القدوة الحسنة في منهج الدعوة إلى الله - 3 - المجاهدة لتربية النفس

شرح كتاب القدوة الحسنة - الدرس الثالث - المجاهدة لتربية النفس
للاستماع إلى الدرس

شرح الحبيب العلامة عمر بن محمد بن حفيظ على كتاب القدوة الحسنة في منهج الدعوة إلى الله للسيد محمد بن علوي المالكي، يتحدث عن مسائل مهمة عن منهج الدعوة الإسلامية وحقيقة القدوة الحسنة في سبيلها.

الدرس الثالث: المجاهدة لتربية النفس، المجاهدة لتربية النّفْس على الصبر والثبات والصمود ومواصلة السّير. 

 

نص الدرس مكتوب:

 

بسم الله… مرحبًا بكم رَكْبَ الخير، وسَرِيّة التوجّه إلى رب المملكة في طلب المثوبة والمكانة عنده، واتّباع سُنّة نبيه ﷺ، وأن يكتب لنا ثواب حِجّة وعمرة تامة في رمضان، (رَبَّنَا وَآتِنَا مَا وَعَدتَّنَا عَلَىٰ رُسُلِكَ..) [آل عمران:194]. جمعٌ نادر في رمضان في العالم؛ لأن أكثر الناس ينامون بعد الفجر في رمضان، والذين يَعمرون ما بين صلاة الصبح وطلوع الشمس قليلٌ، أفراد أفراد، ما تجد جمع مثل هذا الجمع، فالحمد لله على هذه النعمة. أسأل رب السماء أن يقبل ويُحَنِّن روح النبي المُرسَل، ويجود علينا المولى ويتفضل، يا أكرم الأكرمين يا أرحم الراحمين.

 

بسم الله الرحمن الرحيم 

الحمد لله رب العالمين والصلاة والسلام على أشرف الأنبياء والمرسلين سيدنا محمد وعلى آله وصحبه أجمعين. من كتاب "القدوة الحسنة في منهج الدعوة إلى الله" تأليف السيد محمد بن السيد علوي المالكي الحسني -رحمه الله-: 

 

"لقد أعلن صاحب الدعوة حقيقة دعوته في تمحيص دقيق يفصلها عن كل ما قد يَلتبسُ بها من الأهداف والأغراض التي قد يُضمرها في أنفسهم عادةُ أرباب الدعوة الجديدة والمنادون بالثورة والإصلاح، وهذا سر من أسرار نجاح الدعوة، فكل مصلح أو مجدد في ميدان الدعوة يَحيد عن هذا المنهج فهو أبعد عن النجاح وعن القبول والفلاح. 

لقد سما الرسول ﷺ بدعوته فسمَت وسَمَت حتى صفت وشعّت أنواره وروحانيته على هذه الدعوة، فصُدِّقَتْ واكتملت ورَقَتْ وعزّتْ، حتى سخّر الله أعداءها وكبار المعارضين لها ليفاوضوا صاحبها".


في سُنَنٍ في الحياة لربكم -جل جلاله- تشمُل الجميع، ولكن يختصّ أهل الإيمان به وبرسله بسموٍّ في المقاصد وعلوٍّ في الهِمَم وفي المرادات، بل يبلغ بهم الرقيُّ إلى أن يكون المراد حقيقةً واحد هو الواحد. ومن كان كذلك فهو بين العباد في أعلى رُتب المجد بين الأماجد، مَن خَلَص من قصدِ غير الله سبحانه وتعالى. 

فلأجل هذا لا يمكن قياس الدعوة إلى الله -تعالى- بالحركات المختلفة لأي غرض من أغراض الدنيا، للأحزاب والهيئات والجماعات والشركات والمؤسسات والدول الأرضية أيضًا وما يتعلق بها؛ كلها قاصرة، وكلها محجوزة في شؤون الفانية والزائلة، أنّى تُقاس بها دعوةٌ إلى الحي القيوم -جل جلاله- الخالق الواحد، وإقامة لمنهاجه -جل جلاله- واستقامة على مراده من الخلق! ولهذا يقول: "لقد أعلن صاحب الدعوة" فيما قال لقريش: "ما جئتُ بما جئتكم به أطلب أموالكم، ولا الشرف فيكم، ولا الملك عليكم، ولكنّ الله بعثني ولكنّ الله بعثني رسولًا، وأنزل عليّ كتابًا، وأمرني أن أكون بشيرًا ونذيرًا، فبلّغتكم رسالات ربي ونصحت لكم، فإن تقبلوا عني ما جئتكم به فهو حظكم في الدنيا والآخرة، وإن تردّوا عليّ أصبر لأمر الله حتى يحكم الله بيني وبينكم". صلى الله عليه وعلى آله وصحبه وسلّم.

حَكَم الله، ودخل في يوم الفتح، ما بقي شيء من هذا التفكير لهذا العرْض. قال سيدنا أبو سفيان لسيدنا العباس لمّا رأى الجيوش والكتائب تَمرّ وعليها الأنوار وعليها البهجة، ومُزَينة وسُليم وبنو غِفار، وكل واحد يقول: ما لي ولهؤلاء؟ وإذا بركب الأنصار، جاء معهم رسول الله ﷺ في جماعة، ما يُرى منهم إلا الحَدَق وعيونهم، لابسين دروع، والهيبة تعلوهم والجلال. قال: من هؤلاء؟ قال: هذا رسول الله ﷺ في ركب من المهاجرين والأنصار. قال: لقد أصبح ملك ابن أخيك عظيمًا. قال: ابعد من هذا الفكر ومن هذا النظر، ما هي ملك ولا رئاسة، "إنها النبوة!"، قال: إنها النبوة وإنها ليست ملكًا. قال: نعم إذًا، نعم إذًا.. 

