(7)
(394)
(615)
(4)
شرح الحبيب العلامة عمر بن محمد بن حفيظ على كتاب القدوة الحسنة في منهج الدعوة إلى الله للسيد محمد بن علوي المالكي، يتحدث عن مسائل مهمة عن منهج الدعوة الإسلامية وحقيقة القدوة الحسنة في سبيلها.
الدرس الثاني: الإخلاص هو رائد الدعوة.
الإخلاص هو رائدُ الدعوة
"ومن هذا التخطيط تَنطلِقُ الدعوة، وبعد هذه المقدّمات والدراسات تَسير، رائِدُها الإخلاص، وقائدها إسلامُ الوجه لله، وبابها الصدق والتجرُّد من التفكير والانتِفاع بالمادية فقط والثمرات العاجلة، وقد ضرب النبيّ ﷺ في ذلك المثل الأعلى قولًا وعملًا.
أخرج التِرمذيّ أن عمر رضي الله عنه دخل على النبيّ ﷺ، وهو على حصير قد أثّر في جنبه، فقال: يا رسول الله، لو اتخذت فراشًا أَوثر -أي: أليَن وأَوطأ- مِن هذا، فقال ﷺ: "ما لي وللدنيا، ما مثلي ومثل الدنيا إلا كراكبٍ سار في يومٍ صائفٍ فاستظل تحت شجرة ساعة ثُم راح وتركها". رواه الترمذي وصححه، وابن ماجه.
وفي الحديث قال ﷺ: "إن الله لم يأمُرني بكَنز الدنيا ولا باتباع الشهوات، فمَن كَنز دنيا يُريدُ بها حياةً باقية فإن الحياة بيَد الله عزّ وجل. ألَا وإني لا أَكنِز دينارًا ولا درهمًا، ولا أَخْبَأ رزقًا لغد" أخرجه أبو الشيخ في الترغيب".
صلى الله وسلم على سيدنا محمد وآله ومن سار في دربه.
يتحدث الشيخ عن الانطلاق في القيام بأمانة الدعوة إلى الله تبارك وتعالى، وأن ذلك لا يقوم إلا على أساس الإخلاص لوجه الله، وإرادة وجهَه دون ما سواه، وهو سرٌّ من أسرار الله تعالى يقذفه في قلب من يشاء من عباده، تَخْفَى دقائِقُه على الملائِكة الكَتَبةِ الحَفَظَة، إنما في سر الإنسان وباطنُه بينه وبين الرَّحْمَٰن -جلّ جلاله-، وإن كان يَبْرزُ لهم بالعلامات التي جعلها الله -سبحانه وتعالى- لهم، ومكشوفة لهم.
يبْرُز أصل الإخلاص كما يبْرُز أصل الرّياء، وتَبْقى بعد ذلك دقائق تَخْفى على الكَتَبَة، وتَخْفى على الحَفَظَة؛ ولهذا قال بعضُهم في الإخلاص: ما خَفِيَ على كاتِبَيك أن يَكتُبَاه، وعلى الحفظة أن يطلعوا عليه. فالله يرزقنا الإخلاص ويجعل لنا نصيب وافر منه.
وفي قراءة القرآن الكريم، تأتي في سورة "يوسف" وفي القراءة الثانية: (إِنَّهُ مِنْ عِبَادِنَا الْمُخْلِصِينَ) و(إِنَّهُ مِنْ عِبَادِنَا الْمُخْلَصِينَ)، [يوسف:24] مُخلِصين ومُخلَصين. مثل ما يقولون: مُريد ومراد، مُحِب ومَحبوب، مُخلَصين ومُخلِصين.
وذلك مقامٌ أسمَى وشأنٌ أعلى، ولكن الطريقُ لعموم الناس للظَّفَرِ بشيءٍ من مَخلُوصيّة الحقّ لهم، أن يقوموا هم بتحقيق الإخلاص من قِبَلِهِم؛ فإنّ ذلك يؤدي.. إلّا أن أهل السوابق العُلا يَسبِق شأنُ الإرادة الإلهية معهم سبْقًا بارزًا في شؤونِهم وأحوالِهم؛ ولذلك تَظهر آثار على بعضِهم في طفولته، وبعضهُم في أيامِ مَهدِه، وبعضُهم في بطن أمه، كما تَظهر الآثار لقومٍ لم تُتَكوّن نُطَفُ أجسادهم بَعْدُ في بطون أمهاتِهِم، فيتحدثُ الحقُّ عنهم، ويتحدثُ رسُلُه عنهم، ويتحدث أهل حَضْرَتِه من الأصفياء عنهم قبل أن يُوجَدوا وقبل أن يُخلَقوا.
وعلى كل الأحوال، فإنَّ العامل لله مُطلَقًا والقائم بشأن الدعوة خصوصًا لا يمكن أن يَصِحَّ مساره، ولا أن تتحقق أوطاره، حتى يتم إخلاصُه، ويقوم على أساس الإخلاص لوجه الله -جلَّ جلالُه- مُرتقيًا عن أن تأسُرَه مصالحُ العاجلة، ومظاهر العاجلة، وزُخرُف العاجلة، ورونَق العاجلة، وزور العاجلة، وكَذِبُ العاجلة، وتلبيس العاجلة، وتَخييل العاجلة، وأوهام العاجلة التي غَرِق فيها أكثرُ الناس، فصاروا يريدون العاجلة. والحقُّ قال عن هذا الخطر: (مَّن كَانَ يُرِيدُ الْعَاجِلَةَ عَجَّلْنَا لَهُ فِيهَا مَا نَشَاءُ لِمَن نُّرِيدُ ثُمَّ جَعَلْنَا لَهُ جَهَنَّمَ يَصْلَاهَا مَذْمُومًا مَّدْحُورًا * وَمَنْ أَرَادَ الْآخِرَةَ وَسَعَىٰ لَهَا سَعْيَهَا وَهُوَ مُؤْمِنٌ فَأُولَٰئِكَ كَانَ سَعْيُهُم مَّشْكُورًا) [الإسراء:18-19].
