القدوة الحسنة في منهج الدعوة إلى الله -8- المجاهدة ببذل النفس (1)

شرح كتاب القدوة الحسنة - الدرس الثامن - المجاهدة ببذل النفس(1)
للاستماع إلى الدرس

شرح الحبيب العلامة عمر بن محمد بن حفيظ على كتاب القدوة الحسنة في منهج الدعوة إلى الله للسيد محمد بن علوي المالكي، يتحدث عن مسائل مهمة عن منهج الدعوة الإسلامية وحقيقة القدوة الحسنة في سبيلها.

الدرس الثامن: المجاهدة ببذل النفس (1).

 

نص الدرس مكتوب:

 

اليوم يوم الصلاة على النبي محمد ﷺ "إن من خير أيامكم الجمعة، فأكثروا فيه من الصلاة علي، فإن صلاتكم على تبلغني حيث كنتم، قالوا: وكيف تبلغك صلاتنا إذا أرمت؟ أي بليت في القبر - قال: إن الله حرم على الأرض أن تأكل أجسادنا معاشر الأنبياء" فهو في أسمى معاني الحياة ﷺ.

إن الله الحي الذي يحيي ويميت، وهو الحي الأول الآخر الظاهر الباطن، الحي الذي لا ابتداء لحياته، الحي المطلق جل جلاله، يحيي من يشاء، فما أحيا في الخلق أحدًا كما أحيا محمدًا، فأسمى وأعلى معاني الحياة حياة محمد صلوات ربي وسلامه عليه في نشأته وتطوراته كلها، أيام كان نورًا محضًا خالصًا وروحًا مجرّدًا، ثم تنقل ذلك النور في الأصلاب والبطون الشريفة الطاهرة، إلى أن خرج من بين أبويه وقد تكون في قالب البشرية والإنسانية، وفي عناصر هذا الجسد ثم في البرزخ ثم في القيامة ثم في الجنة، أسمى معاني الحياة هي الموهوبة له من الله الحيّ، صلوات ربي وسلامه عليه، فهو أحق من يسمى حيًّا في جميع الخلائق، أحيانا الله به ونظر الله إلينا به.

بحرمة هادينا ومحيي قلوبنا *** ومرشِدنا نهج الطريق القويمة

فاغنموا صلاتكم وسلامكم عليه، صلوات ربي وسلامه عليه وعلى آله، وإنما يعظم خيرها ونورها:

  • إذا صدرت من قلب معظم موقن أنه محبوب الله وصفوته وخيرته فهو سبب كل نعمة على البرية.
  • مشتاق غاية الشوق إلى رؤيته وإلى لقاه وإلى مرافقته. 

فإذا صدرت بقوة التعظيم وقوة الشوق وخالص المحبة أثرت وأثمرت ونورت وطهرت وجاءت بنور كبير، ونفس الصلاة على النبي تصدر من واحد آخر أقل تعظيمًا، أقل محبة وشوق، فيكون أثرها أقل ونصيبه من نورها أقل وهكذا... فصلوا عليه معظمين، صلوا عليه محبّين، صلوا عليه مشتاقين إليه ﷺ. فإذا قبل الله منك صلاة واحدة عليه صلى عليك عشرًا، قالوا وصلاة واحدة من الله لو وضعت في كفة وجيء بأعمال الناس فوضعت في كفة لرجحت صلاة الله، فلذا كانت الصلاة عليه موصلة إلى الحق ومطهرة للنفس ومزكية لها، الله يكرمنا ببركة الصلاة عليه. 

