(7)
(394)
(615)
(4)
شرح الحبيب العلامة عمر بن محمد بن حفيظ على كتاب القدوة الحسنة في منهج الدعوة إلى الله للسيد محمد بن علوي المالكي، يتحدث عن مسائل مهمة عن منهج الدعوة الإسلامية وحقيقة القدوة الحسنة في سبيلها.
الدرس الرابع: المجاهدة لتربية النفس على الصبر والثبات والصمود ومواصلة السير.
المجاهدة لتربية النفس على الصبر والثبات والصمود ومواصلة السير
لقد مرت على المسلمين أقسى المحن وأعظم الشدائد فواجهوها بالصبر وعدم اليأس والضجر بل ازداد نشاطهم فواصلوا محاولاتهم في صمود وثبات، فخرجوا من هذه المحن القاسية أشد ما يكونون، وخرج مجتمعهم أقوى ما يصل إليه مجتمع في شبابه وفتوّته، وأصبح استعدادهم لمواجهة التحديات الخارجية أوسع مدى وأكثر خبرة .
مكث النبي ﷺ إحدى عشرة سنة وهو يواصل جهاده بصبر متواصل لاقى فيها من الجفوة والغربة الهائلة بينه وبين قومه وجيرانه ما جعلت حياته لا راحة فيها ولا استقرار، تتربص قريش في كل دقيقة منها بقتله وهو صابر محتسب قائم بأداء النصيحة إلى قومه، صبر الرجل الذي امتلأ قلبه بالرجاء العظيم فعصمه عن الانقطاع وقاده إلى تحقيق معانيه وبلوغ غاياته وما نقص شيء من عزيمته يومًا، ولم يضعف شيء من قوته وسعيه فتتساقط الحواجز أمام قوته وهمته وتتهاوى المحن والشدائد أمام جهاده وصبره صبر الرجل الذي اقترن صبره بأعظم أنواع الأمل العريض، فما دعا عليهم أن لا يبقى على الأرض منهم ديارًا، بل دعا لهم أن يهديهم واعتذر عنهم بأنهم لا يعلمون؛ إذ قال: "اللهم اهدِ قومي فإنهم لا يعلمون". ثم عبر عن أمله هذا لجبريل -عليه السلام- لما عرض عليه هلاكهم إذ قال: بل أرجو أن يخرج الله من أصلابهم من يعبد الله عز وجل وحده لا يشرك به شيئًا. كما جاء في الصحيح.
ولقد أخبرنا ﷺ عن نفسه بقوله: "لقد أوذيت في الله وما يؤذى أحد، وأُخفت في الله وما يخاف أحد، ولقد أتت عليّ ثلاثون من بين يوم وليلة وما لي ولبلال ما يأكله ذو كبد إلا ما يواري إبط بلال"، أحمد والترمذي وابن حبان، الترغيب 242/1.
ولقد ابتليَ المؤمنون يوم أن تجمع الأحزاب وزلزلوا زلزالا شديدًا، إذ لم يعهد المؤمنون في خصومتهم مع أعدائهم في الغزوات السابقة هذا الجمع الحاشد ولكن نزل التوجيه الإلهي في قول الله تعالى لرسوله الكريم: (يَا أَيُّهَا النَّبِيُّ اتَّقِ اللَّهَ وَلَا تُطِعِ الْكَافِرِينَ وَالْمُنَافِقِينَ ۗ إِنَّ اللَّهَ كَانَ عَلِيمًا حَكِيمًا * وَاتَّبِعْ مَا يُوحَىٰ إِلَيْكَ مِن رَّبِّكَ ۚ إِنَّ اللَّهَ كَانَ بِمَا تَعْمَلُونَ خَبِيرًا * وَتَوَكَّلْ عَلَى اللَّهِ ۚ وَكَفَىٰ بِاللَّهِ وَكِيلًا) [الأحزاب:1-3].
فأمره القرآن بثلاثة أمور:
- الأول: أن يتقي الله وحده ولا يخشى غيره من أعدائه ولا يطيعهم ولا يستسلم إليهم.
- الثاني: أن يتبع ما يوحى إليه من ربه.
- الثالث: أن يتوكل على الله وحده فهو الكفيل بالمعاونة والمساعدة.
