شرح قصيدة (لذاتي بذاتي) - 9 | من قوله: أهيمُ بأنفاس النسيم وإنني بطيب الحمى
الدرس التاسع للعلامة الحبيب عمر بن محمد بن حفيظ في كتاب: شرح قصيدة الشيخ عبدالغني النابلسي: (لذاتي بذاتي) للحبيب أحمد بن أبي بكر بن سميط.
مساء الأحد 27 محرم 1448هـ
ضمن دروس الدورة الصيفية الثالثة بمعهد الرحمة بالأردن.
أهيمُ بأنفاس النسيم وإنني *** بطيب الحمى لا بالنسائم عاطرُ
وأظهر أني قد ظفرتُ بعلمهم *** وقلبي بذات الخال لا العلم ظافرُ
ودونك شرعي إن نويت طريقتي *** فإني مدى عمري إلى الحب سائرُ
وكن هكذا مثلي فقيراً عن السوى *** عن نفسه تأتيك منك الذخائرُ
من أبرز ما جاء في الدرس:
- أهمية المحافظة على الأوراد اليومية
- دلالة أنفاس النسيم على العلوم الإلهية والمعارف الربانية
- المراد "بطيب الحمى" والدنو من الحضرة الإلهية
- طيب النبي الحسي والمعنوي وبركة عرقه الشريف
- خطر الاغترار بعلوم الظاهر وحقيقة العلم المورث للخشية
- معنى "ذات الخال" وكناية عن أعلى مراتب العلم وحق اليقين
- مقامات أهل التمكين في مشاهدة الأسرار الغيبية
- المحبة طريق أهل العناية والفناء عما سوى الله
- تزكية النفس لتفيض منها الذخائر والأنوار الإلهية
نص الدرس مكتوب:
بسم الله الرحمن الرحيم
الحمد لله رب العالمين، والصلاة والسلام على أشرف الأنبياء والمرسلين سيدنا محمد وعلى آله وصحبه أجمعين. ومن كتاب شرح قصيدة الشيخ العارف بالله عبد الغني النابلسي، التي مطلعها "لذاتي بذاتي" للعلامة المحقق الحبيب أحمد بن أبي بكر بن سميط باعلوي الحسيني رضي الله تعالى عنه، ونفعنا بعلومه وعلومكم وعلوم سائر الصّالحين في الدّارين، ورضي الله عنكم، إلى أن قال:
[شرحُ البيت السابعِ والعِشْرين]
ثم قال الناظم نفع الله به:
أهيمُ بأنفاسِ النسِيم وإنّني *** بطيبِ الحمَى لا بالنسَائِم عاطِرُ
بيِّن أن هُيامه بهبُوب النسيمِ. المرادُ به هنا: العلومُ الإلهية، والمعارف الربانية.
وقوله: "وإنني بطيب الحمى"، الخ. الواو للحالِ، أي: والحالُ أني عاطرٌ بطيبِ الحمَى، لا بالنسائم. والمراد بالحمَى: الحضرة الجامعة لمعاني الأسماء والصفات.
وحاصل المعنى: أن هيامَه بالعلوم الربانية، وهي الحقيقة. فهي التي هام بها عشقاً لها في تطلبها، ومع ذلكَ فهو عاطرٌ بطيب الحمى، والمراد بهذا الطيبِ: هو الوصف.
[شرحُ البيت الثامن والعِشرين]
ومن ثَم قال الناظم:
وأظهِرُ أنّي قد ظفِرتُ بعلمِهمْ *** وقلبي بذاتِ الخال لا العلْمِ ظَافرُ
أي: أظهر لغيري أني ظفِرتُ بعلمهم. أي: بعلم علماء الظاهر.
وقوله: "وقلبي بذات الخال"، الخ. الواو للحال، أي: والحالُ أنّ قلبي ظافرٌ بذات الخالِ، لا بالعلم الذي أظهره، وهو علمُ علماء الظاهر.
و"الخال": هو الثوب الناعم، ويطلق على نكتة سوداء في الوجه، يضرب إلى السواد. يقال: امرأةٌ ذات خالٍ، أي: ثوب ناعم. أو: بثرة سوداء.
وكنّى بذات الخال عن أعلى مراتب العلم، أي: والحالُ قد ظفرت بأعلى مراتبِ العلم وهو حق اليقين، ولبّ العلم الذي ابتهجت به قلوبُ الأولياء العارفين. وهو ما يرد إليها من جهة العوالم الروحانية، والعجائب الملكوتية. وهذا مقامٌ لا يناله إلا أهلُ التمكين، وأرباب الكمال، ومن انتهى إليه.. شاهدَ الأسرارِ الغيبية، من الحضرة الإلهية.
