(7)
(394)
(615)
(4)
شرح الحبيب العلامة عمر بن محمد بن حفيظ على كتاب القدوة الحسنة في منهج الدعوة إلى الله للسيد محمد بن علوي المالكي، يتحدث عن مسائل مهمة عن منهج الدعوة الإسلامية وحقيقة القدوة الحسنة في سبيلها.
الدرس السادس: المجاهدة بتربية النفس على الرجوع إلى الله (2).
المجاهدة بتربية النفس على الرجوع إلى الله (2)
"وأخبرتنا -الكتب- أن الذاكر سبق غيره، وأن الله يذكره في نفسه وفي ملأ طاهر، وأنه من السبعة الذي يظلهم الله تحت ظله وأن الله معه، وأن الذاكر يرتع في رياض الجنة، وأنه ذهب بكل خير، وأنه أفضل درجة عند الله يوم القيامة، وأنه تحفّه الملائكة وتغشاه الرحمة، ويغفر له ذنبه وتبدل سيئاته بحسنات، ويسعد جليسه، وأن الجنة سبيل النجاة والفوز لمن اختار ملازمة فضائل الأعمال، وأنه أكبر من كل شيء، وأنه مكفّر للخطايا وأنه لا عمل أنجى منه للعبد من العذاب، وأنه أحب الأعمال إلى الله، وأن الدعاء مفتاح الإجابة، ومستروح أصحاب الفائقة، وملجأ المضطرين، ومتنفس ذي المآرب."
فهذا رسول الله ﷺ يقف طوال ليلة الجمعة في العريش الذي أُقيم له في غزوة بدر يجأر إلى الله تعالى داعيًا ومتضرّعًا باسطًا كفّيه إلى السماء يناشد الله عز وجل أن يؤتيه نصره الذي وعده حتى سقط عنه رداؤه وأشفق عليه أبو بكر وهو يمثل العبودية المطلقة في مظهر طول الدعاء وشدة الضراعة والمناشدة، يقول الله تعالى : (إِذْ تَسْتَغِيثُونَ رَبَّكُمْ فَاسْتَجَابَ لَكُمْ أَنِّي مُمِدُّكُم بِأَلْفٍ مِّنَ الْمَلَائِكَةِ مُرْدِفِينَ) [الأنفال:9].
وأن مغفرة الله أوسع من الذنب، ورحمته أرجى من العمل"
جلّ جلاله وتعالى في علاه.
لا زال يؤكد أساسية الذكر في أمر القيام بالدعوة إلى الله، وأنه سبب النجاح والفوز في ذلك، وأن الذاكرين هم السابقون لمن سواهم.
قال ﷺ: "سبق المفردون، قالوا: وما المفردون يا رسول الله؟ قال: المستهترون في ذكر الله تعالى"؛ يعني: المستغرقون في ذكر الله؛ الذين أعطوا الذكر كليّاتهم "المستهترون في ذكر الله تعالى، يَضَع الذكر عنهم أثقالهم، فيأتون يوم القيامة خِفافًا". الله يجعلنا من الذاكرين الله كثير.
وأن الحق من ذَكَره في نفسه ذكره في نفسه، ومن ذكره في ملأ ذكره في ملأ خير من ملأه وأطيب، الحمد لله على هذه النعمة (فَاذْكُرُونِي أَذْكُرْكُمْ) [البقرة:52]. ولذا جاء أن الله أوحى إلى سيدنا موسى: قل للظالمين لا يذكروني؛ لأجل الاتعاظ، قال: فإن المُصِر على مخالفة الله وعلى معصيته والمُقِر نفسه على ذلك إذا ذكر الله سبحانه وتعالى ذكره ربما بالغضب، أو السخط أو الطرد، لذا يقول: قل للظالمين لا يذكروني، فإني آليت على نفسي أن أذكر من ذكرني، وأنهم إذا ذكروني -يعني: مع إصرارهم على الظلم- ذكرتهم باللعنة والسخط والعياذ بالله تبارك وتعالى.
ولكن من يذكر الله وهو نادم على ذنوبه، وراجٍ رحمة ربه، يذكره الله برحمته، ويذكره الله تعالى بمِنّته، ويذكره بعفوه، لا إله إلا هو، اللهم أعنا على ذكرك وشكرك وحسن عبادتك.