فركّزَ الشيخ على أن مظهَر الإخلاص، التنزُّه عن إرادة الدنيا، والرّغبة في مصالحِها ومظاهرها وزخَارِفِها وما تعلّق بذلك، وأنه العلَامة على مَن أفْرَد القصْدَ للحقّ جلَّ جلالَه وتعالى في علاه. وأورد لنا في ذلك خبر التِرمذي وابن ماجه كذلك، عن سيدنا عمر بن الخطاب -رضي الله تبارك وتعالى عنه- أنه دخل على نبينا عليّه الصلاة والسلام، ورسول الله مُضطجِعٌ في بيته على حصيرٍ من سَعَفِ النخل، والحصير من سعف النخل يكون خطوطًا خطوطًا خطوطًا، لا بد فيه ارتفاع وانخفاض قليل، يأتي فيه قليل ارتفاع وانخفاض وهكذا، فلما اضطجع عليه أثّر خطوطًا بجنبه ﷺ، فدخل عليه سيدنا عمر فرآه على هذا الحال، سرّح طَرفَهُ -جال بطرْفه- في البيت ولم يجد غير بعض الجلد -الإهاب- والمَطْهَرة التي يتوضأ فيها وما إلى ذلك متاع البيت، فدمعت عيناه، بكى.. فقال: "ما يُبكِيك يا عمر؟" قال: ذكَرْتُ كسرى وقيصر على الفُرُش الوطيئة، وأنت رسول الله تنام على هذا الحصير وقد أثّر في جنبك خطوطًا! قال له: "يا عمر، أولئك قومٌ عُجِّلَت لهم طيباتهم في حياتهم الدنيا. أما ترضى يا عمر أن تكون لهم الدنيا ولنا الآخرة؟". وكل ذلك تعاليم ودروس أثّرت في عقل سيدنا عمر، في طريقة تفكيرِه ونظرِه. وانظر كيف عاش في الوقت الذي تمكّن فيه أن يأتي بالفُرُش الوثيرة الوطيئة، فما جاء بشيء منها، ونام على التراب في أيام خلافته. حتى دخل عليه ذلك الوافد من الكُفّار فوجده تحت شجرة نائمًا، هذا أمير المؤمنين؟ هذا أميركم الذي هَزَّ العروش حقّهم وفزَّعهم، وملأهم رعب في الدنيا؟ بهذا الصورة! فلما عبّر له عما شاهده من حاله فقال: عَدَلتم فأَمِنتم فَنِمتم؛ نمتم في الشارع، على التراب، في الطريق، ما تخافون من شيء بعدلكم، عَدَلتم فأَمِنتم فنِمتم.
تأثَّر سيدنا عمر -وهذه الرواية عند الترمذي- أنه قال للنبي ﷺ: "لو اتخذت فراشًا أَوثر" من هذا، أوطأ وألين من هذا قال له: "ما لي وللدنيا؟" تريد فكري ينصرف إلى أنواع الفُرُش، وهذا أحسن من ذا؟. "ما لي وللدنيا، وما مثلي ومثل الدنيا إلا كراكبٍ سار في يوم صائف، فاستظل تحت شجرة ساعة" من أجْل استرداد النشاط للمشي في الطريق "ثم راح وتركها". فمَن يُفكر وهو مسافر ماشٍ في الطريق أن يجعل تحت الشجرة هذه فُرُش ومُتكأ وأسِرّة ويُصلِّح أشجار ويبني بناء؟ أحد يفكر هكذا! يَعرِف نفسه أنه بعد قليل بيروح، فما يفكر أنه يُصلِّح شيء. قال ﷺ: أنا والدنيا مثل هذا، أعرف انطلاقي منها ﷺ مهمتي فيها.
وفي هذا عُمقٌ في طريقة التفكير، بعيد عمّا يَتبادر إلى الأذهان من تحريم ما أحل الله أو من التّمتُّع على الوجه المَرضي بنِعم الله سبحانه وتعالى، واختلاطُ الأمر والتِباسِه بسلب مقْصِد الإنسان وتحويل وجهتِه وتأسيس التِفاتِه إلى الغير. فهذا يحصل لأكثر الناس وهم يتحججون بما يتحججون به، وذلك أن القَصْدَ الأكبر للإنسان إذا رسخ في باطنه أثّرَ عليه ضرورةً في طريقة تفكيره واهتماماته والتفاتاته وتأثُّراته، فماذا يبالي به وماذا لا يبالي به.
ولذا فسّر بعضهم قولُ الأثر: اعمل لدنياك كأنك تعيش أبدًا، واعمل لآخرتك كأنك تموت غدًا؛ قالوا المعنى أن الذي يرى أنه يعيش أبدًا لا يبالي بتأخير الأمر إلى وقتٍ ثانٍ، إلى يومٍ ثانٍ، فما لم يقع اليوم يقع بكرة.. لكن الذي سيفوت ينتبه منه، وإذا كان يعمل كأنه يعيش أبدًا، فإنه لا يبالي بما جاء اليوم وما لم يجيء، سهل، بكرة، بعد بكرة، ما يُبالي، ما يهتز له. لكن أمر الآخرة يفوت، كأنه يموت غدًا؛ فيهتم ولا يرضى بالفَوات، أما أمر الدنيا فالأمر سهل، ما تحقق من أغراضها ومقاصدها وما لم يتحقق، فكأنه لا يَفُوتُه شيء، فلذلك لا يلتَفِت إليها ولا يُعَوِّل عليها.
وهناك تأتي حقائق الزُّهد في الدنيا، هي برودة الشيء على القلب، إلى الحد الذي عبّروا عنه بِاستِواء ذهبِها ومدرِها، وقال فيه العارفون الأكابر: لو ذهب جميع ما أملك في لحظة واحدة، لم تتحرك فيّ شعرة ولم يتكدر لي خاطر، لا إله إلا الله!.. جميعه قال: حتى من أهلٍ وولد فوق المال، لو ذهب كله بلحظة، فمن حيث اعتمادي واستنادي ورضائي بمولاي؛ ما تتحرك فيّ شعرة ولا يتكدر لي خاطر. وهكذا قال الحسين ابن الشيخ أبي بكر عندما دخل الداخل عليه، فخطر على باله: أهذا وليّ صالح يَصْفو حاله مع الله؟! وعنده من الذهب والفضة والخيل المُسوّمَة والأنعام والحرث، شيء كثير! فالتفت إليه وقال: ترى كل ما عندنا مما دخل في بالك؛ لو هلَك كلّه في لحظة لم يتأثر خاطري ولم أتكدر.. فقال: أستغفر الله، هذا خاطر سوءٍ خطر على بالي.
وهذه موهبة مِن الله، وغاية الإنسان لِما جَبَل الله عليه أصْل بشريته من محبة الدنيا وتعظيمها والحرص عليها؛ فغايته بالاجتهاد والتقويم والتعديل لمسالكه وأفكاره والتفاتاته، أن يتوسط إلى أن يخِف الأمر عليه وأن يراجع نفسه فيه، وأما الوصول إلى حقيقة الزهد ببرودة الشيء على الخاطر؛ فهذه موهبة من الله تعالى وَجودٌ من جُود الله يتفضّل الله به على من يشاء من عباده.
لكن يبقى على الحد الذي لا يُنقِص حظ الإنسان من الآخرة، ولا يُعاقَب عليه ولا يُخاطَب عليه إذا اجتهد؛ فوصل إلى الحدود التي يراجع نفسه بسرعة، فلا ينساق وراء تأسٍّ على ما فات، ولا فرَحٍ بما أَتى من شأن الدنيا، (لِّكَيْلَا تَأْسَوْا عَلَىٰ مَا فَاتَكُمْ وَلَا تَفْرَحُوا بِمَا آتَاكُمْ ۗ وَاللَّهُ لَا يُحِبُّ كُلَّ مُخْتَالٍ فَخُورٍ) [الحديد:23]، وفي هذا قالوا عنهم: من ظمي يظمأ، ومن جاع جاع.. فهذه مراتب، ولكن هذا مظهر من مظاهر صاحب الكمال الإنساني صلى الله عليه وآله وصحبه وسلم.