فالداعي إلى الله تواجهه الشدائد والمحن فلا تزعزعه عن إيمانه بالله وعن رسالة الحق في ذاته، ولا يرهب عدوه مهما بلغت قوّته وتكتلاته، مستعينًا بالله وحده غير متطلع إلى عون ومساعدة من جهة أخرى، وله في ذلك كله أسوة حسنة بصاحب الرسالة والدعوة النبي صلى الله عليه وسلم، ولذا قال تعالى بعد ذلك: (لَّقَدْ كَانَ لَكُمْ فِي رَسُولِ اللَّهِ أُسْوَةٌ حَسَنَةٌ لِّمَن كَانَ يَرْجُو اللَّهَ وَالْيَوْمَ الْآخِرَ وَذَكَرَ اللَّهَ كَثِيرًا) ]الأحزاب:21]. فكان نتيجة هذا الصبر أن ردّ الله الذين كفروا بغيظهم لم ينالوا خيرا، وكفى الله المؤمنين القتال ، وأن أخرج أعدائهم الذين ظاهر وهم من حصونهم، وقذف في قلوبهم الرعب وأورث المؤمنين أرضهم و ديارهم وأموالهم بعد أن تحملوا البأس وأضرار الجوع والقلق النفسي من الحصار الذي ضُرب حول المدينة .
ومن هذا نتعلم كيف ينبغي للدعاة أن يظهروا بالاستقامة والتجلد وعدم التقهقر عند مواجهة الشدائد والمحسن والعقبات وأن لا يساور قلوبهم اليأس والوهن فيما اذا تأخر ظهور النتائج المرجوة لما قد بذلوا من الجهود ، وأن يظلوا يواصلون جهودهم على رغم كل هذا، وأن لا تزل أقدامهم اذا ما عرض لهم مواقع الخطر والمضرة والطمع في أثناء سيرهم في سبيل غايتهم وأن يعودوا أنفسهم على العمل بسعي متصل ويروضوها على الأعمال الثابتة المنظمة البعيدة الأثر والنتائج وأن لا تكون الخطوات القريبة النتائج في اليسير من الوقت هي كل الأمل وأمل الكل.
الحمد لله الذي أكرمنا برسوله ومصطفاه، وبيانه عن الله تبارك وتعالى ويتحدث الشيخ الحبيب محمد بن علوي المالكي عن صفات القائم بالدعوة إلى الله -تبارك وتعالى- في مواجهة الظروف والأحوال المختلفة، والاقتداء برسول الله ﷺ المأمور بأمر الله أن ينتبه من التقوى، فبحث الداعية على تحققه بالتقوى من أقوى أسباب نجاحه وفوزه ونصره؛ التفات نظره إلى التحقق بالتقوى فيما يقول ويفعل، وما يأتي وما يدع وما يصدر منه (يَا أَيُّهَا النَّبِيُّ اتَّقِ اللَّهَ وَلَا تُطِعِ الْكَافِرِينَ وَالْمُنَافِقِينَ ۗ)؛ ولا تطع الكافرين والمنافقين فإنهم: يصورون الأشياء على غير واقعها ويعرضون عروضات:
إلى غير ذلك من أساليبهم. قال: (وَلَا تُطِعِ الْكَافِرِينَ وَالْمُنَافِقِينَ ۗ إِنَّ اللَّهَ كَانَ عَلِيمًا حَكِيمًا) [الأحزاب:1]، وهو صاحب الأمر الذي أمرك، فلتتأكد أنك تضع قدمك على طاعة الله، على امتثال أمر الله فقط؛ إذا تم ذلك فالله هو العليم الحكيم، لا يأمر بشيء عبث، ولا ينهى عن شيء عبث، ولا يهمل من قام من أجله سبحانه وتعالى. (وَاتَّبِعْ مَا يُوحَىٰ إِلَيْكَ مِن رَّبِّكَ ۚ)، وهذا هو المصدر الأعلى في استبيان ما يريد العلي الأعلى من عباده؛ الوحي إلى المصطفى، ومن هنا وجب الرجوع إلى هذا الوحي على كل مؤمن وعلى كل داعٍ إلى الله سبحانه وتعالى. فإن كثيرًا من الدعاة تستخفّهم بعض الأوضاع والظروف، فيرون أن الاتجاه الفلاني أو الحزب الفلاني أحرز نجاحًا في نظرهم، أو توصّلًا إلى أغراض وكراسي معينة، أو حقّق شيئًا يصبوا إليه بسبب الأسلوب الفلاني ويتناسَون أنهم في أساليبهم واستعمالهم للوسائل على قيدٍ بالشرع المصون المطهر، وأن مرتكز نصرتهم طاعة الله وطاعة رسوله، لا مجاراة أهل الوسائل والأسباب المادية والحسيّة. (وَاتَّبِعْ مَا يُوحَىٰ إِلَيْكَ مِن رَّبِّكَ ۚ إِنَّ اللَّهَ كَانَ بِمَا تَعْمَلُونَ خَبِيرًا) [الأحزاب:2]، حينئذٍ فليكن اعتمادك عليه، (وَتَوَكَّلْ عَلَى اللَّهِ ۚ وَكَفَىٰ بِاللَّهِ وَكِيلًا) [الأحزاب:3] جلّ جلاله وتعالى في علاه.
