(7)
(394)
(615)
(4)
شرح الحبيب العلامة عمر بن محمد بن حفيظ على كتاب القدوة الحسنة في منهج الدعوة إلى الله للسيد محمد بن علوي المالكي، يتحدث عن مسائل مهمة عن منهج الدعوة الإسلامية وحقيقة القدوة الحسنة في سبيلها.
الدرس الخامس: المجاهدة بتربية النفس على الرجوع إلى الله (1).
المجاهدة بتربية النفس على الرجوع إلى الله (1)
"وذلك بإدامة الاشتغال بذكره، والتوجّه بالدعاء إليه في كل حال، وكثرة الاستغفار والتوبة والإنابة.
والناظر في السيرة المشرفة يرى تمام محافظة النبي ﷺ على ذلك واهتمامه به وملازمته له مع الترغيب فيه والحث عليه تشريعاً وتعليماً للدعاة على توثيق صِلاتهم بالله وربط قلوبهم به، ولزيادة الاطمئنان بكبير الثقة المطلقة في وعد الله ورحمته ولطفه وعنايته، وكشف السوء وإجابته دعوة المضطر وتأييده ونصره، وإظهار الفاقة بين يديه."
جلّ جلاله وتعالى في علاه. يقول: إن تربية النفس على الرجوع إلى الحق في كل شأن، وفي كل الأحيان، وفي كل مكان، ضرورةٌ لكل سائرٍ إلى الله، ولكل صادق في القرب من الله، وهي مفتاح الاطّلاع على أسرار الوحي المنزّل، وسبب الارتفاع إلى ولوج الروح في عالم الملكوت بالولادة الثانية للإنسان؛ يُعبّر عنها بالولادة لكونها خروج من مضيق عالم الحسّ إلى عالم الروح الواسع الفضاء، الواسع الأرجاء، الواسع الأنحاء.
وقد قال سيدنا عيسى بن مريم: لا يلج عالم الملكوت من لم يولد مرتين.
كم نسبة ومساحة بطن الأم بالنسبة للكرة الأرضية؟ كذلك نسبة عالم الحس والجسم إلى عالم المعنى والروح، فلا بد من الولادة الثانية حتى تلج هذا العالم.
وهذه الولادة الثانية تكون من بطن الأم؛ تدخل إلى بطن الأم.
هذه الولادة ما تكون إلا بتولّع القلب بأمر الله وكثرة الذكر لله. وقد جاء في وصف نبينا: "كان يذكر الله على كل أحيانه"، وقالوا : بكثرة الذكر يظهر سر ما في الغيوب.
وقد عبّر الشيخ بقوله: "بإدامة الاشتغال بذكره"، "المجاهدة بتربية النفس بالرجوع إلى الله تعالى وذلك بإدامة" تعرف إدامة؟ "إدامة الاشتغال بذكره والتوجه بالدعاء إليه في كل حال"؛ فتأتي النتائج كما قال سبحانه وتعالى: (إِذْ تَسْتَغِيثُونَ رَبَّكُمْ فَاسْتَجَابَ لَكُمْ)، وجعل النصر المؤزر الذي كان مفتاح أبواب عزة الإسلام ونصره إلى يوم الدين في يوم بدر؛ جعله الله قائمًا مركبًّا على الاستغاثة؛ (إِذْ تَسْتَغِيثُونَ رَبَّكُمْ فَاسْتَجَابَ لَكُمْ أَنِّي مُمِدُّكُم بِأَلْفٍ مِّنَ الْمَلَائِكَةِ مُرْدِفِينَ) [الأنفال:9].
وكان في أعلى معاني تلك الإستغاثة وأشرف حقائقها محمد ﷺ، بات طول ليله يلهج، ويلح، ويضج إلى الله تعالى "يا حيّ يا قيوم"، يا حي يا قيوم.. إن تهلك هذه العصابة لا تُعبد في الأرض أبد" اللهم يا حي يا قيوم يا حي يا قيوم، فلم يزل يلح على الله وما نام تلك الليلة، وفي الصباح أيضًا أصبحوا وكان يصفّهم ويذهب يُلحّ على الله في خيمته. قال سيدنا علي: قاتلت ماشاء الله أن أقاتل بعد أن صَفّنا رسول الله وبدأ القتال وعدت إلى الخيمة اطمئن عليه فوجدته ساجدًا يناجي الحق يقول: يا حيّ يا قيوم.. وأبو بكر يحرسه، قال: فعدت إلى الساحة فقاتلت ما شاء الله أن أقاتل ورجعت إليه في الخيمة فوجدته في سجدته يقول: يا حيّ يا قيوم.. حتى من وصوله إلى ذروة مظهر الاستغاثة إلى الله والتذلل إليه، قام قائمًا يدعو ربه ويناشده أن ينجز وعده يقول: وعدك الذي وعدتني إلهي وربي، حتى سقط رداؤه من على كتفه فاحتمله سيدنا أبو بكر الصديق وردّه على كتفه، والتزمه من ورائه، يقول: كفاك مناشدتك ربك، إن ربك منجزٌ لك ما وعدك، والله لن يخزيك الله أبدًا! فكانت النتيجة ذلك النصر المؤزر وكفى به قدوة، وكفى به أسوة.
