القدوة الحسنة في منهج الدعوة إلى الله - 1 - ضرورة الرجوع إلى السيرة النبوية
شرح الحبيب العلامة عمر بن محمد بن حفيظ على كتاب القدوة الحسنة في منهج الدعوة إلى الله للسيد محمد بن علوي المالكي، يتحدث عن مسائل مهمة عن منهج الدعوة الإسلامية وحقيقة القدوة الحسنة في سبيلها.
الدرس الأول: مقدمة، ضرورة الرجوع إلى السيرة النبوية، الإعداد للدعوة وتهيئة أسبابها.
نص الدرس مكتوب:
بارك الله لنا ولكم وللأمة في هذا الشهر الكريم وحلوله ومجيئه إلى أهله وقومه.
و لرمضان أهلون يحبهم ويحبونه، ويشتاق إليهم وإليه يشتاقون، على درجات في أهليتهم له أو معه وفي التناسب الذي بينهم وبينه، من حيث إقبالهم على الرب جلّ جلاله، وصلتهم بالإله الذي يقصدونه وحده، فيكسبون صداقة هذه الكائنات التي عرفت عظمة هذا الإله وسبحت بحمده -جل جلاله- وعلى قدر قوة الإخلاص وارتفاع غشاوة الغفلة والمعاصي حتى لا يبقى شيء من كدورات الطبع ولا الهوى؛ فيكون متناسبًا مع رمضان من أوجه تكثر وتقل وتقوى وتضعف، فكما أنه (شَهْرُ رَمَضَانَ الَّذِي أُنْزِلَ فِيهِ الْقُرْآنُ) [البقرة:185]؛ فهؤلاء أهل رمضان لهم قلوب تتنزل فيها معاني القرآن، وكان وجه من أوجه الوجوه في الصلات بينهم وبين رمضان. فسمعنا قول الإمام عيدروس بن عمر الحبشي: في كل سنة في رمضان يفتح الله عليَ في القرآن الكريم ما لم يكن معي من قبل. وفي كل سنة تتجدد الصلة بقوة التنزّل، فقد سأله بعضهم عن المراد بالكرم في قوله تعالى (إِنَّهُ لَقُرْآنٌ كَرِيمٌ) [الواقعة:77]، قال: كناية عن كثرة ما يعطي من المعارف والعلوم والدلالات لأرباب القلوب فهو كريم، (إِنَّهُ لَقُرْآنٌ كَرِيمٌ).
وبوجودهم ينعمون وينعم من عداهم ببركتهم بأسرار رمضان وبركاته، فإذا عُدموا ذهبت على الناس حقيقة الخيرات والمبرّات. فإذا لم يوجد له أهل بين الأمة صار حالهم أن يزدادوا فيه بُعدًا والعياذ بالله تبارك وتعالى. الله يفتح لنا باب لذة المناجاة وحلاوة المناجاة وطيب المناجاة له تعالى في علاه في هذه الليالي والأيام.
بسم الله نبدأ درسنا في كتاب القدوة الحسنة في منهج الدعوة إلى الله تبارك وتعالى.
بسم الله الرحمن الرحيم
"الحمد لله رب العالمين والصلاة والسلام على أشرف المرسلين سيدنا محمد وعلى آله وصحبه أجمعين.
أما بعد،
فهذه نفحات موجزة عن منهج الدعوة الإسلامية وعن حقيقة القدوة الحسنة في سبيلها نفعنا الله بها وجعلها خالصة لوجه الكريم، آمین."
آمين آمين يا أكرم الأكرمين.
السيد محمد بن علوي المالكي الحسني هو ممن أبرزهم الله -تبارك وتعالى- في الوقت المتأخر في علماء أهل السنة والجماعة الذابّين عن شرع الله وعن منهج أولياء الله، وعن مسلك الأصفياء عليه رضوان الله تبارك و تعالى.
وقد اختاره الله تعالى في رمضان، وكانت وفاته في رمضان، في 15 رمضان عام 1425هـ، عليه رحمة الله تبارك وتعالى. ومن بديع ما حصل من الصلة في السند بيننا وبينه أن للجد سالم أخذ عن جده عباس، ولوالده أخذ عن الجد سالم، وللوالد أخذ عن أبيه، وله أخذ عن الوالد وقراءة عليه، ولنا أخذ عنه.
