ وَرِضْوَانًا ۖ) واتصفوا بصفة العضوية في الجندية لله؛ (سِيمَاهُمْ فِي وُجُوهِهِم مِّنْ أَثَرِ السُّجُودِ ۚ) (سِيمَاهُمْ فِي وُجُوهِهِم مِّنْ أَثَرِ السُّجُودِ ۚ)[الفتح:29].

فوا أسفي إن مت من قبل أن أرى*** وجوهًا عليها نور علم وخشيةِ

 

وجوه عليها للقبول علامةٌ *** وليس على كل الوجوه قبولُ

قال الكافر الهولندي وهو يمشي في بعض شوارع إندونيسيا فلقوا صادفوا خروج الحبيب محمد بن أحمد المحضار، خرج بقلبه الخاشع ووجه المنير اللامع، والذي أشبه في بعض شؤون خلقته الوجه النبوي ، فلما لقوه في الطريق وقفوا ينظرون، قال: ممن هذا؟ قال: منا المسلمين، قال: نعم منكم المسلمين لكن هذه الأيام عندكم افتراق، افترقتوا هذا من من؟ قالوا: فرقة كذا، قال: أصحاب هذا على الحق، قالوا: من أين تعرف؟! قال: هذا الوجه ما يكون إلا في حق، قال نبيكم مثل هذا؟ قال: هذا فرع من فروعه، واحد من ذريته ما يساوي شيء بالنسبة له، قال: هذا وجه الحق.

"من نظر في وجهه علم أنه ليس بوجه كذاب" ﷺ، وهذا سِرّه في الصحابة وآل البيت والصالحين في أمّته تسري سرايات نوره إليهم ﷺ.

لو وقعت عينك على قدم صحابي لهزّتك بما يحمل قلب صاحبها من سر المحبة، سر التعلق؛ كانت تحولت حياتهم، بيوتهم وخارج بيوتهم: الله ورسوله… الله ورسوله… الله ورسوله…الفكر الله ورسوله، الكلام الله ورسوله، العمل على منهج الله ورسوله، الحديث عن الله ورسوله، المراد الله ورسوله، ومن كانت هجرته إلى الله ورسوله، (وَإِن كُنتُنَّ تُرِدْنَ اللَّهَ وَرَسُولَهُ وَالدَّارَ الْآخِرَةَ)[الأحزاب:29] اللهم صل على سيدنا محمد،  الله ورسوله.

تجلس مع صحابي ما تحس إلا الله ورسوله، تنظر إليه ما تشوف إلا الله ورسوله، تسمع كلامهم ما تسمع إلا الله ورسوله، الله ورسوله، الله ورسوله… كلهم مشاعرهم كلها الله ورسوله، محبتهم كلها الله ورسوله، وجهتهم كلها الله ورسوله! (وَاللَّهُ وَرَسُولُهُ أَحَقُّ أَن يُرْضُوهُ إِن كَانُوا مُؤْمِنِينَ)[التوبة:62]. وكانوا سادة المؤمنين فما يقدمون شيء على رضا الله ورسوله! الله الله الله ...

(وَإِن كُنتُنَّ تُرِدْنَ اللَّهَ وَرَسُولَهُ وَالدَّارَ الْآخِرَةَ فَإِنَّ اللَّهَ أَعَدَّ لِلْمُحْسِنَاتِ مِنكُنَّ أَجْرًا عَظِيمًا)[الأحزاب:29] الله أكبر!.. وأنتم تريدون من؟ أنتم تحبون من؟ أنتم تنظرون إلى من؟ وأنتم تتعلقون بمن؟ وأنتم تودّون من؟ وأنتم أحاسيسكم تنصرف إلى من؟ الله ينظر إلينا وإليكم.

بعض الناس مرميين بعيد عن الله ورسوله، في ذي الليالي ينظر إليهم ربكم نظرة يقرّبهم إلى الله ورسوله.. خلاص يرجعون من بعد رمضان وهم: الله ورسوله، الله ورسوله… حتى يأتي أحدهم الموت ويقول كما قال سيدنا بلال: واطرباه واطرباه غدًا ألقى الأحبة محمدا وحزبه…واطرباه.

