القدوة الحسنة في منهج الدعوة إلى الله -7- المجاهدة بتربية النفس على التحلّي بمظهر القدوة

شرح كتاب القدوة الحسنة - الدرس السابع - المجاهدة بتربية النفس على التحلي بمظهر القدوة
للاستماع إلى الدرس

شرح الحبيب العلامة عمر بن محمد بن حفيظ على كتاب القدوة الحسنة في منهج الدعوة إلى الله للسيد محمد بن علوي المالكي، يتحدث عن مسائل مهمة عن منهج الدعوة الإسلامية وحقيقة القدوة الحسنة في سبيلها.

الدرس السابع: المجاهدة بتربية النفس على التحلّي بمظهر القدوة.

 

نص الدرس مكتوب:

 

المجاهدة لتربية النفس على التحلّي بمظهر القدوة

"وذلك بتطبيق آداب وصفات المؤمن في الحياة العملية وتصديق العمل العلمي حتى يوافق السلوك ما تقتضيه الدعوة.

ونبينا صلى الله عليه وسلم خير من يمثّل صدق العمل واستقامة السلوك وطهارة السريرة وصلاح السيرة. لأنه قدوة حسنة، قال تعالى : (لَّقَدْ كَانَ لَكُمْ فِي رَسُولِ اللَّهِ أُسْوَةٌ حَسَنَةٌ لِّمَن كَانَ يَرْجُو اللَّهَ وَالْيَوْمَ الْآخِرَ وَذَكَرَ اللَّهَ كَثِيرًا) [الأحزاب:21]، وهو القائل لهم: "أنا أخشاكم لله وأتقاكم له وأعلمكم به و أعرفكم بحدوده".

ولم يهمل القرآن بيان هذه الأخلاق الزكية، وتكفلت كتب السنّة المطهرة بتفاصيلها، وأُلِّفت فيها الكتب المخصوصة كالشمائل ودلائل النبوة والخصائص، والتي تضمنت أيضًا النماذج الصادقة، والأمثلة الرائعة، والمواقف المشهورة له في هذا المجال". 

 

الحمد لله الذي أكرمنا بأكرم قدوة، من ختم به النبوة ﷺ. وبسِرّ ما بينه وبين مولانا أبقى الله في الأمة قدوات على مدى الأزمان في الأمكنة المختلفة؛ تتجلّى فيهم حقائق الوحي مشاهدةً ومقروءةً في سِماتهم، وفي أفعالهم وفي نبرات صوتهم وفي أزيائهم، وفي حركاتهم وسكناتهم، وفي عباداتهم وعاداتهم. تقرأ القرآن في بكائهم إن بكوا، وفي ضحكهم إن ضحكوا أو تبسّموا، تقرأ القرآن في قيامهم إن قاموا وفي جلوسهم إن جلسوا، تقرأ القرآن في لباسهم إذا لبسوا، تقرأ القرآن في دخولهم وخروجهم، تقرأ القرآن في خطابهم للخالق وخطابهم للخلق كيف يكون. وبذلك قالت السيدة عائشة عن موروثهم ومشرّفهم ﷺ: "كان خُلُقُه القرآن"، صلوات ربي وسلامه عليه.

فمن الضرورة لكل داعي: 

  • أن يكون راسخ القدم في اتباع الداعي الأكرم؛ من دون الحرص على سنته وآدابه ما تصح الدعوة وما تثبت ولا تثمر، هذا أولاً.
  • ثم لا يتم ويقوى هذا الاتباع للمصطفى إلا بالارتباط بسلسلة الاتباع؛ وهي أن تأخذ من القدوات التي جعل الله في زمنك وفي عصرك قدوة تهتدي بهديهم وتقتدي بهم، فتتصل السلسلة قدوة بقدوة إلى أكرم قدوة خاتم النبوة ﷺ.

 وبهذا تعلم العمل بمعنى قوله: "صلوا كما رأيتموني أصلي"، وهذا الخطاب خاص للصحابة أو للأمة؟ يخاطب أمته كلهم ما يخاطب الصحابة وحدهم.. طيب أصحابه رأوه كيف يصلي، طيب وبعدين؟ التابعين وتابعي التابعين ما رأوه، فكيف ينفذون أمر "صلوا كما رأيتموني أصلى"؟ تكون رؤيتهم إياه من خلال من اتصلوا به من ورثته، من خلال من شاهدوه ممن شاهده وممن أخذ عنه، فهم يرونهم.. فـ "صلوا كما رأيتموني أصلي"؛ فكما رأى التابعون الصحابة كيف يصلون فيقتدون بالنبي ﷺ، فكما رأوه يصلي يصلون، كما رأوه في أصحابه، وتابعي التابعين كما رأوه في التابعين الذين رأوه في أصحابه، وتابع تابع التابعين، وهكذا... إلى من أدركنا من مشايخنا وعلمائنا في سر التسلسل هذا في التبعية والقدوة.