في المقدمة بعد البسملة حَمِد الله رب العالمين وهو ما افتتح الله به كتابه، بربوبيته سبحانه وتعالى للعالمين؛ تسري سرايات الهداية وتسري سرايات الدلالة والتبيين والتعليم والتوضيح والتقريب والإرشاد والتنقية والتصفية والترقية وما تعلّق بها وما عداها أيضًا. فالربوبية للإله الحق شملت كل مربوب في كل شؤونه وذراته من كل جانبٍ ووجه.
"الحمد لله رب العالمين والصلاة والسلام على أشرف المرسلين"، الذي أُرسل إلى الخلق عامة، وكان مَن قَبله يُبعث إلى قومه خاصة، أشرف المرسلين سيدنا محمد ﷺ "وعلى آله"؛ أقاربه المؤمنون من بني هاشم وبني المطلب، "وصحبه" كل من صَحِبه ممن آمن به فصحبه مؤمنا وثبت حتى مات على الإيمان، "أجمعين" مهاجرهم وأنصاريهم والسّابقون الأولون ومن كان من قبل الفتح ومن جاء بعد الفتح، قال: (لَا يَسْتَوِي مِنْكُمْ مَنْ أَنْفَقَ مِنْ قَبْلِ الْفَتْحِ وَقَاتَلَ أُولَئِكَ أَعْظَمُ دَرَجَةً مِنَ الَّذِينَ أَنْفَقُوا مِنْ بَعْدُ وَقَاتَلُوا وَكُلًّا وَعَدَ اللَّهُ الْحُسْنَى) [الحديد:10]، وفي هذا بشارة الحق تعالى لعموم الصحابة بالجنة (وَكُلًّا وَعَدَ اللَّهُ الْحُسْنَى)؛ هؤلاء وهؤلاء.
"وعلى آله وصحبه أجمعين"، حشرنا الله في زمرتهم. وإنما يرد على حوضه ويستظل بظل لوائه ويدخل الجنة معه آله وصحبه ومُحبوهم من الأمة، لا أحد يدخل، لا أحد يستظل بظل لوائه ولا يرد على حوضه من أمته إلا آله وصحبه ومحبيهم فقط، الله يجعلنا من محبيهم حقيقة. أما من خرج عن هذه الدائرة لا هو من الآل ولا من الصحب ولا من المحبين ما يجيء إلى عند الحوض ولا يِرد ولا يستظل بظل لوائه.. أين يجيء! الله يرزقنا حقيقة محبتهم حتى يحشرنا في زمرتهم.
"أما بعد، فهذه نفحات موجزة" في ألفاظها "عن منهج الدعوة الإسلامية"؛ الدعوة إلى الإسلام التي حملها النبي ﷺ، "وعن حقيقة القدوة الحسنة في سبيلها" وهو رسول الله، "نفعنا الله بها وجعلها خالصة لوجهه الكريم، آمين".
والحق -تبارك وتعالى- ينفع بما شاء وبمن شاء.. مراتب في النفع، فبعض الكلمات و بعض المؤلفات و بعض الآثار يعظُم نفعها، وبعضها يبتدئ من حياة صاحبها ويستمر بعد وفاته، وبعضها يكون شيء من النفع في حياته ويقل بعد وفاته، وبعضهم ما يظهر النفع في حياته ويظهر بعد وفاته، وبعضهم يظهر في فترة من الفترات، وفي مكان من الأماكن. وهم درجات فيما يرتب الله من النفع بهم و بآثارهم. و خير الأمة أنفعهم للأمة، وخير الخلق أنفعهم للخلق، فالله ينفعنا وينفع بنا ويكتب النفع بأقوالنا وأفعالنا وآثارنا.
وفي الغالب على قدر ما يقذف في القلب من الحرص الصادق الخالص على نفع الناس يَكتُب النفع بآثار صاحب ذلك القلب، على قدر قوة حرصه على أن ينفع. ولهذا قال الإمام أحمد بن حسن العطاس: إن من الكتب ما أُلِّف للجمع ومنها ما أُلِّف للنفع؛ أي: بحسب نية كاتبه ومؤلفه. بعضهم للجمع فقط؛ مجرد الجمع والتأليف والمكانة، وبعضهم للنفع، مغزاه ينفع، يريد أن ينفع. ولذا تجد انتفاع الخلق بالكتب، كتب أهل النيات للنفع، تجد الخلق منتفعين بها انتفاع كثير، والذين ألفوا للجمع تتجمع كتبهم فوق المكتبات الهائلة في العالم تقعد وما يحصل بها النفع.. الله يرزقنا نية النفع والحرص على النفع.