في مثل يوم أمس كان في هذه الأيام في رمضان أو في غيره من الأيام توفي شيخنا الحبيب عبد الله بن حسن بلفقيه فكانوا يسمعونه قبيل الموت يقول: هذا رسول الله مرحبًا برسول الله، ثم يموت… الله ورسوله، ما يقدمون شيء عليه! (قُلْ إِن كَانَ آبَاؤُكُمْ وَأَبْنَاؤُكُمْ وَإِخْوَانُكُمْ وَأَزْوَاجُكُمْ وَعَشِيرَتُكُمْ وَأَمْوَالٌ اقْتَرَفْتُمُوهَا وَتِجَارَةٌ تَخْشَوْنَ كَسَادَهَا وَمَسَاكِنُ تَرْضَوْنَهَا أَحَبَّ إِلَيْكُم مِّنَ اللَّهِ وَرَسُولِهِ وَجِهَادٍ فِي سَبِيلِهِ فَتَرَبَّصُوا حَتَّىٰ يَأْتِيَ اللَّهُ بِأَمْرِهِ ۗ وَاللَّهُ لَا يَهْدِي الْقَوْمَ الْفَاسِقِينَ)[التوبة:24].

عسى يربطكم الله به وبرسوله، ويقرّبكم إليه وإلى رسوله، ويرضى عنكم ويُرضي عنكم رسوله، آمين يا الله وجميع الحاضرين والسامعين والمحبّين والمتوجّهين اللهم أكرمنا وإياهم، أتحفنا من عندك تحفة رمضانية إحسانية ربانية رحمانية نعيش بها ونحيا ونموت على محبتك ومحبة رسولك دون سواكما يالله يالله يالله…

هل شيء أعز من ربك ورسوله يدخل قلبك؟… نسألك اللهم أن تبعث لهذا الدين الراعي الأمين القائم الرشيد الذي يعيد لنا به المجد ويبعث فينا منه النهضة ويجمع الشتات ويرفع الرايات ويصلح الأمة ويكشف الغمة ويأمر بالمعروف وينهى عن المنكر، يقيم حكمك ويمضي أمرك وينشر عدلك ويغار على محارمك وينصر عبادك المؤمنين، آمين.

نسألك والي يقيم *** العدل كي نستقيم

على هداك القويم *** ولا نطيع اللعين

يا ربنا يا مجيب *** أنت السميع القريب

ضاق الوسيع الرحيب *** فانظر إلى المؤمنين

نظرة تزيل العنا *** عنا وتدني المنى 

منا وكل الهنا *** نُعطاه في كل حين

سالك بجاه الجدود *** والي يقيم الحدود

فينا ويكفي الحسود ** *ويدفع الظالمين

يزيل للمنكرات *** يقيم الصلوات

يأمر بالصالحات *** محبٌ للصالحين

يزيح كل الحرام *** يقهر كل الطغام

 يعدل بين الأنام *** ويؤمن الخائفين

 رب احيّنا شاكرين *** وتوفنا مسلمين

نبعث من الآمنين *** في زمرة السابقين 

بجاه طه الرسول *** جُد ربنا بالقبول

وهب لنا كل سول *** رب استجب لي آمين

عطاك ربي جزيل *** وكل فعلك جميل

وفيك أملنا طويل *** فجُد على الطامعين

يا رب ضاق الخناق *** من فعل ما لا يطاق

 فامنن بفك الغلاق *** لِمَن بذنبه رهين

واغفر لكل الذنوب *** واستر لكل العيوب

 واكشف لكل الكروب *** واكفِ أذى المؤذيين

واكفِ أذى المؤذيين، واكفِ أذى المؤذيين. 

واختم بأحسن ختام *** إذا دنا الانصرام

وحان حين الحمام *** وزاد رشح الجبين

ثم الصلاة والسلام *** على شفيع الأنام

والآل نعم الكرام *** والصحب والتابعين

صاحب هذه الدعوات الإمام عبد الله بن حسين بن طاهر، عند الموت أيضًا كانت زوجته تقول: لا إله إلا الله رجاء أن تذكّره، ففتح عينه وهو في السكرات، قال: إن قصدت ذكر الله فاذكريه كيف شئتِ، وإن قصدت تلقيني فقد امتزج التوحيد بلحمي ودمي! كان وِرده في كل يوم خمسة وعشرين ألف من لا إله إلا الله، خمسة وعشرين ألف يا الله يا الله، خمسة وعشرين ألف صلاة على النبي عشرة، عشرة أجزاء في صلاة الليل، وعشرة أجزاء في صلاة الضحى.

