القدوة الحسنة في منهج الدعوة إلى الله -10- الدعوة إلى الهجرة
شرح الحبيب العلامة عمر بن محمد بن حفيظ على كتاب القدوة الحسنة في منهج الدعوة إلى الله للسيد محمد بن علوي المالكي، يتحدث عن مسائل مهمة عن منهج الدعوة الإسلامية وحقيقة القدوة الحسنة في سبيلها.
الدرس العاشر: الدعوة إلى الهجرة؛ المجاهدة لتربية النفس على الهجرة بترك الوطن ومفارقة الأهل إذا اقتضى الأمر.
نص الدرس مكتوب:
الدعوة إلى الهجرة
المجاهدة لتربية النفس على الهجرة بترك الوطن ومفارقة الأهل إذا اقتضى الأمر.
إن صاحب الدعوة لا يؤلمه أن يستقبل في سبيل دعوته الموت، فضلًا عن مفارقة الأهل والوطن، والقرآن الكريم يقرر حقيقة الهجرة إلى الله سبحانه وتعالى، وأنها ترتبط بالإيمان ارتباطًا كليًّا لا يطغى عليه أي دافع ولو كان الأبوة والبنوة والزوجة والعشيرة، قال الله تعالى: (قُلْ إِن كَانَ آبَاؤُكُمْ وَأَبْنَاؤُكُمْ وَإِخْوَانُكُمْ وَأَزْوَاجُكُمْ وَعَشِيرَتُكُمْ وَأَمْوَالٌ اقْتَرَفْتُمُوهَا وَتِجَارَةٌ تَخْشَوْنَ كَسَادَهَا وَمَسَاكِنُ تَرْضَوْنَهَا أَحَبَّ إِلَيْكُم مِّنَ اللَّهِ وَرَسُولِهِ وَجِهَادٍ فِي سَبِيلِهِ فَتَرَبَّصُوا حَتَّىٰ يَأْتِيَ اللَّهُ بِأَمْرِهِ ۗ وَاللَّهُ لَا يَهْدِي الْقَوْمَ الْفَاسِقِينَ) [التوبة:24].
فمسألة الهجرة في الحقيقة هي مسألة الإيمان وسيدنا رسول الله ﷺ هو فاتح هذا الباب بأمره وفعله.
إن قصة الهجرة هي قصة الإيمان التي خالطت بشاشته القلوب والعقيدة التي امتزجت بدم المسلم ولحمه، والدين الذي سيطر على النفوس وغمر المشاعر حتى غدا المسلمون الأولون يفتدون دينهم بأعزّ ما يملكون، وقد كان هناك أصنام تعبد من دون الله تعالى، ودماء تراق في سبيل الشيطان، وحرمات تهتك من أجل ثروة أو مطمع، وحكام يفرغون على أنفسهم صفات الألوهية والجبروت، وشعوب مستعبدة لفرد أو أفراد، وأمم تائهه حائرة، وفوضى في الدين والخلق والاجتماع والسياسة تملأ الآفاق وتشوّه وجه الحياة وصفحة التاريخ، وقد وضع الرسول ﷺ بذرة الدعوة الإسلامية في أرض مكة بأمر ربه، إلى أن هذه البذرة لم تجد أرضًا خصبة تنبتها وتحمي نموها فتتحول إلى أرض طيبة أرض المدينة المنورة؛ فقبلت تلك البذرة المباركة وحمت شجرتها وفدتها بالنفس والمال، ولم يهاجر صلى الله عليه وسلم هربًا ولا تخوّفًا، وإنما كانت هجرته فاتحة خير وبركة على الإسلام والمسلمين.
صلوات ربي وسلامه عليه وعلى آله وصحبه ومن سار في دربه.
يتكلم الشيخ -رحمه الله تعالى- في هذا الفصل على الهجرةِ، وأنه قد يحتاج السالك إلى الله والداعي إليه إلى أن يفارق وطنه، ويبتعد عن منزل ألِفه وما إلى ذلك.
والهجرة باقية تبعًا لحكمها بالظروف التي تكون في الأمة إلى آخر الزمان. فأمّا هجرة الناس بأنواع المصالح الدنيوية والأغراض فهذه كثيرة، قائمة، متنوعة، وواقعة في الناس. ولكن الهجرة من أجل الدين؛ فهي منسوبة لكل موطن لا يستطيع المسلم أن يعلن دينهُ فيه، ولا أن يقيمَ شعائرَ دينهِ؛ يجب عليه أن يفارق ذلك الموطن، ومعنى الحديث الشريف: "لا هجرة بعد الفتح"؛ أي: من مكة بعد فتحها، ما له معنى الهجرة منها، تهاجر إلى أين؟! فهي دار إسلام؛ إنما تكون الهجرة من دار كفر أو دار فسق لا تستطيع أن تقيم فيه أمر الله إلى أرض تقيم فيه أمر الله.
والآية الكريمة تشير إلى أن الله يُبقِي أماكن في الأرض يمكن أن تَظهرَ فيها شعائرُ دينه، ويُعبد فيها على أمنٍ وطمأنينةٍ إلى يوم القيامة، لهذا قال: (إِنَّ الَّذِينَ تَوَفَّاهُمُ الْمَلائِكَةُ ظَالِمِي أَنفُسِهِمْ قَالُوا فِيمَ كُنتُمْ قَالُوا كُنَّا مُسْتَضْعَفِينَ فِي الأَرْضِ قَالُوا أَلَمْ تَكُنْ أَرْضُ اللَّهِ وَاسِعَةً فَتُهَاجِرُوا فِيهَا) [النساء:97]، فيها إشارة إلى أنه لابد أن تبقى بقعٌ في الأرض يستطيع الإنسان أن يقيم فيها أمرَ الله ودينه. فحيث لا يستطيع أن يستعلن بدينه ولا أن يقيم الشعائر من جمعة وجماعة وأعياد وأمثال ذلك… لا يجوز أن يمكث في هذه البلاد، فإنها بلاد سلب الكرامة والحرية، ما دام يقدر على الخروج منها، لأنه يُعرّض بعد ذلك أبناؤه إن كان له أبناء، وأسرته إن كانت له أسرة، بأن يختلطوا في سلك المجتمع الفاجر أو الكافر أو البعيد عن الدين فيتغيّروا .. وكم ممن أهمل مثل هذا في البداية، والآن عددٌ لا بأس به في مختلف من الدول، كان أجدادهم مسلمين، كان آباءهم مسلمين، فصار ما عاد يعرف من الإسلام شيء، أو صار نصرانيًا، أو صار ملحدًا لا يؤمن بالله -والعياذ بالله تبارك وتعالى-.