صلى مرة بعض الناس كانوا قدّموه يصلي بهم مع بعض الصالحين والعلماء، فلما خرج من الصلاة، قال: يا ولد، رأيت جميع ما ينبغي في الصلاة في صلاتك هذه، رأيت الآداب والسنن وبعد الفرائض والشروط كلها مجموعة في صلاتك، فمن أين تعلمت؟ عند من؟ قال: يا شيخ إنما رأيت والدي كيف يصلي فصليت خلفه كما يصلي، قال أنا أخذتها بالتلقي من أبي، أبي علمنا هكذا الصلاة، ورأيته يصلي هكذا فصليت، قال: بارك الله فيك من مقتدي ومهتدي أبوك من أهل الهدى، وأخذ سلسلة الصلاة عمن قبله، فأنت صليت كما صلى النبي ﷺ. 

"صلوا كما رأيتموني أصلي" فلا بد من قدوة؛ ولهذا لم يُنزل الله على الأمة كتابًا بواسطة مَلَك يلقيه إليهم فيه منهج من دون أن يكون عندهم قدوة نبي رسول يجيئهم؛ شاهدوا هذا النبي واتبعوه واقتدوا به واهتدوا بهديه. فلا يكون منهج هكذا بلا قدوة! كيف بلا قدوة ؟ أين القدوة؟ ولا ملك يخاطب الناس، ولا الحق تعالى مباشرة، ولكن يرسل رسله (وَمَا كَانَ اللهُ لِيُطْلِعَكُمْ عَلَى الْغَيْبِ وَلَكِنَّ اللهَ يَجْتَبِي مِن رُّسُلِهِ مَن يَشَاءُ) [آل عمران:179]، ما من كتاب نزل من السماء إلا ومعه إنسان قدوة، ينفّذ ما في هذا الكتاب ويعمل به فيكون قدوة. فكذلك كل داعي يجب أن يكون مقتديًا فيصبح هو قدوة... ولهذا قالوا:

يا أيها الرجُلُ المُعَلِّمُ غَيرَهُ *** هلا لِنَفْسِكَ كان ذا التعليم

تصف الدواء لذي السقام وذي الضنا *** كيما يصحّ بِهِ وَأَنتَ سَقِيمُ

ونراك تصلِح بالرشاد عقولنا *** أبدًا وَأَنتَ مِن الرَّشادِ عَدِيمُ

ابدأ بنفسك فانهها عَن غَيّها *** فإذا انتَهَت عَنْهُ فَأَنتَ حَكِيم

فهناك يُقبل ما تقول ويهتدي *** بالقول منك وينفع التعليم

لا تنهَ عَن خُلُقٍ وتأتي مِثْلَهُ *** عارُ عَلَيْكَ إِذا فعلتَ عَظِيمُ

لابد لنا من الاقتداء لنكون قدوة. فلا بد يجاهد الداعي، يربّي نفسه على التحلي بمظهر القدوة، ويكون المسارع إلى ما يأمر به ويحث عليه، ويكون من أبعد الناس عن ما يحذّر منه وينهى عنه. مقتديًا بالسيد المعصوم حبيب الحي القيوم الذي في الاقتداء به محبة الرحمن والعفو والغفران، (قُلْ إِن كُنتُمْ تُحِبُّونَ الله فَاتَّبِعُونِي يُحْبِبْكُمُ اللَّهُ وَيَغْفِرْ لَكُمْ ذُنُوبَكُمْ) [آل عمران:31].