وهو الذي عناه سيدي القطبُ الحدّاد بقوله:
فإن انتهيتَ إلى الذي عرّفتُه *** شاهدتَ من عرْشٍ إلى بهَمُوتِ
ورأيتَ سراً لم يُجِز إفَشاءَه *** أهلُ الهدى والكشْفِ والتّثبيتِ
إلى أن قال:
إنّا لنعلمُه ولم نحظَ بِه *** ذَوقاً لما معنا من التشْتيتِ
صلى الله وسلم على سيدنا محمّد سيد الوجود، وآله وصحبه، ومن سار على دربه في الغيب والشهود، وعلى آبائه وإخوانه من الأنبياء والمرسلين، سادات أهل الوفاء بالعهود، وأهلهم وصحبِهم وتابعيهم، والملائكة المقرّبين، وجميع عباد الله الصالحين، وعلينا معهم وفيهم، إنه أكرم الأكرمين وأرحم الراحمين.
يقول:
أهيمُ بأنفاسِ النسيمِ وإنني *** بطيبِ الحمى لا بالنسائمِ عاطرُ
وذكر الهُيام ضرورة من ضرورات صدق المحبّة، وكلّ من صدق في محبّة شيءٍ، هام به.
والحديث عن المحبّة العُلوية، القُدسية، الرّفيعة، الجليلة، الكبيرة، العظيمة، الموهوبة من حضرة الرحمن، لمن سبقت لهم سوابق التّخصيص بالامتنان منه -جل جلاله- وهي محبته تعالى.
وإلى هؤلاء يشير أنّه يُقوّم بهم الدّين، وينقذ المسلمين، ويُحوّل الأحوال إلى أحسنها بقوله: (يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا مَن يَرْتَدَّ مِنكُمْ عَن دِينِهِ فَسَوْفَ يَأْتِي اللَّهُ بِقَوْمٍ يُحِبُّهُمْ وَيُحِبُّونَهُ أَذِلَّةٍ عَلَى الْمُؤْمِنِينَ أَعِزَّةٍ عَلَى الْكَافِرِينَ يُجَاهِدُونَ فِي سَبِيلِ اللَّهِ وَلَا يَخَافُونَ لَوْمَةَ لَائِمٍ ۚ ذَٰلِكَ فَضْلُ اللَّهِ يُؤْتِيهِ مَن يَشَاءُ ۚ وَاللَّهُ وَاسِعٌ عَلِيمٌ) [المائدة:54].
وذكر أن يقوم أساسه على هذه المحبة والولاء الذي يورث الهيام: (إِنَّمَا وَلِيُّكُمُ اللَّهُ وَرَسُولُهُ وَالَّذِينَ آمَنُوا الَّذِينَ يُقِيمُونَ الصَّلَاةَ وَيُؤْتُونَ الزَّكَاةَ وَهُمْ رَاكِعُونَ) [المائدة:55] بسر تلك المحبّة و (يَأْتِي اللَّهُ بِقَوْمٍ يُحِبُّهُمْ وَيُحِبُّونَهُ)، كُلّما حصل في الأمّة انعكاس، وانتكاس، وارتداد عن سبيل الحق، والهدى والملّة، يأتي الله بقوم يحبّهم ويحبّونه. وسؤالنا للرحمن الرحيم أن يجعلنا وإيّاكم من هؤلاء القوم. نزّه قلوبنا عن التّعلق بمن دونك، واجعلنا من قوم تحبّهم ويحبّونك برحمتك يا أرحم الراحمين.
وهؤلاء يصدر منهم الهيام، يهيمون بولعهم بالله تبارك وتعالى، بقربه ورضاه ومحبته ومعرفته، وما تعلّق بذلك، وما تفرّع عن ذلك ممّا يجلّ شأنه، ووصفه، وحاله.
وقال النّاظم عليه رحمة الله: "أهيم"، وكلّما هبّ النسيم لأنّه يُذَكِّر. والمراد بهبوب النسيم هنا كما ذُكِر: ورود العلوم الإلهية والمعارف الربانية على القلب والرّوح والباطن؛ لما ترد يحصل له هيام لأنها تذكر. كذلك شؤون الظواهر هذه من هبوب النسيم الحسية وما إليها تذكره، لأنّه اجتمع بكليته على إلهه فصار:
- كل شيء يذكره بالإله
- وكل شيء يستجلي منه ما يقربه
- يستجلي منه ما يقوي صلته بالإله
- يستجلي منه ما يشاهد به عظمة الإله، جمال الإله، كرم الإله، الفضل الإلهي -سبحانه وتعالى-، عزة الإله، قُدسية الإله -جل جلاله-.