وهؤلاء عددهم كثير موجودين، وكان ربّما أنّه ما هو جده وحده مسلم، جده وأبو جده، وجد جده، و أبو جد جده وجد جد جده …مسلمين كانوا، ولكن لمّا أهملهم في تلك الأرض أبوهم، كأن ذهبَ لأي غرض من الأغراض أو اضطرته الظروف ثم لم يفكر ولم ينتبه، بدأ الجيل الثاني يتناسى والجيل الذي بعده نسي، والجيل الذي بعده انقطعت صلته بالإسلام -والعياذ بالله تبارك وتعالى-.
ولهذا في كلام الفقهاء عن دار الكفر ودار الإسلام ما هي؟ وأنّه قال بعضهم: كل أرضٍ استطاع المؤمن أن يعلنَ فيها دينه ويقيم شعائره، فهي أرض إسلام. وإن كان الحكام كفار! هذه أرض إسلام ليست بدارِ حربٍ، دار سلم.
وهذه أكثر البقاعِ الآن -بحمد الله تعالى- بما يدّعونه من حريّات وغيرها في الدين، وإن كانت لها اعوجاجات في جوانب ولها بعد ذلك في القوانين ألاعيب وتسلط بعض أصحاب الأهواء أحيانًا من أهل الديانات المختلفة، هذا حاصل؛ ولكن مع ذلك كله فبحمد الله، يستطيع المؤمنون في أكثر بقاع الأرض أن يعلنوا بدينهم ويستعلنوا بها ويقيموا شعائر الله.
هذا أمر.. لكن بقي: كل بقعة خاف فيها المؤمن على نفسه أو على أولاده أو على نسله في أمرِ دينهِم فينبغي أن يهاجرَ منها.... نعم.
وبعض الصالحين في بعض المناطق هنا عندنا في اليمن في قرية أدركه الموت بكى قالوا له: خفِّف على نفسك تقدم على الرب الكريم، قال: ما بي جزع من الموت، ولا سوء ظن بالله، لكن ما أبكي إلا أني تركتُ ذرية في مكان ليس فيهم مربي يربّيهم! مع أنّه في بلاد المسلمين وبين المسلمين، في اليمن، ما يخاف عليهم الكفر لكن يخاف عليهم في الأخلاق، يخاف عليهم في السيرة، يخاف عليهم في الفكر، يخاف عليهم في أن يقصِروا عن ارتقاء الدرجات.. فبكى لهذا .. قال: طرحت أولادي في بقعة ما فيها مربي يربيهم.
فإذا كان هكذا فكر الصالحين، ولهذا مع اختلاف الأحوال واختلاف الأوضاع أيضًا، فيبقى الحكم على ما هو عليه…
- حيث نفعَ الإنسان وأثَّر ونشرَ الخير فنِعْم المكان.
- وحيث لم يستطع أن يستعلن بدينه فلا بد أن يرحل عن هذا المكان.
- وحيث كان الخوف على السيرة والأخلاق، فمن المستحبِ والمندوبِ أن يرتب لنفسه ترتيبًا حسنًا، حتى يبقِيَ من في عهدته ومسؤوليته من الذرية في بيئة طيبة مؤمنة أقرب إلى الإيمان.
والقصد في الفصل أنَّ الشيخ يحدث أنه: الصادق مع الله في خدمة الدعوة، لا يبالي بالأوطان ولا بالأماكن، حيثما كان قيامه بأمر الله أتم، رغب في ذلك، فمنظاره هذا، ولذلك تلى الآية الكريمة: (قُلْ إِن كَانَ آبَاؤُكُمْ وَأَبْنَاؤُكُمْ وَإِخْوَانُكُمْ وَأَزْوَاجُكُمْ وَعَشِيرَتُكُمْ وَأَمْوَالٌ اقْتَرَفْتُمُوهَا وَتِجَارَةٌ تَخْشَوْنَ كَسَادَهَا وَمَسَاكِنُ تَرْضَوْنَهَا أَحَبَّ إِلَيْكُمْ مِنَ اللَّهِ وَرَسُولِهِ وَجِهَادٍ فِي سَبِيلِهِ فَتَرَبَّصُوا) هذا تهديد، ومن أين جاء هذا التهديد؟ لا تقول لي من عند مخابرات ولا من عند دولة صغرى ولا كبرى، تهديد من الجبَّار الأعلى من بيده ملكوت كل شيء، (فَتَرَبَّصُوا حَتَّى يَأْتِيَ اللَّهُ بِأَمْرِهِ وَاللَّهُ لَا يَهْدِي الْقَوْمَ الْفَاسِقِينَ) [التوبة:24]؛ إشارة إلى أنَّه لا يُقدم في المحبة أحد شيئًا من الآباء والأبناء والإخوان والأزواج والعشيرة والأموال والتجارات والمساكن؛ لا يقدم محبة شيء من هذا على محبة الله ورسوله إلا من فسقَ؛ خرج عن سواء السبيل، خرج عن واجب الإنسان، عن واجب المؤمن، عن واجب العاقل.. الله ورسوله أحب من كل هذا.