القدوة الحسنة في منهج الدعوة إلى الله
ضرورة الرجوع إلى السيرة النبوية
"إن السيرة النبوية وسِيَر الصحابة رضي الله عنهم وتاريخهم هي القدوة الحسنة في مناهج الدعاة، والمصدر الكبير لقوتهم الإيمانية وعاطفتهم الدينية، يقتبسون منها شعلة الإيمان، ويشعلون بها مجامر القلوب، يرون فيها دعوة احتضنها الإيمان والصدق فهانت في سبيلها الأنفس على أصحابها، والأموال على أربابها، والعشيرة على أهلها، واستُعذب العذاب لأجلها، وتتابعت الرحلات لنشرها في مشارق الأرض ومغاربها، وسهولها و حزونها وأغوارها وأنجادها، فنُسيت في ذلك اللذات وهُجرت الراحات، وتُركت الأوطان، و بُذلت المهج وحُر الأموال حتى أفضى اليقين على القلوب، وسيطر على النفوس والعقول، وأقبلت القلوب على الله، فهبّت ريح الإيمان قوية عاصفة طيبة مباركة، وقامت دولة التوحيد والإيمان والعبادة والتقوى، وانتشرت الهداية في العالم، ودخلت الناس في دين الله أفواجا."
الحمد لله على ذلك.
قد أبرز الله نبيه ومن معه من الصحابة وآله الأطهار وقد جدّوا واجتهدوا وكابدوا، ونشر الله على أيديهم الخيرات. فكان سيدهم في كل جهاد واجتهاد خير العباد ﷺ . تحمل وصبر وكابد وجاهد، وسافر وهاجر، وجاع وظمئ، وأُخيف في الله ما لم يُخَف أحد، و أوذي في الله ما لم يؤذَ أحد ﷺ. وفي هذا أيضا بيان حقيقة من وجهين:
- الوجه الأول: ضرورة القدوة لكل مسلك في الحياة ولكل من منهج.
ولا شك أن دين الله تبارك وتعالى هو منهج الحق؛ فكل من أراد القيام به والدعوة إليه فلابد له من قدوة ومرجعية. والله تعالى لا يلقي للناس كتباً و أحكاماً بلا قدوات، بل يختار المرسلين أولاً من بين الناس وينزل عليهم الكتاب والمنهج ويجعله فيهم مُبَيَّن، ويرسلهم ليكلموا الناس ويخاطبوهم وهم قدوتهم في ذلك. فما هناك مسلك ومنهج من دون قدوة، فلابد من قدوة (أُولَٰئِكَ الَّذِينَ هَدَى اللَّهُ فَبِهُدَاهُمُ اقْتَدِهْ) [الأنعام:90].
ولمّا أكرم الله نبيه ﷺ ببقاء القرآن وحفظه إلى آخر الزمان، أكرمه معه ببقاء القدوة من المقترنين بالقرآن لن يتفرقوا، وإلا فما ينفع كتاب وحده من دون حمَلة لأسراره و قدوات في فهمه والعمل به، هذا وجه.
- الوجه الثاني: أن الناس أجمعين والأمة خاصة محتاجون إلى الرجوع إلى تاريخهم و إلى أصولهم.
وأن ما جعل الله للناس من قيم ومبادئ لا يمكن أن تتغير ولا أن تتبدل مع تغير وسائل الحياة الكثيرة وأساليبها إلى يوم الدين؛ القيم هي القيم والمُثل هي الُمثل، والمناهج هي المناهج، فمن عهد آدم إلى اليوم.. الظلم حرام، هل ممكن مع تطور الإنسان أن يتحول الظلم إلى شيء طيب؟! لا يمكن هذا.. والإنسان تقدم والناس تقدموا وتغيرت الأحوال.. ماذا تغير؟! الظلم جريمة مهما كان الأمر ولا يمكن أن يتغير هذا. بل في أصل الخِلقة والتكوين ما يمكن تطور، من عهد آدم الإنسان يمشي على رجلين، ثم ماذا؟! الآن تطور ويمشي على كم؟! رجع على رجل واحدة أم زيد له رجل ثالثة أم على أربع أو ماذا؟! نمشي كما مشى الناس في عهد آدم.. تطورنا ووصلنا الفضاء، ثم ماذا؟! بتصلح لك خمسة أرجل؟ أو بتمشي على واحدة؟ هذا أحسن تقويم لا بد تمشي على رجلين وعندك عينين كذلك ومحلها معروف، فهل من تطور الإنسان وتقدمه تُبَدل؟ يتبدل عددها أو محلها إلى محل ثاني تتحول؟ هذه خباله و هباله.