وبلغت بهم اليقينيات في هذه المعاني مبالغ عجيبة غريبة، حتى في بعض المواقف سيدنا خالد بن الوليد، وهو الشجاع وصاحب التخطيط في الحرب ولكن تحدّوه مرة بقولهم: هذا سم ناقع، فإن كنتم تقولون إن ربكم هذا لا يكون شيء إلا بأمره فتشرب هذا السم ما يضرك نعلم أنكم على حق! وكان في حاله ذاك مستوليًا عليه اليقين، قال: هاتوه ! فأخذه وهو يقول: بسم الله الذي لا يضر مع اسمه شيء في الأرض ولا في السماء وهو السميع العليم، وشربه، يعلمون أنه ناقع، وبسرعة يقضي على الإنسان، ولا تحرك، ولا به شيء، وطول اليوم وثاني يوم، هزّهم وهزّ كيانهم، وأسلم من أسلم بسببه، فبلغوا إلى هـذه الحــدود.
الكفار غاروا على سفنهم في الليل فأحرقوها، قالوا نمشي فوق الماء في اليوم الثاني، ومشى سيدنا العلاء الحضرمي ومعه ثلاثة آلاف، بجمالهم وخيولهم وأمتعتهم، قالوا: فما ابتل لنا خفٌّ ولا حافر؛ لم يبتل بالماء خف الجمل ولا حافر الفرس، والجماعة في الشق الثاني يشوفون هؤلاء يمشون في الماء، يقولون هؤلاء آدميون أو جن أو ملائكة؟ إيش يرجعوا هؤلاء!!.. قُذف في قلوبهم الرعب، وسلّموا البلاد على طول، والجماعة أقاموا أمر الله وشرع الله ورجعوا.
هكذا شأنهم، قال تعالى: (الَّذِينَ قَالَ لَهُمُ النَّاسُ إِنَّ النَّاسَ قَدْ جَمَعُوا لَكُمْ فَاخْشَوْهُمْ فَزَادَهُمْ إِيمَانًا وَقَالُوا حَسْبُنَا اللَّهُ وَنِعْمَ الْوَكِيلُ)، والنتيجة: (فَانقَلَبُوا بِنِعْمَةٍ مِّنَ اللَّهِ وَفَضْلٍ لَّمْ يَمْسَسْهُمْ سُوءٌ وَاتَّبَعُوا رِضْوَانَ اللَّهِ ۗ وَاللَّهُ ذُو فَضْلٍ عَظِيمٍ) [آل عمران:173-174]. لما خرج ﷺ في حمراء الأسد بعد غزوة أحد، غزوة أحد كان فيها شدائد وفيها مواقف عظيمة وفيها معجزات، وفيها ثبات أهل الثبات؛ رجال ونساء. يذكر ﷺ بعضهن يقول: ما التفت في موقف شدة إلا رأيتها أمامي.. تريد أن تتلقى السهام حتى لا تصيب خير الأنام، وتحمل الحجر عليها رضوان الله. وهكذا يقول الله: (وَكَأَيِّن مِّن نَّبِيٍّ قَاتَلَ مَعَهُ رِبِّيُّونَ كَثِيرٌ فَمَا وَهَنُوا لِمَا أَصَابَهُمْ فِي سَبِيلِ اللَّهِ وَمَا ضَعُفُوا وَمَا اسْتَكَانُوا ۗوَاللَّهُ يُحِبُّ الصَّابِرِينَ * وَمَا كَانَ قَوْلَهُمْ إِلَّا أَن قَالُوا رَبَّنَا اغْفِرْ لَنَا ذُنُوبَنَا وَإِسْرَافَنَا فِي أَمْرِنَا وَثَبِّتْ أَقْدَامَنَا وَانصُرْنَا عَلَى الْقَوْمِ الْكَافِرِينَ * فَآتَاهُمُ اللَّهُ ثَوَابَ الدُّنْيَا وَحُسْنَ ثَوَابِ الْآخِرَةِ ۗ) ربحوا هنا وهنا (وَاللَّهُ يُحِبُّ الْمُحْسِنِينَ * يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِن تُطِيعُوا الَّذِينَ كَفَرُوا يَرُدُّوكُمْ عَلَىٰ أَعْقَابِكُمْ فَتَنقَلِبُوا خَاسِرِينَ * بَلِ اللَّهُ مَوْلَاكُمْ ۖ) -(وَمَن يَتَوَلَّ اللَّهَ وَرَسُولَهُ وَالَّذِينَ آمَنُوا فَإِنَّ حِزْبَ اللَّهِ هُمُ الْغَالِبُونَ) [المائدة:56]- (بَلِ اللَّهُ مَوْلَاكُمْ ۖوَهُوَ خَيْرُ النَّاصِرِينَ) . قال الله ولا بد لكل مشرك وكافر أن يُقذف في قلبه الرعب عندما يواجه المؤمن الموحد استلقي في قلوب الذين كفروا الرعب (سَنُلْقِي فِي قُلُوبِ الَّذِينَ كَفَرُوا الرُّعْبَ بِمَا أَشْرَكُوا بِاللَّهِ مَا لَمْ يُنَزِّلْ بِهِ سُلْطَانًا ۖ وَمَأْوَاهُمُ النَّارُ ۚ وَبِئْسَ مَثْوَى الظَّالِمِينَ) [آل عمران:146-151].