وبذلك تعرف أن من الانعكاس والانتكاس والخروج عن معرفة الوحي والشريعة والطريقة أن تأتي عقليات تقول خطّط ورتّب وقُم وخلّك من هذه الأذكار والدعاء الزائد هذا! أيش ينفع هذا الدعاء ؟!! عجیب والله!! يعني بأنفسكم من غير الله أنتم بتعملون شيء؟! ذا العمل حقكم ما يصلح إلا أن يكون مربوط بالله وبذكر الله وإلا ما هو بشيء!
"يا رسول الله، أيّ المجاهدين أعظم أجرًا؟" هل قال أكثرهم سلاح أو أقواهم جسد، أو أكثرهم قتل؟ قال: "أكثرهم الله ذكرًا"، "أي المجاهدين أعظم أجرًا؟ قال: أكثرهم لله ذكرًا"، أي المصلين أعظم أجراً؟ قال: أكثرهم الله ذكرًا، أي المتصدقين أعظم أجراً؟ قال: أكثرهم الله ذكرًا، يا رسول الله فأي الصائمين أعظم أجراً؟ قال: أكثرهم الله ذكرًا.
في اليوم الخامس من رمضان تصوم مدى ذكرك أين؟ أنت ذاكر الله بالصوم وفي الصوم؟ تمتلئ بمعاني الذكر، مشاعرك وذهنك، ووجهتك من صلاة إلى تلاوة إلى أذكار في الصباح والمساء؟ كلها قائمة محيطة بك من هنا وهنا كي تلج إلى عالم الذكر، كي يعلق فيك شيء من نور الذكر، تبدأ تتهيأ للخروج من عالم الحس هذا إلى العالم الفسيح.
نَعَمْ عَالَمُ الأَرْوَاحِ خَيْرٌ مِنَ الجِسْمِ *** وَأَعْلَى وَلَا يَخْفَى عَلَى كُلِّ ذِي عِلْمٍ
فَمَا لَكَ فِي أَفْنَيْتَ عُمْرَكَ جَاهِدًا *** بِخِدْمَةِ هَذَا الجِسْمِ وَالهَيْكَلِ الرَّسْمِي
أنت وجهت هكذا قد ظلمت نفسك..
ظَلَمْتَ وَمَا إِلَّا لِنَفْسِكَ يَا فَتَى *** ظَلَمْتَ وَظُلْمُ النَّفْسِ مِنْ أَقْبَحِ الظُّلْمِ
تَنَبَّهْ هَدَاكَ اللهُ مِنْ نَوْمٍ غَفْلَةٍ *** وَلَهْوِ وَلَا تَعْمَلْ عَلَى الشَّكِّ وَالوَهْمِ
يقول: "وذلك بإدامة الاشتغال بذكره، والتوجّه بالدعاء إليه في كل حال، وكثرة الاستغفار والتوبة والإنابة."
ويقول الله فيما يُجري في العالم من الأحداث وترتّبها على الأذكار، قد تلونا قوله: (إِذْ تَسْتَغِيثُونَ رَبَّكُمْ فَاسْتَجَابَ لَكُمْ)، واتلُ قوله تعالى: (فَلَوْلَا أَنَّهُ كَانَ مِنَ الْمُسَبِّحِينَ * لَلَبِثَ فِي بَطْنِهِ إِلَىٰ يَوْمِ يُبْعَثُونَ) ولا عاد مخرج من بطن الحوت بعد أن التقمه لكن بفضل الذكر؛ فضيلة الذكر والتسبيح الله خرّجه؛ (فَلَوْلَا أَنَّهُ كَانَ مِنَ الْمُسَبِّحِينَ * لَلَبِثَ فِي بَطْنِهِ إِلَىٰ يَوْمِ يُبْعَثُونَ).