نفس الشيء في الذين يأتون إلى القيم والثوابت ويقولون: الزمن تطور! الزمن تطور ثم ماذا؟ أنا انسان بخلقتي هذه وبقيمي لا يمكن أن أتبدل أو أتغير. تتغير الوسائل، تتغير الأساليب، ولكن الأصل هو الأصل و الذات هو الذات.
وبهذا أيضًا يُفهم معنى التجديد في الدين، لا يتغير شيء فيه، ولا يتبدل شيء فيه، لا تغيير ولا تبديل، إلا ثبات على الأصل هو التجديد نفسه:
- ثبات على الأصل
- وبناء عليه
و رجعة إلى حُسن البناء وحُسن الارتباط والاتصال، هذا التجديد في الدين.
نعم...استعمال الوسائل في القيام بالبيان أو في الأداء للعمل أو في التواصل بين الناس، نعم هذه تتبدل وتتغير وتكثر وتقل؛ هذه وسائل وأساليب لكن لا تمس القيم، ولا تمس الأسس و الثوابت، لا تمس المبادئ ابدًا؛ ولا يمكن أن يدخل عند عقل سليم أن تطور الإنسان في الوسائل يغير أصل خلقته، ولا يغير أصل قِيَمه أبدًا! القيم هي القيم .فالسرقة حرام حرام في الشرائع كلها سواء تطور الإنسان، طلع أو نزل، محلها هي هي، الزنا جريمة تطوروا طلعوا ولا نزلوا عار عار، عيب عيب، لا يمكن يتبدل، ولا يمكن يتغير أبدًا.
الإحسان إلى الناس وسداد حاجة المحتاجين و إنقاذ الهالكين فضائل فضائل، ولا يمكن مع تقدم الزمان وتطوره تتحول هذه إلى رذائل! لا يُمكن.. هي هي فضائل في ذاتها، للذي يركب الدابة من الحمار والجمل وللذي يركب الطائرة والسيارة، هذه القيم هي نفسها.
الكذب حرام تكلمت مباشرة أو بجوال أو بميكروفون كله سواء، حرام حرام لا يجوز. تقول تطورت وعندك مايكروفون أو عندك جوال، الكذب يجوز؟! لا شيء يجوز، هو هو، محرم محرم كما هو في ذاته ما يتأتى أن يختل. هذه حقيقة يجب أن لا تغيب عن العقول وعن الأذهان، و يلعبون بها على الناس في أديانهم وفي قيمهم ويقولون لهم تقدمتم وتطورتم…
فلابد للقائم بالدعوة إلى الله أن يرجع إلى سيرة محمد ﷺ هو الداعي، الداعي على الحقيقة، بالإذن المطلق من رب الخليقة، محمد (وَدَاعِيًا إِلَى اللَّهِ بِإِذْنِهِ)، (إِنَّا أَرْسَلْنَاكَ شَاهِدًا وَمُبَشِّرًا وَنَذِيرًا * وَدَاعِيًا إِلَى اللَّهِ بِإِذْنِهِ) [الأحزاب:45-46] فهو الداعي، والباقين من جميع أمته من الصحابة والآل والتابعين، قال لهم: "بلغوا عني"، "بلغوا عني" فهو الداعي؛ فنجاح كل واحد من صحابته وآله وأتباعه في أمته في دعوته على قدر اتصالهم به و ارتباطهم به وانطوائهم فيه، لأنه هو الداعي والبقية ينوبون عنه ﷺ، "بلغوا عني ولو آية" فلهذا بيّن لنا هذا.
"ومن هنا اشتدّت عناية المصلحين والمجددين بهذه السيرة المباركة لتكون قدوة حسنة، ومادةً لتجديد البعث في حياة المسلمين، وإيقاظ هممهم و إلهاب قلوبهم بجذوة الإيمان والحماسة الدينية، وليس لمجرد الوقوف على الوقائع التاريخية أو سرد القصص والأحداث، بل لمشاهدة الحقيقة الإسلامية في مجموعها العملي التطبيقي مجسّدة كاملة في مثلها الأعلى محمد ﷺ وصحبه الكرام.