ولقد جاءته الإشارة من قديم، ولما جمعهم هرقل قال: انظروا مَن مِن أصحاب هذا النبي الذي ظهر، فحصّلوا جماعة من التجار فيهم أبو سفيان، جاء قال: من أقربهم إليه نسباً؟ قالوا: هذا. قال: قدِّموه هنا. قال: أنا أسأله وهو يجيب، فبعد أن كمّل الأجوبة قال له: إن كان كما تقول فسيملك هذا موضع قدميَّ هاتين. وخرج يقول: لقد أَمِرَ أمرُ ابن أبي كبشة -يعني عَظُمَ- أن يخافه ملك بني الأصفر! الملك الذي هم يفزعون منه، ويرونه ملك الدنيا، يفزع من محمد؟! هذا الذي نحن نسبُّه ونؤذيه، ونتقاتل نحن وإيّاه، هذا يخافونه الملوك الكبار في العالم! لقد أَمِرَ أمرُ ابن أبي كبشة، وهذا من منظاره؛ لأن في قلبه العظمة لهؤلاء، وإلّا أين هم من حقيقة محمد وعظمته عند رب الأرض والسماء صلى الله عليه وصحبه وسلم.

 لقد بات في ليلة تزهو به السماوات ويحتفل به سُكّانها، ثم يغيب عن الكل ويعتلي فوقهم حتى يقول طاووس الملائكة جبريل: وما منّا إلا له مقام معلوم، إن تقدمتُ احترقتُ، ثم يُفاض عليه ويرجع إلى عندكم في الصباح وتستهزئون به وتتكلمون عليه! شأنه أكبر مما تظنون، وأين مِن مُلك مَلِك بني الأصفر ولا بني الأحمر، هو فوق ذلك وأعظم من ذلك وأجلّ من ذلك، صلى الله وسلم وبارك عليه وعلى آله. وما يعرف قدره إلّا ربه، صلوات ربي وسلامه عليه.

فالمنتمون إليه عبر الدعوة يجب أن يعرفوا مكانهم ومكانتهم، ولا ينزلوا إلى المقايسة مع أرباب الأغراض في الدنيا. لا، لا، لا، ليست حركتنا كحركاتهم، ولا مقاصدنا كمقاصدهم. وإن تَشاركنا في بعض الوسائل والأسباب، ففقط من جهة الصورة، أما نية الاستخدام وكذلك حكم كيفية الاستخدام مزمومة بزمام المراد. ففرق كبير، الفرق عظيم. قال سيدنا عليّ: كنت أقاتل هذا الذي يقاتلني لله، فلما بصق في وجهي غضبتْ نفسي، فأرادتْ أن أضربه لها، وأنا لا أضرب بسيفي لغير الله! سيفه وكيفية الضرب فيه ممسوك بزمام الإخلاص لوجه الله الكريم. قال ليست الضربة مثل الضربة، لا لا، قال: كنت أقاتله لله. يقولون: كيف تقاتله مدة، فلما أوقعته على الأرض وهويتَ عليه بالسيف رددتَ السيف وتركته؟ قال: نعم، كنت أقاتله لله، فلما أضجعته على الأرض وأردتُ أن أقتله بصقَ في وجهي، فنفسي غضبتْ أرادتْ أن أضربه لها، وأنا مِن أول لله أقاتل، وأنا لا أضرب بسيفي لغير الله.. انظر كم مِن فرق كبير! 

هذه الملاحظة في الموقف الحرج هذا، وشأن النفس والوقفة عندها! وأنت الآن في طلبك القرب من الله، أين وقفاتك من النفس في رمضان، لا قتال ولا أحد يبصق في وجهك، أخلاقك مع من حواليك ومعاملاتك ووقفاتك في الصلاة وفي اليوم، هل لك وقفة لنفسك مع نفسك تقوّمها على الإخلاص لربها والصدق معه، وأنت غافل عن هذا؟ تعلم من هذه المدرسة؛ إنها مدرسة محمد ﷺ خرّجت هؤلاء الذين يرقبون دقائق خواطرهم نحو مولاهم -جل جلاله وتعالى في عُلاه- (أَلَا لِلَّهِ الدِّينُ الْخَالِصُ) [الزمر:3]، (وَمَا أُمِرُوا إِلَّا لِيَعْبُدُوا اللَّهَ مُخْلِصِينَ لَهُ الدِّينَ حُنَفَاءَ) [البينة:5].

قال: فَصَلَ دعوته ﷺ عن كل ما يلتبس بها من الأهداف والأغراض التي يضمرها كثير من أرباب الحركات والدعوات في الشرق والغرب، فدعوات الأنبياء غير دعوات سواهم، فليكن أتباعهم على قدمهم. سما ﷺ بدعوته فسمَت وسَمَت حتى صفت وشعّت أنواره وروحانيته على هذه الدعوة، فصُدِّقَتْ واكتملت ورَقَتْ وعزّتْ، حتى سخّر الله" لها "أعداءها وكبار المعارضين لها ليفاوضوا صاحبها"، ثم ليدخلوا في دين الله أفواجًا. 