فلابد من الوعي لأخبار الوحي، والفقه عن الله فيما أوحاه، حتى نستقيم على ما يقتضي بموجب سُنة الله النصر في الدنيا والآخرة، (إِنَّا لَنَنصُرُ رُسُلَنَا وَالَّذِينَ آمَنُوا فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَيَوْمَ يَقُومُ الْأَشْهَادُ) [غافر:51]، مهما بلغت القوات والتكتلات ما يمكن تزعزع يقين المؤمن! إنما لما تخيّل الناس عن معنى النصرة، مظاهر معينة في أذهانهم؛ ظنوا أنها هي النصرة تزلزلوا وتزعزعوا لذلك!..
هذا الدين الذي أمامنا الآن.. منصور في العالم مع ما يحاك ضدّه، ويُتربص به ويُكاد له، ما هذه القوة التي يزداد بها الداخلون إلى الإسلام، كل يوم يمرّ على الناس في العالم مع تكتل القوى للصد عنه وتشويه صورته وسمعته بمختلف ما أوتوا، وأكبر من ذلك أن وجدوا عناصر من المسلمين أنفسهم يشوهّون حقيقة الإسلام وصورة الإسلام:
فهؤلاء وهؤلاء أكبر جنود الكفار لتشويه الإسلام والدين؛ المنحلّين المنحرفين. فكم من سجون الكفار اليوم فيها عدد من شباب المسلمين؟ وبعض دول أوروبا، إذا كان نسبة المسلمين في البلد في الدولة 7% مثلًا، فنسبة المسلمين في السجون من بين أهل السجن 12%، مشكلة كبيرة! عناصر منحرفة ومنحلة من المسلمين يقعون في الجرائم، يشوهون سمعة الإسلام، مع ذلك كله أما ترى نصرة الله لهذا الدين کيف؟
(لِيُظْهِرَهُ عَلَى الدِّينِ كُلِّهِ وَلَوْ كَرِهَ الْمُشْرِكُونَ) [الصف:9]، ولا يزال في ازدياد… بسم الله الرحمن الرحيم (إِنَّا فَتَحْنَا لَكَ فَتْحًا مُّبِينًا)، هذه نزلت في الأيام التي وقع الصلح في الحديبية مع المشركين وأن ترجع من تحت الحرم، لا تدخل الحرم هذه السنة ، وإذا تجيء العام المقبل ما تجلس أكثر من ثلاث أيام في مكة، ولا تحمل معك السلاح إلا سيوف مغمودة، وإذا جاءكم منّا أحد ردُّوه إلينا، وإذا جاء منكم أحد إلينا لا نردّه إليكم!.. قَبِل ذلك ووقّع، رجع، يقول له: (إِنَّا فَتَحْنَا لَكَ فَتْحًا مُّبِينًا * لِّيَغْفِرَ لَكَ اللَّهُ مَا تَقَدَّمَ مِن ذَنبِكَ وَمَا تَأَخَّرَ وَيُتِمَّ نِعْمَتَهُ عَلَيْكَ وَيَهْدِيَكَ صِرَاطًا مُّسْتَقِيمًا * وَيَنصُرَكَ اللَّهُ نَصْرًا عَزِيزًا) [الفتح:1-3]. انظر للنصر، وهو راجع من صلح الحديبية وتنزل الآيات، وينصره الله نصر عزيز؛ في خلال سنتي الصلح دخل إلى الإسلام أكثر ممن دخل من بداية الدعوة إلى سنة الصلح؛ خلال السنتين، من حين بدأ في مكة؛ ثلاثة عشر سنة وست سنين في المدينة تسعة عشر سنة؛ في خلال السنتين أسلم أكثر ممن أسلم في التسعة عشر السنة كلها.