واقرأ في ذلك وعي الأنبياء لهذه الحقيقة، قال الله لسيدنا موسى: (اذْهَبْ إِلَىٰ فِرْعَوْنَ إِنَّهُ طَغَىٰ * قَالَ رَبِّ اشْرَحْ لِي صَدْرِي * وَيَسِّرْ لِي أَمْرِي) فورًا أتوا بالدعاء، أول خطوة في الدعوة قام يدعو، قَالَ رَبِّ اشْرَحْ لِي صَدْرِي * وَيَسِّرْ لِي أَمْرِي * وَاحْلُلْ عُقْدَةً مِّن لِّسَانِي * يَفْقَهُوا قَوْلِي * وَاجْعَل لِّي وَزِيرًا مِّنْ أَهْلِي * هَارُونَ أَخِي * اشْدُدْ بِهِ أَزْرِي * وَأَشْرِكْهُ فِي أَمْرِي * كَيْ نُسَبِّحَكَ كَثِيرًا * وَنَذْكُرَكَ كَثِيرًا)، لكي تكون العدة عندنا قوية لبلاغ الرسالة (كَيْ نُسَبِّحَكَ كَثِيرًا * وَنَذْكُرَكَ كَثِيرًا * إِنَّكَ كُنتَ بِنَا بَصِيرًا) [طه:24-35]، فما يمكن أن يكون جهاد صحيح ولا نصر لله ورسوله مع قلة ذكر.
إنما هذا وصف المنافقين وحدهم، (إِنَّ الْمُنَافِقِينَ يُخَادِعُونَ اللَّهَ وَهُوَ خَادِعُهُمْ وَإِذَا قَامُوا إِلَى الصَّلَاةِ قَامُوا كُسَالَىٰ يُرَاءُونَ النَّاسَ وَلَا يَذْكُرُونَ اللَّهَ إِلَّا قَلِيلًا) [النساء:142]؛ هذا وصف المنافقين، وهل يمكن أن يُنصر الدين بمنافقين؟! يمكن تقوم الشريعة بمنافقين؟ يمكن تقوم دولة الإسلام بمنافقين ؟ لا لا لا ما يمكن هذا ..
فلهذا من ضرورة القيام بالدعوة إلى الله:
وأما من كان عاده إلا يستهزئ بالدعاء أو بالذكر فأنّى ينصر الله؟ أو أنّى ينصر رسوله ﷺ؟.. وهذا عمل رسول الله ﷺ في بدر، في أحد، في الخندق، في كل غزواته.
وفي الفتح دخل إلى مكة ذاكرًا ناكسًا رأسه، في أيام الفتح جاءت سيدتنا أم هاني بنت أبي طالب أخت سيدنا علي تريد تكلمه.. يا رسول الله؟! تجده مشغول بماذا؟ يغتسل يصلي ثمان ركعات ضحى، أليس عنده شغل في مكة لما دخل يرتب التراتيب؟ قاعد يصلي ثمان ركعات الضحى، ما لك يا أم هانئ؟ قالت: إني أجرت فلان ابن فلان فزعم عليّ أنه قاتله، قال: قد أجرنا من أجرتِ يا أم هانئ. إن المسلمين تتكافئ دمائهم ويسعى بذمّتهم أدناهم، قد أجرنا من أجرتِ خلاص. دخل في الجوار. اللهم صل على سيدنا محمد.
فلو وردت المورد الهاني، وتشبّهت في المحبة والأدب بأم هاني، لكان من أجرته مجارٌ من قِبل المقام العدناني، وقيل لك أجرنا من أجرت يا أم هاني!..
قال: "والناظر في السيرة المشرفة يرى تمام محافظة النبي ﷺ على ذلك، واهتمامه به وملازمته له"، هو سيد الذاكرين، سيد الساجدين، سيد الداعين ﷺ.
وهكذا، حتى من تولّعهم بالذكر في بعض الغزوات لهج الصحابة بالذكر بقوة إلى حد يؤثر على قوم من ناحية.. وأماكن فيها العدو ما يحب النبي ﷺ أن يعلموا بهم وبمرورهم فالتفت إليهم قال: "أربعوا على أَنْفُسِكُمْ، إِنَّكُمْ ليس تَدْعُونَ أَصَم ولا غائبا!"؛ يعني: مولعين بالذكر وقاعدين في الجهاد في الغزوة رافعين أصواتهم بالذكر، فلأجل أن لا يطلع عليهم بعض العدو في بعض الأماكن ولأجل أن لا يُجهدوا أنفسهم قال: "ارْبَعُوا علَى أَنْفُسِكُمْ، إنَّكُمْ ليسَ تَدْعُونَ أَصَمَّ وَلَا غَائِبًا، إنَّكُمْ تَدْعُونَ سَمِيعًا قَرِيبًا".
وفي نفس الغزوة -في خيبر-، يمشي ويسمع واحد من الصحابة -سيدنا أبو موسى- وهو يلهج بقول: لا حول ولا قوة إلا بالله، يذكر الله بلا حول ولا قوة إلا بالله العلي العظيم، قال: "يا عبد الله بن قيس"، قال : لبيك يا رسول الله، قال: "قل لا حول ولا قوة إلا بالله العلي العظيم فإنها كنز من كنوز الجنة"، تولّع بالذكر، استمر في ذكرك.. صلى الله عليه وآله وصحبه وسلم.