كما أن ثواب الذكر يعظم في وقت غفلة الناس، وبين القوم الغافلين، فذاكر الله في الغافلين بمنزلة الصابر في الفارّين، وكالشجر الأخضر بين الهشيم اليابس. قال ﷺ: "مثل الذي يذكر ربّه والذي لا يذكر ربّه مَثَل الحيّ والميت"، كم فرق بين الحي والميت؟ فذاكر الله هو الحي. بل ورد في الأثر: أنه لا تُصطاد السمكة من البحر، ولا العصفور الطائر من الهواء، إلا لغفلتهم عن ذكر الله؛ وقت غفلته عن ذكر الله سبحانه وتعالى، ووقت قيامه بالذكر ما تصيبه الشبكة ولا يصيبه الرمي. وقال سيدنا جعفر الصادق: إن الصواعق تُصيب المؤمن وغيره ولا تصيب الذاكر الله! الصاعقة تنزل تصيب مؤمن وكافر وغيره، ولكن وقت ذكر الله ما تصيب الذاكر أبدًا؛ ولا تصيب الذاكر الله عز وجل جل جلاله، فكذلك صواعق معنوية ما تصيب الذاكر لله سبحانه وتعالى. اللهم أعنا على ذكرك وشكرك وحسن عبادتك.
والشهر شهر الذكر، شهر المذكورية عند رب العرش جل جلاله، وأخبار مجالس الذكر في الأرض لها زجل في السماء، وإن كان في طول العام لكن في رمضان أكثر أكثر أكثر، وتتنزّل ملائكة كثير في ليلة القدر، حتى يكونون في الأرض أكثر من عدد الشجر والحجر، يدخلون بيوت المؤمنين والأماكن التي يتجمعون فيها، تقام فيها الصلوات وتقام فيها الاجتماعات ومجالس العلم يزدحمون عليها هؤلاء فيها، إذا تصافحوا يتصافحون معهم؛ تتصافح الملائكة معهم تصافحهم في ليلة القدر، وسيدنا جبريل يأمره الله بجموع مخصوصة وأفراد من الأمة يصافحهم، وورد في الحديث -جاء بسند صحيح- يقول: "مَنْ فطَّر صائمًا على طعامٍ وشَرابٍ من حلال، صلّت عليه الملائكة في ساعاتِ شهر رمضان، وصلى عليهِ جبريل ليلة القَدْر"، في رواية: "وصافحه جبريل ليلة القدر، ومن صافحه جبريل يكثر دموعه ويرق قلبه" هذه علامة.
قال تعالى: (تَنَزَّلُ الْمَلَائِكَةُ وَالرُّوحُ فِيهَا بِإِذْنِ رَبِّهِم مِّن كُلِّ أَمْرٍ) [القدر:4]. فإذا طلع الفجر ناداهم سيدنا جبريل للرحيل، فيبدأ الملائكة يصعدون شيء فشيء، حتى تصبح الشمس صبيحة ذاك اليوم بيضاء لا شعاع لها، كأنه سحاب وما يوجد سحاب، وتشوف ضوء الشمس ضعيف من كثرة مَن في الهواء من أرواح الملائكة، يصعدون نحو السماء، فأهل السماء يقولون: كيف وجدتم أمة محمد؟ إيش أخبار أهل الأرض؟ حتى يذكرون فلان وفلان وفلان، فيقولون فلان كان في العام الماضي مُعرض مدبر ومتولّي، وجدناه هذا العام مُقبل على الله ورجع، فتدعو له الملائكة ويستغفرون له، ويذكرون واحد بالعكس، وهكذا… فيتعرّض لأن يُدعى عليه؛ وتنتشر في السماء أخبار أمة محمد في الأرض؛ فهذه الليالي والأيام صلة أهل السماء بأمة محمد ﷺ بما يصدر منهم في الأرض قوية؛ صلة قرية، ولهم زجل بأخبار ما يصدر وما يحصل في الأرض، من رب الأرض والسماء على يد أمة محمد صلى الله وسلم وبارك عليه وعلى آله.