وجاء إلى صلح الحديبية ومعه من أصحابه ألف وخمسمائة، لكن بعد السنتين دخل إلى مكة معه عشرة آلاف صحابي؛ من ألف وخمسمائة إلى عشرة آلاف، ودخل مكة وفتحها... سنتين أخرى جاء إلى الحج معه مائة ألف وأربع وعشرين ألف!.. انظر التزايد السريع هذا... بعد صبر، بعد صبر طويل ومكابدة وسنين الأذى، السلا وُضِع على ظهره في مكة، والأذى وقع في قدره، والشوك في طريقه، وكادوا أن يخنقوه في بعض المواقف وسبّوه كثيرًا، وخرج كُرهًا من مكة، وشُجّ جبينه، وشُقّت شفته السفلى، وكُسرت رباعيته -سِنّه-، وجُرحت وجنتاه، حتی ما خرج حديد المغفر من وجنته إلا بضرس بعض الصحابة، خرج الضرس معه من شدة تعمّقه وغرقه في وجنة النبي ﷺ.
في ذاك اليوم في أُحُد، رجع آخر النهار إلى المدينة، وصل قُرب المغرب إلى عند باب بيته، خرج.. ما استطاع أن يخرج من على الدابة وحده من كثرة الجروح، كان معه سيدنا علي وسيدنا سعد بن معاذ، أمسكوا به حتى خرج ودخل إلى البيت، وناول السيف سيدتنا فاطمة وقال: اغسلي الدم عن هذا فقد صدقني اليوم، وناولها سيدنا علي سيفه وقال: واغسلي هذا فقد صدقني اليوم، فقال ﷺ: وقد صدق معك في موقف فلان وفلان وفلان… فخرج صلاة المغرب يصلي بالناس، وأثر الإرهاق والتعب عليه، وسمع بعض بيوت الأنصار.. قال: ما هذا؟ قالوا: إنهم ينوحون على بعض موتاهم وقتلاهم، قال: "ولكن حمزة لا بواكي له"؛ حمزة بن عبد المطلب عمّه، سمعه سعد بن معاذ فراح إلى عند نسائه يقول لهن لا تنحن على أحد من موتانا الآن اذهبوا ونوحوا على حمزة، فخرج النبي صلاة العشاء، إلا أنه باشرته السيدة فاطمة ومن معه من أمهات المؤمنين بشيء من تضميد الجروح وبشيء من تكميد، فكان في وقت خروجه للعشاء أنشط منه وأسرع حركة من حين صلى بهم المغرب، كان ما يكاد يتمكن من رفع رجله تمام من الأرض لما خرج في المغرب، ولما خرج في العشاء كان أخف حركته. فسمع صوت قال: ما هذا؟ قالوا: تجمعن نساء من الأنصار ينحن على حمزة، قال: ما أردت هذا! فخرج إليهم، قال: ارجعوا جزاكم الله خير وبارك الله فيكم ما أردت هذا ارجعوا إلى دياركم، وعاد إلى بيته.