فكانت أمورهم مبنية على الذكر؛ لأنهم إنما ينصرون الله بالله، ويستغيثون بالله، ويرجون الله، ويقصدون الله، فكيف ينسون الله؟… ما يتأتى! ما يتأتى أبدًا ... ولا يعتمدون على أنفسهم ولا جهادهم (وَأَعِدُّوا لَهُم مَّا اسْتَطَعْتُم)[الأنفال:60] يقول أنا معكم، أنتم أعدّوا ما استطعتم من أجلي أكفيكم ما لا تستطيعون. الله يثبّت أقدامنا ويثبّت قلوبنا.
لما أجاب النبي هذه الأجوبة؛ "أكثرهم الله ذكرًا"، "أكثرهم لله ذكرًا"، سيدنا أبو بكر جنبه سيدنا عمر يقول: لقد ذهب الذاكرون بخير الدنيا والآخرة! سمعه النبي قال: أجل، ذهب الذاكرون لله بخير الدنيا والآخرة.
اللهم أعنّا على ذكرك وشكرك وحسن عبادتك. هذه وصيته لمن يحبه معاذ بن جبل العالم المجاهد "يا معاذ إني أحبك، فلا تدعن أن تقول في دبر كل صلاة اللهم أعنّي على ذكرك وشكرك وحسن عبادتك" .
"أعني على ذكرك"؛ يعني: ما كل واحد يوفق للذكر سهل خفيف، ولكن ما كل واحد يوفَّق له، يسير ومسموح به في كل الجوانب. كل العبادات لها قيود وضوابط وروابط؛ ما يتأتى في كل وقت.
إلا الذكر؛ ليل نهار، سر إجهار، متوضئ غير متوضئ، جُنُب، حائض، الذكر مفتوح مسموح، ما يشترط له شرط الله الله الله! جعله الله فضلاً منه ووعد عليه الوعد الكريم، (فَاذْكُرُونِي أَذْكُرْكُمْ) [البقرة:52]، (كَمَا أَرْسَلْنَا فِيكُمْ رَسُولًا مِّنكُمْ يَتْلُو عَلَيْكُمْ آيَاتِنَا) [البقرة:51]، إلى من يسمعها، إذا تليتم القرآن وحدك أو في جماعة أو في الصلاة، أعظمها في الصلاة، لا تفوتك.. في كل هذه الأحوال، استشعر أن هذا بلغنا من لسان واحد، ما بقي معنا في الصدور، أو في المصاحف مسطور، ومتلو ومقروء عندنا، إلا من أثره؛ المبلّغ لسان واحد عن الله، (فَإِنَّمَا يَسَّرْنَاهُ بِلِسَانِكَ لِتُبَشِّرَ بِهِ الْمُتَّقِينَ وَتُنذِرَ بِهِ قَوْمًا لُّدًّا) [مريم:97]، فإذا استشعرت أنه من لسانه تيسّر لك لأنه ميسر بلسانه تيسر لك فهمه، تيسر لك وعيه، تيسر لك علمه، تيسر لك سِرّه؛ (فَإِنَّمَا يَسَّرْنَاهُ بِلِسَانِكَ)، استشعر ذلك.. (يَتْلُو عَلَيْكُمْ آيَاتِنَا) بعده إذا استمعتم اتصلتم بتلاوته؛ (وَيُركيكُمْ)؛ يبدأ ينظفكم ويطهركم ويهيئكم لحضرتنا، (وَيُزَكِّيكُمْ) قبلتوا التزكية ومشيتم معه؟ بعّدتم هواكم وجعلتوه تبعًا له؛ (وَيُعَلِّمُكُمُ الْكِتَابَ وَالْحِكْمَةَ) فتح لكم باب علم كبير، وبعد؟... علمكم الكتاب والحكمة؛ الكتاب والسنة؛ فتح لكم باب يزج بكم إلى أن نُلقى عليكم من لدنّا علماء (وَيُعَلِّمُكُم مَّا لَمْ تَكُونُوا تَعْلَمُونَ) [البقرة:51] الله الله! هذا شيء عظيم يا رب، طيب، كيف تدخل؟ ومن أين؟ أين الباب؟!
قال: (فَاذْكُرُونِي أَذْكُرْكُمْ)، فتدخلوا هذه الدائرة، تقابلوا هذا الرسول، تستلموا منه تلاوة الآيات، تتزكوا على يده، تتعلموا الكتاب والحكمة، اذكروني.. (فَاذْكُرُونِي أَذْكُرْكُمْ وَاشْكُرُوا لِي وَلَا تَكْفُرُونِ) [البقرة:152]. اللهم أعنّي على ذكرك وشكرك وحسن عبادتك.
فاشتهر الحديث عند أهل الحديث: بالمسلسل بالمحبة، فإن سيدنا معاذ قال لبعض التابعين: إني أحبك فلا تدعنّ أن تقول في دُبر كل صلاة اللهم أعني على ذكرك وشكرك وحسن عبادتك. وتابعي قال لتابع التابعي: إني أحبك ... فسُمّيَ الحديث المسلسل بالمحبة، فعلمه هذا الدعاء العظيم.