وقاتل الله الذين احتلوا ساحات قلوب وعقول أبناء وبنات لنا من المسلمين، فاستجرّوهم إلى أن يقتدوا بفَجَرة وكفَرة وفسَقة ويُنهوا القدوة بمحمد ﷺ! (قَاتَلَهُمُ اللَّهُ أَنَّى يُؤْفَكُونَ) [التوبة:30]، كم لعبوا بأبنائنا وبناتنا وما لهم حق فيهم. لا هم الذين خلقوهم ولا هم الذين يرزقونهم، ولا الذين منهم مبتدأ ولا لأيهم نهاية. ما لهم حق، ولكن غفلتنا واهمالنا أدخلت أسلحتهم الخبيثة إلى ساحات القلوب فصرفتها، فإذا تنبّهنا ورجعنا؛ (وَلَن يَجْعَلَ اللهُ لِلْكَافِرِينَ عَلَى الْمُؤْمِنِينَ سَبِيلًا) [النساء:141]. لكن نحن الذين نفتح لهم أبواب قلوبنا، ونقول لهم: العبوا بها، ثم إذا جاؤوا يلعبون على ساحات أراضينا إما بأنفسهم مباشرة، وإما بفتنهم وإثارتهم، تعبنا وقلنا: ما هذه المشاكل؟! أمَا نحن من فتحنا لهم الأبواب و لعبوا في ساحات القلوب حتى شبعوا، والآن نصيح؟! حتى اذا جاءت النتيجة في عالم الحس نرجع نصيح ونحن السبب؟! (أَوَلَمَّا أَصَابَتْكُمْ مُصِيبَةٌ قَدْ أَصَبْتُمْ مِثْلَيْهَا قُلْتُمْ أَنَّى هَذَا قُلْ هُوَ مِنْ عِنْدِ أَنْفُسِكُمْ) [آل عمران:165] (قُلْ هُوَ مِنْ عِنْدِ أَنْفُسِكُمْ). فالله يحيي قلوبنا وقلوب المؤمنين، وإذا حيّ القلب رضيَ الرب، إذا حيّ القلب طاب العيش، وطاب المآب والمصير والمآل. والماء الذي يحيا به القلب ذكر الله.

 

وهذا كله يعلمنا أنّ على المسلمين أولًا أن يصلحوا من أنفسهم وأن هذا - أي: إصلاح أنفسهم - هو بنفسه جزء عظيم من دعوة غيرهم للإسلام.

لأن أي نظرية مهما تبلغ من الصحة ودقة الفكر أو أي تعليم مهما يكن رائعاً ويقع من الناس موقع الإعجاب، أو أي هداية مهما تجمع من صنوف الخير لا يغني ولا يثمر ولا يبقى إلا إذا كان له من يمثله بعمله ويدعو إليه بأخلاقه وفضائله، ويعرفه إلى الناس بالقدوة والأسوة فيقتدي الناس بدعوته من طريق العمل بعد العلم معجبين بسجايا هؤلاء الدعاة معظمين لأخلاقهم، مكرمين طهارة قلوبهم وزكاة نفوسهم وسماحة أخلاقهم ورجاحة عقولهم وحصافة آرائهم وسداد أفكارهم. 

 

قال: فكل إصلاحٍ واستقامة في نفس وذات كل واحد منا جزء في خدمة الدين والخلافة عن الله في الأرض، جزء في إقامة الدعوة، جزء في نشر الخير والهدى، وكل وصف يصلح في أي واحد منا هذا جزء في نشر الهدى والنور في العالم. هذا سبب الإقامة الخلافة عن الله في الأرض. 

وكل وصف يفسد في أحد منا فيقر نفسه عليه، هذا سبب لتأخير نشر الهدى، هذا سبب لظهور الغي والردى، هذا سبب لانتشار الزيغ، هذا سبب لانقطاع الرحمة عن الناس. 

فلهذا إصلاح ما بأنفسنا هو مفتاح أن يصلح الله ما بنا وما حوالينا (إِنَّ اللهَ لا يُغَيْرُ مَا بِقَوْمٍ حَتَّى يُغَيِّرُوا مَا بِأَنفُسِهِم) [الرعد:11]؛ فلهذا يجب أن ننشط في الدعوة إلى الله من خلال ما نُصلح من صفات أنفسنا في هذه المواقف وهذه المواقع وهذه المواسم و هذه الأيام، موسم رمضان ولياليه، ومع هذه الدورة.

ويعمل على إصلاحك الجماعة والصلاة فيها، والحضور والتدبر والقرآن، ويعمل على إصلاحك صلاتك الضحى، يعمل على إصلاحك حرصك على الوقوف بين يديّ الله، يعمل على إصلاحك إصغائك إلى إخوانك واستماعك إليهم وإلى نصحهم، يعمل على إصلاحك توطين قلبك على الرحمة لمن حواليك.. كل هذه تعمل على إصلاحك لأنها تودّدات إلى الله، تتودد إلى الله بكل حضور، تتودد إلى الله بكل ركعة، تتودد إلى الله بكل آية تقرأها أو تسمعها، بكل صلاة على النبيّ تتودد إلى الله، بكل تفقد أحوال إخوانك تتودد إلى الله، سؤال عن أحوال المسلمين في بلدك وفي بلد صاحبك الذي عندك تودد إلى الله تعالى. فإذا توددنا إليه أصلحنا، أصلح صفاتنا، أصلح أحوالنا، أخذ بأيدينا جلّ جلاله وتعالى في علاه، وهو القائل: "ومن اقترب إليّ شبرًا اقتربت إليه ذراعًا، ومن اقترب إليّ ذراعًا اقتربت منه باعًا، ومن أتاني يمشي أتيته هرولة".