ثم تتكرر الأحوال هذه مع الصادقين من الدعاة في أمّته إلى يوم الدين، على درجات عند الله، فيهم الصابرون والصادقون والزاهدون والمُضحّون والشهداء (وَتِلْكَ الْأَيَّامُ..) لكن افهم قول ربك، قال: (وَتِلْكَ الْأَيَّامُ) يُتسابَق للحكم فيها بحسن التخطيط وقوة التدبير؟ لا لا، (نُدَاوِلُهَا)، هو، هو يداولها، ما هو خطط الناس والأفكار، (نُدَاوِلُهَا بَيْنَ النَّاسِ) [آل عمران:140] ، نُداول، نحن نُداول (قُلِ اللَّهُمَّ مَالِكَ الْمُلْكِ تُؤْتِي الْمُلْكَ مَن تَشَاءُ وَتَنزِعُ الْمُلْكَ مِمَّن تَشَاءُ وَتُعِزُّ مَن تَشَاءُ وَتُذِلُّ مَن تَشَاءُ) [آل عمران:26].

وقديمًا وحديثًا خططت البشرية خططًا كبيرة رهيبة، وجاءت النتائج غير ما رُتِّب لها، قديمًا وحديثًا، هو مالك الملك، هو الذي يؤتي الملك من يشاء وينزع الملك ممن يشاء ويعز من يشاء ويذل من يشاء، (وَتِلْكَ الْأَيَّامُ نُدَاوِلُهَا)، ما قال تتداولُ ولا تُدالُ ولاتُدَوَّلُ بالأفكار والتراتيب.. (نُدَاوِلُهَا بَيْنَ النَّاسِ) سبحانه عز وجل-. وما سر التداول هذا مِن قِبَل الحق؟ مداولة الأيام؟ (وَلِيَعْلَمَ اللَّهُ الَّذِينَ آمَنُوا)، يتميز المؤمنون من غيرهم، (وَيَتَّخِذَ مِنكُمْ شُهَدَاءَ)، يصطفي شهداء وصابرين وثابتين ما يُحَصِّلون الدرجات هذه ولا الأماكن والمراتب إلّا بهذا التقليب، (وَاللَّهُ لَا يُحِبُّ الظَّالِمِينَ* وَلِيُمَحِّصَ اللَّهُ الَّذِينَ آمَنُوا وَيَمْحَقَ الْكَافِرِينَ) [آل عمران:140-141].

حُكم ساري، (سُنَّتَ اللَّهِ الَّتِي قَدْ خَلَتْ فِي عِبَادِهِ) [غافر:85]، (وَلَن تَجِدَ لِسُنَّةِ اللَّهِ تَبْدِيلًا) [الفتح:23]. (سُنَّةَ اللَّهِ الَّتِي قَدْ خَلَتْ مِن قَبْلُ ۖ وَلَن تَجِدَ لِسُنَّةِ اللَّهِ تَبْدِيلًا) [الفتح:23]، ومع هذا كله، وتداول الأيام على هذا النحو.. المغرورون كثير، وأهل الزور كثير، والذين يرون أن العظمة مع الكفار والفجار كثير، في مختلف الأزمان! مع أن الأمر دائر هكذا، عاد وملكهم وقوتهم، وثمود وفرعون، (وَعَادًا وَثَمُودَ وَأَصْحَابَ الرَّسِّ وَقُرُونًا بَيْنَ ذَٰلِكَ كَثِيرًا * وَكُلًّا ضَرَبْنَا لَهُ الْأَمْثَالَ ۖ وَكُلًّا تَبَّرْنَا تَتْبِيرًا) [الفرقان:38-39].

ولا زالت تتكرر التجربة عند البشر، وهؤلاء ما أدري كيف ما يعقلون! إلى اليوم، حتى في الزمان حقنا هذا، طريقة التفكير عند البشر هو هكذا. مع أنه (أَيَبْتَغُونَ عِندَهُمُ الْعِزَّةَ فَإِنَّ الْعِزَّةَ لِلَّهِ جَمِيعًا) [النساء:139]. اللهم أعزّنا بطاعتك، أعزّنا بتوحيدك، أعزّنا بالقرب منك، أعزّنا بالمعرفة بك، أعزّنا بالفهم عنك، أعزّنا بالاستنارة بنورك، ولا تذلّنا بمعصيتك ولا بالغفلة عنك ولا بالمخالفة لشريعتك.

 

المجاهدة لتربية النفس

"ولا شك أن دعوةً هذه حقيقتها وصفتها هي ثورة عامة وانقلاب شامل لا بد أن تقترن بالمجاهدة؛ لتكون المجاهدة بكل ما فيها من معانٍ أعظم رفيق في كل مراحل هذا الطريق. ولقد أوضح القرآن هذا المبدأ في كثير من الآيات، وبينه النبي صلى الله عليه وآله وسلم في عشرات الأحاديث الصحيحة المرفوعة، وإذا درسنا القرآن الكريم ودرسنا كتب السيرة النبوية وأحوال الصحابة -رضوان الله عليهم-، وجدنا في طياتها نماذج عملية لا تُحصى يشمل جميعها اسم المجاهدة:

1- المجاهدة لتربية النفس على الصبر بالثبات والصمود ومواصلة السير.

2- وتربية النفس على الرجوع إلى الله بإسلام الوجه له وذكره بالقلب واللسان ودعائه في كل آن.

3- وتربية النفس على التحلّي بمظهر القدوة الحسنة بالتمسك بالمبادئ التي يدعو إليها وتصديق عمله قوله.

4- وتربية النفس على الجهاد ببذل النفس والتضحية.