قال: "تشريعاً وتعليماً للدعاة على توثيق صِلاتهم بالله وربط قلوبهم به، ولزيادة الاطمئنان بكبير الثقة المطلقة في وعد الله". ولا يذكر الله أحد من المؤمنين بالتوجّه وحضور القلب وسكينة إلا ووجد الأثر يظهر مباشرة، قليل قليل.. على قدر استعداده؛ لكن السر في الدوام والاستمرار يظهر بعد ذلك الأثر.
ولهذا قالوا: الأوراد والأذكار:
من دون دوام ما تؤثر، من دون حضور قلب ما تنفع. فإذا ذكرت بحضور قلب نفعك، لكن الأثر ما يظهر إلا بالدوام، واذا ذكرت بحضور قلب و داومت انتفعت وتأثّرت؛ ظهرت الآثار.
ويرجعون إلى الله في كشف السوء (أَمَّن يُجِيبُ الْمُضْطَرَّ إِذَا دَعَاهُ وَيَكْشِفُ السُّوءَ وَيَجْعَلُكُمْ خُلَفَاءَ الْأَرْضِ ۗ)، هذا الدعاء، هذه الدعوة (وَيَجْعَلُكُمْ خُلَفَاءَ الْأَرْضِ ۗ)، تضطر أول، تستيقن باضطرارك إلى الله؛ لأننا مضطرون غاية الاضطرار وإن كنا نغفل، انظر نحن جالسين الآن كلنا أيدينا مضطرة، أرجلنا مضطرة، كل عصب من أعصابنا مضطر إليه في وجوده وفي خلقه فيه تسييره. الآن الدورة الدموية تمشي فيك من أين؟ كيف لو وكّلناك تمشّي الدورة الدموية حقك أنت مدة يوم واحد؟ مدة ساعة واحدة؟ كيف بتصلّح في نفسك؟ هو يمشّيها لك تمام، كل عصب من أعصاب عينك مضطر إليه، وأنت الآن مضطر، بالصحة جالس عندنا في المجلس، لو حرّك فيك عرق ساكن أو سكّن عرق متحرك فإذا بك لا تدري ولا تسمع، ما تعرف إيش تقول أو ما تقول!...
نحن مضطرين وننسى ما كأننا مضطرين، سمعك هذا باضطرار إلى الله وإلا من سيسمّعك؟ والكلام الذي يجري على اللسان، وهيئتك في الجلوس في الحركة كلها بترتيب منه، وقدرة منه وإقدار، قدرة منه وإرادة منه وعافية منه، وإلا مشكلة! لو يحرّك عرق في رجلك ما تجلس هذه الجلسة التي أنت عليها الآن، ولو يحرك عرق في يدك ما تحركها ما تكون على الهيئة التي أنت عليها الآن!.. أنت مضطر وناسي اضطرارك.. وأرض جالس فوقها ومن ماسكها لك؟ لو قليل اضطراب أو زلزلة ... هل تبقى جالس محلك؟
أنت مضطر وتنسى، تنسى أنك مضطر، فاضطر إلى الله، فإذا دعوته تدعوه دعاء المضطر. "ليأتينّ على الناس زمان لا ينجو فيه إلا من دعا كدعاء الغريق"؛ الغريق يشهد اضطراره الكلّي إلى الله تعالى، كيف حين يدعو؟ يخلِص إلى الله ويجتمع على الله ويشهد اضطراره، الغريق ما عاد يقول أنا عندي يد أو سمع أو بصر أو قوة أو عندي مال… أبدًا، إلا يا الله يا الله… ما يقول عندي علم، ما يقول عندي مال، ما يقول عندي سُلطة... خلاص... ذهبت كلها؛ يعرف اضطراره إلى الله تعالى.؛ فأنت تدعو الله دعاء الغريق تنجو، كما يقول سيدنا حذيفة: يأتي على الناس زمان لا ينجو فيه إلا من دعا الله كدعاء الغريق.
إذا اضطررت إليه يكشف عنك السوء وينصبك خليفة، (أَمَّن يُجِيبُ الْمُضْطَرَّ إِذَا دَعَاهُ وَيَكْشِفُ السُّوءَ وَيَجْعَلُكُمْ خُلَفَاءَ الْأَرْضِ ۗ أَإِلَٰهٌ مَّعَ اللَّهِ ۚ قَلِيلًا مَّا تَذَكَّرُونَ) [النمل:62]. أنتم ناسيين أصلكم من أين؟ وكيف تكوّنتم؟ تنسوا أنتم أصلا! وأمامكم عِبر كثيرة طويلة عريضة في الشرق وفي الغرب؛ هذا ما عاد يسمع، وهذا ما عاد يبصر، وهذا ما عاد يتحرك، وهذا ما يقدر يقوم، وهذا ما يقدر يجلس، وبعدين؟ وأنتم من أين جئتم أصلًا؟ (قَلِيلًا مَّا تَذَكَّرُونَ)! وأصحاب قوة كبيرة مادية انهزموا، وأصحاب قلة في العدد والعُدة وانتصروا، تنسون؟ من عنده هو الذي يسيّر الأمور جلّ جلاله.