ويحتاج في شوقنا إليه أن نراعي سُننه في هذا اليوم ومن أهمّها لكم:

  • الحضور في الجمعة قبل دخول الخطيب، وكلما تقدم قُدّم، كلما تقدم قُدّم، يدخل فلا يتأخر حتى يصل إلى الجمعة بعد الآذان الأول أو وقد دخل الخطيب فيكون فاته التبكير من أصله وسُنة كاملة راحت، أولا. وجعل الله ملائكة على أبواب الأماكن التي تُصلى فيها الجمعة يكتبون الداخل الأول فالأول، الأول فالأول، حتى إذا صعد الخطيب إلى المنبر طووا صحفهم، فلا يكون فيها من يأتي بعد ذلك. ويُقال إن منازل الناس في ساحة النظر إلى وجه الله الكريم على قدر بكورهم إلى الجمعة. 
  • ونحضر الجمعة بحضور قلب ونسمع الخطبة وننزلها على أنفسنا. 
  • ونقرأ بعد صلاة الجمعة سورة الفاتحة سبعًا، والإخلاص سبعًا، وقل أعوذ برب الفلق سبعًا، وقل أعوذ برب الناس سبعًا، فهذه مسبّعات الجمعة فيها ثواب عظيم.
  • ويقرأ أيضًا بعد الجمعة الأذكار المعتادة بعد كل فرض المعتاد، يؤتى بها بعد الجمعة كآية الكرسي والتسبيح ثلاثا وثلاثين وإلى غيرها…
  • كذلك تختص الجمعة بذكر سبحان الله العظيم وبحمده مائة مرة بعد الجمعة.
  •  وجرب بعضهم أن من أتى به -أي: سبحان الله و بحمده- ثم أتى بعد عصر الجمعة بألف مرة من الصلاة على النبي عله الله ، أذن الله له برؤيا رسوله ﷺ.

 

بسم الله الرحمن الرحيم 

الحمد لله رب العالمين والصلاة والسلام على أشرف الأنبياء والمرسلين سيدنا محمد وعلى آله وصحبه أجمعين. من كتاب "القدوة الحسنة في منهج الدعوة إلى الله" تأليف السيد محمد بن السيد علوي المالكي الحسني -رحمه الله- إلى أن قال:

 

المجاهدة ببذل النفس

وذلك عن طريق الجهاد في سبيل الله والكفاح الشريف عن تلك الحركة الدائبة المستمرة التي يُقام بها للوصول إلى الغاية الشريفة المشروعة، فلا مآرب شخصية ولا أغراض ذاتية ولا اعتبار مصلحة أمة دون أمة أو النهوض بشعب دون شعب، ولا تتشوف على تمليك الأرض والاستيلاء على هذه المملكة أو تلك وإنما هو في سبيل الله الذي يتحقق مظهر بروزه ويتجسد بنيانه في سعادة المجتمع البشري والصعود به إلى معارج الفلاح ليتمتع هذا المجتمع بفكرة السعادة البشرية ومنهجها العملي اللذين أكرمه الله بهما وفضله بهما على سائر الأديان والشرائع مع التجرد عن كل غرض والتبرؤ من كل هوى أو نزعة شخصية أو نيل الجاه والشرف والسمعة أو السمو بنفسه وقومه، والاستبداد بزمام الأمر، وتبوأ المناصب والمراتب، (الَّذينَ آمَنوا يُقاتِلونَ في سَبيلِ اللَّهِ وَالَّذينَ كَفَروا يُقاتِلونَ في سَبيلِ الطّاغوتِ) [النساء:76].

جاء في الحديث: أن أعرابيًا قال للنبي ﷺ: الرجل يقاتل للمغنم، والرجل يقاتل للذكر، والرجل يقاتل ليرى مكانه، فمن في سبيل الله؟ فقال ﷺ: "من قاتل لتكون كلمة الله هي العليا فهو في سبيل الله"، فلا يقبل الله من الجهاد إلا ما كان خالصاً لوجهه الكريم، وابتغاء لمرضاته، لا يشوبه شيء من الأغراض النفسية أو الطائفية أو القومية. 

 

مقتضى تصحيح البيعة مع الله ...