تصير الأشياء كلها تذكره كلما هب النسيم له، كما قال سيّدنا الإمام الحداد عليه رحمة الله، فصارت النسائم الحسية تُذكِّر بالنسائم المعنوية، والنّسائم المعنوية تُذكِّر بالأمور الربانية العليّة.
يقول: "أهيم بأنفاس النسيم"، "بيِّن أن هُيامه بهبُوب النسيمِ. المرادُ به هنا: العلومُ الإلهية، والمعارف الربانية". وعسى لنا نصيب من هذا الهُيام.
"وإنني بطيب الحمى"، بطيب الحمى، أي: بالشّذى، والنسيم، والعطر، والمسك، والرّائحة الزكية للحمى أتعطر، لا بهذه الأنفاس. يعني قال: "والحالُ أني عاطرٌ بطيبِ الحمَى، لا بالنسائم. الحضرة الجامعة لمعاني الأسماء والصفات"، وذلك دنوّ من الرب يتكرّم به، ينبثق ويتفرّع من سر اصطفائه لمحمد صلى الله عليه وصحبه وسلم.
وكل من تقرّب إلى الرب -جل جلاله- كان قريبًا إلى الجناب النبوي، ويكون التجلي من الحق سبحانه وتعالى بواسطة حبيبه على المستجيبين والملبّين: (يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اسْتَجِيبُوا لِلَّهِ وَلِلرَّسُولِ إِذَا دَعَاكُمْ لِمَا يُحْيِيكُمْ) [الأنفال:24]. وتبدأ معاني الحياة، فالحياة فالحياة! وعمومها ما وصف في الكتاب بالطيّب، قال تعالى: (مَنْ عَمِلَ صَالِحًا مِّن ذَكَرٍ أَوْ أُنثَىٰ وَهُوَ مُؤْمِنٌ فَلَنُحْيِيَنَّهُ حَيَاةً طَيِّبَةً) [النحل:97]. وهذه الحياة الطيبة شؤونها واسعة، غيوثها صيّبة، ومعانيها متكاثرة، و حياة فوق حياة فوق حياة.
وقال الحبيب علي الحبشي:
أحيا ولكن حياتي *** عند ذكر الوصال
متى متى في حمى *** ليلى نحط الرحال
ننزل على أنس كامل *** في ثخين الظلال
على هنا نشرب إلا *** عذب صافي زلال
سعف الرجال الذي هم *** في الحقيقة رجال
الرجال الموصوفين في كتاب الله بمثل قوله:
- (رِجَالٌ لَّا تُلْهِيهِمْ تِجَارَةٌ وَلَا بَيْعٌ عَن ذِكْرِ اللَّهِ وَإِقَامِ الصَّلَاةِ وَإِيتَاءِ الزَّكَاةِ) [النور:37]،
- وقوله: (رِجَالٌ صَدَقُوا مَا عَاهَدُوا اللَّهَ عَلَيْهِ ۖ) [الأحزاب:23].
يقول: "وإنّي *** بطيب الحِمى لا بالنسائم عاطر"، قال: عطري من خلال طيب الحمى. وقد جعل الله -سبحانه وتعالى- لحضرة المصطفى في حسه ومعناه أطيب الطيب. وكما جاءنا في البخاري جاءت أم سليم -عليها رضوان الله- لمّا ينام عندها في القيلولة، أيّام الحر، أيّام الصيف في المدينة، يعرق ﷺ، فتأتي تسلت العرق منه، تجمّعه في قارورة، فانتبه يومًا وهي تسلت، قال: ما تصنعين يا أم سليم؟ قالت: عرقك يا رسول الله، نتطيّب به، و نرجو بركته لصبياننا، فقال: أصبتِ. وجاء في رواية قالت: وهو عندنا أطيب الطيب. جاء في رواية قالت: نخلط به طيبنا، معهم طيب يخلطوا له قليل من العرق النبوي يحسن ريحته ويزداد طيبه. الله أكبر!
فكان مُجلَى الطيب، حتّى أنّه إذا تكلّم رُئِي كالنور يخرج من ثناياه، وكأنّ المسك يخرج من فيه، وإذا مرّ بطريق عُرف من طيبه أنّه قد مرّ فيه ﷺ، حتّى أنّ الذي يريد أن يتبعه بعد ما مشى بقليل قد يتمكن من معرفة أين لف في الطريق من خلال الريح، يمشي ويزداد في الشق ذا، فكان الريح موجود، مشى من هنا أو من الشق ذا يروح فيه، ويتتبع عَرْفَه أين مشى صلى الله عليه وعلى آله وسلم.