5- وتربية النفس على الهجرة بترك الوطن والسعي الحثيث لبث الدعوة والمناداة بترك ما حرّمه الله -تعالى- والهجرة عما نهى عنه.

6- وتربية النفس على الكرم والإيثار ببذل المال والإنفاق بسخاءٍ ودون تردد".

 

هذه ست أنحاء مما جمعه بفكره ورتّبه فيما ورد عليه في شؤون المجاهدة، وكلها متعلقة بتربية النفس وتزكية النفس وتطهير النفس؛ فعاد الأمر كله إلى نفسك يا هذا! أما تدري أن دَحْوَ الأرض ورفْع السماوات وإقامة الكواكب والنجوم في هذا الجو بين الأرض والسماء لأجل نفسك هذه؟ لتربية نفسك هذه؟! لتعليم نفسك هذه؟! (اللَّهُ الَّذِي خَلَقَ سَبْعَ سَمَاوَاتٍ وَمِنَ الْأَرْضِ مِثْلَهُنَّ يَتَنَزَّلُ الْأَمْرُ بَيْنَهُنَّ لِتَعْلَمُوا أَنَّ اللَّهَ عَلَىٰ كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ وَأَنَّ اللَّهَ قَدْ أَحَاطَ بِكُلِّ شَيْءٍ عِلْمًا) [الطلاق:12].

وبهذا تعرف حقيقة الكرامة لهذا الإنسان؛ الله كرّمه وجعله المقصود السامي من خلق الوجود؛ فرجع الأمر إلى نفس الإنسان؛ ولهذا اهتمت مناهج الرسل مباشرة بحسب ما أوحى الله إليهم إلى نفس الإنسان؛ تقويمها، تطهيرها، تنويرها، تهذيبها، تأديبها، تزكيتها. (وَالشَّمْسِ وَضُحَاهَا * وَالْقَمَرِ إِذَا تَلَاهَا * وَالنَّهَارِ إِذَا جَلَّاهَا * وَاللَّيْلِ إِذَا يَغْشَاهَا * وَالسَّمَاءِ وَمَا بَنَاهَا * وَالْأَرْضِ وَمَا طَحَاهَا * وَنَفْسٍ وَمَا سَوَّاهَا * فَأَلْهَمَهَا فُجُورَهَا وَتَقْوَاهَا * قَدْ أَفْلَحَ مَن زَكَّاهَا * وَقَدْ خَابَ مَن دَسَّاهَا) [الشمس:1-10]. قَسَم بمظاهر الكون كله، أقسم الله بها على حقيقة أن الفلاح لمن زكّى هذه النفس، والخَيبة لمن دسّاها، فالناس في العالم ما بين مُزَكٍّ نفسَه ومُدَسّيها.

وإذا نظرت إلى الخِطط للحضارات وعامة المناهج وجدتها ناسيةً نفسَ الإنسان، وإنما تُرتب وتخطط للأمور الخارجة: المباني والطرق والملابس وما إلى ذلك... لكن النفس أين هي؟ ما الذي أعدوه لنفس الإنسان؟ نفس الإنسان أعدوا لها التخريب، فجاء لكل حقهم مظاهر الحضارة ولعب بها لعبًا، وكلما زادت مظاهر الحضارة زاد السقوط والحقارة، وصار الإنسان منسلخًا عن إنسانيته إلى حد تكون البهيمة خير منه، واستُعملت وسائل التقدم والتطور للعدوان وللظلم ولسفك الدماء وهكذا.

كان قبل التطور القتل ما يكون الكميات الكبيرة ولا في الأوقات السريعة، لكن لما تطوّروا.. قتل سريع ذريع، في اليوم الواحد كم؟!. مرّت على نبينا ﷺ عشر سنين في الجهاد، جميع الأنفس التي قُتلت خلال الغزوات، سبع وأربعين سَرِيّة وسبع وعشرين غزوة، من الجانبين، من المسلمين والكفار، ما تصل ألفين، ما تصل ألفين، أبدًا.. سبع وعشرين غزوة وسبع وأربعين سَرِيّة، وتم فتح مكة وانتشار الإسلام في الجزيرة والعرب، وما في ألفين قُتلوا  ليس من جانب، من الجانبين معًا، من المسلمين والكفار، ما وصلوا هذا العدد. ما هذه العظمة!.. 

وأمّا لما تطوَّروا، إيش ألفين؟ ألفين وثلاثة في ساعة واحدة، لأن الإنسان تطوّر، تقدّم!.. تقدّم لأين هذا؟ تقدّم يُقتّل ولا إيش هذا؟ هكذا نهاية الحضارات.. وإنا لله وإنا إليه راجعون، الله يدفع البَليّات عنا وعن المؤمنين والمؤمنات.

قال: الدعوة التي هي في سموّها بهذا المستوى الأعلى يجب أن تقوم على المجاهدة (وَالَّذِينَ جَاهَدُوا فِينَا لَنَهْدِيَنَّهُمْ سُبُلَنَا) [العنكبوت:69]. قال: 

  • تربية النفس في المجاهدة على الصبر.
  • مجاهدة على الرجوع إلى الحق وإسلام الوجه لله وكثرة ذكره. 
  • ومجاهدة على التحلي بمظهر القدوة الحسنة وتصديق العمل للقول. 
  • مجاهدة على الجهاد وبذل النفس والتضحية تربية ومجاهدة على الهجرة لمن اكتنفته ظروف توجب عليه الهجرة ليقيم أمر الله تعالى، (إِنَّ الَّذِينَ تَوَفَّاهُمُ الْمَلَائِكَةُ ظَالِمِي أَنفُسِهِمْ قَالُوا فِيمَ كُنتُمْ ۖ قَالُوا كُنَّا مُسْتَضْعَفِينَ فِي الْأَرْضِ ۚ قَالُوا أَلَمْ تَكُنْ أَرْضُ اللَّهِ وَاسِعَةً فَتُهَاجِرُوا فِيهَا) [النساء:97]، وفيها إشارة إلى أنه لا يُخلِي الحقُّ بقعًا في الأرض يُقام فيها أمرُ الدِّين ويمْكن المشيُ إليها في كلّ زمان. 
  • ومجاهدة على الكرم، والإيثار، والبذْل، والإنفاق، والسّخاء. 