فإذًا؛ تنصرف المحبة قبل الآباء والأبناء والإخوان والأزواج والعشائر والأموال والتجارات والمساكن.. تنصرف إلى الله ورسوله والجهاد في سبيله؛ أول هذا.. قبل آباء قبل أبناء قبل أزواج قبل عشائر قبل أموال قبل تجارات قبل مساكن... الله ورسوله وجهاد في سبيله أول شيء، أحب أحب أحب.. الله ورسوله وجهاد في سبيله أحب؛ أحب من الآباء، أحب من الأبناء ،أحب من الأزواج، أحب من العشيرة، أحب من التجارة، أحب من الأموال، أحب من المساكن.. لله ورسوله وجهاد في سبيله أحب، (قُلْ إِنْ كَانَ آبَاؤُكُمْ وَأَبْنَاؤُكُمْ وَإِخْوَانُكُمْ وَأَزْوَاجُكُمْ وَعَشِيرَتُكُمْ وَأَمْوَالٌ اقْتَرَفْتُمُوهَا وَتِجَارَةٌ تَخْشَوْنَ كَسَادَهَا وَمَسَاكِنُ تَرْضَوْنَهَا)، شُف هذه الثمانية الأصناف الذي ذكرها الله...وهل شغل الناس اليوم وحركتهم في غيرها؟ يدورون فيها.. قال الله هذه الأشياء التي تنطلقون فيها في الحياة.. أنا ورسولي والجهاد في سبيلي يجب أن يكون أحب إليكم من هذه، (أَحَبَّ إِلَيْكُم مِّنَ اللَّهِ وَرَسُولِهِ وَجِهَادٍ فِي سَبِيلِهِ فَتَرَبَّصُوا حَتَّى يَأْتِيَ اللَّهُ بِأَمْرِهِ وَاللَّهُ لَا يَهْدِي الْقَوْمَ الْفَاسِقِين)[التوبة:24]علمنا...
قال: إنها مسألة إيمان؛ إلا أنه مهما قدر أهل الإيمان أن يقيموا البيئة الصالحة في بُقعة لم تكن فيها البيئة صالحة، فذلك أولى حتى تتسع رقعة الإيمان والدين والإسلام في الأقطار، كما هو الحال من هؤلاء الصادقين المخلصين، أمثال الذين خرجوا دعاة من هذه المناطق إلى مناطق كثيرة ومن غيرها كذلك.
في التاريخ، يذهب أفراد صادقون مخلصون إلى أماكن فيغيّرون فيها ويؤثرون فيها بأخلاقهم ومعاملاتهم فيصبغون البلد بصبغتهم؛ فهؤلاء يوسّعون رقعة الإسلام توسيعًا، وينشرون الهدي معهم لصدقهم ولإخلاصهم مع الله تبارك وتعالى.
فهذا مطلوب بحيث يكون الإنسان:
- محفوظ في مسلكه.
- ومتبوعٌ لا تابع.
أما أن يتحوّل المسلم إلى تابع وهو يتأثر بدل ما يكون مؤثر! فهذا مؤشر خطر عليه في علاقته بالله تعالى وفي حاله في آخرته، بل مهمة المؤمن حيث ما كان:
- أن يكون عزيزًا بالحق العزيز.
- مقتديًا بمحمد ﷺ خلاصة الإبريز.
- وغير مُتّبِع لمن يخرج عن درب الله ورسوله كائنًا من كان.
فحقّ المؤمن أن يكون أستاذ، أن يكون معلم، أن يكون داعي، لا أن يكون تابع ،لا أن يكون مقتدٍ بغير رسول الله ﷺ.
فأين من عرف قدر الإسلام من المسلمين؟.. فكثير من المسلمين لم يعرفوا قدر الإسلام، وبذلك حجبوا الإسلام عن الناس، وحجبوا الناس عن الإسلام؛ لأنهم ما عرفوا قدر إسلامهم… ربما عظّموا شيئًا من المظاهر والصناعات والتجارات والسياسات والقوات العسكرية، أعظم من مظاهر الإسلام.. هؤلاء لاعبين بالدين، اتخذوا دينهم لعب… ليس الإسلام هكذا، الإسلام عزة وكرامة وشرف وتقوى، مِنّة ارتقاء للإنسان في تبعية الحق ورسوله، تحرّر تام من تبعيّات السفليات والأرضيات، فهذه حقائق الإسلام التي يجب يعلمها المسلم، الحمد لله على نعمة الإسلام وكفى بها من نعمة.
قال: هي قصة إيمان، وإذا خالطت بشاشة الإيمان القلوب سيطر على النفوس؛ صار لا يبالي بأي مكان، ولهذا قال: لا تعول على وطن وكُن أينما كان عزّك هو المكان. هذا أمر.
ثم يكون في حق الواحد هذا المكان أولى به في هذا الظرف، وفي هذا الأوان، وهذا المكان أولى بالآخر، وهذا أولى بالثالث وهذا أولى بالرابع… لأن الله قسّم الاحتياجات والصفات والقدرات والاستيعابات قسّمها، فلهذا يكون ذا أنسب لذا، وذا أنسب أنسب لذا، وهذا حتى يبتثّ.. (وَاسْتَعْمَرَكُمْ فِيهَا)[هود:61]، طلب منكم عمارة الأرض، فكلٌّ في المكان الأليَق به والأنسب يأخذ نصيبه.
وجعل سبحانه وتعالى في الأرض موطن مقدّس أوجب على جميع من آمن به وبرسوله أن يقدّسه، وإذا قدر على الوفادة إليه أن يفد إليه ولو مرة في عمره؛ (وَلِلَّهِ عَلَى النَّاسِ حِجُّ البَيْتِ مَنِ اسْتَطَاعَ إِلَيْهِ سَبِيلاً)[آل عمران:97]. (إِنَّ أَوَّلَ بَيْتٍ وُضِعَ لِلنَّاسِ لَلَّذِي بِبَكَّةَ مُبَارَكًا وَهُدًى لِّلْعَالَمِينَ) [آل عمران:96]. سُمّيت بكة؛ لأنها تَبُكَّ أعناق الجبابرة، ومن تجبّر فيها بُكَّ عُنقه؛ دُقَّ وقُطِع.
- قال: بكّة
- واسمها مكة
- واسمها معاد، (إِنَّ الَّذِي فَرَضَ عَلَيْكَ الْقُرْآنَ لَرَادُّكَ إِلَى مَعَادٍ) [القصص:85].