(إِنَّ اللَّهَ اشْتَرَىٰ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ أَنفُسَهُمْ وَأَمْوَالَهُم)؛ مقتضى ذلك أن يستهان بالنفس فما دونها في سبيل إرضاء الحق -جلّ جلاله- وإنما يكون إرضاؤه بما شرَع وبما أحب، وإنما يعرف ذلك بالتلقّي من المصدر، والمصدر والمنبع وحيه، وموطن وحيه ومكانه محمد ﷺ؛ فبحسب ما بيّن لنا وهدانا ودلّنا يجب في تنفيذ ذلك أن نستهين بالأنفس وبذلها، وما دامت الأنفس أغلى علينا من شيءٍ من توجيهاته وتعليماته فما وفينا الله بعهده، ولا صَدَقنا في البيع حيث اشترى ربنا؛ (إِنَّ اللَّهَ اشْتَرَىٰ)؛ انظر هذا العقد أبرمه الحق في قرآنه في القرآن، في القرآن أبرم هذا العقد بيننا وبينه،رأيت أين حط الصك للمبايعة بيننا وبينه وسط القرآن نتلوها: 

  • (إِنَّ اللَّهَ اشْتَرَىٰ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ أَنفُسَهُمْ وَأَمْوَالَهُم) 
  • الثمن: (بِأَنَّ لَهُمُ الْجَنَّةَ) 
  • والمقتضى للعمل والتنفيذ في البيع: (يُقَاتِلُونَ فِي سَبِيلِ اللَّهِ فَيَقْتُلُونَ وَيُقْتَلُونَ ۖ) 
  • الضمانات والتأكيد: (وَعْدًا عَلَيْهِ حَقًّا فِي التَّوْرَاةِ وَالْإِنجِيلِ وَالْقُرْآنِ ۚ وَمَنْ أَوْفَىٰ بِعَهْدِهِ مِنَ اللَّهِ ۚ فَاسْتَبْشِرُوا بِبَيْعِكُمُ الَّذِي بَايَعْتُم بِهِ ۚ وَذَٰلِكَ هُوَ الْفَوْزُ الْعَظِيمُ) [التوبة:111]. قَرَؤوا وحي الله فقال الصحابة: "ربح البيع، لا نقيل ولا نستقيل"، هذا هو خلاص، هذا هو. 
  • لكن صفات الذين باعوا: (ٱلتَّٰٓئِبُونَ ٱلۡعَٰبِدُونَ ٱلۡحَٰمِدُونَ ٱلسَّٰٓئِحُونَ ٱلرَّٰكِعُونَ ٱلسَّٰجِدُونَ ٱلۡأٓمِرُونَ بِٱلۡمَعۡرُوفِ وَٱلنَّاهُونَ عَنِ ٱلۡمُنكَرِ وَٱلۡحَٰفِظُونَ لِحُدُودِ ٱللَّهِ) [التوبه:112].

 هذه أوصافهم، كل من باع هذا وصفه (التَّائِبُونَ الْعَابِدُونَ الْحَامِدُونَ السَّائِحُونَ الرَّاكِعُونَ السَّاجِدُونَ الْآمِرُونَ بِالْمَعْرُوفِ وَالنَّاهُونَ عَنِ الْمُنكَرِ وَالْحَافِظُونَ لِحُدُودِ اللَّهِ ۗ وَبَشِّرِ الْمُؤْمِنِينَ)، "ربح البيع" قالوا "فلا نقيل ولا نستقيل"! فهل بعنا؟ ومن ذا الذي اشترى؟ الغني. وماذا بعنا له؟! نحن وأنفسنا وأموالنا ملكه أصلاً، أصلا ملكه وحده، قال: ملكي وإن كان ملكي وحقي، بع حقي، هات حقي لي وأنا بعطيك زيادة، سبحانه عز وجل، وإلا هل نجيب أنفس من عندنا نحن؟! نجيب مال من عندنا؟ مالنا وأنفسنا مخلوقة له، مبتدأة منه وهي ملكه، هذا هو، ولا بتبيع أيش عليه أنت؟! أيش بتبيع عليه ما هو ملكه؟! ما في حاجة ما هي ملكه حتى تبيعها عليه (لِلَّهِ مُلْكُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَمَا فِيهِنَّ) [المائدة:120] جل جلاله، فما شيء إلا قال خلاص أنا بصلحك بائع، ملكي تعال من حقي شل وحط وأنا…(مَنْ ذَا الَّذِي يُقْرِضُ اللَّهَ قَرْضًا حَسَنًا) [الحديد:11] يقرضه، أيش يقرضه؟ حقه هذا ملكه، قال أنت فقط أحسِن وأنا بفتح لك وبعطيك زيادة من عندي… لا إله إلا الله. قال ادخل إلى بيتي وخذ متاع منه وسلمه إليّ وبعطيك أحسن منه، مثل هكذا قال تعال أدخل البيت حقي شوف في متاع ممتاز سلمه وبعطيك أحسن، منه بِع علي، هذا بيع هذا؟ مرحبا طيب، هذا ربح وفوز، هذا عرض الله تعالى عرضه علينا… 