فهذه نواحي يتحدث عنها في هذا الكتاب: "القُدوة الحَسَنة في منهج الدّعوة إلى الله". فإن كنّا نحب الله ونقوم بالدّعوة إلى الله، فلننظر إلى هذه الأوصاف، ونُقيم هذه المجاهدات، ونستلم المُقابل؛ هِدايات من الله (وَالَّذِينَ جَاهَدُوا فِينَا لَنَهْدِيَنَّهُمْ سُبُلَنَا) [العنكبوت:69]. وهذا الميدان كل شيء فيه بحسابه (وَمَا تَفْعَلُوا مِنْ خَيْرٍ يَعْلَمْهُ اللَّهُ) [البقرة:197]، الله أكبر.. (بَلَىٰ مَنْ أَسْلَمَ وَجْهَهُ لِلَّهِ وَهُوَ مُحْسِنٌ فَلَهُ أَجْرُهُ عِندَ رَبِّهِ وَلَا خَوْفٌ عَلَيْهِمْ وَلَا هُمْ يَحْزَنُونَ) [البقرة:112]. (وَمَنْ أَحْسَنُ دِينًا مِّمَّنْ أَسْلَمَ وَجْهَهُ لِلَّهِ وَهُوَ مُحْسِنٌ وَاتَّبَعَ مِلَّةَ إِبْرَاهِيمَ حَنِيفًا ۗ وَاتَّخَذَ اللَّهُ إِبْرَاهِيمَ خَلِيلًا) [النساء:125].

سمِع الأَعرابيُّ التّالي يتلو: (وَاتَّخَذَ اللَّهُ إِبْرَاهِيمَ خَلِيلًا). قال: لقد قرَّت عين إبراهيم. الأعرابي قال: لقد قرّت عين إبراهيم، اتخذ الله إبراهيم خليلاً. قال: لقد قرّت عين إبراهيم.. وهذا خليل الرحمن ليلة لا يوجد عشاء لأهل بيته، خرج ليستدين من عند بعض النّاس عشاء! شوف تجيء عليه هذه الأحوال والظّروف وهو أبو الأضياف مع ذلك، كرم ومفتوح بيته للنّاس، وساعة ما يوجد عشاء حتى لأهل البيت ما يوجد عشاء، فلما قصد بعض الذي يستدين منهم اعتذروا له فرجع إلى البيت، فأوحى الله إليه: ما أخرجك؟ قال: جاع أهل داري فأردت أن أقترِض لهم عشاء فمنعوني الذين أقترِضُ منهم، قال: رَدّوني.. فأوحى الله إليه: لو قصدتَ خليلك لم يردّك، قال: استحييتُ منك يارب اطلب منك، قال: سَلْني ولو ملح عشاءك. حتى لو العشاء موجود والملح ما فيه، قل يا رب أعطنا ملح، سَلْني ولو ملح عشاءك وعلَف دابتك. سبحان الله! ومع ذلك انظر إلى تربية الله له و تأديبه. 

وجاءه المجوسي يريد يَطْعم ويأكل من عنده، فقال: أسلِم وكُل، قال: لا، وراح. فأوحى الله إليه: استَطْعمك يوم واحد هذا المجوسي فرددته، وأنا أرزقه مِن يوم خلقته ما قطعتُ عنه الرزق يوم واحد وهو يَكفر بي ويعبد النار. راح يدوّر له، خرج يبحث عنه رآه في السوق، قال: تعال قال: أنا قد جئت عندك، وقلتَ لي أسلِم، قال: قد عاتبني ربي فيك، قال: ربك هذا يعاتبك فيّ وأنا كافر به؟! قال: هكذا أوحى إلي وقال لي: لمَ رددته وأنا أرزقه مِن حين خلقته وهو كافر بي، قال: اصبر أول نؤمن ونُسلِم، بعدين أجيء معك، وشهِد شهادة الحقّ ومشى مع سيدنا الخليل.