- واسمها أم القُرى
وهي مَوضع بيت الله، ومحل مقام إسماعيل ونشأته، ومحل ولادة المصطفى ونشأته وبعثته عليه الصلاة والسلام، والمدينة محل هجرته، لهذا من عهد الصحابة والتابعين ومن بعدهم لم يختلف العلماء في أفضل البقاع إلا ما بين مكة والمدينة فقط، فقط ما عندهم قول ثالث، الصحابة والتابعين، لا قول ثالث في محل في العالم آخر، ليس إلا مكة والمدينة وأيهما أفضل؟ مكة والمدينة أيهما أفضل؟ فجماعة من الصحابة قالوا بفضل مكة، وجماعة من الصحابة منهم سيدنا عمر بن الخطاب وآخرين قالوا بفضل المدينة ،المدينة أفضل من مكة، وتبعهم جماعة من التابعين بهذا القول وهذا قول تابع التابعين كذلك.
- والذين قالوا أن مكة أفضل استثنوا، قالوا: أفضل من المدينة إلا بقعة القبر الشريف فهي أفضل من مكة.
- والذين قالوا المدينة أفضل من مكة، قالوا: بقع المدينة أفضل من مكة إلا موضع الكعبة؛ موضع الكعبة نفسه أفضل من بقية بُقع المدينة غير محل القبر.
والقبر ضمّ أعضاء أكرم مخلوق على الخالق، فلذا لم يكن شيء أكرم على الله في البقاع من البقعة التي جعل فيها جسد أكرم خلقه صلوات ربي وسلامه عليه وعلى آله وصحبه. ولهذا نصّ العلماء على أنها أفضل من السموات والأرض ومن العرش ومن الكرسي ومن كل مكان، ما دام جسد رسول الله فيها،
وإذا نظرت إلى البلاد وجدتها *** تشقى كما تشقى الرجال وتسعدُ
ثم جاءتنا النصوص أنه حيث حل الصلحاء والأخيار والمقرّبون عند الله ببقعة، اكتسبت البقعة فضيلةً بهم، إلى حدّ التأثير في الآخرة في التنعيم أو التعذيب.
يروي لنا البخاري ومسلم وغيرهما من أهل السُّنة: حديث من قتل تسعة وتسعين نفس من بني إسرائيل، ثم حدّثته نفسه بالتوبة، سأل عن واحد عالم دلّوه على واحد يتظاهر بالعبادة ما عنده علم جاء إلى عنده قال: لي توبة؟ قال: ماذا عملت؟ قال: قتلت تسعة وتسعين نفس؟ قال: تسعة وتسعين نفس!! ما لك توبة.. ما لي توبة بكمّل المئة فقتله وكمّل المئة. ولكن له سابقة سعادة فحركت قلبه، فقال أليس لي توبة بيني وبين الله؟ لا بد... أين أعلم أهل الأرض؟ فدُلّ على عالِم فجاء إليه، هل لى توبة ؟ ماذا؟ قال: إنه قتل مئة نفس، قال: يا هذا، مئة نفس أو أقل أو أكثر، أي عمل عملت.. من يستطيع أن يحول بينك وبين رب العالمين؟ من ذا الذي يقدر يوقف بينك وبين الله؟ اصدق مع الله وتُب، ولكن اسمع…أرضك أرض سوء فيها ناس فُسّاق، اذهب إلى الأرض الفلانية فيها صالحين عُباد فاعبد الله معهم باقي عمرك، وحقق التوبة.
وبسم الله على يدك، تاب توبة وندم، وراح يحمل أغراضه خارج من بلده إلى بلاد الصالحين، فأدركه الموت، فاختصمت فيه ملائكة الرحمة وملائكة العذاب، تقول ملائكة العذاب: نحن أحق به ،هذا قتل نفوس والآن بدأ بيتوب. قالت ملائكة الرحمة: أقبل على الله وخُتِم له بالحسنى، فنحن أولى به. فما دروا كيف يصنعوا؟ فأرسل الله بينهم حكم؛ مَلَكَ يحكم بينهم، ماذا يقول الله؟ كيف الحكم؟ قال: يقول الله قيسوا ما بين الأرضين.. وهذه الأرض لا هي مكة ولا هي المدينة ولا هي... لكن فيها صالحين سكنوا وجلسوا فتشرّفت! قيسوا ما بين الأرضين، فإن كان أقرب إلى أرض الفساق فلتأخذه ملائكة العذاب، وإن كان أقرب إلى أرض الصالحين فلتأخذه ملائكة الرحمة.
أما واقع المسافة هو كان عاده ألّا خرج من البلد وأقرب إلى أرض الفسّاق، لكن أوحى الله إلى هذه أن تباعدي وإلى هذه أن تقاربي؛ لأنه من حرصه على مصاحبة الصالحين في رجوعه إلى الله لما أحسّ بالموت، قال ناء بصدره إلى الأرض التي يقصدها، ناء بصدره؛ قفز قفزة، فحفظ الله له ذلك. فلما قاسوا وجدوه أقرب إلى أرض الأخيار بشِبر، شبر واحد! قالوا خلاص هيا اقعدوا ملائكة العذاب ما هذا من أصحابكم ما لكم دخل فيه خلاص خلّوه لنا، فأخذته ملائكة الرحمة. إذا كان في القيامة يأتي الله بجميع من قتلهم، ويعطيهم حقوقهم، ويهَب لهم منازل ودرجات في الجنة على أن يعفوا فيعفوا ويسامحوه وينجو بفضل الله سبحانه وتعالى.
لكن انظر القرب من أرض الأخيار، هؤلاء أخيار صالحين من بني إسرائيل، إيش رأيك أخيار من أمة محمد؟ إيش رأيك أخيار من علماء أمة محمد؟ إيش رأيك أخيار من ذرية محمد؟ عجيب!! ما ينفع القرب من أرضهم؟! إلا أولئك بني إسرائيل، أنت أبله؟! النبي يقول ذا الكلام حتى تفقه، وتعرف قدر الأخيار، وقدر مساكنهم، وقدر بلدانهم، وقدر أوطانهم...
سيدنا نوح في دعائه يدعو لمن دخل بيته (رَبِّ اغْفِرْ لِي وَلِوَالِدَيَّ وَلِمَن دَخَلَ بَيْنِي مُؤْمِنًا وَلِلْمُؤْمِنِينَ وَالْمُؤْمِنَاتِ) [نوح:28]. واحد دخل في البيت فيتعرّض الإنسان لمغفرة لا بقدره هو؛ بقدر دعوة نوح نبي الله، إذا دخل وسط البيت وهو مؤمن، ويمكن في بيوت الكفار أكبر منه وأقوى.. ما تنفع، لكن هذا البيت حق نوح، هذا الذي فيه الخير وينزل عليه النور والبركة.