"ولقد تحدث القرآن في آيات جمة، وامتلأت كتب السنة بالأحاديث الصحيحة الثابتة التي تصوّر لنا الطرق المشروعة والثابتة لتوثيق الصلة بالله وتقوية الرابطة القلبية للمسلم والداعي.
وتبيّن أن ملاحظة هذا المقصود من أعظم المواد والأصول التي ينبغي أن يضعها الداعي في منهجه ويجعلها نصب عينيه؛ لأن ذلك هو منهج القدوة الحسنة التي سار عليه خلفاؤه المصلحون السابقون الذين جاءوا من بعده.
بل لقد أُلِّفت الكتب المخصوصة في بيان تلك السُبُل وفضلها وشرفها وكيفيتها، وأفرد المحدثون في مصنّفاتهم أبوابًا وفصولًا مخصوصة تتعلق بذلك، وتتناول الحث على الذكر والدعاء والاستغفار والتوبة، وكيف كانت رغبة النبي ﷺ ورغبة أصحابه في ذكر الله ودعائه واستغفاره والرجوع إليه بالتوبة، وكيف كانت مداومتهم على ذلكم في الصباح والمساء، والليل والنهار، والسفر والحضر، وتحريضهم وترغيبهم على ذلك."
هكذا ربّاهم سيدنا رسول الله ﷺ.
فكان ذلك مظهرهم وديدنهم ودأبهم في الرخاء والشدة، في الحرب في السلم، في السفر وفي الإقامة، في الحطّ وفي الرحيل، الذين تربوا على يد نبينا؛ ذاكرون لله، داعون لله، خاشعون لله، حيثما نزلوا، حيثما حلّوا، حيثما كانوا.
ولذا، لما سأل بعضهم سيدنا الحسن البصري: هل كان الصحابة يمزحون؟ قال: نعم، قد يمزحون ولكن الإيمان في قلوبهم أعمق من الجبال الرواسخ؛ يعني: ما يفارقهم الخشوع والخشية في أحوالهم المختلفة، لهذا قالوا: لو رأيتموهم لقلتم مجانين.
وصف ضرار بعض الليالي لما سأله معاوية عن سيدنا علي، قال له: وأشهد بالله، لقد رأيته في بعض مواقفه وقد أرخى الليل سدوله وغارت نجومه وهو ملقٍ نظره إلى الأرض، ماسكٌ بلحيته يتململ تململ السليم، ويبكي بكاء الحزين، يقول: يا دنيا غُرّي غيري، غُرّي غيري، إليّ تشوّفتِ؟ أم إليّ تعرّضتِ؟ قد طلقتك ثلاثًا لا رجعة لي فيكِ، عمرك قصير، وعيشك حقير، وخطرك كبير، آه آه آه من قِلة الزاد وبُعد الطريق ووحشة السفر. انحدرت دموع معاوية على لحيته ما يقدر يمسكها، قال والله لقد كان أبو الحسن كذلك، رضي الله عنهم.
هكذا لياليهم وهكذا أيامهم… حتى جاءت ليلة مقتله، كان يقول لأولاده عنده، نظر في السماء في سطح البيت قال: إنها لليلة التي وُعِدت؛ هذه ليلة وعدي، وأصبح الصباح واستقبله عبد الرحمن بن ملجم أشقى الآخِرين، وضربه حيث عيّن النبي مكان الضربة، قال: "وأشقى الآخرين الذي يضربك على هذه"، فيخضب منك هذه بالدم، فكان كما قال سيد المرسلين. في ليلتها رآه، قال: أما ترى ما قابلني به هؤلاء؟ قال: بلغنا كل ذلك، فإن شئت دعوتُ فانتصرتَ عليهم، وإن شئت أن تفطر غدًا عندنا؟ قال: بل أفطر غدًا عندكم! بل أفطر غدًا عندكم..