له الحمد هذا رب كريم رحيم عظيم، مع غِناه المطلق عنّا وعن كل شيء؛ بسط لنا البساط هكذا؛ "إن الله يبسط يده بالليل ليتوب مسيء النهار، ويبسط يده بالنهار ليتوب مسيء الليل" وهو الغني عن الكل جل جلاله وهم المحتاجون إليه. وخاصة أمة محمد ﷺ بسط لهم بساط فضل كبير، وجعل الخير قريب منهم، حتى قالوا: إن الملائكة في القيامة تعجب ممن ينجو من الأمم السابقة، كيف حُفظ من الفتن وشرور النفس والهوى والدنيا حتى نجا، وتعجب ممن يهلك من هذه الأمة، تقول: كيف ما نجا؟! هذا من أمة محمد، الخير ميسّر لهم والعمل القليل يقبله الله منهم ويثيبهم عليه، فبقي بهذه الصورة والأبواب مفتوحة له بالخير! فيعجَبون ممن يهلك من هذه الأمة ويعجبون ممن ينجو من الأمم السابقة. 

وفي الأمة أصفياء وأوفياء وأتقياء وفوا بعهد الله، لهم رايات يمشون بها في القيامة. حتى ورد في الحديث ولما تلتفت الأمم السابقة للأمة بمشون يقولون: كأن هؤلاء كلهم أنبياء! يقولون هؤلاء ما فيهم نبي الا سيد الأنبياء فقط معهم نبيهم ﷺ، قيل: كلهم ما فيهم نبي هؤلاء أولياء. قيل لهم لمن هذه الرايات هذه؟ لمن هذه الألوية المعقودة في القيامة؟ ترفرف جماعات طوائف يقولون للأصفياء للأولياء للمقربين، (يوْمَ ندْعُو كُل أُناسٍ بِإِمامِهِمْ) [الإسراء:71].

قال الله في فرعون -سمعت قوله عنه في الصلاة البارحة- يقول: (يَقدُمُ قَومَهُ يَومَ القِيامَةِ فَأَورَدَهُمُ النّارَ وَبِئسَ الوِردُ المَورودُ * وَأُتبِعوا في هذِهِ لَعنَةً وَيَومَ القِيامَةِ بِئسَ الرِّفدُ المَرفودُ) [هود:98-99]، لكن لما يكون صدّيق ونبي وصالح يقدم قومه، أين يوصلهم؟! هذا فرعون فأوردهم النار، ولكن لما يكون نبي أو ولي أو صالح؟ يقدم قومه فأوردهم أين؟ الجنة، يذهب بهم إلى الجنة، والثاني يذهب بهم النار. والذين اتبعوا فرعون جعلوه إمام يقدمهم إلى النار. ولو جعلت إمامك ولي وصالح ونبي ستمشي إلى الجنة. لأن كل واحد له موطن يروح فيه، وكلٌّ يقدم قومه، كلّ يقدم قومه في ذاك اليوم، ولكن أهل الجنة ينطوون بعضهم في بعض، كلهم وراء إمامهم وراء الآخر وهكذا، فيصير الكل تحت راية محمد ﷺ.

وإذا اجتمعوا تحت اللواء بعد ذلك يأتي دور التفرّق للدخول وللشفاعة وللتردد فيكون طوائف طوائف؛ أول شيء الأمة المحمدية، أهل الجنة من هذه الأمة، لا أحد يحاسب قبلهم، لا أحد يوزن له قبلهم، لا أحد يمر على الصراط قبلهم، لا أحد يدخل الجنة قبلهم، ثم بعدهم بقية الأمم. فينتظر الأنبياء من أجل أممهم، إذا مرّت الأمة .. مرّت أمة إبراهيم، ومرّت أمة موسى... وهكذا نبي بعد نبي حتى يجتمعوا في الجنة. 