فلهذا كل ما ذكره من هذه الأغراض التي تحمل الناس على أنواع المعاملة بينهم، وعلى القتال أيضًا بينهم، وعلى النزاع بينهم، وعلى الخصام بينهم، وعلى التغالب بينهم البين، كل هذه الأغراض مناقضة للبيعة، من باع نفسه وماله ما يكون عنده هذه الأغراض تنمحي، لأنه باع، لكن الذي لم يسلّم نفسه لله ولم يبع ماله لله، فهو الذي تتركب فيه هذه الأغراض ويكون ساعيًا في تنفيذها؛ مثل أيش هذه الأغراض؟ مثل المآرب الشخصية، والأغراض الذاتية، واعتبار مصلحة أمة دون أمة، شعب دون شعب، تملك الأرض، الاستيلاء على المملكة، سمعت؟… الهوى، نيل الجاه والشرف والسمعة، السمو بنفسه، الاستبداد بزمام الأمر، تبوأ المناصب والمراتب، وأمثال ذلك من كل قصد سوى الله ما يعلق إلا بقلب لم يبع، أما من باع خلاص ما عاد شيء من هذه الأشياء.

يا رسول الله الرجل يقاتل للذكر -يعني ليذكر بين الناس- الرجل يقاتل للمغنم، الرجل يقاتل شجاعة، الرجل يقاتل حميّة، أيّهم في سبيل الله؟ نفى الكل وأثبت واحد قال: "من قاتل لتكون كلمة الله هي العليا فهو في سبيل الله" فقط، ومن أراد المغنم ومن أراد الذكر بين الناس، والذي له حمية عصبية على قومه وما إلى ذلك، كلهم ما لهم دخل في سبيل الله وليسوا في سبيل الله، الذي يريد يُرى مكانة، والذي يريد يذكر بين الناس، والذي يحب المغنم والغنائم ويريد يستلمها…

ولهذا نبّه الله بعضهم، وقد خرج في معركة في قتال كفار، وقال لبعض أصحابه: إن شاء الله ننتصر غدًا ونغنم ونأخذ غنم القوم ونذبح وآكل من كبدها فإني أحب الكبد، نبّهه الله برؤيا رآها في النوم، كأن ملكين، يقول: رُفعت أسماء المجاهدين؟ قالا: نعم، قال: أين هي؟ قالا: هذه هي فلان وفلان وفلان… ما طلع اسمه، قال: أنا حضرت معهم المعركة، قالوا: هذا يقول إنه حضر ما وجد إسمه! قال: لا، هذا قصد الكبد، قال: ما هو قصدي أنا، أنا خرجت مجاهد إنما فقط تمنيت، هذا منية خطرت لي، ما قصدي كذا.. قال شوف الرجل يصيح، قال: ما دام التفت قلبه ما نقدر تكتبه، كيف أكتبه! خله يأكل كبد يروح… بكى الرجل وقال: لا والله ما كان قصدي الكبد في الخروج، أنا قصدي أجاهد في سبيل الله إنما هذه أمنية خطرت عليّ وهو يبكي… قال: يقول الملك الثاني: اكتب على جانب الصحيفة في الهامش يلحَق بهم صاحب الكباد فلان ودَعْ ربك يقضي ما يشاء.. سمّوه صاحب الكبد!! كذا كتب يلحق بهم صاحب الكبد فلان، صبّح الصبح قال: لا حول ولا قوة إلا بالله أيش صلحت لنفسي ورطة، وصرفت قلبي عن المقصود.