وجاء في وصاياه الأخيرة لسيدنا الحسن يوصيه كذا وكذا واعمل كذا… ثم قال بالنسبة لهذا الذي قتله: قال إن أنا بقيت رأيتُ فيه رأيي وإن أنا متُّ فاقتلوه بي ولا تمثّلوا به. يُراعي حق أشقى الآخِرين وهو قاتله! قال لا تمثلوا به.. وسلّم الأمانة للحسن وانتقل، من العلم الواسع، العلم المخصوص، وقد تهيأ لها الحسن وتأهّل، قال لسيدنا على زين العابدين:
إني لأكتم من علمي جواهره *** كي لا يرى الحقَّ ذو جهلٍ فيفتننا
يا رُبَّ جوهر علمٍ لو أبوح به *** لقيل لي أنت ممن يعبد الوثنا
ولاستحلّ رجالٌ مسلمون دمي *** يرون أقبح ما يأتونه حَسَنَا
يقول في هذا الكتم:
وقد تقدّم في هذا أبو حسنٍ *** إلى الحسين ووصّى قبله الحسنا
الله يرضى عنهم وعنّا بهم، هم أهل الذكر، وهم أهل الشكر، وهم أهل حسن العبادة.
قال عبد الله بن رواحة في وصف المصطفى:
يبيت يجافي جنبه عن فراشه *** إذِ استثقلت بالمشركين المضاجع
هكذا... وقال:
بكّاء ليلته، سجّاد خلوته *** من خوف مالِكه يستعذب التعبَ
علي بن الحسين يصلي في الليلة ألف ركعة، أحسن له ولا لو ولّوه إمارة من الإمارات في الدنيا؟ ينفق على مائتي بيت في المدينة، صلى الله على سيدنا محمد وآله ومن سار في دربه.
وقد جاءتنا الشريعة بذكر الصباح، ذكر المساء، ذكر الدخول، ذكر الخروج، ذكر النوم، ذكر الاستيقاظ من النوم، ذكر المشي إلى المسجد، ذكر لبس الثوب، ذكر الطعام، ذكر ختام الطعام، ذكر ابتداء الشراب، ذكر عند انتهاء الشراب، ذكر الوضوء، دعاء بعد الوضوء، ذكر عند دخول الخلاء، ذكر بعد الخروج من الخلاء، ذكر عند دخول البيت، ذكر عند الخروج من البيت، ذكر عند دخول المسجد، ذكر عند الخروج من المسجد… من أجل يربطنا، بل جعله الله مقصود العبادات وروحها
(وَيَذْكُرُوا اسْمَ اللَّهِ فِي أَيَّامٍ مَّعْلُومَاتٍ عَلَىٰ مَا رَزَقَهُم مِّن بَهِيمَةِ الْأَنْعَامِ ۖ) ([الحج:28]. (وَاذْكُرُوا اللَّهَ فِي أَيَّامٍ مَّعْدُودَاتٍ ۚ) [البقرة:203]. المعلومات والمعدودات، قبل الحج وبعد الحج، اذكروا الله… يحيي القلب ذكر الله (الَّذِينَ آمَنُوا وَتَطْمَئِنُّ قُلُوبُهُم بِذِكْرِ اللَّهِ ۗ أَلَا بِذِكْرِ اللَّهِ تَطْمَئِنُّ الْقُلُوبُ) [الرعد:28].
فإذا صدق الذاكر مع الله فأذاقه حلاوة الذكر صار لا يصبر عن الذكر؛ ما يصبر؛ ما يقدر يصبر عن الذكر، يصير الذكر له كالماء للسمك، والهواء للإنسان، ما يستغني عنه! فإذا خرجت السمكة من الماء تموت، وإذا منعت الهواء عن الإنسان يموت.
ولأن إدراك لذائذ النعيم في الجنة ومعاني القرب من الله أيضًا مبنية على الذكر، فوصف أهل الجنة: يُلهَمون التسبيح والتقديس والذكر كما تُلهَمُون النفَس! أنت تتنفس متى توقف نفسك؟ لما تمشى مكانك تتنفس، لما تنام مكانك تتنفس، لما تأكل مكانه النفس مستمر.. عجيب متى ينقطع النفس؟ ما ينقطع، قال فأهل الجنة هكذا، يُلهَمُون الذكر والتسبيح والتقديس كما تُلهَمون النفس. وإذا واحد قد دخل جنة المعرفة وعاده في الدنيا تحصّله هكذا؛ يأكل يذكر، يمشي يذكر… كما النفس حقه؛ الذكر ذا كما النفس؛ ما يغفل قلبه عن الله تعالى حتى يتصل بقلب أهل النبوة؛ قلوب أهل النبوة؛ "تنام عيناي ولا ينام قلبي".
واحد من شيوخنا الذين بدأنا نتحفظ عندهم القرآن أول، كان كل ما ينام يقرأ قرآن، والعجيب لما يجيء ينام ثاني مرة يقرأ من حيث وقف لمّا وقف أول مرة ويقرأ، حتى وهو نائم!.. ارتبطوا بالقرآن سبحان الله.