ما أدري، هل عاد شيء مطبخ الآن في الخليل عند سيدنا الخليل هناك قائم أو لا؟. من يعرف أحوال فلسطين؟ ما أحد من أهل الخليل؟ يُسمّون المنطقة حقّه منطقة الخليل، وكان على مدى القرون والمطبخ حقه شغّال ضيافة، وتعرّض للتّسفير، وتعرّض للهجرة، وتعرّض للنار يطرحونه وسطها، وقعد بِلا أولاد عمر طويل، وجاؤوا له آخر عمره، ويقول له حطهم هناك عند البيت الحرام ورُح خلّهم بلا شراب ولا طعام.. بعدين لما كَبُر الولد وصار شاب، قال: اذبحه!.. وجاء بيذبح الولد، وأسنده إلى الأرض، ومر بالسكين عليه ما أثّر، (إِنَّ هَٰذا لَهُوَ الْبَلَاءُ الْمُبِينُ * وَفَدَيْنَاهُ بِذِبْحٍ عَظِيمٍ) [الصافات:106-107]، ومع ذلك كله فَرايته مرفوعة، (وَاجْعَل لِّي لِسَانَ صِدْقٍ فِي الْآخِرِينَ) [الشعراءء:84]، إبراهيم، إبراهيم، إبراهيم.. وحتى الذي شَذّوا وانحرفوا من اليهود والنّصارى يقولون إبراهيم، إبراهيم، يقولون :إبراهيم، إبراهيم، إبراهيم، ويجادلون يقولون إبراهيم يهودي، إبراهيم نصراني. قال الله: متى أُنزِلت التّوراة والإنجيل؟ ما حدثت التوراة والإنجيل إلا بعد إبراهيم بسنين طويلة، بعد ما مات، فكيف يكون يهودي أو نصراني؟ (مَا كَانَ إِبْرَاهِيمُ يَهُودِيًّا وَلَا نَصْرَانِيًّا وَلَٰكِن كَانَ حَنِيفًا مُّسْلِمًا وَمَا كَانَ مِنَ الْمُشْرِكِينَ) [آل عمران:67]. قال: (وَمَا أُنزِلَتِ التَّوْرَاةُ وَالْإِنجِيلُ إِلَّا مِن بَعْدِهِ ۚ أَفَلَا تَعْقِلُونَ) [آل عمران:65].

إبراهيم، صلوات الله وسلامُه على نبينا وعليه، وهو أفضل الخلق بعد نبينا، وهو أشبه الأنبياء به صورة ﷺ. إبراهيم أبو إسماعيل وإسحاق، وجاء من صُلبه أنبياء. يقول بعض أهل متابعة اللطائف: لقد ضحَّى الخليل إبراهيم في جانب زوجتيه معًا وابنيه إسحاق وإسماعيل، لكن تضحيته في جانب إسماعيل كانت أقوى وأشد، فجعل الله الأنبياء من ذريّة إسحاق، لكن سيّد الأنبياء من ذريّة إسماعيل، لأن التضحية في جانبه أقوى النتيجة أكبر؛ وجعل سيد الأنبياء، يجيء من هنا، من هذا الصلب، هو هذا حق الذبيح هذا الذي رماه هناك، (رَّبَّنَا إِنِّي أَسْكَنتُ مِن ذُرِّيَّتِي بِوَادٍ غَيْرِ ذِي زَرْعٍ عِندَ بَيْتِكَ الْمُحَرَّمِ رَبَّنَا لِيُقِيمُوا الصَّلَاةَ) فِكرُه في الصلاة (فَاجْعَلْ أَفْئِدَةً مِّنَ النَّاسِ تَهْوِي إِلَيْهِمْ وَارْزُقْهُم مِّنَ الثَّمَرَاتِ لَعَلَّهُمْ يَشْكُرُونَ) [إبراهيم:37]. ودعا الدعوة (رَبَّنَا وَابْعَثْ فِيهِمْ)، لمّا رجع وكان يبني البيت هو وإسماعيل، يدعو: (رَبَّنَا وَابْعَثْ فِيهِمْ رَسُولًا مِّنْهُمْ يَتْلُو عَلَيْهِمْ آيَاتِكَ وَيُعَلِّمُهُمُ الْكِتَابَ وَالْحِكْمَةَ وَيُزَكِّيهِمْ) [البقرة:129]. فكان يتقرّب إلى الله تعالى بهذه الدعوة؛ وكان الرسول محمد ﷺ.

 

المجاهدة لتربية النّفْس على الصبر والثبات والصمود ومواصلة السّير

"لقد مرت على المسلمين أقسى المِحن، وأعظم الشدائد، فواجهوها بالصبر وعدم اليأس والضّجر، بل ازداد نشاطهم فواصلوا محاولاتهم في صمودٍ وثبات، فخرجوا من هذه المحن القاسية أشدّ ما يكونون، وخرج مجتمعهم أقوى ما يصل إليه مجتمع في شبابه وفتوّته، وأصبح استعدادهم لمواجهة التحديات الخارجية أوسع مدى وأكثر خبرة. مكَث النبي ﷺ إحدى عشرة سنة وهو يواصل جهاده بصبر متواصل، لاقى فيها من الجفْوة والغربة الهائلة بينه وبين قومه وجيرانه ما جعلت حياته لا راحة فيها ولا استقرار. 

تتربّص قريش في كل دقيقة منها بقتله وهو صابر محتسِب، قائم بأداء النصيحة إلى قومه صبر الرجل الذي امتلأ قلبه بالرجاء العظيم فعصمه عن الانقطاع وقاده إلى تحقيق معانيه وبلوغ غاياته. وما نقص شيء من عزيمته يوماً، ولم يضعف شيء من قوّته وسعيه، فتتساقط الحواجز أمام قوتّه وهمّته، وتتهاوى المحن والشدائد أمام جهاده وصبره صبر الرجل الذي اقترن صبره بأعظم أنواع الأمل العريض، فما دعا عليهم أن لا يبقى على الأرض منهم ديّاراً، بل دعا لهم أن يهديهم، واعتذر عنهم بأنهم لا يعلمون، إذ قال: "اللهُمَّ اهدِ قومي، فإنَّهم لا يَعلَمون". ثم عبّر عن أمله هذا لجبريل عليه السلام لما عرض عليه هلاكهم إذ قال: "بَلْ أرْجُو أنْ يُخْرِجَ اللَّهُ مِن أصْلابِهِمْ مَن يَعْبُدُ اللَّهَ -عزّوجلّ- وحْدَهُ لا يُشْرِكُ به شيئًا"، كما جاء في الصحيح."