ولهذا مرّ بعض الأولياء بطريقه إلى الحج في قرية يتعجّب في بيت نوره زائد والرحمة تصب عليه أكثر من باقي البيوت فهو رأى بالبصيرة هذا بقي يتعجب.. أيش السبب؟! واحد مر.. قال: السلام عليكم، وعليكم السلام.. قال: أنت من أهل القرية هذه؟ قال: نعم، قال: هذا البيت لمن؟ ضحك هو ولي مثله الثاني هذا.. ضحك، قال له: هذا البيت في سنة كذا كذا قدم الجنيد بن محمد فنزل في هذا البيت، قعد فيه في طريقه إلى الحج، قعد فيه ثلاثة أيام أو أسبوع، قال: جزاك الله خير أحسنت! يعنى فهم السبب، أيش السبب ذا البيت ينزل فيه رحمة زيادة، قال هذا رجل محبوب عند الله صالح، دخل وسط البيت قعد وسط البيت أيام، فتميّز البيت عن بقية بيوت القرية كلها.
يوم من الأيام الحبيب عبد الله بن حسين بن طاهر في المسيلة -هذه قرية هنا- يقول لابن أخته عبد الله بن عمر بن يحيى وكان بنى بيت جديد، قال له: عبدالله، البارحة رأيت بيتك هذا فوق بيوت القرية كلها؛ فوق بيوت المسيلة، والغرفة هذه التي أنت فيها فوق البيت معتلية، أيش عملت في بيتك؟ فقال: يا خال ما علمتمونا من التورّع والتحلّل قمنا به والنيات الصالحة في بناء البيت عملناها إن شاء الله، ثمّ لما بنيت البيت قرأت في كل درجة من درج البيت ختمة من القرآن في قيام في الصلاة، قرأت في كل درجة ختمة في الصلاة، وفي كل غرفة ختمة في الصلاة، ختمة وأنا قائم في الصلاة، أما الغرفة التي أنا فيها، فيها ختمات كثيرة قرأت فيها. قال: لهذا؛ إن النبي ﷺ يقول: "البيت الذي يقرأ فيه القرآن يتراءى لأهل السماء كما تتراءى النجوم لأهل الأرض"، أنت نوّرت بيتك بالقرآن فرأيته فوق بيوت القرية؛ فوق بيوت الناس؛ ارتفع فوقها، ارتفاع معنوي.
ولهذا يقول بعض المفسرين في قوله: (فِي بُيُوتٍ أَذِنَ اللهُ أَن تُرْفَعَ)، قال: هذه ليست خاصة بالمساجد، كل بيت منور بالمنوّرين صالحين بارّين فيه مسبحين بالليل والنهار، هذه هي؛ (بُيُوتٍ أَذِنَ اللَّهُ أَن تُرْفَعَ وَيُذْكَرَ فِيهَا اسْمُهُ يُسَبِّحُ لَهُ فِيهَا بِالْغُدُوِّ وَالْآصَالِ)[النور:36].. ما عادها البيوت حتى الدكاكين حقهم نوّروها.
سيدنا الجنيد بن محمد هذا نفسه لما يجيء في الصباح بيبيع في دكانه، أول يسدل الستارة يصلي أول ثم يبيع، يصلي ثلاثمائة ركعة! أنت التراويح تصلي كم ركعات؟! ثلاثمائة ركعة هذا كل يوم لما يجيء الدكان أول قبل البيع، إذا كمل ثلاثمئة ركعة يرفع الستارة يبيع. بعض مساجد المسلمين ما فيها مصلي يصلي فيها ثلاثمائة ركعة في اليوم، هذا دكان حقهم في السوق، رأيت كيف دكاكينهم منورة!
ومرّ بعض الصالحين على بعض المقابر يقرأ القرآن.. يهبه لهم، نام رأى أهل المقبرة قاموا يُنثر عليهم شيء ويلتقطونه، قال: ما هذا؟ قالوا: ما يُهدى إليهم من الأحياء من القراءة والأذكار والدعوات يقوموا يلتقطونها، شاف واحد جالس قال: هذا ما له ما يقوم؟ السلام عليكم قال، قال له: أيش يعمل هؤلاء الأموات؟ قال: يلتقطون ما يُهدى إليهم من الأحياء. قال: أنت مالك ما تقوم؟ قال: أغناني الله بولد معي؛ عندي ولد يقرأ لي كل يوم ختمة، فأنا ما عاد أزاحم هؤلاء، الذي يجيء عام لأهل المقبرة أخلّيه لهم .قال: وأين ولدك؟ قال: في السوق الفلاني يبيع معه دكان، في محل كذا.
راح إلى البلدة هذه، جاء للسوق وسأل الدكان الفلاني أين؟ قالوا: هذا، وهو ما يعرف اسمه إلا من الرؤيا، دخل حصله يتلو يتلو وهو يحفظ القرآن، قال:السلام عليكم، وعليكم السلام ورحمة الله وبركاته، مرحبا عندكم حاجة؟ سكت سكت. قال: معك حاجة أنا مشغول؟ لك حاجة نقضيها؟ قال: أنت فلان؟ قال: نعم .قال: أيش تصلّح لأبوك؟ قال: أيش الفضول الذي معك هذا! قال: أنا رأيته كذا كذا.. كمّل الرؤيا تأثر وبكى. قال له: هذا عملي وأنا كل يوم أختم الختمة وأهديها له. ومرت عليه فترة رأى أهل المقبرة يقومون يلتقطون والرجال معهم، فلان أنت قلت إنك مستغنى بولدك؟! قال: مات الولد، الولد الذي كان يقرأ لي كل يوم مات، أنا الآن شعرت بالحاجة والفقر فأنا أقوم ألقط الذي أحصّله من هذا. لا إله إلا الله!..
ولذا قالوا: الجار الصالح ينفع في الدنيا والآخرة، والجار السوء يؤذي، يضرّك، إن هو في الدنيا يؤذيك وإن هو جنبك في الآخرة يصوّر بك -يزعجك- بعذابه وتعبه وصياحه.. مشكلة! لا حول ولا قوة إلا بالله...