وقد أوتينا ليلة القدر منحةً من الله لِقصر أعمارنا، فإنه حدّثهم ﷺ عن رجل من بني إسرائيل، حمل السلاح يجاهد في سبيل الله ألف شهر؛ ثلاث وثمانين سنة وشيء، وقالوا: ما لنا أعمار نقضيها في هذا! حملة وحدة للسلاح هذا المدة كلها!!.. وتقاصر النبي عمر أمته فأعطاه الله ليلة القدر، وقال: (لَيْلَةُ الْقَدْرِ خَيْرٌ مِّنْ أَلْفِ شَهْرٍ) لا مثله، ليست مثل ألف شهر (خَيْرٌ)؛ أحسن وأفضل. قال والواحد من أمتك يعبدني في الليلة وحدها يزيد على الذي عبدني ألف شهر من الأمم السابقة الحمد الله
فإذا أدرك المؤمن ليلة القدر في اثنا عشر سنة يزيد على من عبد الله ألف سنة! لو أدرك اثني عشر سنة فصرفها في العبادة يزيد على من كان من الأمم السابقة عبد الله ألف سنة في الاثني عشر الثانية ألف، قده ألفين حصل! ذا عمر طويل هذا! وهذا ثواب العبادة فقط ألفين، ومن تعمّر الفين سنة من الأمم السابقة ما يتأتى كلها في عبادة، كيف كلها في عبادة ؟! له حوائج كثير، لكن العبادة في تلك الليلة تفوق عبادة ألف شهر، ليست مثلها؛ (خَيْرٌ مِّنْ أَلْفِ شَهْرٍ).
فهذه أمة مرحومة، "نحن الآخرون السابقون يوم القيامة". وحسبك من عظيم إرادة الله في تمجيد نبيّه محمد له أن تُحبس جميع الأمم في موقف القيامة؛ فلا تحاسب أمة حتى تُحاسب أمة محمد، ولا توزن أعمال أمة حتى توزن أعمال أمة محمد علي ولا تمر على الصراط أمة حتى تمر أمة محمد. وقال: "إن الجنة حُرّمت على الأنبياء حتى أدخلها أنا، وحرامٌ على الأمم حتى تدخلها أمّتي"، فهو صاحب الراية في ذاك اليوم، وصاحب اللواء الذي تحته الأنبياء كلهم، آدم تحت اللواء، شيث ابن آدم تحت اللواء، إدريس تحت اللواء، نوح تحت اللواء، هود تحت اللواء، صالح تحت اللواء، إبراهيم، إسماعيل، إسحاق ويعقوب ويوسف وأيوب وشعيب ولوط، وجميع الأنبياء والمرسلين تحت لواء محمد ﷺ. يا مبركها من يد تحمل لواء ينضم تحته جميع المقربين والمحبوبين من النبيين والصديقين والشهداء والصالحين، "ولواء الحمد بيدي يوم القيامة، آدم فمن دونه تحت لوائي" .... ونحن إن شاء الله، ونحن إن شاء الله نكون تحت ذاك اللواء، يا ربنا اجعلنا تحت ذلك اللواء، يا رب العالمين يا أكرم الأكرمين.
أتحسب أنه يذكر هكذا؟! يسخّر الله ذكره في المجالس ليُستعدّ له، ليس ذلك بهباء، وليس ذلك بعبث، ولكن ليدرك من يدرك مكانًا تحت هذا اللواء! وبعض الناس ما يرون اللواء ولا يستظلون بظل لوانه في القيامة والعياذ بالله، وكانوا يظنون أنهم من هذه الأمة ولكن يموتون على غير الملة، فلا يرون اللواء ولا صاحب ذلك اللواء!.. أعاذنا الله وأهلينا وأولادنا وجعلنا من المستظلّين بظل لواء الحمد.
لأن أي واحد في القيامة من المكلّفين ما يرى وجه النبي محمد؛ ما يرى الجنة! "الويل لمن لا يراني يوم القيامة"، قبل ما تدخل الجنة أوّل تعال شوف انظر الأساس حقها هذا.. فكل أهل الجنة يستظلون بظل لوانه ویرون وجهه الكريم.
"سبق المفردون"، وفي ظل عرش الرحمن يوم لا ظل إلا ظله: "رجلٌ ذكر الله خاليًا ففاضت عبناه"، وكانت عيون عامة المؤمنين تبكي من الخشية، ومن الشوق، الشوق إلى الحق والمحبة تبكي، فقلّت
فلا بوركت عين تذري الدموع *** على فوت حظ أو وجع أو حطام
فلا تبكي إلا على ما بكى *** عليه النبيّ عليه السلام
بكى وبكي وبعده الصالحون *** من القبر والحشر وأشياء عظام
وإن الذاكر يرتع في رياض الجنة، "إذا مررتم برياض الجنة فارتعوا، قالوا: وما رياض الجنة؟ قال: حِلق الذكر"، ما الرتع؟ قال: سبحان الله والحمد لله ولا إله إلا الله والله أكبر. في دعاء سيدنا داود: إلهي، إذا وجدتني أجاوز مجالس الذاكرين إلى من سواهم فاكسر رجلي دونهم حتى لا أتجاوزهم! الله أكبر.. سيدنا عبد الله بن رواحة تولّع بالذكر، كل ما يحصل واحد من الصحابة يقول: تعال نؤمن بربنا ساعة تعال تعال... يعني: نزيد الإيمان؛ يجلس يذكر الله هو وإياه، تعال نؤمن بربنا ساعة، يوم واحد ما فهم معنى كلامه قال: ايش هذا نؤمن ساعة ؟! وراح عند النبي قال له: يا رسول الله ألا ترى إلى ابن رواحة يرغب عن إيمانك إلى إيمان ساعة! النبي يعرف ابن رواحة قال: يرحم الله ابن رواحة إنه يحب المجالس التي تباهى بها الملائكة.