 

نعم، صلوات ربي وسلامه عليه. وعاد من الطائف ودخل مكة ولم يَنقُص اجتهاده ولم يَضعُف جهده، ودخل في جوار مُطْعِم بن عَدِيّ، ومع ذلك كله دخل بعزّة الحق وبمواصلة السير. الله أكبر.

وهكذا سيدنا أبو بكر رجّعوه، لمّا لقوه في الطريق يريد يسافر، وقالوا: لا، لا يصلح سفره. ودخل في جوار ابن الدَّغِنَّة، ولكن ما صبرعن القراءة، وقام وصلّح له مسجد جنب البيت، وصاروا أطفالهم ونساؤهم يأتون يتسمّعون أبوبكر، يبكي يبكي، يقرأ ويبكي. قالوا: بيفتن علينا أولادنا، قل لصاحبك يدخل لوسط داره داخل، ولا يستعلن بهذا الدِّين، وإلا يردّ عليك جوارك. رجع وأخبره بما قالوا، قال: أردّ عليك جوارك وأرضى بجوار الله. 

سيدنا بلال، كم تعذيب! ما رجع ولا في الظاهر حتى، حتى بلسانه ما رجع،. أحدٌ أحد، أحدٌ أحد. يوم بعد يوم، بعد يوم ولا رجوع أبداً. شوفوا كيف الصبر! 

سيدنا عبد الله بن حذافة، كان يعدّونه من صِغار الصحابة، لكن الصحابة ما فيهم صغير، صغيرهم كبير. لما وقع في قبضة كان خارج في سريّة وقعوا في قبضة الملِك، قال: هاتوهم العرب إلى هنا. فلقُوا منهم ثلاثمائة، منهم عبد الله بن حذافة الأمير حقّهم، أخذوهم وإلى الحبس، وقدّموهم بعدين، يقول الملِك: ترجع عن إسلامك هذا، عن الإيمان بمحمد، وأعطيك نصف مُلكي؟ قال: لا لا، لو تُعطينا ملكك كله على أن أرجع لحظة ثم أعود إلى الدين ما فعلت! ماهو نصف… قال: احبسوه ثلاثة أيام بلا طعام. حبسوه ثلاثة أيام بلا أكل ولا شرب. قالوا: لا أكل ولا شرب ثلاثة أيام، وأنت تقول النهار طويل وحضرموت حرّ!.. كمّل ثلاثة أيام لا طعام ولا شرب. خُذ خنزير لحم خنزير وخمر، رفض. قالوا: ما رَضي. دعاه، قال: ما يجوز لك أنت تخاف الموت من الجوع عندما تأكل الخنزير؟ قال: نعم يجوز لي، لكن ما أحببته. لماذا؟ قال: حتى لا أسُرّ خاطرك، أنت تريد تفرح لما أنا آكل شيء أصله محرم في الشرع.. هاتوا قدر نحاس، املؤوه زيت وأوقدوا عليه النار، غلي، خذوا واحد من أصحابه حطوه قدامه، بمجرد ما رموه في الزيت انخلع لحمه من عظمه وخلاص.. الثاني، الثالث. قال: حطوه الآن. حملوه دمعت عيناه، بكى. قالوا: إنه بكى. قال: ردّوه. قال: ترجع عن دينك؟ قال: لا أبداً! قال: فلِمَ تبكي؟ قال: رأيت الذين وضعتموهم أمامي في لحظة واحدة فنوا، وأنا تمنيت لي مائة نفس إلى نفسي يُفعل بها هكذا في سبيل الله؛ حتى يزداد ثوابي عند الله ومقامي، هذا إنما لحظة واحدة، قال: ما رأيت مثل هؤلاء في دينهم! قال: خلاص، تُقبِّل رأسي ونطلق سراحك، قال: تطلق سراح هؤلاء الثلاثمائة كلهم؟ قال: نعم. قال: مرحبا، ويقول يَحكي قال: قلت في نفسي عدو لله ما عليّ أُقبِّل رأسه إذا فيه ثلاثمائة نفس من المسلمين تُحمى. قبّل رأسه، فأطلقهم، جرى بهم ومشى إلى نحو المدينة رجعوا، تلقّوهم الصحابة ، والأخبار بلغت: كيف وماذا عملتم؟ فذكروا. فقال سيدنا عمر: حقّ على كل مسلم أن يُقبّل رأس عبد الله بن حذافة! هذا الذي ثبت وصبر وفك الجيش بعدين. وأنا أبدأ. وقام يقبّل رأس عبد الله بن حذافة. هؤلاء صغار هؤلاء؟ سبحان الله!.. إيش الإيمان هذا؟ إيش الثبات؟ إيش الصدق؟ إيش الإخلاص؟… الله يسير بنا في سبيلهم. 

وثلاث سنين محبوس هو وقبيلته كلهم في شِعب، وخرج وهو على قوته، وعلى هِمّته ما نقص شيء صلى الله عليه وآله وسلم. وهكذا تعلّم وتعلّم أصحابه.