كان لبعضهم بنت ماتت عليه وهو معلّق بها يراها دائم، ورآها ليلة وإذا برأسها أبيض.. بنتي هل عندكم عذاب؟ قالت: لا ما علينا عذاب.. لكن أمس فلان بن فلان مات وقبروه عندنا، فلما قبروه زفرت جهنم لقدومه زفرة شابَ منّا كل رضيع، كلنا شبنا أهل المقبرة هذه بسبب الخبيث هذا جابوه قبروه عندنا، لا حول ولا قوة إلا بالله!
رأى بعضهم سيدنا معروف الكرخي، قال: ما فعل الله بك؟ قال: لما قبروني أعتق عن يميني عشرين ألف، وعن يساري عشرين ألف، وأمامي عشرين ألف، وخلفي عشرين ألف، إكرامًا منه سبحانه وتعالى لوفادتي عليهم! شوف كيف هذا الجار صالح ينفع، الله الله… ولهذا قال ﷺ في سر هذا الجار: "من مات بأحد الحرمين كنت له شفيعًا".
وكان في بعض البلدان هنا أيضًا في اليمن، حفّار قبور وهو نائم في آخر الليل ثنتين من النساء قد متن يعرفهم، فلان، مرحبا! شوف بيموت فلان لا تقبره عندنا! انتبه وتعجب ورجع ينام ثاني مرة، و رآهن، فلان.. مرحبا، قالوا: شوف فلان بيموت لا تقبره عندنا! خرج مسكين يصلي الفجر فجاؤوا له أهل الميت نفس المذكور هذا، قالوا: فلان بن فلان نريدك تحفر له قبر. قال: مرحبا.. راح إلى المقبرة، قال: ما حصّلت محل فراغ إلا عند هؤلاء! فقال لا والله قد جئنَ إلى البيت هناك في الليل.. ورحت دورت له محل بعيد منهم هناك في مكان وحفرت له قبره هناك! من قبل ما يموت وهم فزعين من وصوله والعياذ بالله تبارك وتعالى!
ما مثل الجار الصالح. ولذا حرص سيدنا عمر على أن يُقبر في الحجرة، قدامه فيها رسول الله وأبو بكر الصديق، ولما جاء له ولده بعد أن أرسله يستأذن السيدة عائشة، قال: أَذِنت؟ قال: نعم. قال: إنها كانت تعد المكان هذا لنفسها ولكن طيّبت نفسها لك به. قال: الحمد لله. لم يكن في نفسي شيء أهم من ذلك. أم قول عمر بن الخطاب صوفي ذا؟ حد يعلمه سوا! كيف؟! قاعد يحب البركة.. يقول: القرب من النبي ومن أبو بكر الصديق.
قالت السيدة عائشة: كنت أدخل فأزور النبي ﷺ ثم قبر أبو بكر فأدخل فأزورهم، فلما قُبِر عمر ما دخلت إلا مشدودةً عليّ ثيابي حياءً من عمر! سمعت؟ قالت: كنت بلا نقاب أجيء، بلا حجاب تزور النبي تقول زوجي، تزور سيدنا أبو بكر تقول أبي، فلما قبر عمر عندهم ما دخلت عليهم الحجرة إلا مشدودة علي ثيابي حياءً من عمر!
فقُل هي صوفية كذلك؟ مشكلة!... تستحي من أهل القبور تقول تشوفونها! هذا علم رسول الله ﷺ.. أم هي تعلمت عند شيخك؟ هي ما تعلمت عند مشايخك، هي علمها من عند صاحب الوحي ، وعقيدتها من عنده جاءت، فهي تعتقد هكذا في أهل القبور، بتسميها قبورية؟ اعمل ما شئت.. المسلك هو المسلك، والدين هو الدين، صلّح لك خرابيط كما تريد في عقلك...
"إن الهجرة ثورة على الشرك والمشركين الذين يفتنون المؤمنين في عقيدتهم، وهم في مكة قلائل مستضعفون مغلوبون على أمرهم معذبون، ولم يستطع الرسول ﷺ دفع العذاب عنهم.
إن قصة الهجرة قصة الإيمان و جمع المسلمين تحت راية واحدة هي راية الإسلام، وقيادة واحدة قيادة محمد ﷺ إنها هجرة التضحية بكل غال ورخيص بالنفس والمال والدار والولد والأهل والعشيرة. إن تلك الهجرة درس عظيم في قوة العقيدة وعظمة النفس وشدة الإيمان في سبيل انتصار دين الله، وإعلاء كلمته، وانتشار رسالة الإسلام ودعوته؛ فنشأت أمة، وظهرت جيوش، واستعرّ كفاح وعلت راية لا إله إلا الله محمد رسول الله، ويريد الله أن يحق الحق بكلماته ويقطع دابر الكافرين ليحق الحق ويبطل الباطل ولو كره المجرمون.
ولقد تأثر الصحابة -رضي الله عنهم- بهذا المنهج فتركوا أوطانهم العزيزة، مع أن فراق الوطن شديد على النفوس بحيث لم يرجعوا إلى أوطانهم إلا إلى الموت، فكان ذلك أحب إليهم من الدنيا ومتاعها، فقدّموا الدين على الدنيا فلم يبالوا بضياعها، ولم يلتفتوا إلى فنائها، وفروا من بلاد الى بلاد احتفاظًا لدينهم من الفتنة فكأنهم كانوا قد خُلقوا للآخرة وكانوا من أبنائها فصارت الدنيا كأنها خلقت لهم، لقد هاجر الكبار والصغار والرجال والنساء إلى الحبشة وإلى المدينة المنورة، وقد وسّع ﷺ مفهوم الهجرة وأن ذلك يشمل الهجرة عمّا نهى الله عنه بترك المعاصي، يقول ﷺ لفُديك أحد الصحابة: "يا فُديك، أقِم الصلاة وآتِ الزكاة واهجر السوء واسكن من أرض قومك حيث شئت تكن مهاجرًا"، رواه البغوي بن منده وأبو نعيم، كذا في كنز العمال."