في صحيح مسلم: عن معاوية يقول: كنا جماعة يذكرون الله تعالى، فأقبل النبي ﷺ عليهم، سلّم عليهم ردّوا السلام وسكنوا، قال: ما أجلسكم؟ قالوا: يا رسول الله جلسنا نذكر الله ونحمده على ما هدانا للإسلام، قال: آلله ما أجلسكم إلا ذلك؟ يحلّفهم بالله ما جلسوا إلا لهذا، قالوا: يا رسول الله، الله ما أجلسنا إلا ذلك، قال: أمّا إني لم أستحلفكم تهمة لكم، ولكنه أتاني جبريل آنفًا فأخبرني أن الله يباهي بكم الملائكة. لا إله إلا الله!..
كثير من الناس لو قلت له تعال بنصوّرك صورة طيبة سيأتي، وإذا قلت له سنضعك في جريدة أو مجلة أو نطلعك في قناة يتصلح ويجيء، وأما هذه المجالس يباهي الله بأهلها الملائكة !! كم قيمتها؟ كم قدرها؟!...الله يجعلنا في المقبولين فيها.
وذهب الذاكرون بكل خير في الدنيا والآخرة. "ألا أنبئكم بأفضل أعمالكم وأزكاها عند مليككم، وأرفعها في درجاتكم، وخير لكم من إنفاق الذهب والورِق، وخير لكم من أن تلقوا عدوكم فتضربوا أعناقهم ويضربوا أعناقكم، قالوا: بلى يا رسول الله، قال: ذكر الله"؛ "ما عمل آدمي عملًا أنجى له من عذاب الله من ذكر الله"؛ أقوى ما ينجّيك من عذاب الله ذكر الله، ذكر الله، "ذهب الذاكرون بخير الدنيا والآخرة"
انظر الذين قد ماتوا واحد منهم يبغى ثواب تسبيحة واحدة، يتمنى يرجع للدنيا يزيد تهليلة واحدة، يزيد مرة من الباقيات الصالحات، يزيد وحده صلاة على النبي ﷺ، يزيد وحدة استغفار، يزيد مرة وحدة لا حول ولا قوة إلا بالله… ما يمكن، فرصتك انتهت وصحيفتك انطوت، ونحن معنا الفرصة ينبغي لا نضيّعها.
كان بعض الصالحين يصلّح له قبر وينزل إلى قبره هذا كل ليلة، يقول: خلاص الآن إذا جاءت الساعة انقطع كل شيء ولا عاد إلا ترى الصحف قدامك وتتمنى الرجوع، ويقول رب ارجعون لعلي أعمل صالحًا فيما تركت، هيا أعد نفسك أنك قد وصلت لهذا.. الآن قُم قُم، اطلع انظر قد رجعت قُم، استعد قبل أن ترجع… فكان يذكر نفسه كل ليلة بالفرصة التي آتاه الله إياها ما دام حي، فما دمنا في الحياة فنحن في فرصة بيننا وبين الله تعالى، وفي غنيمة، الله يبارك في أعمارنا، الله يبارك في أعمارنا، عمر كل واحد منكم يوفّقه الله فيه، وينظر الله فيه، ويسير به مسار حَسَن، ويقوم بالوفاء بالعهد وينفع الأمة إن شاء الله تعالى..... آمين يا ربنا، آمين يا ربنا..
إذا احتفظت أعماركم تحتفظ بها أعمار ملايين من ورائنا بعد ذلك، وإذا احتفظت الأعمار عُمرت الدنيا ودار القرار بالخير والأخيار.