في الصباح ثاني يوم خرج إلى حمراء الأسد، وأمر المنادي ينادي: من كان حضر مع رسول الله في الأمس فليخرج، ومن لم يحضر أمس لا حاجة لنا به، وكل من حضروا بالأمس كانوا جرحى، بعضهم وصلوا في تلك الليلة إلى ديارهم، ما تمكنوا من تضميد جروحهم ففي الصباح أحضر لهم أهلهم الجمر والنار من أجل يضمدوا جروحهم ويكمدوها، فلما تهيئوا سمعوا المنادي يمر في الشارع يقول: أن رسول الله يقول من حضر معه أمس يحضر اليوم، وكان الواحد منهم يقول: ارفعوا هذا، وهاتوا السيف! يقولون له نضمد أول جرحك، يقول: لا، رسول الله خرج وأنا أجلس هنا! وقاموا بجروحهم، ما سمعت ربي يثني عليهم، ما سمعت التلاوة عنهم في الصلاة الليلة، قوله: (الَّذِينَ اسْتَجَابُوا لِلَّهِ وَالرَّسُولِ مِن بَعْدِ مَا أَصَابَهُمُ الْقَرْحُ ۚ لِلَّذِينَ أَحْسَنُوا مِنْهُمْ وَاتَّقَوْا أَجْرٌ عَظِيمٌ) [آل عمران:172].
فأرسل أبو سفيان من يخوّفهم ويحذّرهم، لما بلغه الخبر أن محمد خرج؛ لأن المشركين في الطريق جلسوا يتشاورون، قالوا: ما صنعنا؟ ما قتلنا محمد ولا أبو بكر ولا عمر ولا كبار الصحابة! لِمَ لا نرجع إليهم إلى المدينة. فبلغ النبي الخبر تلك الليلة، فسرح في الصباح، فلما بلغهم أن النبي خرج بدؤوا يخافون يقولون بأي قوة خرج؟ من معه؟ فأراد أن يخذّلهم، فأرسل ناس يقولون لهم أبو سفيان ملآن غيظ هناك هو والمشركين راجعين الآن إليكم يقتّلوا ... كلما كلموا واحد يقول: حسبنا الله ونعم الوكيل، كلم الثاني يفزّعه يقول: حسبنا الله ونعم الوكيل، قالوا هؤلاء إيش معهم تطعيم ضد الخوف أو إيش؟! ما يفزعون ما يخافون!.. كل ما واحد يكلمهم يقول حسبنا الله ونعم الوكيل، ولا واحد فزع منهم، ولا واحد خاف وانقلبت الآية هم الذين فزعوا فشردوا…
سخّر الله واحد ممّن كانوا ينصحون للنبي وهو لا زال كافر قبل إسلامه من خزاعة، كانوا عيبة نصح لرسول الله، يحبون النبي، فقبل إسلامه جاء ورأى النبي في الطريق وقال له: أصنع شيء؟ قال: خذِّل عنّا، راح إلى عند أبو سفيان: يا أبا سفيان، ورائي القوم، محمد معه جيش يتلمظّون عليكم؛ ملآنين غيظ مما نلتم منهم من أُحُد، ما أراكم إلا ترجعون بالهزيمة! انظر ما تقول، قال: يمكن يصلون الآن ورائي، فأخذ جماعته وهربوا، هم الذين خافوا!..
المؤمنون ما أحد منهم خاف، (إِنَّ النَّاسَ قَدْ جَمَعُوا لَكُمْ فَاخْشَوْهُمْ فَزَادَهُمْ إِيمَانًا وَقَالُوا حَسْبُنَا اللَّهُ وَنِعْمَ الْوَكِيلُ) [آل عمران:173]، حتى وصل النبي ﷺ إلى حمراء الأسد، أمر بضرب الخيمة وضُربت له الخيمة هنا تفقد أصحابه، فذكر اثنين من خيار الصحابة ممن يعلم إيمانهم، قال: أين فلان وفلان؟ تفقّدوهم في الجيش، قالوا ما نجدهم، تخلفوا، قال: ما لهم أن يتخلفوا عنّي، عَلِم إيمانهم، فلمّا دخل خيمته قال لواحد من الصحابة إذا جاء فلان وفلان أدخِلهم عليّ، وفعلاً هم كانوا في الطريق ماشيين وراء النبي وإنما من كثرة الجروح ما قدروا يلحقوا بالجيش، وصلوا متأخرين في الليل، ولما وصلوا تلقاهم وقال لهم اصبروا النبي ﷺ قال أدخلكم عليه، تعالوا، فجاء بهم إلى عند الخيمة، استأذن النبي ﷺ، قال: فلان وفلان جاؤوا، قال: أدخلهم، دخلوا، قال: ما خلفكم عني؟ قالوا: والله ما تخلفنا عنك، ما هو إلا أن سمعنا المنادي فخرجنا، يقول أحدهم: ولكن أخي هذا أكثر جروحًا مني فكان يعجز عن المشي أحيانا فأحمله، أنا جروحي أقل، ثم أضعه على الأرض يمشي برهة ثم أحمله وهكذا فلهذا تأخرنا، دعا لهم بخير وبشّرهم بخير.