وكذلك الحديث الثاني الذي يقول: "إنَّ اللَّهَ لَم يَأمُرْني بكَنزِ الدُّنيا ولا باتِّباعِ الشَّهَواتِ"، ورأينا سيرته كلما جاء شيء بذَله بذَله بذَله، وقد رأيناه قسّم الغنائم الكثيرة الوفيرة الواسعة في حُنَين، ثم ذهب بعد أشْهُر يريد الغزو إلى تبوك وليس هناك شيء يزوِّد به الجيش، فلم يَخبأ من ذاك شيئًا أبدًا، وسُمّي جيش العُسرة، وأمرهم أن يُجهِّزوا، فكلٌ جاء من عنده بشيء لينالوا مراتبهم ومناصبهم. وكانت غزوة احتوت على عجائب من مكانة الحبيب ﷺ وصِدْق وِجهته، ومن ظهور آثار معجزاته، ومن وقوع الخوف في قلوب أعدائه، وقرُب من الرّوم ولم يقابلوه، وعاد ﷺ إلى المدينة المنورة.
وكان العتاب الشديد الكبير من الجبار للثلاثة الذين خُلِّفوا، مؤمنين صادقين، فلما تَخلّفوا وآثروا التخُلُّف، وضاقت عليهم الأرض بما رحُبت، بما وقع عليهم من ذلك التخليف وإرجاء الحديث معهم وعنهم، وعزلهم، بعزل المجتمع عنهم، وهذه قوة عجيبة في التربية ما يقوى عليها إلا الأنبياء وبيئات الصالحين، وإلا ما يمكن أي دولة الآن في العالم تقدر تعْزِل مجتمعها عن المجرم، ما تقدر، يمكن إذا قدرت تَعزِل المجرم عن المجتمع، تأخذه وتضعه وسط السجن، أما تقول للمجتمع: انعزل، ما يقدرون على ذلك. لكن سيد الوجود، ما كان عنده سجن، عدّى طول عمره لا يوجد محل يسجن فيه أحد، حتى الخلفاء الراشدين بعده ما عُرِف سجن لأحد، فلما اِحتاج إلى الجماعة أن يشعروا بالأدب، قال للمجتمع: لا أحد يُكلِّمهم، خلاص، فعُزل المجتمع كله، فكانوا بينهم، وهذا أشد من أن يُدخِلَهم وسط حبسٍ.
هم وسط الناس والناس ما يُكلّمونَهم، ما يلتفتون إليهم (وَعَلَى الثَّلَاثَةِ الَّذِينَ خُلِّفُوا حَتَّىٰ إِذَا ضَاقَتْ عَلَيْهِمُ الْأَرْضُ بِمَا رَحُبَتْ وَضَاقَتْ عَلَيْهِمْ أَنفُسُهُمْ) [التوبة:118]، قال: فتنكَّرت ليَ المدينة، حتى ما كأنها البقعة التي أعرفها، ما كأنها الأرض هي الأرض أبدًا!. شاهد حتى في الأرض، تفاعلت جمادات المدينة مع الأمر النبوي؛ لمَّا وُجِدت القلوب الواعية العالية في المقاصد والمُعظِّمة للأمر؛ صارت ديارهم وأراضيهم متفاعِلة معهم هذا التفاعل. فيحكي سيدنا كعب بن مالك قال: ما كأنها الأرض التي أعرف، ما عادت الديّار هي الديّار ولا البقعة هي البقعة، كأنها واحدة ثانية أبدًا غير الأولى التي أعرفها! لأنه كان يشعر بينه وبين الأرض أُلفة ووُصلة وطمأنينة راحت عليه في المدة هذه، حتى يتم تكميله وأن لا يَنقُص عليه من الدرجات شيئًا.
فأُدِّبوا تأديب في الوقت الذي كذا كذا منافق جاءوا يَكذبون، وأعرض عنهم ﷺ، ولا أحد عاتبهم ولا عاقبهم لماذا ما يخرجون ولا كيف يكذبون، وسكت منهم ووكَل سرائرهم إلى الله. هؤلاء الصادقين المخلصين جعل لهم الأدب حتى لا ينقص عليهم شئ. وأولئك إلى أين يذهبون؟ ذاك يذهب إلى الدرك الأسفل، لكن هذا يجيء إلى الفردوس الأعلى، فلا بد من فَرْق، واحد يُهيَّأ للفردوس الأعلى، وواحد ذاهب إلى الدّرَك الأسفل، خليه يشبع له كذب ومغالطة للخلق، وفين بيقوده؟ يقُودُه إلى هناك -والعياذ بالله تعالى- لكن هذا ما ارتضى لهم ربَّك إلا أن يُصفيّهم تصفية ويُنقيّهم تنقية.
يقول: أدخل أُسلم على النبي ﷺ يقول: وألتفت إليه، ما أدري هل حرك شفتيه برَد السلام عليّ أم لا؟، ويقول: ولمّا أجلس في مجلسه أُسارقه النظر، فرأيته إذا أقبلتُ عليه انصرف عني، وإذا انصرفتُ نظَر إليّ صلى الله عليه وعلى آله وصحبه وسلم، وهكذا حتى نزلت آية التوبة (ثُمَّ تَابَ عَلَيْهِمْ لِيَتُوبُوا ۚ إِنَّ اللَّهَ هُوَ التَّوَّابُ الرَّحِيمُ) [التوبة:118] قال: "أبشِرْ بخَيْرِ يَومٍ مَرَّ عليكَ منذُ ولدَتْكَ أُمُّكَ" قال: أمِن عندك يا رسول الله أم من عند الله؟ قال: "بل من عند الله" جلَّ جلالَه وتعالى في علاه.
هكذا، "فمن كنز دنيا يريدُ بها حياةً باقيةً، فإنَّ الحياةَ بيدِ اللهِ عزَّ وجلَّ، ألا وإنِّي لا أكنِزُ دينارًا، ولا درهمًا، ولا أخْبأُ رزقًا لغدٍ". وجاء عنه في الحديث أنه اصْطفَّ في الصف ليصلي بهم، ثم ذهب مسرعًا نحو البيت، وأصحابه منتظرون للصلاة، ثم عاد فرأى في وجوههم الأثر والخوف؛ ما الذي أرجع رسول الله؟. فقال: إنه ما حدث شيء، ولكني ذكرتُ ذهبًا في البيت كنت أمرتهم بإخراجه، فما أحببت أن أصلي حتى أُخرِجه. فرجع إليه، خرّجَه ورجع. ولما قال لبعض أمهات المؤمنين: أخرِجوا هذا، فأبقوه إلى الغد، فلمّا رآه قال لهم: ما يقول محمد لربه إذا لقي ربه البارحة وهذا في بيته؟ صلى الله عليه وعلى آله وأصحابه وسلم، مثل أعلى.. ومعروف هذا في سيرته.