ابتدأ يذكر معنى الهجرة المعنوية.
- الهجرة الحسية: انتقال من وطن إلى وطن.
- ولا بد من الهجرة المعنوية في السير إلى الله فأولها:
- هجر الذنوب والمعاصي، هذه هجرة واجبة علينا كلنا
- ثم هجر المكروهات والشبهات، سمعت…وهذه ضرورية للوصول إلى الله تبارك وتعالى وارتقاء الدرجات عنده.
- ثم هجر الغفلات بأنواعها
بل سافر من أرض عاداتك؛ ما تعتاده نفسك وتألفه مما لا يليق سافر منه، اتركه؛ هذا سفر معنوي، سافر من أرض عاداتك، اتركها إلى سماء أدبك مع الله، إلى سماء عملك بالشريعة، خل أرض العادة، وارفع، اطلع سافر إلى سماء العمل بشرع الله تعالى جلّ جلاله.
وهكذا تهجر لله كل خُلُقٍ دنيء، وكل وصفٍ هابط، فتصحّ هجرتك المعنوية، وتتهيأ للوصول إلى الله جلّ جلاله وتعالى في علاه. تحتاج الهجرة إلى إخلاص نية، "فمن كانت هجرته إلى الله ورسوله فهجرته إلى الله ورسوله"، مثل الدورة، وختام الدورة كذلك خلّه إلى الله ورسوله، فاغتنم فرصتك في إقبالك بصدق، إذا مالت نفسك للتكاسل قل ليس وقته، ولا أيامه، ولا موطنه، وعظّم شعائر الله جلّ جلاله وتعالى في علاه.
كان من تأثرهم بتربية النبي محمد ﷺ؛ يعظّمون المساجد، يعظّمون حلقات الذكر، فلا تسمع حولها رفع صوت، ولا مظاهر إعراض عنها، حتى سمع سيدنا عمر يومًا صوت مُرتفِع لاثنين يتكلمان في المسجد ، فالتفت وجاء إليهما، قال: من أين أنتما؟ قالا: من الطائف، قال: لو كنتما من أهل البلد لضربتكما، أترفعان أصواتكما في مسجد رسول الله؟! إيش الكلام هذا! تتكلموا وسط المسجد قاعد ترفع صوتك!!.. قال: لولا أنكم غرباء جُهّال جئتم هنا وإلا أضربكم.
قالوا: دُرّة عمر التي يضرب بها، أهَيب من سيف الحجاج! سيف الحجاج يقتل به؛ لكنّ هذه الدرّة أهَيب في الصدور والقلوب من السيف الذي يقتّل به. كان -رضي الله عنه- مُتخِّذ درة عصا وطرفها جلد، في طرف الجلد بعض من نعل النبي ﷺ. قال أهل السيرة فكان لا يضرب بها عاصي إلا تاب! حتى قال بعض العلماء ليتها موجودة يضربنا بها!.. يتبرك بنعل النبي.. الله أكبر! وقالوا عن رجله الكريمة: لها ودَّ كل رأسٍ لو أنه نعل.
والتي كانت في رجله ليلة الإسراء والمعراج جاوزت سدرة المنتهى حيث وقف سيدنا جبريل، وهي طلعت، نعلاه الكريمتان طلعت معه، وسيدنا جبريل وقف عند سدرة المنتهى والحبيب طلع، حتى النعل حقه طلع معه، ﷺ فلهذا قالوا:
على رأس هذا الكون نعلُ محمدٍ *** عَلَت فجميع الخلق تحت ظلاله
لدى الطّور موسى نُودي اخلع *** وأحمدٌ لدى العرش لم يؤمر بخلع نعاله
صلوات ربي وسلامه عليه. قرأ مرة بعضهم الأبيات وبعدين بعقليته هو وفكره، قال: إيش هذا المبالغة، هذا مش معقول هو من نفسه بينزع النعلين أدب ما يخاطب الله وفيه النعلين! ولما نام رأى النبي ﷺ، قال له: عندك صحيح البخاري؟ قال: نعم. قال: افتح قام فتح.. قال: اقرأ باب صلاة النبي في النعل، قرأ.. قال: أنت تقول أنا ما أكلم الله بالنعل؟ انظر عندك أنا صليت بالنعل؟! قال: أستغفر الله العلي العظيم، أنا عقلي أراد يتحكم، والحكم للعلم لا للعقل، الحكم للشرع وللدين لا للعقل! صلى الله على سيدنا محمد.
وهكذا كانت الشعائر، ومسجد النبي محل الهدوء حتى بالقراءة والذكر في الوقت الذي يكون ذكر جماعي ما أحد يرفع صوته يؤذي الثاني حتى بالقراءة. وقد كان في المسجد وفيه عدد من المعتكفين جالسين، فلما رأى كُلٌّ يرفع صوته بحيث يشوش على الثاني، أخرج رأسه من الخيمة يقول: ألا إنَّ كلكم مناجٍ ربه، فلا يرفعن أحدكم صوته على الآخر.
لا أحد يرفع صوته حتى بالقرآن -كما سمعنا البارح- كان قبلها سمعت وقت الصلاة الثانية في صلاة الوتر وقت التهجد، صوت لكن من فوق جاء، وأحببت أنبههم أنه إذا قد فات الإنسان حضور الصلاة لا يتكلم يشوش على المصلين، عيب عليه! كان يستاء أنه قد فاته الحضور مع الحاضرين وعاده يصلح كلام يؤذي المصلين؟! هذا غاية في إساءة الأدب، غاية في عدم المبالاة بالأمر! فلهذا يجب تراعون مثل هذه الآداب.. ولا أحد يجلس في محل الذكر والعبادة أو المسجد ويُصلّح حديث مع صاحبه حتى في غير وقت الاجتماع على الذكر، فكيف إذا الناس مجتمعين على الذكر وعلى الخير في حال الذكر، وهو يتكلم مع صاحبه! هذا كلامك أفضل يعني أو أحسن أو خير؟ وإيش إعراضك عن هذه الحلقة وقت ذكر الله تعالى!