وأقام ثلاثة أيام والجماعة قد فروا فرّة إلى مكة، فاطمئن ورجع، (فَانقَلَبُوا بِنِعْمَةٍ مِّنَ اللَّهِ وَفَضْلٍ لَّمْ يَمْسَسْهُمْ سُوءٌ وَاتَّبَعُوا رِضْوَانَ اللَّهِ ۗ وَاللَّهُ ذُو فَضْلٍ عَظِيمٍ * إِنَّمَا ذَٰلِكُمُ الشَّيْطَانُ يُخَوِّفُ أَوْلِيَاءَهُ فَلَا تَخَافُوهُمْ وَخَافُونِ إِن كُنتُم مُّؤْمِنِينَ * وَلَا يَحْزُنكَ الَّذِينَ يُسَارِعُونَ فِي الْكُفْرِ ۚ إِنَّهُمْ لَن يَضُرُّوا اللَّهَ شَيْئًا ۗ) [آل عمران:174-176]. فيجب أن نعامل الله بهذا الإيمان، ونحن يخوفونا بالذين من دونه ونحن نخاف! عيب.. ويجيئون بناس ثانيين يُملون عليهم أن لا تخافوا وروحوا تفجّروا وفجروا أنفسكم وافجروا بقواعد دينكم وأسس إيمانكم... ولا حول ولا قوة إلا الله!
فأکثر شبابنا في تخاذل وانتكاس ووراء الألعاب أو الأزياء أو الصور أو الانحراف أو الانجراف وما إلى ذلك، رجال ونساء… وقليل منهم يصيغونهم صياغة للتكفير والتفجير!... أين أهل الذوق لحلاوة الوحي وأهل العمل بمقتضى المنهاج أين هم؟… هم:
فالله يجعلنا منهم.
والجماعة الذين خانوا العهد من اليهود يوم غزوة الأحزاب، أُلقي عليهم الرعب، وقُتّلوا وأورث الله أرضهم وديارهم المسلمين، فالنبي ﷺ رجع إلى بيته بعد أن فرّ الأحزاب من الخندق، وبينما هو في البيت قام ليغتسل وإذا بجبريل قال: يا رسول الله وضعت لامة الحرب؟ لكنا نحن الملائكة لم نضعها بعد، اخرج إليهم -وأشار إلى بني قريظة الذين خانوا العهد- فإني ذاهب إليهم مزلزل بهم. ومشى خرج النبي ﷺ ولبس لباس الحرب وخرج يقول: "لا يصلينّ أحد منكم العصر إلا في بني قريظة"، مشى في الطريق، حصّل بعض الصحابة، قال: مر أحد هنا؟ قالوا: دحية الكلبي على فرس، قال: ذاكم جبريل، تصوّر بصورته، وكثير من المرات يظهر سيدنا جبريل بصورة سيدنا دحية الكلبي، ويرونه الناس يظنونه دحية. وخرج ﷺ وحاصرهم حتى خرجوا على حكم سعد بن معاذ، فحكم أن يُقتل رجالهم، وتُسبى ذراريهم ونسائهم، وتُقسّم أموالهم غنيمة للمسلمين، قال له رسول الله ﷺ: لقد حكمت فيهم حكم المَلِك. بجنبهم يهود بني النضير ما كلمهم ﷺ، لأنهم ليسوا هم من خانوا العهد، الذين خانوا أقام عليهم الأمر، مع أنهم على دين واحد، وبينهم البين ولاء ولكن ما يؤاخذ أحد بذنب الآخر، ولا يتحامل على الناس ﷺ.
"ومن هذا نتعلم كيف ينبغي للدعاة أن يظهروا بالاستقامة والتجلد وعدم التقهقر عند مواجهة الشدائد والمحن والعقبات وأن لا يساور قلوبهم اليأس والوهن فيما إذا تأخر ظهور النتائج المرجوة لما قد بذلوا من الجهود، وأن يظلوا يواصلون جهودهم على رغم كل هذا، وأن لا تزل أقدامهم إذا ما عرض لهم مواقع الخطر والمضرة والطمع في أثناء سيرهم في سبيل غايتهم، وأن يعوّدوا أنفسهم على العمل بسعى متصل، ويروضوّها على الأعمال الثابتة المنظمة البعيدة الأثر والنتائج وأن لا تكون الخطوات القريبة النتائج فى اليسير من الوقت هي كل الأمل وأمل الكل.