وإنه ليمر على الصبيان يلعبون فيضع يده على رؤوس بعضهم، فيميَّز طيلة اليوم بين الصبيان من رائحة رأسه الطيبة يكون أثر اليد النبوية، فيميَّز الصبيان من باقي الأطفال من طيب رأسه لمّا وضع النبي ﷺ عليه يده.
وجاء في السِّيرة أنّه عرق يومًا في مكان في المدينة فقام، فبقي الطّيب سنة في المكان الذي عَرق فيه، بقي الطيب فيه سنة! هل أحد عنده طيب يبقى سنة؟.. سبحان الله! يَتْغَلَّون في الأطياب الحسية وكل ساعة يجيبون لهم كذا لها صورة، أو قارورة معينة، وغطاء معين، ويزيدون القيمة حقه، وهو كذا، وإذا بعد نصف ساعة ما عاد حد هو ما يبقى له أثر. لا إله إلا الله…
وكان لهم أطياب حسنة، وكان عندنا هالأشياء بيعرفون من خلال ماء الورد هذا الذي يعاملونه، ويبقى عندنا أسبوع، يبقى طيبه في اليد أسبوع -لا إله إلا الله- و لكن لما تطوّر الآن ما عاد أسبوع، فلوس أكثر والعطر أقل وأخسر وهكذا..
وكان شأنه ﷺ هذا في حسّه، فكيف بالطّيب الفائح من معناه؟.. ويروى أن بعض ملائكة السماء تمر عليهم أحيانًا رائحة زكية طيبة، فيقولوا: ما هذا؟ فيقال: مجلس في الأرض صُلِّيَ فيه على محمد ﷺ، تفوح منه رائحة من الصلاة عليه صلى الله عليه وعلى آله وصحبه وسلم. فما أعجب طيبه!
فمن هنا وهذا الحمى الكريم يتطيّب ويتعطّر به أهل القرب.
قال: "وإنني *** بطيب الحمى لا بالنسائم عاطر"، "وحاصل المعنى: أن هيامَه بالعلوم الربانية، وهي الحقيقة. فهي التي هام بها عشقاً لها في تطلبها، ومع ذلكَ فهو عاطرٌ بطيب الحمى"، وهو ما يسري إليه من الأوصاف ومعناها، ممّا يتّصف به، ممّا يتأهل للاتصاف به، وما ينكشف له من سر معانيها. وكلّه طيب معنوي تطيب به القلوب والأرواح.
اللهم طيِّبنا وألحقنا بالطيبين، حتى تجعلنا فيمن تتوفاهم الملائكة طيّبين يقولون سلام عليكم، ادخلوا الجنة. ويقولون: (الَّذِينَ تَتَوَفَّاهُمُ الْمَلَائِكَةُ طَيِّبِينَ ۙ يَقُولُونَ سَلَامٌ عَلَيْكُمُ) [النحل:32]. إذا فاح الطيب لهم، الملائكة معهم يسلمون على صاحب هذا العطر وهذا الطيب المعنوي. اللهم صل على محمد.
قال: "وأُظهِرُ أني قد ظفرت بعلمهم"، "أي: أظهر لغيري" ممن لم يصل إلى هذه الأذواق والمشاهدات "أني ظفِرتُ بعلمهم. أي: بعلم علماء الظاهر."
يقول: "وقلبي بذات الخال لا العلم ظافر". أن ظفري ما هو بمجرد العلم، فهم فرحانين بعلمهم هذا الظاهر، ويَرَونه كل شيء وعلى قدر غرور أحدهم يرى أنّه ما وراء إدراكه هذا إدراك، وما فوق علمه هذا علم، هذا أكبر شيء هو عنده علم، مسكين! وهو ينطبق عليه قول الحديث: "فإذا ظنّ أنّه عَلِم فقد جهل". إذا ظنّ أنه علم فقد جهل؛ وقع في الجهل، لأنه إذا ازداد علمه صحيحًا بحقيقةٍ، يزداد علمه بجهله، فما يدّعي العلم. وعندنا عاب الرحمن على سيّدنا الكليم، كليم الله موسى لمّا سُئل: هل يوجد أعلم منك على وجه الأرض؟ قال: لا. فعاب الله عليه ذلك وعاتبه، قال: عبدنا الخضر، وكلّفه رحلة يروح فيها من مكان لمكان حتى يلتقي بالخضر.
إذاً؛:
- فأصحاب العلم الصّحيح الحقيقي، كلّما زاد علمهم، اعترفوا بجهلهم، وازداد خضوعهم وتذلّلهم للرب.