كان النبي في الحلقة وثلاثة أقبلوا، واحد حرص دوّر له مكان دخل جلس في الحلقة، والثاني استحيا فجلس وراءهم جنبهم، والثالث مشى روّح تركهم.. فلما انفضّ المجلس قال النبي: ألا أخبركم عن الثلاثة؟
- أما الأول: فأوى إلى الله فآواه الله إليه. شفت كيف! آوى إلى الله، وهذا يخلي الحلقة جنبه ويروح بعيد هناك يجلس وحده.
- أما الثاني: فاستحيا من الله فاستحيا الله منه، قال العلماء: ومن استحيا الله منه لم يعذبه.
- قال: وأما الثالث: فأعرض عن الله فأعرض الله عنه.
فاحذر من الإعراض عن الذكر ومجالس الذكر، وفي المساجد وأماكن الخير ما تتكلم بغير الذكر وبغير القراءة وبغير العلم حتى لو ما في أحد حتى ما في وقت مجلس ولا وقت .. لا تتكلم إلا بذكر أو علم أو قرآن؛ لأنها ليست محل اللغو ولا محل الكلام الفارغ، فكيف إذا كان ذكر موجود وأنت تصلح لك حلقة ثانية مناقضة لذكر الله تبارك وتعالى؟! تبلبل أنت وصاحبك، ما تدري أن الملائكة يكتبون؟! يكتبون على أهل المجلس كلهم ذكر لفظًا وسماعًا، ولك أنت وصاحبك لغوًا، يكتب لهذا ذكر ويكتب لهذا لغو، هيا شوف! فرق بين الصحيفتين هذا ذكر وهذا لغو!
كيف إذا عاده شوّش على الذاكر.. يقال: من اشغل مشغولًا بالله أدركه المقت لوقته. واحد مشغول بالله تجيء أنت تشغله! يدركك المقت؛ البغض.. الله يوفقنا.. لا بد نتعلم الآداب. ولكن أكثرنا ما تربّينا ما حصّلنا الذي يُربّينا يطهّرنا حتى نعرف ما يليق وما لا يليق، ما ينبغي وما لا ينبغي، ومتى نتكلم ومتى نسكت.. ولكن إذا طلبنا نجد.. نجد الدلالة من يوم بلّغها الحبيب خاتم الرسالة ما انقطعت في الأمة، إلا أنه يتلقاها من يتلقاها ويتولى عنها من يتولى، الله يرزقنا الإقبال.
وكانوا يضربون المثل عندنا يكون في وقت الاجتماع لختم أو غيره من المناسبات في مسجد باعلوي، ويكون فيه عدد كبير أو وقت حزبهم وما إلى ذلك، تمر تحت المسجد ما تسمع حس تظن أن المسجد فاضي ولا فيه واحد، إذا فتحت تحصل صفوف كثيرة وناس موجودين ما تسمع لهم حس.. تعظيمًا لشعائر الله! (ذَٰلِكَ وَمَن يُعَظِّمْ شَعَائِرَ اللَّهِ فَإِنَّهَا مِن تَقْوَى الْقُلُوبِ)[الحج:32]. الله يوفقنا.
وهكذا وبالآداب تختمون الدورة وباقي إلا أسبوع واحد مثل اليوم نكون في يوم السابع عشر في مجلس التوديع، هنا لمن يقرب سفره في نفس اليوم أو قريب من ذاك اليوم، انتهاء الدورة مثل هذا اليوم في يوم الأحد القادم إن شاء الله نحن هنا لتوديع فترة الدورة، لنستقبل ما ينبغي لنا بعدها من مُقيم ومسافر، وعسى البركة، وجائزة تحصل من الله للصادق منّا؛ يثبِته في ديوان آل بدر، آل بدر خير الصحابة، آل بدر خير الأمة، آل بدر من المهاجرين والأنصار ثلاثمائة وبضعة عشر، حتى عدّهم النبي في الطريق قال: كم؟ قالوا: ثلاثمئة وثلاثة عشر، قال: هذه عدة قوم طالوت الذين جاوزوا معه النهر، ففرح بموافقة العدد هؤلاء من الإنس ومعه من الجن ومعه من الملائكة ألف وألف وألف... هؤلاء آل بدر.. يا خير.
وإذا صادف ختم دورة دورتنا ذكراهم نتعرّض بهم إلى الرحمن يجود علينا من نداهم، حتى نرى وجوههم في القيامة -إن شاء الله- من أنور الوجوه في القيامة وجوه أهل بدر، يا فوز من ينظرها.
أهل بدر أحبّهم ربّكم -سبحانه وتعالى- واطّلع عليهم اطلاعة كتب لهم فيها أن لا يُخْذَلوا إلى ذنبٍ غير مغفورٍ قط! من بعد ذاك اليوم -عليهم رضوان الله- وفي كل سنة ربّكم يدخّل ناس فيهم، يلحقهم بهم كل سنة. نحن نتعرّض لوسيع كرم الكريم، نقول: إنّا من أجلك أحببناهم، ومن أجلك ذكرناهم، ومن أجلك عظّمناهم، فاجعلنا معهم، واحشرنا معهم وأدخلنا الجنة معهم، نريد نكلمهم ونجلس معهم ونقول لكل واحد أيش جرى لك ذاك اليوم؟ حدّثنا.. كيف كان خبركم هذاك اليوم؟ لأن لبدر خبر قويّ في الجنة يسمرون عليه يتجالسون عليه.. كان كذا.. كان كذا .. ما شاء الله.. نسمع من أهل بدر نفسهم والحمد لله...
وأجساد عدد منهم هنا جنبنا، يقول بعض أهل التاريخ قال إنهم سبعين.. سبعين هؤلاء قدهم عدد كبير، ربع آل بدر قدهم هنا في زنبل مقبورين.. فإذا هم سبعين خلاص قد ربعهم كلهم.. ربع آل بدر هنا -عليهم رضوان الله- لكن شرفهم بالبدر.. يا من شرفتهم به اقسم لنا بنصيب من الشرف به، شرفنا بحبه، شرفنا باتباعه، شرفنا بالحضور في حضرته، شرفنا بالاقتداء به، شرفنا بنصرته، شرفنا بإحياء سُنّته، شرفنا بخدمة أمته، شرفنا بنشر دعوته آمین آمین آمین، والحمد لله رب العالمين.
23 مُحرَّم 1434