إنّ مما يهوّن على نفس الداعي معالجة الصبر أن يعلم كما عَلِم السابقون أن المحن والشدائد من الظواهر الملازمة للحركة الإسلامية وهي من أهم عوامل التكوين والاختبار في الإسلام إن الإيمان القوي الراسخ هو الذي يصمد في ساعة العسر، أما الإيمان السقيم العليل فسرعان ما تكشفه المحن وتصدعه، قال تعالى: (وَمِنَ النَّاسِ مَن يَقُولُ آمَنَّا بِاللَّهِ فَإِذَا أُوذِيَ فِي اللَّهِ جَعَلَ فِتْنَةَ النَّاسِ كَعَذَابِ اللَّهِ وَلَئِن جَاءَ نَصْرٌ مِّن رَّبِّكَ لَيَقُولُنَّ إِنَّا كُنَّا مَعَكُمْ ۚ أَوَلَيْسَ اللَّهُ بِأَعْلَمَ بِمَا فِي صُدُورِ الْعَالَمِينَ * وَلَيَعْلَمَنَّ اللَّهُ الَّذِينَ آمَنُوا وَلَيَعْلَمَنَّ الْمُنَافِقِينَ) [العنكبوت:10-11].
إن النبات وقت الشدة دليل لابد منه لإثبات صدق الإيمان ورسوخه، قال تعالى : (أَحَسِبَ النَّاسُ أَن يُتْرَكُوا أَن يَقُولُوا آمَنَّا وَهُمْ لَا يُفْتَنُونَ * وَلَقَدْ فَتَنَّا الَّذِينَ مِن قَبْلِهِمْ ۖ فَلَيَعْلَمَنَّ اللَّهُ الَّذِينَ صَدَقُوا وَلَيَعْلَمَنَّ الْكَاذِبِينَ) [العنكبوت:2-3]."
وقال تعالى: (أَمْ حَسِبْتُمْ أَن تَدْخُلُوا الْجَنَّةَ وَلَمَّا يَعْلَمِ اللَّهُ الَّذِينَ جَاهَدُوا مِنكُمْ وَيَعْلَمَ الصَّابِرِينَ) [آل عمران:142]. وقال سبحانه وتعالى: (أَمْ حَسِبْتُمْ أَن تَدْخُلُوا الْجَنَّةَ وَلَمَّا يَأْتِكُم مَّثَلُ الَّذِينَ خَلَوْا مِن قَبْلِكُم ۖ مَّسَّتْهُمُ الْبَأْسَاءُ وَالضَّرَّاءُ وَزُلْزِلُوا حَتَّىٰ يَقُولَ الرَّسُولُ وَالَّذِينَ آمَنُوا مَعَهُ مَتَىٰ نَصْرُ اللَّهِ ۗ أَلَا إِنَّ نَصْرَ اللَّهِ قَرِيبٌ) [البقرة:214]. فهذه سنة الله في هذه الحياة، ولكن شرفنا ثم نجاحنا في استقامتنا وثباتنا وتقوانا لله -تبارك وتعالى- وبذلنا الوسع والمستطاع في غير استفزاز من أحد، وبغير خروج على منهج النبي محمد ﷺ، ثبّتنا على الله دربه، وسقانا الله من شربه إنه أكرم الأكرمين وأرحم الراحمين.
وهذا اليوم من أيامه ﷺ، يوم الإثنين قال: يومٌ وُلدت فيه، وفيه أنزل عليّ، وفيه أسريَ بي، وفيه هاجرت وفيه أتيت طيبة. اللهم صلّ عليه، قال: ذاك يومٌ ولدت فيه ولنعم الصوم فيه. وهو يوم تُعرض فيه الأعمال على الله، فهذا أول عرض في رمضان من حيث الأسبوع، أيام الأسبوع الإثنين والخميس؛ فهذا أول عرض على الرحمن لأعمالنا من يوم الخميس الماضي خاصة إلى اليوم هذا؛ إيش قلنا؟ إيش فعلنا؟ إيش نوينا؟ كيف تحركنا في خلواتنا في جلواتنا؟ اليوم المحاضر تُعرض على العليّ الأكبر، وهو أعلم، واقتضت حكمته أن يتم هذا العرض، فعسی عرض جميل على مولانا الجليل، نفوز كلنا بغفرانه إن شاء الله وبرضوانه إنه أكرم الأكرمين وأرحم الراحمين.
12 شوّال 1433