ولهذا بعد وفاته بأربعة عشر سنة جاؤوا قبره ولده توفي اسمه عبد الرحمن حفروا القبر، نزحة دقّت في الجانب القبلي، انهدّ الجدار وإذا به كما وُضع…هذا بعد أربعة عشر سنة، والحفّار هذا غلبه الشوق، قال: وخرّجت يده قبّلها وهو رطب ورائحته طيبة بعد أربعة عشر سنة من وفاته!

وراح يقوّم الجدار كمّله…سقط، ثاني مره قوّمه…سقط، قال إيش المشكلة هذه؟ ضبّط بناؤه كمله...سقط، تحيّر راح يسأل بعض أهل العلم، قال له بعض الصالحين عنده في القرية في المسيلة، قال له: خلاص ذهب الحجاب ما عاد يريدون حجاب بينهم، إيش عليك أنت؟! فضولي خلاص اسكت ساكت، اتركه حطه جنب أبوه وخلهم... سبحان الله! (بَلْ أَحْيَاءٌ عِندَ رَبِّهِمْ يُرْزَقُونَ)[آل عمران:169].

قال بعض علماء الحرمين للحبيب عبد الله بن عمر بن يحيى كيف وصف خالك عبد الله بن حسين؟ قال: تخلى عن المهلكات وتحلى بالمنجيات ووصفه الإحياء وزيادة!… ولكن سيرة مشوا عليها.

يقول في فضل الله عليه: ما أذكر أني فعلت مكروه ولا هممت به!…ليس حرام؛ مكروه مكروه، قال من قبل البلوغ إلى آخر عمره ما ذكرت أني فعلت مكروه ولا هممت به…سيرة مشوا عليها.

لهذا كان في الأدب مع الأخ وعاده طفل يلعبون من جملة لعب الصبيان، كان في البلد من سابق لعبة تسمى المَد؛ ومعناها: ينصبون هدف ويرمون عليه؛ مرمى مخصوص يأتي يهيئون له وفيه تعليم الرمي -الرماية-، وكان راميًا يُتقن الرمي، لكن إذا وقع هو في فريق وأخوه الأكبر منه في فريق ذاك يتعمد أن لا يصيب، لماذا؟ قال: أدب مع أخي الأكبر! أخي الأكبر في الفريق هذا، إذا أنا أصبت الهدف يكون الفريق حقهم نزل، يتعمد أن لا يصيب من أجل أخوه…أدب مع أخوه.

فكان إذا كانوا في بيت وأخوه في الطابق الأسفل ما يطلع الطابق الذي فوق، ليس أبوه ولا أمه إنما أخوه؛ أخوه الأكبر وما يطلع فوقه أدب مع الأخ وأخذ عنه. فإذا مشوا في الطريق فكأنهم إمام ومأموم.. أقبلوا يوم في الطريق وواحد من الصالحين معه ولده رأى وجهين منيرين أقبلا على خشية وخشوع، قال: يا ولدي من هؤلاء؟ قال: الحبيب طاهر بن حسين وأخوه الحبيب عبد الله بن حسين.. لاص بإذنه، قال: من هؤلاء؟ قال: أقولك يا والدي هذولا الحبيب طاهر بن حسين والحبيب عبد الله بن حسين..لاص بإذنه. قال: أوجعتنا، قال أقول لك: من هؤلاء؟ قال: أقولك طاهر بن حسين وعبد الله بن حسين، قال: انظر إليهم اقرأ (وَعِبَادُ الرَّحْمَٰنِ الَّذِينَ يَمْشُونَ عَلَى الْأَرْضِ هَوْنًا وَإِذَا خَاطَبَهُمُ الْجَاهِلُونَ قَالُوا سَلَامًا * وَالَّذِينَ يَبِيتُونَ لِرَبِّهِمْ سُجَّدًا وَقِيَامًا * وَالَّذِينَ يَقُولُونَ رَبَّنَا اصْرِفْ عَنَّا عَذَابَ جَهَنَّمَ ۖ إِنَّ عَذَابَهَا كَانَ غَرَامًا * إِنَّهَا سَاءَتْ مُسْتَقَرًّا وَمُقَامًا * وَالَّذِينَ إِذَا أَنفَقُوا لَمْ يُسْرِفُوا وَلَمْ يَقْتُرُوا وَكَانَ بَيْنَ ذَٰلِكَ قَوَامًا)[الفرقان:63-67]. وتلا عليه الآيات إحدى عشر وصف قال: شفها كلها فيهم الاثنين هؤلاء، فيهم كل هذه الأوصاف انظر إليهم، تملّى بهم.