والذي تعوّد ذكر الله ولسانه لا إله إلا الله، لا إله إلا الله، لا إله إلا الله،… ما تقف، لما يدخل الخلاء يخرّجها يعضّ عليها -على لسانه- قال ستنطلق ما تتوقف، وفي الخلاء بالقلب بس يكفى عيب باللسان، لأنه محل قاذورات فيكفي بالقلب، ولكن إذا تركت اللسان لن تمتسك؛ فيخرجها يعض عليها حتى تتوقف قليل.
الله يعينكم على ذكره وشكره وحسن عبادته. ولكم الحاضرين والسامعين كل راغب بصدق في أن يواظب على هذا الدعاء بعد كل صلاة فإنّا نحبّه من أجل الله تعالى، فلا يدع أن يقول دبر كل صلاة اللهم أعنّا على ذكرك وشكرك وحسن عبادتك.
كان سيدنا عبدالرحمن السقاف يدخل الداخل عليه في مكانه في بيته، فيجده يذكر الله وسرى الذكر إلى ثيابه التي عليه، والسجادة التي هو عليها، وسمع الذكر من كلّه! أعضاؤه كلها لا اللسان وحده، يسمع حسّ الذكر حتى في الأعضاء، حتى الثوب يذكر الله!... (تُسَبِّحُ لَهُ السَّمَاوَاتُ السَّبْعُ وَالْأَرْضُ وَمَن فِيهِنَّ ۚ) جلّ جلاله وتعالى في علاه (وَإِن مِّن شَيْءٍ إِلَّا يُسَبِّحُ بِحَمْدِهِ وَلَٰكِن لَّا تَفْقَهُونَ تَسْبِيحَهُمْ ۗ) [الإسراء:44]. إلا أن يظهره الله تعالى خرقًا للعادة. مسك ﷺ يوم حجرة فسمعوا تسبيحها تسبّح، كل الجلوس يسمعون، رفعها حطها في يد سيدنا أبوبكر، ظلّت تسبح وسمعوا صوتها بالتسبيح، أخذها حطها في يد سيدنا عمر، سمع الصحابة صوتها تسبح، أخذها وتركها ﷺ، كمّل المجلس وقام، جاء كل واحد من الصحابة يمسكها ما ظهر شيء! هي تسبّح ولكن ما تظهر إلا بأمر وفي وقت.. لا إله إلا الله!
قالوا: وإذا حملوا الحجرة إلى مكان يُمنع فيه ذكر الله مثل خلاء أو غيره، تصيح، تضج.. تحطوني في مكان ممنوع فيخ الذكر! ما عاد أسمع ذكر الله!.. تصيح مسكينة؛ لأنها مسخرة، ولو ما هي مسخرة الحجرة أقوى منك للطمتك.. لكنها مسخرة بأمر الله.. وإذا حملوا واحدة إلى محل مسجد أو محل عبادة تضحك فرحانة!... قال ﷺ: إذا مرت الذاكر لله بطريق نادت الطريق الأخرى: هل مر بك اليوم رجل يذكر الله؟ فقد مر بي رجل يذكر الله! تفرح بهم البقاع والأرض؛ الذاكرين لله.
قال واحد الشيخ بشير سوري في الإمارات، قال أنا أعرف إذا سيأتيني ذاكر إلى الله من حين يعزم على المجيء إلى عندي يخف عليّ الذكر! حتى يعزم بعضهم، ثم يتأخر، فيتأخر، يرجع ثاني مرة، فيرجع ثاني مرة!.. قال: وإذا عزم على زيارتنا أحد من الغافلين يثقل الذكر! بمجرد ما يعزم الذاكر على زيارتنا الذكر يخف عليّ ويسهل ويقوى عندي.. اللهم أعِنّا على ذكرك وشكرك وحسن عبادتك.
وهذا شهر الذكر، شهر التلاوة، والذاكر مذكور! (فَاذْكُرُونِي أَذْكُرْكُمْ)، قال: (أَذْكُرْكُمْ) قال: (أَذْكُرْكُمْ) جلّ جلاله، كيف ما نفرح بذكر ربنا لنا؟.. اللهم أعِنّا على ذكرك وشكرك وحُسن عبادتك.
ثبّت الله أقدامنا، ثبّت الله قلوبنا، أعاننا على ذكره وشكره وحُسن عبادته، ربطنا بسيد الذاكرين، قِبلة الذاكرين، إمام الذاكرين، نور الذاكرين، حبيب الذاكرين، مقدَّم الذاكرين، محبوب الذاكرين، سيد المرسلين وخاتم النبيين، أكرم من ذكر الله، وأكرم من ذكره الله، اللهم اربطنا به ربطًا لا ينحلّ أبدًا، لا ينحلّ أبدا، لا ينحلّ أبدا، بل يقوى سرمدا، ثبتنا على منهجه، منهج الهدى، وكلنا لنا به فيما خفي وما بدى، وفرّج به كروبنا وكروب المسلمين في المشرق والمغرب بسِر الفاتحة إلى حضرة النبي محمد ﷺ.
15 شوّال 1433