ومن تَفُته ساعةٌ من عمره *** تكن عليه حسرةً في قبره
والملائكة تحفّهم وتغشاهم الرحمة، ويُنادى في المجلس كما جاء في الحديث أن قوموا مغفورًا لكم قد بُدّلت سيئاتكم حسنات. ويُنادى في المجلس كما قد جاء في الحديث: "مَا مِنْ قَوْمٍ اجتمعوا يذكرون الله ، لَا يريدون بذلك إِلَّا وَجْهَهُ، إِلَّا نَادَاهُمْ مُنَادٍ مِنَ السماء: أَنْ قُوموا مَغْفُورًا لكم، قَد بُدِّلَت سَيِّئَاتُكُم حَسَنَاتٍ" ما شاء الله..
قال: ومن أُلهِم الدعاء لم يُحرم الإجابة. لهذا قال سيدنا عمر: إني لا أحمل همّ الإجابة، لكن أحمل هم الدعاء؛ أحمل هم الدعاء؛ كيف أدعو بأدب و حضور قلب مع الله تعالى ووجهة وانقطاع إلى الله واجتماع عليه؛ إذا تمّ الدعاء هكذا الإجابة ما عاد تحمل همها،
لهذا قالوا: إن بعض بني إسرائيل عرضت له حاجة، فطلب من سيدنا موسى يعلّمه من أسماء الله ما يدعو به في حاجته، فعلّمه دعاء، فراح يدعو مدة ما ظهرت له الإجابة، رجع قال: يا موسى يا كليم الله دعوت ربي مدة بهذا الدعاء، ولا أثر إجابة قال: إذا كلمني ربي أسأله عنك، فلما كلمه ربه قال: هل أحد أرسلك إليّ من خلقي؟ قال: هذاك الرجل يا رب طلب حاجة وعلّمناه من أسمائك يدعوك بها، قال ما رأى أثر إجابة.. ذا لو ألحّ عليّ وأنا عبد مخلوق لك برحمه من هذا.. قال: يا موسى إنه يدعوني وقلبه عند غنمهّ وقل له: لو دعاني مرة واحدة وقلبه معي لأجبته.. خلّه مرة واحدة يدعوني بهذا الدعاء لكن قلبه معي أجيبه، قال: يدعوني وقلبه عند غنمه!.. يصلّح دعاء كثير والقلب عند الغنم، خلّ الغنم تصلح لك شيء، ما تعمل لك حاجة هكذا قال.. "واعلموا أن الله لا يقبل دعاءً من قلبٍ غافلٍ لاهٍ".
ولهذا يسمونه سمنون المجنون، واحد كان في الصحراء وخرجوا أهل البلد يستسقون، قال لهم ايش معكم أبُعث من في القبور ؟ قالوا: لا، لا، خرج الناس يستسقون، قال: بقلوب سماوية أم بقلوب أرضية؟ قالوا: إن شاء الله قلوب سماوية، قال: هيا صلوا.. صلّوا وخطبوا ودعوا ولا أثر ظهر، قال: يا كذابين تقولون بقلوب سماوية! قام توضأ وصلى ركعتين وما رفع يده إلا والسحب تُقبل، والمطر ينزل!.. قال كذابين تقولوا قلوب سماوية؟ .. الله يُقبِل بقلوبنا عليه ويُقبِل بوجهه الكريم علينا.
وذكّرنا بأن رسول الله في غزوة بدر -وقد أشرنا إلى ذلك- بات طول الليل يدعو، وطول النهار كذلك وهو يدعو، حتى كان وقت النصر في وقت الزوال؛ وقت الظهر، كان يوم بدر يوم جمعة، فكان وقت الزوال وقت هروب الكفار، وحضور الملائكة، خرج ﷺ من العريش يقول لسيدنا أبو بكر: هذا جبريل على ثناياه النقع؛ -يعني: الغبار- يزجر فرسه. وخرج سيدنا عمر، جاء يتفقد حال النبي ﷺ يقول: فسمعته خارج من العريش يقول: (سَيُهْزَمُ الْجَمْعُ وَيُوَلُّونَ الدُّبُرَ). قال: أنا أقرأ هذه الآية من مكة أقول أي جمع هذا؟ قال: ما عرفت معناها إلا يومئذ؛ يوم بدر، سمعته يقول هذا عرفت من المقصود بالآية؛ (سَيُهْزَمُ الْجَمْعُ وَيُوَلُّونَ الدُّبُرَ * بَلِ السَّاعَةُ مَوْعِدُهُمْ وَالسَّاعَةُ أَدْهَىٰ وَأَمَرُّ) [القمر:45-46].