"ولا تظن أن هذا التقشف والتقلّل في الحياة الذي تصوّره هذه الأحاديث يعارض مبدأ العمل والسعي والبحث عن الكسب الطيب عن طريق التجارة والمعاملة، وهي أصول حث عليها الإسلام، وجعل لطالبها الصادق من الثواب والفضل ما لا يخفَى، لأنه لا تَلازم بينها وبين التقلّل، إذ قد يكون عاملًا مجتهدًا في الاكتساب والسعي ثم هو في نفسه متقلل متقشف، متصدّق محسن، يده عليا ونفسه كريمة ينفع الخلق بالقرض والإحسان، وليس عنده نهم على المال ولا تشوُّق إلى الدنيا، يغلِب كل أمانيه ويطغى على كل آماله. وليس هنا محل بسط هذا الموضوع . وقد وجه النبي ﷺ التفكير الإسلامي الرائد في ميدان الدعوة إلى هذه الحقيقة، إذ قال فوق منبره: "إِنَّي بين أيديكم فرطٌ، وأنا عليكم شهيد وإِنَّ موعدَكم الحوضُ، وإِنَّي لَأَنظُرُ إليه من مقامي هذا، وإِنَّي لست أخشى عليكم أنْ تُشْرِكوا، ولكن أخشى عليكم الدنيا أنْ تَنَافَسُوها" رواه البخاري.
يقول: الفقراء الذين لا يملكون من الدنيا شيء:
فليس الفضل في نفس القلة والفقر، فواحد في فقره مَرضي عليه، وواحد في فقره ومسخوط عليه.
وكذلك الأغنياء:
لهذا لمّا وَصف الأخيار، والصَّنف الذِين ساروا على التربية وشمَلتهم أنوار التزكية والتربية، قال:
فقيرهم حُرٌّ وذو المال منفقٌ *** رجاء ثواب الله في صالح السُبْلِ
لباسهم التقوى وسيماهم الحَيا *** وقصْدهم الرحمن في القول والفعلِ
لقد رفضوا الدُّنيا الغَرور ……… *** ……………………..
رَفضوا هذا وهذا، فهذا ما يَرضى يُذهب وقته وعقله في تكسُّبها، وهذا المتكسّب لها ما يَرضى بدرهم من شُبهة يدخل وسط ماله، ولو عُرضت عليه الملايين من الشُّبهة.. لكان الدرهم من الحلال أعزّ عليه من هذه الملايين.
لقد رفضوا الدُّنيا الغَرور وما سعوا *** لها والذي يأتي منها يبادِر بالبذل
رفضوا الدُّنيا هذا وهذا، كلهم رفضوا الدُّنيا الغَرور وما سعوا لها، والذي يأتي منها يبادِر بالبذل.
فقيرهم حُرٌّ وذو المال مُنفِقٌ *** رجاء ثواب الله في صالح السُبْلِ
لِباسُهم التقوى وسيماهم الحَيا *** وقصدهم الرحمن في القول والفعلِ
لِباسُهم التقوى، تعرف الموضات حق اللباس! تعرف ملابس جاهزة…
لِباسُهم التقوى وسيماهم الحَيا *** وقصدهم الرحمن في القول والفعلِ
مَقالهم الصِّدق وأفعالهم هُدَى *** وأسرارهم منزوعة الغِش والغلِّ
فقَدنا جميع الخير لمّا ترَحلوا *** ومنهم خَلا وَعْرُ البسيطة والسَّهلِ
وصرنا حيارَى في مَفاوِز جهلِنا *** نُشبَّه بالبُهْم السُّوَيْرِحَة الغُفْلِ
نُخبِّط لا نَدري الطريق إلى النَّجا *** وبالجَوْر نمحو سُنَّة البِرِّ والعَدْلِ
فآهٍ عليهم ليت داهية الفَنا *** بحِزْب الرَّدى حَلَّت وحِزْب الهُدَى خُلِّي
سأبكي عليهم ما حَيِيت بِعَبْرةٍ *** لها مَدْمَعٌ في الخَدّ يَشهد بالثُّكْلِ
وأَحْمِلُ نفسي ما استطعت على اقْتِفا *** سبيلهم حتى أُوَسَّد في الرَّمْلِ
قالوا: هذا بيت القصيدة:
وأَحْمِل نفسي ما استطعتُ على اقتفا *** سبيلهم حتى أُوَسَّد في الرَّمْلِ
"إنِّي بيْنَ أيْدِيكُمْ فَرَطٌ"، والفَرَط هو السابق المُهَيِئْ للمصالح، "وأَنَا علَيْكُم شَهِيدٌ"، ونِعْمَ الشّهيد، "وإنَّ مَوْعِدَكُمُ الحَوْضُ"، الله أكبر! يقول لساداتنا الأنصار، كان يكلِّمهم في موقف، وهو فوق المنبر، قال لهم: "وإنِّي لَأَنْظُرُ إلَيْهِ مِن مَقَامِي هذا"، معروض عليه في شاشة الكشف الحقيقي -اللهم صلِّ عليه وعلى آله-، "وإنِّي لَسْتُ أخْشَى علَيْكُم أنْ تُشْرِكُوا، ولَكِنِّي أخْشَى عَلَيْكُمُ الدُّنْيَا أنْ تَنَافَسُوهَا"، في صحيح البخاري.
وفي هذا المعنَى عدَد من الأحاديث في صحيح الإمام البخاري، ومنه حديث أبو عُبيدة لَمّا جاء من البحرين: "فَوَاللَّهِ ما الفَقْرَ أخْشَى علَيْكُم، ولَكِنْ أخْشَى علَيْكُم أنْ تُبْسَطَ عَلَيْكُمُ الدُّنْيَا، كما بُسِطَتْ علَى مَن كانَ قَبْلَكُمْ، فَتَنَافَسُوهَا كما تَنَافَسُوهَا". ذاك التنافس الشريف!!.. كم عندك؟ ما معك؟ قلّك فخمة، قلّك ضخمة! ملآن تُخمة، ملآن نَهمة، ما عنده رِفعة ولا هِمة، عبد المظاهر، عبد الكلام الفارغ، عبد الدعايات في المجلات والتلفزيونات، ما هو عبد الله، ما هو عبد لله، مسكين. فقُل لها تَأتي له بشيء التلفزيونات هذه والسُمعة عند الدّوَل والشعوب. تَدخل معه إلى قبره؟! تُنجيه بعدين في الحشر تُسلِّمه من النار. ممكن؟! ما تعمل له شيء، ترَك صاحب المُلك وراح لَحق بمُوجب الهُلك، من لا يَملك لنفسه نفعًا ولا ضرًا ولا موتًا ولا حياةً ولا نشورًا!