ونستخلص من هذه السيرة العطرة والتاريخ المجيد بالنسبة للدعوة الإسلامية:
(مقدمة) هي طليعة الخير وإشارة النور والفلاح لتهيئة أسباب الدعوة وبناء أسسها وتأصيل أصولها.
و ( باب) هو الإخلاص الذي يتمثل في تجردها من الأهواء والأغراض.
و (عملٌ جاد) هو المجاهد الكاملة المطلقة لتربية النفس."
ذكر لمّا قامت شأن الدعوة على صحتها وعلى أساسها وعلى حقيقتها، كيف أثّرت في ذات الإنسان، وكانت دعوة لما احتضنها الإيمان والصدق هانت في سبيلها الأنفس وبذلها، الأموال وإنفاقها، العشائر، استُعذِب العذاب..
عذابكم الأليم أراه عذبًا *** و فيكم ذقت طعم المُر حالي
وبذلك تتابعت رحلات، وتواصلت مواصلات في السير، يقف الواقف منهم على البحر يقول: لو أعلم أن وراء هذا البحر أحد من المكلفين يُبلّغ دعوة الله لركبته!.. هذا شأن الصحابة رضي الله عنهم، لهذا توفي ﷺ في المدينة، ما مضى على وفاته 15 سنة ومن حوله امسكوا رايته قائمة بالدعوة، والناس آخذون بمنهج الله محكومون بشريعة الله في تلك الجهات. كم بينهم مواصلات؟! كم عندهم لا طائرات ولا سيارات… لا شيء عندهم! كيف وصلوا إلى هناك؟ وانتشروا وأقاموا دول الإسلام في تلك النواحي في عهد سيدنا عمر بن الخطاب. عام 25 من الهجرة وراية الإسلام ترفرف في المناطق البعيدة، شرق الأرض وغربها، سبحان الله…
كما قال لعديّ بن حاتم لما جاء إليه: ترى في اتباعي أنهم ضعاف والقوة في غيرهم؟ لتُنـفقَـنّ كنوز كسرى في هذا السبيل. قال: كنوز كسرى؟! قال: كنوز كسرى. قال بعد فكنت فيمن انتهبها -فيمن أخذها- بعد ذلك لما فُتحت. ﷺ، (وَمَا يَنْطِقُ عَنِ الْهَوَى * إِنْ هُوَ إِلَّا وَحْيٌ يُوحَى ) [النجم: 3-4]) في فتره قريبة عمّ الخير الشرق والغرب بسبب الانطلاق الصحيح الجاد المخلَص لوجه الله تبارك وتعالى.
الإعداد للدعوة وتهيئة أسبابها
"وفي مقدمة الدعوة تتمّ تهيئة أسباب الدعوة، وتجميع القوى، ومراعاة ما يحتاجه الحال والواقع.
لقد مرّت الدعوة الإسلامية منذ بعثة النبي ﷺ إلى أن ارتحل إلى الرفيق الأعلى بمراحل مختلفة. استمرت الدعوة سِرًّا ثلاث سنوات، ثم انتقلت الى مرحلة الجهر باللسان دون القتال إلى الهجرة، ثم انتقلت إلى حركة قتال المعتدين والبادئين بالقتال والشر إلى صلح الحديبية، ثم انتقلت إلى قتال كل من وقف في سبيل الدعوة."
وقد احتوت حياة النبي ﷺ في مراحلها على خلاصة النموذج للعالم الإنساني من عهد آدم إلى عهده، وما يحصل بعده إلى يوم القيامة. فكانت المراحل فيها الأحوال المختلفة التي مرّت بالبشرية قبل ،والتي ستطرأ على الإنسانية بعد، في مراحل حياة النبي ﷺ إشارات لكل هذا ونموذج واحتواء حتى تستطيع من خلاصة هذا العمر الذي أقسم الله به في القرآن قال: (لَعَمْرُكَ ) [الحجر:72] فعمره وحده دون غيره مقسوم به في القرآن. فهذا العمر خلاصة الحياة وزبدة الدنيا من أولها إلى آخرها، وكل الظروف والأحوال التي مرّت سابقًا والتي ستأتي بعده لها إشارات في مراحل حياته ﷺ وفيما واجهه من ظروف وأحوال -صلوات ربي وسلامه- عليه فكان القدوة للكل ﷺ.