قال العارفون: ولا تسَل عن حال الجنة حينما يقدُم عليها حبيب ربها،  تنبسط تنبسط تنبسط تطرب تفرح، يصفق فيها كل شيء، يرقص يطرب، تأخذ في بهجة وسرور وازدياد عندما يُقبل عليها حبيب مولاها صاحب الوسيلة ﷺ، ومعه جماعة من فقراء المؤمنين. يقف يحرك الحِلَق والأبواب مفتوحة لكن أدب نبينا فكله أدب، والأبواب مفتوحة له، ومن أجله خُلقت، ويقف عند الباب يحرك الحِلق، ينبّه الخازن سيدنا رضوان يقول: نعم، من بالباب؟ يقول: محمد، يقول: بك أُمِرت، أمرني ربي أن لا أدع أحدًا يدخلها قبلك تفضل يا رسول الله أدخل ﷺ. وإذا دخل يتزاحمون وراءه من بعده. وهو يقف ويحرك الحلق.. أنا أول من يدخل الجنة، فآتي فأحرّك حلق أبوابها، فيقول خازنها من ؟ يقول: محمد، يقول بك أمرت أمرني ربي أن لا أدع أحداً يدخلها قبلك، فأدخل، فأدخلها ومعي فقراء المؤمنين، ولا فخر. إذا دخل يتزاحمون بعده أهل الجنة حتى يملؤوا ما بين المصراع والمصراع من كل باب، ثمانية أبواب، وقال: تأتي عليها ساعة وهي تكتظ بالزحام حتى تكاد تنخلع أكتافهم، الله يدخلنا…

ولكن هؤلاء كلهم بالنسبة لأهل النار قليل، في كل ألف من بني آدم تسعمائة وتسعة وتسعين إلى النار وواحد إلى الجنة. يقولون عندما يقول الله لآدم: قُم، -فيقوم والخلائق كلهم ينظرون آدم ويسمعون الحق يخاطبه- أخرِج بعث النار من ذرّيتك، هات نصيب النار، يا رب كم أخرج؟ يقول له: في كل ألف تسعمئة وتسعة وتسعين إلى النار وواحد إلى الجنة، تلك الساعة تشيب رؤوس الولدان -رؤوس الأولاد الأطفال تصير بيضاء من الهول- لما يقول في كل ألف تسعمئة وتسعة وتسعين إلى النار وواحد إلى الجنة (فَكَيفَ تَتَّقونَ إِن كَفَرتُم يَومًا يَجعَلُ الوِلدانَ شيبًا) [ المزمل:17].

فإذا نُقِلوا من أرض المحشر إلى أرض الحساب جيء بالنار وأُذِن لها فجاءت، لها سبعون ألف زمام كل زمام يقوده سبعون ألف من الزبانية. فإذا أقبلت عليهم زمجرت، ولها زفير يُسمع من مسافة مئة عام. وإذا دَنت اشتاقت لأصحابها من كبار الفجرة والكفرة، فيضجّ الناس من قُربها ويلوذون بالحبيب ﷺ، يقول: ارجعي أيتها النار إلى أيدي الزبانية، فتقول: دعني يا محمد على من عصى ربي، فيأتيها النداء من الجبار: اسمعي وأطيعي كلام حبيبي محمد، وتستحي وترجع إلى أيدي الزبانية، فيطوفون بها من الجوانب كلها، تدور تصير تشوف كذا كذا كذا… ثم يُنصَب الصراط من أجل المرور عليه إلى الجنة.

تستأذن النار ربها تقول: يا رب أأذن لي فلان وفلان كبار العصاة الطاغين هؤلاء الذين كانوا يتكلمون على الحق ورسوله ويتكلمون على…، تقول: أأذن لي اختطفهم من بين الناس مشتاقة لهم، أصحابها، قال: فيأذن الله لها، فتخرج منها خيوط تمتد كأعناق الإبل تخطفهم من بين الناس وتأخذهم مباشرة (فَلا نُقيمُ لَهُم يَومَ القِيامَةِ وَزنًا) [ الكهف:105]. كما أنه بالمقابل ناس يدخلون الجنة بغير حساب، هؤلاء يدخلون النار والعياذ بالله تعالى، وهناك ناس يدخلون الجنة بغير حساب.