تعلَّق بهم بدَل المالك الذي يُقرِّب ويُبعِد ويُشقي ويُسعِد ويُعطي ويَمنع ويَخفض ويَرفع، بيده الأمر. (قُلِ اللَّهُمَّ مَالِكَ الْمُلْكِ تُؤْتِي الْمُلْكَ مَن تَشَاءُ وَتَنزِعُ الْمُلْكَ مِمَّن تَشَاءُ وَتُعِزُّ مَن تَشَاءُ وَتُذِلُّ مَن تَشَاءُ ۖ بِيَدِكَ الْخَيْرُ ۖ إِنَّكَ عَلَىٰ كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ) [آل عمران:26]. المملكة كلها مملكته، حتى هذا الليل والنهار نمشي فيه، تحت يد مَن؟ (تُولِجُ اللَّيْلَ فِي النَّهَارِ وَتُولِجُ النَّهَارَ فِي اللَّيْلِ ۖ )، أنت.. وإذا نحن حتى بلَيلنا ونهارنا تحت سيطرته، ما لنا ننساه؟! ما لنا نتعلق بمن عداه؟! وهذا المالك يُسَيِّر لك الأرض، يُقلبها ويُطورها، ويُمسك لك السماء، ويُمسك لك الأرض. وإلّا من يمسِكها لك؟ عسى ما يكون الذين يتعلق قلبك بهم هؤلاء حد يمسك لك الأرض؟!.
(إِنَّ اللَّهَ يُمْسِكُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ أَن تَزُولَا ۚ وَلَئِن زَالَتَا إِنْ أَمْسَكَهُمَا مِنْ أَحَدٍ مِّن بَعْدِهِۚ) [فاطر:41]. يعني: ما أمسكها من أحد من بعده؛ فقصْده أفضل وخير لك، بل هو الواجب الواحد، هو الواجب الوحيد ما لك غيره، ما يسُوغ لك سواه أصلًا، إلا أن تقصده هو، وتريده هو، وتتوجه إليه هو، وتصدُق في ذلك، وتتحقق بحقيقة: (إِنِّي وَجَّهْتُ وَجْهِيَ لِلَّذِي فَطَرَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ حَنِيفًا ۖ ) [الأنعام: 79].
"وسار على هذا المنهج السويّ المُصلِحون السابقون من أصحابه والسلف الصالح، فخافَو من بسطة الدنيا، وبكَو لمّا رأَو ذلك، وخشَو من عاقبة ذلك بظهور الحسد والبغضاء والحقد والتنافس والفتنة.
وقد بكى عمر بن الخطاب -رضي الله عنه- لمّا نظر إلى غنائم القادسية، فقال له عبد الرحمن بن عوف: "يا أمير المؤمنين، هذا يوم فرح وسرور". فقال: "أجل؛ ولكن لم يؤتَ هذا قومٌ قط إلا أَورثهم العداوة والبغضاء". أخرجه البيهقي.
أي: أن الدنيا تُقوي أسباب العداوة والبغضاء بين الناس بحصول ذلك، لتشوُّف الأنفس الصغيرة لِما في يد غيرها. فما كانت دعوَتهم تلك، وجهدهم، وسعيهم؛ إلا لرضوان الله تعالى وخير الآخرة. تَجرَّدت عقولهم وأفكارهم وحركاتهم من العمل للدنيا فقط، وحب الجاه والسّعي لتكوين دولة أو حكومة؛ وإنما كان لرضا الله سبحانه وتعالى. فلما تَحققوا برضاه، وصدَقوا في طاعته، حَقق لهم رضاه عنهم بإطاعة الدنيا لهم وتسخيرها، وجَعل الدولة دولتهم، والكلمة كلمتهم، فكانت نتيجة طبيعية لِما قدّموا من جهاد وعمل وإيمان.
قال تعالى: (وَعَدَ اللَّهُ الَّذِينَ آمَنُوا مِنكُمْ وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ لَيَسْتَخْلِفَنَّهُمْ فِي الْأَرْضِ كَمَا اسْتَخْلَفَ الَّذِينَ مِن قَبْلِهِمْ وَلَيُمَكِّنَنَّ لَهُمْ دِينَهُمُ الَّذِي ارْتَضَىٰ لَهُمْ وَلَيُبَدِّلَنَّهُم مِّن بَعْدِ خَوْفِهِمْ أَمْنًا ۚ يَعْبُدُونَنِي لَا يُشْرِكُونَ بِي شَيْئًاۚ) [النور:55]"
اللهم اجعلنا منهم وألحقنا بهم. آمنوا وعملوا الصالحات، الله، الله، الله..
قال: بكى سيدنا عمر عندما رأى غنائم القادسية، وبكى لمّا وصلت إليه كنوز كسرى وقيصر، وأَلبس السوار في ذاك اليوم، سراقة بن مالك، وبكى. قيل: مايبكيك؟ فقال لبعض مَن كلَّمه مِن الصحابة: "إن هذا لم يحدث في زمن رسول الله ولا زمن أبي بكر حتى جاء في زمن عمر، أتظن ذلك لكرامتي على الله؟! لو كان فيه خير لسبقونا إليه"، ورأى في هذا فتنة على الناس. كما أشار إليه في هذا الحديث: قال له: "ولكن لم يؤتَ هذا قومٌ قط إلا أَورثهم العداوة والبغضاء". باب فتنة تنفتح على الناس عندما يشتغلون بهذه المظاهر -رضي الله تبارك وتعالى عنه-.
قال: فما قاموا في أمر الدعوة والجهد إلا قاصدين وجه الله ومخلِصين له، "فلما تَحققوا برضاه وصدَقوا في طاعته، سَخّر الأسباب لهم، وأطاعتهم الدنيا، وجَعل الدولة دولتهم والكلمة كلمتهم". فسَمع بذلك ناس من بَعدِهم، فقالوا: نحن سنتقمّص الدِّين لننافس وننازع على الدنيا، ونريد الدولة دولتنا والكلمة كلمتنا! قل لهم: ما هو هكذا، هم ما وصلوا إليها بهذه الصورة ولا بهذا السعي ولا بهذا التلبيس؛ إلا بالصدق والإخلاص مع الله تعالى؛ فسَخّر لهم الكائنات وحَقق لهم وعده: (وَعَدَ اللَّهُ الَّذِينَ آمَنُوا مِنكُمْ وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ لَيَسْتَخْلِفَنَّهُمْ فِي الْأَرْضِ).
فإذا اجتهدنا في توفير الإيمان وإقامة العمل الصالح على وجهه فالاستخلاف حاصل (لَيَسْتَخْلِفَنَّهُمْ فِي الْأَرْضِ كَمَا اسْتَخْلَفَ الَّذِينَ مِن قَبْلِهِمْ وَلَيُمَكِّنَنَّ لَهُمْ دِينَهُمُ الَّذِي ارْتَضَىٰ لَهُمْ وَلَيُبَدِّلَنَّهُم مِّن بَعْدِ خَوْفِهِمْ أَمْنًا ۚ يَعْبُدُونَنِي لَا يُشْرِكُونَ بِي شَيْئًاۚ)[النور:55].
"هذا الوعد بالاستخلاف مضمونٌ وحاصل من الله سبحانه وتعالى في مقابلة توفُّر الإيمان والعمل.