وكان اثنين من الذين جاؤوا يشاهدون المعركة، هم كانوا كفار إلا أنهم ليسوا مع قريش و ليسوا مسلمين، فقالوا: الذي ينتصر منهم سننتهب معه؛ نأخذ من الغنائم، جالسين على الجبل يشاهدون، ثم أسلم أحدهم، كان يذكر القصة، قال: أنا وصاحبي في الجبل وإذا بحمحمة سلاح وصوت خيل في الهواء، ومثل الغمامة غشيتنا، قال: ارفع رأسي، وأخي هذا صاحبي يرفع رأسه، يسمع قعقعة السلاح، أما صاحبي فمحله مات في نفس الوقت من الهول والفزع، قال وأنا تمالكت تماسكت وأغمي علي ثم أفقت، وأسمع صوت يقول: اقدم حيزوم، اقدم حيزوم، لما أسلم أخبر النبي ﷺ بذلك، قال: ذاك جبريل يزجر فرسه اسمه حيزوم؛ قال الفرس حق جبريل اسمه حيزوم وكان يقدّمه ويقول: اقدم حيزوم، في تلك الساعة هرب إبليس، كان تصوّر بصورة آدمي؛ سراقة بن مالك المدلجي، جاء عندهم لأنه لما يمشوا الكفار في الطريق، قالوا: الآن جماعة هؤلاء من ورانا بيننا وبينهم كان حرب، الآن تخرج نقابل محمد من كذا فيأتون هؤلاء من ورانا كذا!!.. فبسرعة تصوّر لهم بصورة الشيخ حقهم الكبير، قال: معكم نحن، ومن ورائي كلهم القبيلة معكم ضد محمد؛ على محمد، روحوا وأنا جارٌ لكم، ولا غالب لكم اليوم من الناس، لا يقدر عليكم لا محمد ولا غيره، صلّح لهم زمجرة، حتى تلك الساعة تلك الساعة شرد وخلاهم، وأنزل الله: (وَإِذْ زَيَّنَ لَهُمُ الشَّيْطَانُ أَعْمَالَهُمْ وَقَالَ لَا غَالِبَ لَكُمُ الْيَوْمَ مِنَ النَّاسِ وَإِنِّي جَارٌ لَّكُمْ ۖ فَلَمَّا تَرَاءَتِ الْفِئَتَانِ نَكَصَ عَلَىٰ عَقِبَيْهِ وَقَالَ إِنِّي بَرِيءٌ مِّنكُمْ إِنِّي أَرَىٰ مَا لَا تَرَوْنَ)، قال ﷺ: إنه شاهد جبريل يقدم فرسه، يزجر فرسه، فلما رأى جبريل شرد وهرب.. (إِنِّي أَرَىٰ مَا لَا تَرَوْنَ إِنِّي أَخَافُ اللَّهَ ۚ وَاللَّهُ شَدِيدُ الْعِقَابِ) [الأنفال:48].
قالوا: ما لك يا مالك، قال لهم: روّحوا إني بريء منكم! فما كان منهم إلا أن فرّوا فرّة .... كان الصحابة يتقدم أحدهم إلى الكافر يشير إليه بالسيف ليضربه، فيسقط وتنقطع رقبته قبل ما يصل السيف يشير كذا والرجال يسقط، حتى قالوا: كنا نميّز قتلانا من قتلى الملائكة بسواد في مفاصلهم (فَاضْرِبُوا فَوْقَ الْأَعْنَاقِ وَاضْرِبُوا مِنْهُمْ كُلَّ بَنَانٍ) [الأنفال:12]، فيُعرف هذا قتيل مَلَك. إلا أن المَلَك ما يبدأ بقتل أحد حتى يقابله جندي من المسلمين، إذا قابل جند من المسلمين يقاتل فيقتله، من دون ما يقابلوا أحد ما يقتلون أحد وهكذا..
حتى في الأسرى، من جملة الأسرى، كان سيدنا العباس بن عبد المطلب، وكان يخفي إسلامه، وكان جَلْد قوي كبير، أسره واحد صغير، وبعدين كان يقول للنبي ﷺ تحسب صاحبك هذا أسرني؟! هذا ألقيه في إبطي! من أسرك؟ قال: رجل جَلْد ضخم كبير أمسكني له، فما هو إلا كالنعجة بين يديه وقعت! قال: إن الله أعانه عليك بمَلَك، ذاك ملك؛ واحد من الملك جاء مسكك وسلّمك له، سبحان الله!