 

"ولقد أخبرنا صلى الله عليه وعلى آله وصحبه وسلم عن نفسه في قوله: "لقدْ أوذيتُ في اللهِ وما يُؤذى أحدٌ، وأُخِفْتُ في اللهِ وما يَخافُ أحدٌ، ولقدْ أتَتْ عليَّ ثلاثونَ، منْ بينِ يومٍ وليلةٍ، وما لي ولبلالٍ، طعامٌ يأكلُه ذو كبدٍ إلا ما يُواري إِبْطُ بلالٍ" رواه أحمد والترمذي وابن حبّان، كذا في الترغيب. 

ولقد ابتُلي المؤمنون يوم أن تجمعت الأحزاب وزلزلوا زلزالاً شديداً، إذ لم يعهد المؤمنون في خصومتهم مع أعدائهم في الغزوات السابقة هذا الجمع الحاشد. ولكن نزل التوجيه الإلهي في قوله تعالى لرسوله الكريم صلى الله عليه وعلى آله وصحبه وسلم: (يَا أَيُّهَا النَّبِيُّ اتَّقِ اللَّهَ وَلَا تُطِعِ الْكَافِرِينَ وَالْمُنَافِقِينَ ۗ إِنَّ اللَّهَ كَانَ عَلِيمًا حَكِيمًا * وَاتَّبِعْ مَا يُوحَىٰ إِلَيْكَ مِن رَّبِّكَ ۚ إِنَّ اللَّهَ كَانَ بِمَا تَعْمَلُونَ خَبِيرًا * وَتَوَكَّلْ عَلَى اللَّهِ ۚ وَكَفَىٰ بِاللَّهِ وَكِيلًا) [الأحزاب: 1-3] . فأمره القرآن بثلاثة أمور: 

  • الأول: أن يتّقِ لله وحده ولا يخشى غيره من أعداه، ولا يطيعهم ولا يستسلم إليهم.
  • الثاني: أن يتبع ما يوحى إليه من ربه. 
  • الثالث: أن يتوكل على الله وحده، فهو الكفيل بالمعاونة والمساعدة"

 

نعم هكذا، صلوات ربي وسلامه عليه. وهذه من أقوى الغزوات، غزوة الأحزاب، عشرة آلاف مقاتل تجمّعوا ليستأصلوا النبي وصحبه كلهم ولا يُبقوا واحد، وردهّم، ردّهم الله تعالى، لكن بعد صبر، صبر كبير وشدّة. ويقول: "لقدْ أوذيتُ في اللهِ وما يُؤذى أحدٌ"؛ يعني: ما أوذي أحد مثلما أوذيت، وأُخِفْتُ في اللهِ وما يَخافُ أحدٌ، ولقدْ أتَتْ عليَّ ثلاثونَ، منْ بينِ يومٍ وليلةٍ، وما لي ولبلالٍ"، ما يأكل ذو كبد إلا كفّاً من شعير يواريه إبط بلال، ينطرح تحت كتفه، هذا قوت ثلاثين يوم، قوت ثلاثين يوم وليلة، فقط هذا، ما شيء غيره هذا. في خلال ثلاثين يوم وليلة. "ولقدْ أتَتْ عليَّ ثلاثونَ، منْ بينِ يومٍ وليلةٍ، وما لي ولبلالٍ، طعامٌ يأكلُه ذو كبدٍ إلاما يُواري إِبْطُ بلالٍ" وفي لفظ: "إلا كفّا من شعير يواريه إبط بلال"!

وفي يوم الأحزاب كان يقول: "فُتِحت عليّ صنعاء،…، فُتِحت عليّ الروم،…، فُتحت فارس"، وهو في يوم الشدّة في يوم الحصار، ثقته بالعليّ الكبير. وهكذا.. وعسى الله يجمع قلوبكم على الصدق معه والوجهة إليه، وتتوجّهون إلى الله في مجالسكم وليلكم ونهاركم بكشف الشدائد عن المسلمين ورفع سلطة الكفار والفجّار عن أمة النبي محمد ﷺ، يا محوّل الأحوال حوّل حالنا والمسلمين إلى أحسن حال. 

فألحّوا ادعوا، ولابد يفتح الله أبواب فرج. ففي مثل رمضان جعل الله غزوة بدر، في مثل رمضان جعل الله فتح مكة المكرمة، وفي رمضان أُنزِل القرآن. الله يتداركنا في رمضان هذا، تبدأ النصرة من عند نفوسكم، كل واحد ينصره الله على نفسه، يتأسس له قُدْس مطهّرٌ عن الرّجس في صدقٍ مع الحقّ، يخرج به من رمضان بنور يتلألأ، وقوّة في الإقبال على الله، واليقين بالله -تبارك وتعالى- يثبُت بها على ما يحب الله منه في القول والفعل حتى يلقى ربه، اللهم آمين. ونُصِرة للمسلمين إن شاء الله في كشف هذه الشدائد والبلايا (وَزُلْزِلُوا حَتَّىٰ يَقُولَ الرَّسُولُ وَالَّذِينَ آمَنُوا مَعَهُ مَتَىٰ نَصْرُ اللَّهِ ۗ أَلَا إِنَّ نَصْرَ اللَّهِ قَرِيبٌ) [البقرة:214]. 

فرّج الله الكرب، دفع الله الخطب، وأصلح القالب والقلب، ألهمَنا الرشد، بلغنا السَّعد في عافية، وإلى حضرة النبي محمد ﷺ.

 

تاريخ النشر الهجري

28 رَمضان 1433

تاريخ النشر الميلادي

16 أغسطس 2012

مشاركة

اضافة إلى المفضلة

كتابة فائدة متعلقة بالمادة

الأقسام