"من قاتل لتكون كلمة الله هي العليا فهو في سبيل الله"، أَكثر شُهَدَاء أمتِي أَصْحَاب الْفرش وَ "رب قَتِيل بَين الصفين الله أعلم بنيته". قال: أكثر الشهداء في القيامة من أمتي اللي ماتوا على فرشهم، و "رب قَتِيل بَين الصفين الله أعلم بنيته". سيدنا خالد بن الوليد لما حضره الموت وهو على فراشه بكي، وقال في الإسلام تعرّضت للموت في مئة معركة منة معركة حضرتها في الإسلام، في كلها أتعرض للموت وأحب أن أُقتل شهيد قال: فلم أُمَكّن من ذلك، واليوم أموت كما تموت الشاة والبعير وكما يموت العجزة والنساء، فلا نامت أعين الجبناء! يقول… 

إذًا؛ لا بد من الوفاء بالبيعة مع الله العهد إن الله اشترى، عادك تبغى صك أكبر من ذا؟ من أين نجيب لك؟ ما عاد فوقه ولا أعظم منه. إِنَّ اللَّهَ اشْتَرَىٰ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ أَنفُسَهُمْ وَأَمْوَالَهُم بِأَنَّ لَهُمُ الْجَنَّةَ ولذا ما يدرك حقائق الإيمان وثمراته إلا من بذل نفسه الله وبذل روحه، وبذل ماله.

باب ما يدخله واحد سوى باذل الروح *** أو مشمّر ذبح نفسهِ مَعَ كُلِّ مَذْبُوح 

وانطرح في حمى ليلى مع كل مطروح

أول بذل للروح، ذبح للنفس، انطراح، بعدها خذ النتيجة…

شاهد البيت والأركان والسر واللوح *** والبصيرة تجلّت وانعزل كُل مَقْبُوح 

وأصبح البحر يسعى له بلا آلة ولا لوح *** غير بالسر الذي قد قال به نافخ الروح 

إذا عاده ما بذل الروح ما يقدر أن يذبح النفس، إذا لم يذبح النفس ما يتحقق بالانطراح، أما قال: أنا منطرح أنا بين يديكم!.. كلام كلام، ما يمكن يتحقق بالانطراح، إذا بذل الروح يقدر يتحقق بذبح النفس الأمارة، إذا ذبح النفس يقدر يتحقق بالانطراح، إذا تم الانطراح حصل الانشراح، وسُقِيَ الراح، وتروّحت الأرواح، وجاء الفتح من الفتاح، وتلقى الغيث السحّاح، واستنار بأضوأ مصباح، فجُمعت له جميع الأرباح.

كيف تعملون؟ "من قاتل لتكون كلمة الله هي العليا فهو في سبيل الله"، والشيطان حريص، ولكن الصادق مع الله ما يجد حتى من ألم القتل لو قُتِل في سبيل الله، إلا كما يجد من قرصة النملة، وإلا الموت العادي أشد من ثلاثمائة ضربة بالسيف آلامه، نزعه من تحت كل عظم من كل  لحم من كل شعرة؛ نزع الروح… قيل لبعض الأموات: كيف رأيت الموت؟ قال: كشاة يُسلخ جلدها وهي حية! 

وإن للموت سكرات، اللهم أعنّا على سكرات الموت. والشهيد في سبيل الله ما يُقتن في القبر ولا يُسأل. قال: كفى ببارقة السيوف على رأسه فتنة، وهو لم يلتفت ولم يدبر ولم يُرِد غير الله؛ كفاه هذا، ويُشفّع في سبعين من أهل بيته كلهم قد وجبت له النار.