وهو كان احتاط في بعض ترتيباته، قال لأم الفضل زوجته وهو خارج إن أنا قُتلت في هذه المعركة فإن عندي مال موجود في المكان الفلاني في محل كذا ابحثي عنه وأنفقي على الأولاد من بعدي، وكان في الأسرى، ثم لما ضرب النبي عليهم الفدية من افتدى يطلقه، قال العباس افدِي نفسك وعقيل بن أبي طالب ابن أخيك، عقيل كان في الأسرى أخو سيدنا عليّ هو وسيدنا عباس، قال: يا رسول الله من أين أفدي نفسي وأخي! أنا ما عندي شيء كيف أفدي أخي معي؟ قال له: والمال الذي دفنته مكان كذا وقلت لأم الفضل وأنت خارج إن أنا متّ... قال: قد علمنا أنك رسول الله! يقول: قد علمنا أنك رسول الله نحن داريين إنك نبي... وفدى نفسه وفدى ابن أخيه عقيل بن أبي طالب. قال: من أين أفديه ؟ قال له المال هناك الذي دفنته في محل كذا وقلت لأم الفضل به... ما أحد يدري إلا هو وزوجته، وحدهم كانوا يتكلمون والنبي يكلمه هناك في المدينة، قال: قد علمنا أنك رسول الله!.... صلى الله عليه وعلى آله.
وبقي يخفي إسلامه، ويراسل النبي ﷺ بأخبار المشركين إلى عام الفتح خرج مهاجر، في الطريق لقي النبي ﷺ ماشي إلى مكة، ردّه معه قال له خلاص ثبتت لك الهجرة، ارجع.
والذي أشار بالعريش في بدر سيدنا سعد بن معاذ، قال: يا رسول الله أرى أن نبني لك عريش تكون فيه، يحرسك منّا رجال، ونجعل ركائبك حولك، فإن ظهرنا على عدوّنا في الغد كان الذي أحببنا، وإن كانت الأخرى ركبت ركائبك وعُدت إلى المدينة، فإنّ بها أقوام ما نحن بأشد حبًّا لك منهم، تكون معهم ينصرونك على أمر الله تبارك وتعالى، فدعا له النبي بخير. وبنوا العريش وكان فيه ﷺ، وبني في محله مسجد الآن في بدر، حتى كان يُسمى مسجد العريش، قالوا: من يحرسه؟ فما انتدبوا لها إلا أبا بكر.
فلما خرج بعد القتال قُرب الزوال في يوم الجمعة، ركب فرسه وكان أقربهم إلى العدو، وكان -سبحان الله- مع أنه هو المقصود الذي يبغونه يفرّون من أمامه. وكبار الشجعان من الصحابة، قال: إذا حمي الوطيس اتّقينا به كما نتقي بالجدار! مع إنه ما يقتلهم، يحمل سيفه وما يتعمّد ضرب أحد، يقاوم، خشية أن يشتد عليه غضب الله، يقول: اشتدّ غضب الله على من قتل نبيًّا أو قتله نبيّ. ولهذا في طول الغزوات ما قتل إلا واحد، واحد تعدّى وتحدى، كان اسمه أبيّ بن خلف، كان في مكة يسمع أخبار من بعض أصحاب النبي يقول: يجيء وقت يقاتلوننا الكفار والمشركون ونقاتلهم، فكان يقول: يا محمد عندي فرس أعلفه كل يوم فرَق من شعير الذرة، أقتلك عليه، وقت يجيء تقاتلون سأقتلك عليه، هكذا بالجراءة وقلة أدب أول مرة وثاني مرة، فقال له: "أنا قاتلك إن شاء الله".
مرّت السنوات إلى أُحُد، في يوم أُحُد جاء بعد وقوع الهزيمة على الفرس نفسه هذا حقه، ركب وحمل سيفه، يقول: أين محمد؟ هذا محمد، فلما اقترب قام بعض الصحابة يتعرّضوا له، قال: اتركوه، ركب النبي ﷺ فرسه وقال لواحد ناولنا هذا، حتى ما كان سيف بل عود أخذها منه؛ حربة أخذها وقابله، فلما أقبل طعنه في رقبته؛ عنقه، واشتدت عليه وسقط من على الفرس، وصار يخور ويصيح، جاؤوا قومه المشركين يأخذونه ويضحكوا عليه أيش هذا الصباح ؟! - على أيش؟! ويضحكون عليه، يقول له بعضهم هذه الضربة لو كانت في عيني ما حسّيت بها، ما لك أنت ؟! يقول: والله لو كانت على جبل لدكّته! أما إنه قد قال إنه قاتلي، والله ما كذب محمد قط! فلم يزل معهم وأخذوه ويصيح حتى مات في الطريق... فهذا الذي ثَبَت، قيل إنه كذلك واحد ثاني، لكن هذا الذي ثبت في السيرة الذي باشر الذي بقتله ولم يباشر قتل أحد. لأنه كان يحمل سيفه ويقوم على الفرس ويتقدّم؛ يفرّون من أمامه سبحان الله!..