 والنبي يُكثر السجود أُمتي أمتي، أمتي أمتي… يقول الله: أدخل من لا حساب عليه من أمتك من الباب الأيمن إلى الجنة، وهم شركاء الناس فيما عدى ذلك من الأبواب. إنا سنرضيك في أمتك ولن نخزيك فيهم، ﷺ.. رحيم رحيم رؤوف بنا كثير، كم بينك وبينه من السنين؟ كم من المسافة؟ كم…؟ وهو يقول: أمتي أمتي، أمتي أمتي… يا رب شفعني، يا رب شفعني. يقول حتى يتعجب سيدنا مالك خازن النار، كل ساعة تأتي صكوك شفاعات من عند المولى تخرج طوائف من أمته، كل ما يبدأ يستقر أحد في العذاب منهم تأتي صكوك شفاعة تخرج طائفة بعد طائفة، سيدنا مالك يجد النبي يقول: لم تدع لغضب ربك في أمتك من بقية يا محمد! ما عاد تركت لغضب ربك بقية في الأمة، كل ساعة تقوم تتشفع وتخرجهم من عندي هنا، ﷺ. رحمة عجيبة مع إنه موقف (يَومَ يَفِرُّ المَرءُ مِن أَخيهِ * وَأُمِّهِ وَأَبيهِ) [عبس:35-36] وهو: أمتي أمتي، أمتي أمتي… يا رب صل عليه...

كيف ما نحبه؟! من في الخلق أحق بمحبتنا منه؟ ولا أنفسنا ولا آبائنا ولا أمهاتنا. فالله يحيينا ويتوفانا على محبته وملته، ويحشرنا في زمرته، حتى ترونه كلكم في القيامة إن شاء الله. لا يحرم الله عين منّا نظرة إلى ذاك الوجه المنير، وإذا رأيته خلاص الجنة تدخلها لابد، فكيف إذا صافحته؟ وكيف إذا كلمك وخاطبك؟ وابتسم في وجهك؟

هذا لعمري الفوز والزلفى *** لمن لهمُ إذا بان الخفا الباب

قال سيدنا أنس في حديثه الصحيح: "سألت النبي ﷺ أن يشفع لي يوم القيامة، فقال: أنا فاعل قال: قلت: يا رسول الله فأين أطلبك؟" هذا موقف قيامة أين أجد وكل العالم كله مجموع، قال: "اطلبني أول ما تطلبني على الصراط قال: قلت: فإن لم ألقك على الصراط، قال: فاطلبني عند الميزان قلت: فإن لم ألقك عند الميزان، قال: فاطلبني عند الحوض، فإني لا أخطئ هذه الثلاث المواطن"، قال: أنا أدور بين هذا، عند الميزان وعند الصراط من شأن الشفاعة، ملاحظة الوزن، ملاحظة المرور على الصراط، وعند الحوض لأجل السقي يسقي... اللهم صل عليه.

عسى نراه كلنا إن شاء الله، وهو راضٍ عنا والله راضٍ عنا، ونشرب من حوضه. تنعّموا الصحابة في الدنيا بطيب رائحته، هي في القيامة أزكى وأطيب، يظهر من سر طيبه في الآخرة ما لم يكن في الدنيا، اللهم صل عليه.

محمد زين كله زين *** له انشق القمر نصفين

ما شق القمر ربكم لأحد قبله ولا بعده. كوكب في الأرض من يوم خلقه لم ينفلق ولم ينشق، لكن لما تحدّوا الحبيب قال: يا رب قال: بسم الله، فلقناه، (اقتَرَبَتِ السّاعَةُ وَانشَقَّ القَمَرُ) [القمر:1]، وجدوا عند أهل الصين في تاريخهم تاريخ حادثة انشقاق القمر -في التاريخ عندهم- لأن العالم كله رأى انشقاق القمر في تلك الليلة، سبحان الله!.. طول الليل بقي منشق من أول الليل إلى الفجر فلقتين هكذا. حتى أهل مكة يقولون كان الجبل بين القمر هنا وهنا في الوسط، يرون فلقة منه من جبل أبي قبيس من هذا الجانب وفلقه منه على الجبل الثاني، سبحان الله، الحمد لله الذي أكرمنا بهذا النبي.

ولا يسُرّ قلبه في أعمال أمته مثل الدعوة إلى الله والاهتمام بأمر الدعوة إلى الله، لأنها طريقته وبضاعته وترِكته فينا ﷺ. وينبغي لكل منا أن يحسِن قيامًا بشيء من أمر الدعوة إلى الله بما يستطيع، حتى يقرب من الشفيع، ويدخل في جاهه الوسيع. 