مرّت بمرحلة احتاج إلى السرية فيها أول ما جاءت الرسالة وتلقاها في غار حراء فابتدأ بها سِرًّا. وفي هذا:
- أن كمال الإيمان واليقين لا يقتضي تجاوز الأسباب والعمل على الجهر والعلانية بالمباشرة في كل الظروف والأحوال.
- بل مع كمال الإيمان واليقين يكون من الحكمة في بعض الظروف والأحوال إخفاء أمر الدعوة وعدم الجهر بها والقيام بحقها في السرية حتى تتهيأ لها قلوب، وتتهيأ لها أرضية يقوم عليها بنائها.
فقضى السنة الأولى من البعثة والثانية والثالثة يدعو إلى الله سِرًّا ﷺ، حتى تهيأت فرصة الجهر وأُمر بذلك فأنزل الله: (فَاصْدَعْ بِمَا تُؤْمَرُ وَأَعْرِضْ عَنِ الْمُشْرِكِينَ) [لحجر:94] فجهر ﷺ وذهب إلى أعلى المستويات في الجهر والإعلام عندهم في زمانهم: جبل الصفا، يطلع عليه من عنده الخبر الهام الذي يريد انتشاره وينادي على أناس معينين أو يعمم بنداء على حسب خطر الخبر، وهذا أعلى ما يكون من الوسائل الإعلانية والإعلامية في مكة في ذلك الوقت.
فصعد على الصفا ونادى: يا بني فلان ويا بني فلان… جميع بطون قريش، وهم يسألون: من هذا في أعلى جبل الصفا؟ فيقال لهم الأمين، وكلهم خرجوا، ومن لم يستطع الخروج في الحين أرسل واحد يقول له: اذهب وانظر ما يقول، لمكانته ﷺ و لمعرفتهم بأمانته وصدقه.
فلما تجمعوا قال لهم: ما تقولون لو أني أخبرتكم أن وراء هذا الجبل جيش يصبحكم أو يمسيكم أكنتم مصدقي؟ قالوا: ما جربنا عليك كذبا، قط في طول حياتك، ما أخبرتنا به نصدقك. قال: إن الرائد لا يكذب أهله، و إني نذيرٌ لكم بين يدي عذاب شديد، إن الله قد بعثني إليكم بالحق والهدى، وشهادة أن لا إله إلا هو وأن محمدًا رسول الله، والله لتموتن كما تنامون، ولتبعثن كما تستيقظون، وإنها الجنة أبدا أو النار أبدا. ﷺ.
وأعرض الناس وأدبر من أدبر وتولى وما رد عليه إلا أبو لهب قال له: تبا لك ألهذا جمعتنا؟! فأنزل الله: (تَبَّتْ تَبَّتْ يَدَا أَبِي لَهَبٍ وَتَبَّ * مَا أَغْنَىٰ عَنْهُ مَالُهُ وَمَا كَسَبَ * سَيَصْلَىٰ نَارًا ذَاتَ لَهَبٍ * وَامْرَأَتُهُ حَمَّالَةَ الْحَطَبِ) [المسد:1-4].
واستمر بعد الجهر مكابدًا لما في المرحلة من أنواع الأذى والشدة إلى أن هاجر، وجاءت مرحلة الهجرة بعد مجاهدات كبيرة طويلة عريضة. وفي ذلك الجهاد في الدعوة إلى الله في مكة أنزل الله: (وَجَاهِدْهُمْ بِهِ جِهَادًا كَبِيرًا) [الفرقان:52] ما كان هناك قتال في تلك المرحلة، كان الجهاد الكبير في ذلك الصبر وذلك التحمل و تلك المعاناة وذلك التصرّف المتزن المضبوط والاستمرار وهكذا…
كم قصد المُعاند المُضاد أبا جهل إلى بيته، يبلغه، يدعوه، وكلما لاحت له الفرصة لذا وذاك، ومع ردهم الرد العنيف عليه ﷺ، حتى يذكر بعضهم قال: كنت مع أبي جهل وإذا أقبل ﷺ فقام يصافحه، قلت له: أنت تصافح هذا الصابئ وتقوم إليه؟! قال: أما إني أعلم أنه نبي، ما لك؟ قال: ما يبقى لنا بني عبد الدار إذا كانت النبوة في بني هاشم؟!... فحمله الحسد والحرص على الفخر أن لا يتبعه ﷺ. وكم له من قصص معه ومع غيره من قريش، حتى وُضع السلا على ظهره، والشوك في طريقه، والأذى في قدره وما تحامل على أحد منهم، صلوات ربي وسلامه عليه.