زاول بعض الشهداء ونظر إليه ﷺ في أحد، ثم لفت رأسه ورجع، قالوا له: ما لك يا رسول الله؟ قال: استقبلته حوريه تتبسم في وجهه، فغضضت طرفي؛ بعدت رأسي قال عنه الله الله قبل أن يدفن جسده. وقال الله: تمنوا علي ما شئتم؟ قالوا : تردنا إلى الدنيا ثاني مرة لنقاتل مع نبيك على الله ، هذاك الضرب وقطع الأنوف والأذان وتبقير البطون طيب ثاني مرة نرجع ثاني مرة نصلح مثل هكذا! قال: سبق القضاء مني أنهم إليها لا يعودون، قالوا: فأبلغ عنا من وراءنا أنا لقيناك فرضيت عنا وأرضيتنا، وأنزل الله: (وَلَا تَحْسَبَنَّ الَّذِينَ قُتِلُوا فِي سَبِيلِ اللَّهِ أَمْوَاتًا ۚ بَلْ أَحْيَاءٌ عِندَ رَبِّهِمْ يُرْزَقُونَ * فَرِحِينَ بِمَا آتَاهُمُ اللَّهُ مِن فَضْلِهِ) [آل عمران:169-170].

الشيخ محمود الصواف -عليه رحمة الله- قبل سنين قال: لما جاءت السيول في أُحُد خرج بنفسه وكان معه بعضهم، وانكشف قبر حمزة قال: فرأيته بلحيته الكثة وهيئته كيوم وُضِع في عهد النبي الله الله بعد ألف وأربعمائة سنة كاملة وزيادة من المعركة؛ من معركة أُحُد. الله يرضى عنهم (بَلْ أَحْيَاءٌ عِندَ رَبِّهِمْ يُرْزَقُونَ).

 

"لقد رغّب الله فى الجهاد أعظم ترغيب، وأجزل ثواب المجاهدين والشهداء فلم يلحقهم فى مثوبتهم إلا من عمل بمثل عملهم، ومن يقتدي بهم في جهادهم ومنحهم من الامتيازات الروحية والعملية في الدنيا والآخرة ما لم يمنحها سواهم، وجعل دماءهم الطاهرة الزكية عربون النصر في الدنيا وعنوان الفوز والفلاح في العقبى، وتوعّد المخلَّفين القاعدين بأفظع العقوبات ورماهم بأبشع النعوت والصفات ووبّخهم على الجبن والقعود، ونعى عليهم الضعف والتخلّف وأعَدَّ لهم في الدنيا خزياً لا يُرفع إلا إن جاهدوا، وفي الآخرة عذابًا لا يفلتون منه، ولو كان لهم مثل أُحُد ذهبا، واعتبر القعود والفرار كبيرة من أعظم الكبائر وإحدى السبع الموبقات المهلكات."

 

(يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِذَا لَقِيتُمُ الَّذِينَ كَفَرُوا زَحْفًا فَلَا تُوَلُّوهُمُ الْأَدْبَارَ * وَمَن يُوَلِّهِمْ يَوْمَئِذٍ دُبُرَهُ إِلَّا مُتَحَرِّفًا لِّقِتَالٍ أَوْ مُتَحَيِّزًا إِلَىٰ فِئَةٍ فَقَدْ بَاءَ بِغَضَبٍ مِّنَ اللَّهِ وَمَأْوَاهُ جَهَنَّمُ ۖ وَبِئْسَ الْمَصِيرُ) [الأنفال:15-16]. ويقول سبحانه وتعالى: (يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا مَا لَكُمْ إِذَا قِيلَ لَكُمُ انفِرُوا فِي سَبِيلِ اللَّهِ اثَّاقَلْتُمْ إِلَى الْأَرْضِ ۚ أَرَضِيتُم بِالْحَيَاةِ الدُّنْيَا مِنَ الْآخِرَةِ ۚ فَمَا مَتَاعُ الْحَيَاةِ الدُّنْيَا فِي الْآخِرَةِ إِلَّا قَلِيلٌ * إِلَّا تَنفِرُوا يُعَذِّبْكُمْ عَذَابًا أَلِيمًا وَيَسْتَبْدِلْ قَوْمًا غَيْرَكُمْ وَلَا تَضُرُّوهُ شَيْئًا ۗ وَاللَّهُ عَلَىٰ كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ * إِلَّا تَنصُرُوهُ فَقَدْ نَصَرَهُ اللَّهُ إِذْ أَخْرَجَهُ الَّذِينَ كَفَرُوا ثَانِيَ اثْنَيْنِ إِذْ هُمَا فِي الْغَارِ إِذْ يَقُولُ لِصَاحِبِهِ لَا تَحْزَنْ إِنَّ اللَّهَ مَعَنَا ۖ ) [التوبة:38-40]. الله يرزقنا الصدق والإخلاص، ويرزقنا الوجهة التامة إليه في جميع الأحوال، ويرزقنا كثرة الصلاة والسلام عليه فيه.