وهكذا قال لو كانت نظرية مهما كان فيها صحة ودقة فكر وتعليم رائع وليس له قدوة ما يؤثر في الناس. جئنا إلى منطقة أروى في آخر حدود أوغندا، ومررنا على مآثر لبعض الدعاة هؤلاء الذين أثّروا في الناس بأخلاقهم ومعاملاتهم. فرأينا أول مسجد بُني في تلك المنطقة، ولما كانوا يُرونا بعض المساجد، وصلنا في الليل وما عندهم كهرباء ولا سرج ولا شموع ولا… يجيئون ببعض الشجر وأشعلوا فيه النار يرونا الأماكن. فجئنا إلى عند أول مسجد في المنطقة على حدود الكونغو في آخر البلد، هذه المنطقة ما كان فيها أحد من المسلمين، كان واحد فتح له دكان هناك اسمه الحاج خميس، توفي العام الماضي رحمه الله. فكتب إليه واحد من الأشراف الدعاة الشريف سعيد بريد يقول له فيه: شوف لي دكان عندكم أجي نشتغل فيها، فشاف له مكان وجاء، ولما جاء كان الناس كلهم كفار في هذه المنطقة، أي واحد يجيء يشتري منه شاي، يأخذ قليل سكر ويحطه ويعطيه إياه من عنده هدية، يقول له ما هذا؟ يقول: حتى تشرب الشاي بسكر فهذا يوافق لك، أي واحد يجي يشتري رز يروح يأخذ قليل سمن يعطيه إياه من عنده، يقول له: لماذا؟ قال: لتطبخه.

قالوا: هذا عجيب هذا يعطي الناس من عنده، التجار يأخذوا من الناس، وهذا كريم يعطي! قالوا: لماذا تفعل هكذا؟ يقول: ديننا يأمرنا بهذا، ما دينك هذا؟ يقول: الإسلام ، ماهو الإسلام ؟ يقول: شهادة أن لا إله إلا الله وأن محمداً رسول الله،…. دین عجیب زين... ثم قالوا له رجالهم : هذا دين طيب، لكن من العيب أن نتبعك ونحن ناس كبار.. قال: لا بأس هاتوا أولادكم. جاؤوا له بالأولاد يعلمهم، وإذا علمهم الشهادتين والوضوء والصلاة، ويبدأ يعلمهم مبادئ الدين وتعلموا عنده، تحسّنت أخلاق الأولاد وأثروا في البيوت، صاروا في البيوت غير. قالوا: هذا دين ممتاز هذا، جاؤوا لعنده قالوا: نحن أيضاً بنسلم، فأسلموا، وبنى لهم مسجد، وأقام الجمعة فيه، وانتشر الإسلام في البلد… يا حاج خميس، ابحث لي عن دكان في بلاد أخرى ما فيها مسلمين ،هذه خلاص انت الآن كمل فيها قد انتشر فيها الإسلام. فهو يروح باسم التجارة ومعه تجارة الآخرة كذلك، معه الهمّ بنشر الدين، فما أثّر في الناس إلا أعمالهم وأخلاقهم.

بدأ أثر الإسلام من عهد الصحابة في شرق آسيا عند أفراد لا يُذكرون، ومر القرن الأول والثاني والثالث ولا زال الإسلام في أفراد في نواحي أندونيسيا وما حواليها، ثم جاء هؤلاء تسعة نفر، انتشر الإسلام، صغار كبار رجال نساء ملوك رعية… وماذا فعلوا؟! معهم جيوش؟ ما في جيوش، معهم أسلحة؟ ما في أسلحة، ماذا معهم هؤلاء؟ معهم أموال؟ أموال على قدر ما يتّجرون ويكتفون بأنفسهم، لا شيء آخر عندهم، ليسوا أهل ثراء، ماذا معهم؟ معهم أخلاق، معهم نية، معهم قلوب منيرة، معهم صدق في الاتباع، معهم همّ بأمر الله ودينه، فحوّلوا البلاد كلها إلى ملايين المسلمين. والآن موجودين تسعة نفر في أوروبا من المسلمين أو ما في؟ في تسع نفر في أمريكا أو مافي؟ ما أثّروا؟ لكن هؤلاء التسعة أثروا في الملايين، والآن موجود تسعة، وتسعين، وتسعمئة، وتسعة ألف، ما يأثرون؟! لماذا؟ إذا القلوب مثل القلوب لابد يحصل أثر، والأخلاق مثل الأخلاق والنيات… وهكذا أثروا على الناس بأخلاقهم.

بعض متأخّريهم -وذكرنا لكم- أراد يرجع إلى حضرموت واحد كان هناك ومعه دكان أيضًا، فأهل المنطقة أسفوا عليه وحزنوا على فراقه، حتى واحد من جيرانه لم يسلم بعد كافر، كان يبكي عليه، يقول: لا أريد أن تخرج من عندنا لماذا ترجع إلى بلادك؟ ثم سأله أحدهم هذا يقول له: لماذا أنت تحزن على هذا وهو ليس على دينك؟! هذا مسلم وأنت مشرك؟ قال: هذا جاورته كذا كذا سنة ما رأيته يوم نظر بعينه وسط داري، ولا تتبع عورة لي ولا لأولادي، ويواسينا ويحسن إلينا ، أنا مطمئن بوجوده أكثر من نفسي على أهلي وعلى ولدي وعلى مالي، مع وجود هذا الشخص، من أخلاقه انظر كيف أراه ما طعم الإسلام، ما لون الإسلام بالأخلاق هذه. فكان يحزن عليه كيف يفارقه وهو غير مسلم يحزن على هذا المسلم أن يخرج من بلاده.