وبعد ذلك تناول بيده حصبة من الأرض؛ تراب، ورمى بها، قال: شاهت الوجوه! فما بقيت عين لواحد منهم إلا دخلها شيء، جعلوا يفحسوا عيونهم كلهم، والصحابة يقتلوهم مع الملائكة، ما عاد إلا فرّوا فرّة ولا وقفوا.. شردوا شردة طويلة إلى بعيد. وقف الصحابة، بقي في إنسانيته جثث المشركين، قال: ادفنوها ادفنوها بقيت جثث من كبار المشركين، قال: في القليب حطوهم خذوهم هناك، وما تركهم، وجلس ثلاثة أيام بعد أن فرّوا، حتى اطمئن أن ما هناك شيء، رجعوا، ثم عاد إلى المدينة المنورة.
وقد قتل من أصحابه أربعة عشر؛ هؤلاء شهداء بدر، منهم حارثة. كم عدد السيوف مع الصحابة الذاكرين هؤلاء؟ ثمانية، ثمانية سيوف فقط! كل الجيش معهم ثمانية سيوف، وعاد واحد من السيوف انكسر، كان سيدنا عكاشة بن محصن يقاتل فإذا بسيفه انكسر، رجع إلى عند النبي ﷺ قال: يا رسول الله، انكسر سيفي، وجنبه كان عود من الحطب مسکه قال: خذ هذا فقاتل به، استلمه من يد النبيّ ﷺ وإذا به سيف أبيض الحديدة طويل مسنون! راح يقاتل به وبقي معه طول الغزوات، وهو يقاتل بهذا السيف، حتى أخذه منه بعض الخلفاء.
ومعاذ بن عمرو جاءت له ضربه في يده فتعلقت بجلدها قال: وبقيت عامة يومي أقاتل بيدي هذه؛ يد معلقة ويد يضرب بها، قال: حتى آذتني جلدة في جنبي، فتمطّيت عليها برجلي وأخرجتها!.. قطعها، وبعد ذلك كمّلت المعركة، حملها جاء إلى عند النبي قال: يا رسول الله، انظر يدي! فتناولها النبي منه وبصق فيه، وردّها محلها، رجعت.. فصارت كما هي ما عاد يحس فيها شيء! صلى الله عليه وعلى آله وصحبه وسلم.
وصل إلى المدينة وقت خروجهم من دفن ابنته رقية، حين نفضوا أيديهم من تراب قبر رقية بنته ﷺ، فزوّج سيدنا عثمان بعدها أم كلثوم، فتوفيت وقُبرت عند رقية، وقال: لو كان لي ابنة ثالثة لزوّجتها عثمان؛ فتميّز من بين الصحابة بابنتين لرسول الله، فقيل له: ذو النورين، رضي الله عنه.
"وقد كان ﷺ يكثر من الاستغفار. ويقول ابن عمر: إنا كنا لنعدّ لرسول الله ﷺ في المجلس الواحد مائة مرة: ربِّ اغفر لي وتُب على إنك أنت التواب الرحيم. (أبو داود والترمذي).
وأن التوبة أول منزلة من منازل السالكين، وساعة يستيقظ فيها القلب ويتنبّه الحِس، ويفكّر العقل، وتصفو النفس فيمسك بأسباب التوفيق ويمدّه الحق سبحانه بتصحيح العزيمة والأخذ في جميل الرجعى، وحلّ عقدة الإصرار، وكبْح لجام النفس عن متابعة الشهوات ومفارقة الزلة، وهجر السوء وإخوانه، وإخراج حظ الشيطان من النفس؛ فتصفو وتتنوّر وتتسع حتى يخرج حظ النفس من النفس.
إن الداعي لا غِنى له أبدًا عن علاقة روحية وصِلةٍ قلبية يطمئن القلب، وتتغذى الروح، وتسكن النفس، فتنبذ الهمّ وتطرح القلق الذين هما أعدى أعدائها، وتقطع انشغال الفكر بالهموم المادّية والاسترسال في الوساوس والهواجس التي تجعل الإنسان عاجزًا عن القيام بواجبات هذه الحياة."
جعل الله لنا أقوى الصلات به في شؤوننا ذكرًا وشكرًا وأدبًا وفِكرًا وحضورًا وشهودًا، إنه أكرم الأكرمين وأرحم الراحمين.
26 شوّال 1433