 

سؤال

هل من صيغة بعد عصر الجمعة؟ 

  • منها ما سُئل ﷺ كيف الصلاة عليك؟ قال: تقول: اللهم صلِّ على عبدك ورسولك محمد النبيّ الأمّي، وتعقِد واحدة. هذه من الصيغ ويؤتى بها هنا بعد العصر 80 مرة. من صلى عليّ بعد عصر الجمعة ثمانين مرة، غفر الله له ذنوب ثمانين سنة. كيف الصلاة عليك؟ تقول: اللهم صلّ على محمد عبدك ورسولك النبيّ الأمّي وتعقد وحدة. 
  • وجاءت هذه الصيغة: اللهم صلّ على عبدك ورسولك النبيّ الأمّي وآله وصحبه وسلِّم تسليما. 
  • وكذلك الصلاة الإبراهيمية. 
  • وكذلك: صلاة نورك الساري ومددك الجاري واجمعني به في كل أطواري وآله وصحبه.

وكل صيغ الصلاة على النبي ﷺ مباركة، وخصوصًا ما أُثِر عن الصحابة والتابعين والصالحين. قال ابن مسعود: أحسِنوا الصلاة على نبيّكم، فإنكم لا تدرون لعلّ ذلك يُعرَض عليه. صلوات ربي وسلامه عليه وعلى آله وصحبه.

روى أبو القاسم القشيري في تفسيره: أن بعض الأمة يقفون على الميزان، فترجح كِفة السيئات، فيوقن بالهلاك، ويخاف الثبور والنار، فلا يدري إلا وأمسك بيده رجل يقول: إن لك عندنا وديعة، فيضع له بطاقةً في كفة الحسنات فترجح، فيُفرّج عنه فيقول: من أنت الذي فرّج الله بك كربتي في هذا اليوم؟ يقول: أنا نبيّك محمّد وهذه صلواتك التي كنت تصليها عليّ، ادّخرتها لك عندي حتى سلّمتها إليك أحوج ما تكون إليها. صلوات ربي وسلامه عليه.

وفي الأثر: أن الملائكة قد تشمّ رائحة طيبة زكية متميزة، فيقولون: ما هذه الرائحة؟ فيقولون: مجلس في الأرض صُلّيَّ فيه على رسول الله. وجاء في الآثار: أن الجنة تتسع بالصلاة على رسول الله ﷺ. قال سيدنا أبيّ بن كعب: قلت: يا رسول الله، إني أُكثِر الصلاة عليك، فكم أجعل لك من صلاتي؟ فقال: "ما شئت"، قلت: الربع، قال: "ما شئت، فإن زدت فهو خير لك"، قلت: فالنصف؟ قال: "ما شئت، فإن زدت فهو خير لك" قلت: فالثلثين؟ قال: "ما شئت، فإن زدت فهو خير لك" قلت: أجعل لك صلاتي كلها؟ قال: "إذًا تكفى همك، ويُغفر لك ذنبك". 

"إذًا تُكفى همك، ويُغفر لك ذنبك"، إذا كُفيت الهم وغُفر الذنب فلا شقاء في الدنيا ولا في الآخرة.

 الله يكرمنا وإياكم بقُربه، ويسقينا من شُربه، ويجعلنا جميعًا في حِزبه، ويرينا وجهه ووجوه آله وصحبه، ويدخلنا معهم في دار الكرامة وهو راضٍ عنّا من غير سابقة عذاب ولا عتاب ولا فتنة ولا حساب، بسِر الفاتحة إلى حضرة النبي ﷺ.

 

تاريخ النشر الهجري

11 ذو القِعدة 1433

تاريخ النشر الميلادي

27 سبتمبر 2012

مشاركة

اضافة إلى المفضلة

كتابة فائدة متعلقة بالمادة

الأقسام