قال: فيقتدي الناس بدعوته من طريق العمل بعد العلم معجبين بسجايا هؤلاء الدعاة معظمين لأخلاقهم. قديمًا وحديثا من بداية الدعوة .. الذين يدخلون إلى دين الله عبر الأخلاق وعبر المشاهدة للمكارم هم الأكثر، أما الذين يدخلون عبر القناعات والحجج والأدلة قديماً وحديثاً أقل، قليل قليل جدا. إلى عصرنا هذا، الذين يدخلون الإسلام من أين دخلوا؟ ليس بقناعة فكرية ولا بأدلة عقلية، انما رأوا مسلمين طيبين أخيار، تأثروا بهم؛ إلى الآن، وجود حقيقة الإسلام في ذات الإنسان هي الباب لدخول الناس إلى دين الله تبارك وتعالى.

فالله يحيى هذه الحقائق، الله يحيي هذه الحقائق فينا، ويصلح ظاهرنا وخافينا، يشيّد في التقوى مبانينا، ويجعلنا وإياكم من الصادقين الموفقين و الهداة المهتدين، ويرعانا بعين العناية في كل شأن وحال وحين، ويختم لنا بالحسنى وهو راض عنا في خير ولطف وعافية، بسر الفاتحة إلى حضرة النبي ﷺ.

باقي عشرة أيام معكم بالنسبة للدورة اغتنموها، وعسى البركة تنقضي، بكرة ما عاد بيبقى إلا تسعة بعد بكرة باقي ثمانية، خلاص ماحد يقدر يمسك… فعسى البركة فيها، والرجوع بالثمرة الطيبة إن شاء الله، يا أكرم الأكرمين يا أرحم الراحمين.

في كل زمن يكتَبون أنصاره، فأنصاره الأوائل ﷺ نصروه، أثنى الله عليهم وقال: "آية الإيمان حب الأنصار، آية النفاق بغض الأنصار"، من أحبهم يحبه الله، وفي كل زمن أنصاره يكتبون، ونحن نحب في ديوان أنصاره كل الحاضرين يكتبون فيه إن شاء الله، ومن يسمعنا إن شاء الله، الله يكتبهم في ديوان أنصار هذا النبي. ويقع عرض جميل في ليالي رمضان وأيام رمضان، وديوانه ينضاف إليه من لم يكن فيه، ينضاف إليه، دخلوا في ديوان النصرة له فلان وفلان وفلان وفلان من البلد الفلاني من البلد الفلاني من البلد الفلاني… إن شاء الله يتم هذا العرض، وبعدين يفرح هو فيرضى الله تبارك وتعالى، ويجعلكم مفاتيح للخير مغاليق للشر. 

احفظوا احفظوا هذه المعاني وهذا الكلام، واتخذوا تحقّق معانيه زاد لدار المُقام، زاد ليوم القيام، سبب لدخول دار السلام، جمعنا الله فيها مع القوم الكرام.

فيا رب واجمعنا وأحباباً لنا *** في دارك الفردوس أطيب موضع

فضلاً وإحسانًا ومنًّا منك يا *** ذا الفضل والجود الأتم الأوسع

عند طلوع الشمس لله عتقاء من النار، وعند الغروب، أكثر وقت للعتق من النار في رمضان عند طلوع الشمس وعند الغروب، عند طلوع الشمس وعند غروبها، وإذا عُتقت الرقاب عند طلوع الشمس فالمستيقظون هم المقدَّمون وليس النائمون، المستيقظون هم أقرب إلى أن يدخلوا في العتق.

الله يعتق رقابنا ورقاب آبائنا وأمهاتنا وأهلينا من ناره ومن غضبه ومن سخطه ومن عذابه ومن عقابه ومن المعايب والشرور يا رب العالمين، والحمد لله رب العالمين.

 

تاريخ النشر الهجري

03 ذو القِعدة 1433

تاريخ النشر الميلادي

19 سبتمبر 2012

مشاركة

اضافة إلى المفضلة

كتابة فائدة متعلقة بالمادة

الأقسام