حتى كان هناك ممن يحفر له الحفر في طريقه رجاء السقوط فيها. ثم تحامل يوما فوسّع الحفرة وعمّقها بحيث إذا سقط لا يستطيع أن يخرج إلا بإنقاذ أحد وغطّاها بغطاء خفيف وجعلها في طريق النبي رجاء أن يسقط فيها، يحمله حسده وحقده، فقدّر الله أن أعمى قلبه وجعله ينسى ويمر ويسقط هو بنفسه في الحفرة التي حفرها! ومَكَّن حفرها ما عاد يقدر يطلع، وأخذ يصيح من تحت لعل حد يسمعه، فمر النبي ﷺ في الطريق فرأى أثر حفرة وجاء وإذا بالرجال يصيح صوته… من هذا؟ قال: ما هذا يحفرون الحفر في طريق الناس…! فما كان من النبي إلا أن مدّ يده فرفعه وأخرجه من الحفرة ودفنها، ﷺ.
و مرحلة الجهر مرت بعجائب من جهاده واجتهاده، وتردّده على الأسواق؛ من سوق إلى سوق يبلغ وخروجه إلى الطائف في تلك الأيام. وجاء فيها الإسراء والمعراج وجاء فيها مواجهاتهم بالتكذيب والعناد، وطلبهم الآيات وانشقاق القمر، غرائب حصلت في هذه المرحلة.
حتى جاءت الهجرة، وبعد ذلك أذن لهم بالجهاد بالقتال للمقاتلين المعتدين البادئين (أَلَا تُقَاتِلُونَ قَوْمًا نَّكَثُوا أَيْمَانَهُمْ وَهَمُّوا بِإِخْرَاجِ الرَّسُولِ وَهُم بَدَءُوكُمْ أَوَّلَ مَرَّةٍ) [التوبة:13]، وهكذا وجاء صلح الحديبية، ثم جاءت براءة، وقتال كل من صدّ عن سبيل الله عدوانًا ووقف في سبيل نشر الدعوة. وانتقل ﷺ من الدنيا وقد أكمل الله به ما تحتاجه الأمة من بيان في كل شأنٍ من شؤون الدين والحياة.
"وكان من جملة تهيئة أسباب الدعوة بعثُ الكتب ومراسلة الملوك ورؤساء العالم يدعوهم إلى الإسلام، ونبذ ماهم عليه من الأديان الباطلة، ثم اختار الرجال الذين يقومون بهذه المهمة بشرط أن يكون كل رجل يتقن لغة القوم الذين بعثه إليهم."
وعامة الكتب والمراسلات التي راسل بها الملوك موجودة إلى الآن، بينما آثار الملوك أنفسهم الذين راسلهم ما عاد تجد شيء من أخبارهم ولا من كتبهم ولا من رسائلهم. و كتبه موجودة ﷺ. وهكذا شؤون الإتصال بالحق الباقي، وقيام الأشياء في هذا العالم على الذوات و الأنفس والمرادات والأهواء، ذا يفنى وذاك يبقى.
"وهذا كله يدلّ على أنه ينبغي على المسلمين أن يهيئوا للدعوة الإسلامية وسائلها وأسبابها، وأن لا تكون وليدة يوم، وتخطيط ساعة على وجه الارتجال."
قال تعالى: (يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا خُذُوا حِذْرَكُمْ فَانفِرُوا ثُبَاتٍ أَوِ انفِرُوا جَمِيعًا * وَإِنَّ مِنكُمْ لَمَن لَّيُبَطِّئَنَّ..) [النساء:71-72]، فمع كمال الاعتماد على الحق والالتجاء إليه سبحانه وتعالى، فلا بد من استعمال ما أتانا من وسائل وقوى وقدرات ووضعها في مكانها حتى نقوم في شأن الدعوة إلى الله على بصيرة (قُلْ هَٰذِهِ سَبِيلِي أَدْعُو إِلَى اللَّهِ عَلَىٰ بَصِيرَةٍ أَنَا وَمَنِ اتَّبَعَنِي) [يوسف:108] وبصيرة أتباعه من بصيرته على قَدْر اتباعهم.