فإذا سعى المُسلم في تحقيق ما طُلب منه وكُلِّف به؛ وصَل إلى الحقيقة التي وَعد الله بها، وهي الخلافة في الأرض. أمّا مَن يَسعى إلى هذه النتيجة مع ترْكه أو تهاونه بالسبب المُوصل؛ فهو كمَن يَطلب النجاح من غير جِد ومذاكرة.
وقد كان في إمكان الرسول -صلى الله عليه وعلى آله وصحبه وسلم- أن يَعقد لأُمته العربية لواء تنضَمُّ إليه القبائل العربية وتكوّن إمارة عربية قوية موّحدة؛ يكون هو رئيسها، ينتصر للعروبة ويكسِر القومية الفارسية والرومية، فيرتفع العَلم العربي خفاقًا مرفرفًا على ربوع الأرض شرقًا وغربًا، ويبقى مَجد القومية العربية خالدًا تالدًا. ولا شك في أنه لو فعل هذا لبادر إلى قبول دولته والانضمام تحت لوائه القَومي كل من عارضه وعانده ووقف في سبيل دعوته.
وكيف لا يكون ذلك وهو الأمين الصادق الوفيّ الذي حكّموه في أكبر حادثٍ من حوادث حياتهم المكيّة، ألا وهو وضع الحَجَر في مكانه من البيت؛ فلم يكن ذلك فقط، بل إنهم قاموا فعلًا بعرض سلسلة من المفاوضات مع رسول الله صلى الله عليه وعلى آله وصحبه وسلم، وقدّموا بين يديه هذه الأعمال العريضة التي هي غايةٌ يتمناه أشرف أو أعقل رجل منهم، إذ قالوا له: إن كنت تريد بما جئت به من هذا الأمر مالًا، جمعناه لك من أموالنا حتى تكون أكثرنا مالًا. وإن كنت تريد به شرفًا؛ سوّدناك علينا حتى لا نقطع أمرًا دونك، وإن كنت تريد به مُلكًا، مَلّكناك علينا.
وكرّروا المحاولة، عارضين عليه الزعامة والمال، فكان أن أعلن لهم في صراحة ووضوح: "ما جئت بما جئتكم به أطلب أموالكم، ولا الشرف فيكم، ولا المُلك عليكم؛ ولكن الله بعثني رسولًا، وأنزل علي كتابًا، وأمرني أن أكون لكم بشيرًا ونذيرًا؛ فبلَّغتكم رسالة ربي ونصَحت لكم؛ فإن تقبلوا عني ما جئتكم به فهو حظكم في الدنيا والآخرة، وإن تردوه عليّ أصبر لأمر الله حتى يحكم الله بيني وبينكم".
لا إله إلا الله وهو أحكم الحاكمين.
عرضوا عليه: إن تريد مُلك ملّكناك، وإن تريد مال جمعناه لك أموالنا حتى تكون أكثرنا وإن تريد وإن تريد… كرروا عليه ذلك، فقال: "ما جئت بما جئتكم به أطلب أموالكم، ولا الشرف فيكم، ولا المُلك عليكم" ما جئتكم بهذه الرسالة أطلب أموالكم، ولا الشرف فيكم، ولا المُلك عليكم، ما جئت أريد ملك، ولا رئيس ولا أمير، ولا جئت أريد مالكم خذوه، أبدًا.. "ما جئت بما جئتكم به أطلب أموالكم، ولا الشرف فيكم" والمكانة "ولا المُلك عليكم، ولكن الله بعثني رسولًا، وأنزل علي كتابًا، وأمرني أن أكون لكم بشيرًا ونذيرًا؛ فبلَّغتكم رسالة ربي ونصَحت لكم؛ فإن تقبلوا عني ما جئتكم به فهو حظكم في الدنيا والآخرة، وإن تردوه عليّ أصبر لأمر الله حتى يحكم الله بيني وبينكم".
وقال لعمّه: والله يا عم! لو وضعوا الشمس في يميني، والقمر في يساري على أن أترك هذا الأمر ما تركته حتى يُظهره الله، أو أهلِك دونه. الله أكبر! وهكذا.. هو سيد الأنبياء، وهكذا ثبات الأنبياء على رسالاتهم والصدق ومعرفتهم به. وبهذا نعلم أن قيام الأنبياء بعيد عن إرادة الدُّوَل والمُلك والشرف، ما فيه شيء من ذلك. "ما جئتكم بما جئتكم به أطلب أموالكم ولا الشرف فيكم ولا المُلك عليكم"، هذه ما تساوي شيئًا كلها، وليست بشيء، إنما جئت لأدُّلكم على الله، وأُوصلكم بالله، وأُهيُّئكم لرضاه وقربه، وأُخلصكم من آفات دنياكم ومصائب الآخرة، ﷺ.
لهذا (وَقَالَ الَّذِينَ كَفَرُوا لِرُسُلِهِمْ لَنُخْرِجَنَّكُم مِّنْ أَرْضِنَا أَوْ لَتَعُودُنَّ فِي مِلَّتِنَا ۖ فَأَوْحَىٰ إِلَيْهِمْ رَبُّهُمْ لَنُهْلِكَنَّ الظَّالِمِينَ * وَلَنُسْكِنَنَّكُمُ الْأَرْضَ مِن بَعْدِهِمْۚ) [ابراهيم:13-14]، انظروا إلى هذا الترتيب والتدبير! عندما أوحى إليهم ربهم، قالوا: قتِّلوهم هؤلاء الذين يعملون كذا وخذوهم كل مأخذ وأذِلّوهم، قال: أنا الذي أتصرف اثبتوا على ما بعثتكم به، هدّدوكم؟ استنفدوا قواهم في معارضتكم، والرد عليكم حتى هدّدوكم بأن يخرّجوكم ويكْرِهوكم على الكفر بي والرجوع إلى ملتهم؟ اثبتوا.. (لَنُهْلِكَنَّ الظَّالِمِينَ * وَلَنُسْكِنَنَّكُمُ الْأَرْضَ مِن بَعْدِهِمْ ۚ ) أنا أُسكِّنكم، أنا أُهلك هؤلاء، قال الله: وهذه سنتي، (ذَٰلِكَ لِمَنْ خَافَ مَقَامِي وَخَافَ وَعِيدِ) [ابراهيم:14]؛ أي طائفة يأتون يخافون مَقام الرب، يخافون وعيده، فأي أحد يتهدّدهم، قل لهم: (لَنُهْلِكَنَّ الظَّالِمِينَ * وَلَنُسْكِنَنَّكُمُ الْأَرْضَ مِنْ بَعْدِهِمْ ۚ ذَٰلِكَ لِمَنْ خَافَ مَقَامِي وَخَافَ وَعِيدِ).