فهكذا تربّوا... وكان الواحد منهم في مثل هذا البلد من حين ينشأ من الصغر إلى أن يموت يقلّب كل يوم عينه في وجوه الأخيار والصالحين والأبرار، طول عمره ما يرى وجه فاسق ولا كافر ما يشوف وجه فاسق ولا كافر طول عمره، كل يوم يصابح صدّيقين مقرّبين ذاكرين خاشعين منيبين خاضعين… صارت الولاية في العوام حقهم، حتى عوامّهم صارت الولاية فيهم، وهكذا فيَمُر عمره ما قد شاف وجه كافر ولا قد شاف وجه عاصي!

وانظر وجوه الأخيار *** لي هي تشابه الأقمار

وأبغى جوار السادات *** في الحوطة الزهرا

بات أنس بها في الــمبيات ما بين عُبّاد الله

وانظر بكم من نظرة *** واحضر بكم من حضرة

قال الله تعالى عن ذكر الوجوه في العاقبة: 

  • (وُجُوهٌ يَوْمَئِذٍ نَّاضِرَةٌ * إِلَىٰ رَبِّهَا نَاظِرَةٌ * وَوُجُوهٌ يَوْمَئِذٍ بَاسِرَةٌ * تَظُنُّ أَن يُفْعَلَ بِهَا فَاقِرَةٌ )[القيامة:22-25]. 
  • (وُجُوهٌ يَوْمَئِذٍ مُّسْفِرَةٌ * ضَاحِكَةٌ مُّسْتَبْشِرَةٌ * وَوُجُوهٌ يَوْمَئِذٍ عَلَيْهَا غَبَرَةٌ * تَرْهَقُهَا قَتَرَةٌ * أُولَٰئِكَ هُمُ الْكَفَرَةُ الْفَجَرَةُ)[عبس:38-42].
  • قال: (وَلَا يَرْهَقُ وُجُوهَهُمْ قَتَرٌ وَلَا ذِلَّةٌ ۚ أُولَٰئِكَ أَصْحَابُ الْجَنَّةِ ۖ هُمْ فِيهَا خَالِدُونَ * وَالَّذِينَ كَسَبُوا السَّيِّئَاتِ جَزَاءُ سَيِّئَةٍ بِمِثْلِهَا وَتَرْهَقُهُمْ ذِلَّةٌ ۖ مَّا لَهُم مِّنَ اللَّهِ مِنْ عَاصِمٍ ۖ كَأَنَّمَا أُغْشِيَتْ وُجُوهُهُمْ قِطَعًا مِّنَ اللَّيْلِ مُظْلِمًا ۚ أُولَٰئِكَ أَصْحَابُ النَّارِ ۖ هُمْ فِيهَا خَالِدُونَ)[يونس:26-27]

أعاذنا الله وأجارنا…

ختمنا الكتاب، فأين العمل؟ إن شاء الله نقوم بحق ما فيه، فمن أراد القيام بحق ما فيه فبالإجازة العامة عن المؤلف السيد محمد -عليه رحمة الله تعالى- نجيزكم في قراءته وفي العمل بما فيه ونشره.

الفاتحة أن الله يعلي درجاته ويكثر مثوباته ويجمعنا به في أعلى جناته ووالديه وأصولهم وفروعهم ووالدينا ومشايخنا أجمعين وذوي الحقوق علينا ويجمعنا بهم في دار الكرامة، وهو راضٍ عنا وإلى حضرة النبي محمد ﷺ.

 

تاريخ النشر الهجري

15 صفَر 1434

تاريخ النشر الميلادي

27 ديسمبر 2012

اضافة إلى المفضلة

كتابة فائدة متعلقة بالمادة

الأقسام