الله يجعلنا من العابدين له على بصيرة محمد، ويجعلنا من الداعين إليه على بصيرة محمد ﷺ (عَلَىٰ بَصِيرَةٍ أَنَا وَمَنِ اتَّبَعَنِي)، وقال (فَقُلْ أَسْلَمْتُ وَجْهِيَ لِلَّهِ وَمَنِ اتَّبَعَنِ) فتُسلم وجوهنا لله على يده بحسب اتباعه (أَسْلَمْتُ وَجْهِيَ لِلَّهِ وَمَنِ اتَّبَعَنِ) ووجوه من اتبعني، أسلمها لله، (فَقُلْ أَسْلَمْتُ وَجْهِيَ لِلَّهِ وَمَنِ اتَّبَعَنِ) [آل عمران:20].
"وكان من جملة تهيئة أسباب الدعوة التربية العملية لإخراج العالم الداعي الغيور، إن العلم بدون غَيْرة جامد لا شعور فيه ولا إحساس كما أن الغَيْرة وحدها بلا علم لا تصلح للقيادة والريادة والإرشاد وهذا الذي ينبغي أن لا نقع فيه فنضيع بين عالم بلا غَيْرة ولا اهتمام على حرمات الله أو غيور متحمس لا علم عنده يضل المسلمين."
- فما يُفيد الحماس وحده والغيْرة والانطلاق بقوة على غير بصيرة وعلم.
- ولا ينفع علم من دون غيرة من دون حرقه على الدين، من دون هم من دون جد من دون صدق، ما ينفع ولا يفيد.
فلابد من علم مقترن بهِمّةٍ ووجهة وهمٍّ وغيْرةٍ على دين الله تبارك وتعالى، كما قال سيدنا الصديق: لو لم أجد إلا الشجر والحجر لقاتلتهم به، أما أن ينقص الدين وأنا حي فلا، ما أطيق ذلك.
هذه الأمانة التي حملها من النبي ﷺ. فقالوا: دع مانعي الزكاة ولا تقاتلهم الآن فإن أمامنا جبهات مواجهة في القتال، قال: ماذا تقولون؟! أنا انطلق أصلا بتفكيري وبعقلي أم لي تبعية ومرجعية أرجع إليها؟! هذا ركن من أركان الإسلام ما فيه لعب، قالوا: خلنا نخلص من هؤلاء ومن هؤلاء، قال لما أرسلوا سيدنا عمر يكلمه قال: أجبّار في الجاهلية خوّارٌ في الإسلام! لأقاتلنّ من فرّق بين الصلاة والزكاة، ولو لم أجد إلا الشجر والحجر لقاتلتهم به، أما أن ينقص الدين وأنا حيّ فلا.
فما كان بعد إرساله لقتال مانعي الزكاة إلا قذف الرعب في الجبهات الأخرى المقاتلة وانهزامها، لصدقه وإخلاصه وتمام متابعته. وأخذوا يتخابرون بينهم البين ويقولون: لو أن بهذه الدولة ضعف ما قاتلوا أصحابهم من المسلمين الذين منعوا الزكاة، فبثّ الله الرعب في قلوب بقية المقاتلين وهزمهم هزيمة بعد هزيمة ببركة ثبات أبي بكر وصدقه رضي الله عنه.
أخرج في بعض الأيام في اليوم الواحد ستة جيوش من المدينة خرجت، حتى مرت أيام ماعاد تجد في المدينة إلا الشايب والطفل والمرأة.. والناس قد خرجوا للجهاد خارج المدينة، فأحيا الله به الدين و حفظ به منهج سيد المرسلين ﷺ.
وفى طيلة تلك الحركة القوية المثمرة المؤثرة كان كثير البكاء، وكان يغلبه الشوق، وكانت تتزايد عنده المحبة، وكان كثير التذكر لرسول الله ﷺ في أيامه ولياليه إذا ذكره على منبره بكى، فأثمرت جهوده بصدقه وإخلاصه.
الله يحيي فينا هذه الجهود، وسلوك سبيل أرباب الوفاء بالعهود من أهل الربط القوي بصاحب المقام المحمود، اللهم أحيي فينا حقائق الدعوة إليك، والدلالة عليك على منهج المصطفى في الظاهر وفي الخفاء، وعلى حسن المتابعة والاقتفاء، طهّرنا عن جميع الشوائب، وارفعنا إلى عليّ المراتب، بسِرّ الفاتحة إلى حضرة النبي ﷺ.
14 رَمضان 1433