(قَالَ الْمَلَأُ الَّذِينَ اسْتَكْبَرُوا مِن قَوْمِهِ لَنُخْرِجَنَّكَ يَا شُعَيْبُ وَالَّذِينَ آمَنُوا مَعَكَ مِن قَرْيَتِنَا أَوْ لَتَعُودُنَّ فِي مِلَّتِنَا ۚ قَالَ أَوَلَوْ كُنَّا كَارِهِينَ)، يعني تدّعون التقدُّم والحرّية وتسلبون الناس حريتهم في الدِّين؟! (أَوَلَوْ كُنَّا كَارِهِينَ * قَدِ افْتَرَيْنَا عَلَى اللَّهِ كَذِبًا إِنْ عُدْنَا فِي مِلَّتِكُم بَعْدَ إِذْ نَجَّانَا اللَّهُ مِنْهَا ۚ وَمَا يَكُونُ لَنَا أَن نَّعُودَ فِيهَا إِلَّا أَن يَشَاءَ اللَّهُ رَبُّنَاۚ)، نحن خائفون من الله أن يقلّب القلب، ومعتمدون عليه ومفوضون الأمر إليه، (وَسِعَ رَبُّنَا كُلَّ شَيْءٍ عِلْمًا ۚ عَلَى اللَّهِ تَوَكَّلْنَاۚ)، ومع ذلك نفتح الباب بيننا وبينكم مهما قبِلتم في أي يوم؛ (رَبَّنَا افْتَحْ بَيْنَنَا وَبَيْنَ قَوْمِنَا بِالْحَقِّ وَأَنتَ خَيْرُ الْفَاتِحِينَ). عبّروا بعد ذلك عن غرورهم: (وَقَالَ الْمَلَأُ الَّذِينَ كَفَرُوا مِن قَوْمِهِ لَئِنِ اتَّبَعْتُمْ شُعَيْبًا إِنَّكُمْ إِذًا لَّخَاسِرُونَ * فَأَخَذَتْهُمُ الرَّجْفَةُ فَأَصْبَحُوا فِي دَارِهِمْ جَاثِمِينَ * الَّذِينَ كَذَّبُوا شُعَيْبًا كَأَن لَّمْ يَغْنَوْا فِيهَا ۚ الَّذِينَ كَذَّبُوا شُعَيْبًا كَانُوا هُمُ الْخَاسِرِينَ)، هم كانوا يقولون: (لَئِنِ اتَّبَعْتُمْ شُعَيْبًا إِنَّكُمْ إِذًا لَّخَاسِرُونَ)! معهم زمجرة واغترار بأنفسهم، (فَأَخَذَتْهُمُ الرَّجْفَةُ فَأَصْبَحُوا فِي دَارِهِمْ جَاثِمِينَ * الَّذِينَ كَذَّبُوا شُعَيْبًا كَأَن لَّمْ يَغْنَوْا فِيهَا ۚ الَّذِينَ كَذَّبُوا شُعَيْبًا كَانُوا هُمُ الْخَاسِرِينَ * فَتَوَلَّىٰ عَنْهُمْ وَقَالَ يَا قَوْمِ لَقَدْ أَبْلَغْتُكُمْ رِسَالَاتِ رَبِّي وَنَصَحْتُ لَكُمْ ۖ فَكَيْفَ آسَىٰ عَلَىٰ قَوْمٍ كَافِرِينَ) [الأعراف:88-93]
قَبل ذلك يقول لهم سيدنا صالح بعد أن عقروا الناقة: (فَعَقَرُوا النَّاقَةَ وَعَتَوْا عَنْ أَمْرِ رَبِّهِمْ وَقَالُوا يَا صَالِحُ ائْتِنَا بِمَا تَعِدُنَا إِن كُنتَ مِنَ الْمُرْسَلِينَ * فَأَخَذَتْهُمُ الرَّجْفَةُ فَأَصْبَحُوا فِي دَارِهِمْ جَاثِمِينَ * فَتَوَلَّىٰ عَنْهُمْ وَقَالَ يَا قَوْمِ لَقَدْ أَبْلَغْتُكُمْ رِسَالَةَ رَبِّي وَنَصَحْتُ لَكُمْ وَلَٰكِن لَّا تُحِبُّونَ النَّاصِحِينَ) [الأعراف:77-79].
(وَقَالَ الْمَلَأُ مِن قَوْمِ فِرْعَوْنَ أَتَذَرُ مُوسَىٰ وَقَوْمَهُ لِيُفْسِدُوا فِي الْأَرْضِ وَيَذَرَكَ وَآلِهَتَكَ ۚ قَالَ سَنُقَتِّلُ أَبْنَاءَهُمْ وَنَسْتَحْيِي نِسَاءَهُمْ وَإِنَّا فَوْقَهُمْ قَاهِرُونَ)، ياموسى انظُر الكلام يأتي مِن عند صُنّاع القَرار على قولهم، يعملون مشاكل ويصلحون خطط عندهم. (قَالَ مُوسَىٰ لِقَوْمِهِ اسْتَعِينُوا بِاللَّهِ وَاصْبِرُوا ۖ إِنَّ الْأَرْضَ لِلَّهِ يُورِثُهَا مَن يَشَاءُ مِنْ عِبَادِهِ ۖ وَالْعَاقِبَةُ لِلْمُتَّقِينَ)، خلُّوا القرارات هذه ما تزعجكم، كم قرارات قبلها وبعدها… (قَالُوا أُوذِينَا مِن قَبْلِ أَن تَأْتِيَنَا وَمِن بَعْدِ مَا جِئْتَنَا ۚ قَالَ) قال اسمعوا: (قَالَ عَسَىٰ رَبُّكُمْ أَن يُهْلِكَ عَدُوَّكُمْ وَيَسْتَخْلِفَكُمْ فِي الْأَرْضِ فَيَنظُرَ كَيْفَ تَعْمَلُونَ)، هذه سُنة شوفوها ماشية في كَون الله هذا وفي هذه البشرية من أول، اصدُقوا، والذي يكلِّمكم ويقول بأقتلكم، هو سيذهب، وبعد ذلك يستخلفكم الله وينظر ماذا تفعلون أنتم من بعده. (قال عَسَىٰ رَبُّكُمْ أَن يُهْلِكَ عَدُوَّكُمْ وَيَسْتَخْلِفَكُمْ فِي الْأَرْضِ فَيَنظُرَ كَيْفَ تَعْمَلُونَ * وَلَقَدْ أَخَذْنَا آلَ فِرْعَوْنَ بِالسِّنِينَ وَنَقْصٍ مِّنَ الثَّمَرَاتِ لَعَلَّهُمْ يَذَّكَّرُونَ * فَإِذَا جَاءَتْهُمُ الْحَسَنَةُ قَالُوا لَنَا هَٰذِهِ ۖ وَإِن تُصِبْهُمْ سَيِّئَةٌ يَطَّيَّرُوا بِمُوسَىٰ وَمَن مَّعَهُ ۗأَلَا إِنَّمَا طَائِرُهُمْ عِندَ اللَّهِ وَلَٰكِنَّ أَكْثَرَهُمْ لَا يَعْلَمُونَ * وَقَالُوا مَهْمَا تَأْتِنَا بِهِ مِنْ آيَةٍ لِّتَسْحَرَنَا بِهَا فَمَا نَحْنُ لَكَ بِمُؤْمِنِينَ)، ويقِفون في موقف صغير من مواقف العظَمة، ينسون كل شيء. (يَا مُوسَى، ادْعُ لَنَا رَبَّكَ)! (وَقَالُوا مَهْمَا تَأْتِنَا بِهِ مِنْ آيَةٍ لِّتَسْحَرَنَا بِهَا فَمَا نَحْنُ لَكَ بِمُؤْمِنِينَ)، وعندما تصيبهم شِدّة: (ادْعُ لَنَا رَبَّكَ بِمَا عَهِدَ عِندَكَ ۖ لَئِن كَشَفْتَ عَنَّا الرِّجْزَ لَنُؤْمِنَنَّ لَكَ) [الأعراف:134].
وبعدين؟ من أول كنتم تقولون هذا! وهذه طبيعة البشر، المصيبة، من لم يَتربَّى يُتَعّب نفسه ويُتْعِب الناس معه. (فَلَمَّا كَشَفْنَا عَنْهُمُ الرِّجْزَ إِلَىٰ أَجَلٍ هُم بَالِغُوهُ إِذَا هُمْ يَنكُثُونَ) [الأعراف:127-135]. ولا آمَنوا ولا اتّبَعوا ولا شيء؛ ولكن لمّا وقع الصوت فوقهم، قالوا خلاص خلاص! وتركوا زمجرتهم الأولية، ولمّا كَشف عنهم رجعوا ثاني مرة إلى غرورهم، (وَلَوْ رُدُّوا لَعَادُوا لِمَا نُهُوا عَنْهُ) [الأنعام:28] ، (فَانتَقَمْنَا مِنْهُمْ)، تشوف التعبيرات القرآنية كلها، ما يقول ربك فقوّينا موسى وأعطيناه أسلحة وسكاكين وخليناه يقطِّعهم..ما في مِن هذا الكلام في تعبيرات القرآن كلها.. يقول الله أنا؛ أنتم كونوا معي وأنا أتصرف.. (فَانتَقَمْنَا مِنْهُمْ فَأَغْرَقْنَاهُمْ فِي الْيَمِّ بِأَنَّهُمْ كَذَّبُوا بِآيَاتِنَا وَكَانُوا عَنْهَا غَافِلِينَ * وَأَوْرَثْنَا الْقَوْمَ الَّذِينَ كَانُوا يُسْتَضْعَفُونَ مَشَارِقَ الْأَرْضِ وَمَغَارِبَهَا الَّتِي بَارَكْنَا فِيهَا ۖ وَتَمَّتْ كَلِمَتُ رَبِّكَ الْحُسْنَىٰ عَلَىٰ بَنِي إِسْرَائِيلَ بِمَا صَبَرُوا ۖ وَدَمَّرْنَا مَا كَانَ يَصْنَعُ فِرْعَوْنُ وَقَوْمُهُ وَمَا كَانُوا يَعْرِشُون) [الأعراف:136-137]،هذه النتائج حتميَّة؛ لكن الله يقول: دَمّرنا، جاوَزنا، صَنعنا، قَدّمْنا… الأمر له… وناس جاءوا وضعوا أنفسهم محل الإله، ويقولون: نحن نطلّع وننزّل!، لا لا، هذا ليس شغلك، الله قال لسيد الدعاة ﷺ:
وهو سيد الوجودﷺ. الله يثَبتنا على دربه، ويسقينا من شُربه، ويجعلنا وإياكم في حِزبه، ويتولانا به، ويُرِينا وجهه في الدنيا وعند الموت وفي البرزخ وفي الآخرة.
وكما جَمعنا على ذكره وشريعته، يجمعنا على مائدته؛ فإن لنبيكم موائد تُبسَط في الفردوس الأعلى، يجلس عليها خوَاص الصادقين من أمّته، مِن أهلِ متابعته، الله يُجلسنا عليها، ويَجمعنا عليها، ويجعلنا مِن أهلِها. وإن كانت لكرامته تمتد موائد إلى كل مكان في الجنة، لكن موائد رفيعة هناك في الفردوس الأعلى عنده، وكيف إذا أُكرم واحد منا وقيل: يدعوك إلى قصره!... لو كل الشدائد تجرّعناها وفوق الرّوح ألف رُوح بذلناها؛ لكانت قليلة، ومع ذلك ما طُلب منا إلا قليل.
فالله يرزقنا الإخلاص ويرزقنا الصدق. وقال لكم: "أنا فرطكم" أنا متقدّم قَبلكم أُهيّئ المصالح، وقال: "مَوعِدكم الحَوض". فعلينا أن نتهيأ، نتهيأ لكريم اللقاء مع الأتقى ﷺ. كم قيمة الجلوس معه؟ كم قيمة المخاطَبة له، ومنه؟ كم قيمة النظر إليه، والنظر منه؟ كم قيمة مصافحته؟ كم قيمة معانقته؟ كم قيمة المسامَرة له؟ كم قيمة العَيش معه؟ كم قيمة المرافَقة له؟ هذه ما لها قيمة.. لكن الله يعطينا إياها بشيء يسير يرتضي به منا، فلا نبخل على أنفسنا.
كان الصحابة وهم في الدنيا تسري إليهم سرَاية النعيم بالرضوان، يقولون: يرون البشرى في وجهه، فكانت أحب إليهم من حُمْر النِّعَم. لَمّا يرون أثر البشرى في وجه النبي، كُلّهم يَستبشر، كُلّهم يَفرح، كُلّهم يَنعم، كُلّهم يلتذ. وكانت أَحب إليهم من حُمْر النعم. ولا أشَدّ عليهم ولا أشق حينما يرون أثر الغضب على وجهه ﷺ.
"إذا سُرّ استَنار وجهه فكأنه قِطعة قَمَر". يا رب سُرّ بها خاطر نبيّ الهُدى.. الله يُسرّ قلبه باجتماعنا وبالكلام الذي يدور بيننا، وبالنيّات التي ننويها في المجلس، والمقاصد التي نقصُدها، وبالعزائم التي نَعزم بها، وبالهِمم التي تكون منّا. يا الله، انظر إلينا نظرة تَسُر قلب نبيّنا بنا، وبأحوالنا، وأفعالنا، ونياتنا، ومقاصدنا، وقلوبنا. يا الله، أكرمنا بذاك السرور، وهَب لنا رضوانك الأكبر، يا كريم يا عزيز يا غفور. واجعلنا نَحضر مجالسه ونأخذ نصيبنا من مآنسُه، ونحظى بكريم معاشرته، ومخاطَبته، ومكالَمته، ومشافَهته، ومسامَرته بالدرجات العُلا مع خيار الملأ. آمين يا ربنا يا الله، ببركة رمضان، وأسرار رمضان، وأهل رمضان، والقرآن الذي أنزلته في رمضان، مُنّ علينا بالرّضوان. حَنّن علينا روح هذا الحبيب أوسع الحنان، وأتَّم الحنان، وأكمَل الحنان، يا حنّان يا منّان يا قديم الإحسان، بسر الفاتحة إلى حضرة النبي محمد ﷺ.
27 رَمضان 1433