- وأصحاب العلم الصّوري الظاهري، كلّما ازداد علمه زاد فيه نفخة وشبحة، ورأى نفسه أعلم النّاس.
حتى ذكر ﷺ طوائف في الأمّة يقولون: "قد قرأنا فمن أقرأ منا؟ قد علمنا فمن أعلم منا؟" يعيب عليهم ﷺ هذه المسلك. لا إله إلا الله..
يقول: هذا يظهِر لهم أن بأيش سرورك وظَفرك؟ يقول علمنا ما علمت، ويظنون أنهم هم هذا غايتهم عندهم، ويرون هذا هو العلم النهائي، وهي كلها مبادئ وهذا تكون في الأطراف وفي القشور، والعلم وراء ذلك.
لكن يقول لنا: ظَفَري ما هو بهذا العلم الذي هم رأوه أنه الغاية، ولكن قلبي ظافر بذات الخال؛ يعني: الرّتبة الرّفيعة في المعرفة الخاصّة بالحقّ -تبارك وتعالى- وسمّاها ذات الخال.
وفسّر عندكم "الخال" بالثّوب الناعم، و بالنكتة السوداء التي تكون في الوجه؛ خال، وأيضاً اشتقاق من أنّ الله تعالى أجل، وأكبر، وأعظم، وأقدس بيت في الأرض الكعبة المُشرّفة، وجعل فيها حجر أسود؛ خال، يسمونها ذات الخال أيضًا الكعبة المشرفة. ومن ثم يستعيرون ذات الخال لكل رتبة شريفة رفيعة عظيمة، يقولون لها ذات الخال. مثل أنّ أرفع، وأشرف بيوت في الأرض، الكعبة المشرّفة، وكذلك الرّتب والمنازل الرّفيعة يسمّونها ذات الخال، كما أنّ هذه ذات الخال أشرف بيت على ظهر الأرض، (إِنَّ أَوَّلَ بَيْتٍ وُضِعَ لِلنَّاسِ لَلَّذِي بِبَكَّةَ مُبَارَكًا وَهُدًى لِّلْعَالَمِينَ * فِيهِ آيَاتٌ بَيِّنَاتٌ مَّقَامُ إِبْرَاهِيمَ) [آل عمران:96-97]. صلوات الله عليهم. ولما ذكر الإمام الحداد مجيئه إلى مكة ذكر ذات الخال يعني بها الكعبة المشرفة.
قال: "كنّى بذات الخال عن أعلى مراتب العلم، والحال أنه قد ظفرت بأعلى مراتب العلم وهو حق اليقين، ولب العلم الذي ابتهجت به قلوب الأولياء العارفين، بما يَرِدُ إليها من جهة العوالم الروحانية والعجائب الملكوتية". اللهم اقسم لنا بنصيب من هذا العلم النافع والمعرفة، والرقي بعلم اليقين إلى عين اليقين إلى حق اليقين برحمتك يا أرحم الراحمين.
قال: "لا يناله إلا أهل التمكين وأرباب الكمال، ومن انتهى إليه شاهد الأسرار الغيبية من الحضرة الإلهية". وجاهد تشاهد، (وَالَّذِينَ جَاهَدُوا فِينَا لَنَهْدِيَنَّهُمْ سُبُلَنَا) [العنكبوت:69].
قال:
فإذا انتهيتَ إلى الذي عرّفتهُ *** شاهدتَ من عرشٍ إلى بهموتِ
يتّصل بصيرتك بشهود عجائب صنع الله من فوق السّماوات السبع العرش إلى البهموت، البهموت: الحوت في البحر، يعني من أعلى أعالي هذا الكون إلى أسفل مكان، من العرش إلى الفرش، إلى البهموت إلى الحوت الذي يكون في أسفل الأرض في البحر.
فهكذا يقول عن الشّهود:
………………………. *** شاهدتَ من عرشٍ إلى بهموتِ
ورأيت سِرًّا ……………….
عجائب هنا تجيء من حقائق المعاني للكتاب والسنة، لكن التعبير عنها يصعب، لهذا رأى الممكنّون من أرباب المعرفة والعلم كتم ذلك، يقول:
فإذا انتهيتَ إلى الذي عرّفتُه *** شاهدتَ من عرشٍ إلى بهموتِ
ورأيتَ سراً لم يُجِزْ إفشاءهُ *** أهلُ الهدى والكشفِ والتثبيتِ
لأنّه كما قال سيّدنا ابن مسعود: ما حدّث أحد قومًا بحديث لا تبلغه عقولهم إلّا كان فتنةً عليهم.
ولهذا قال:
إِنَّا لَنَعْلَمُهُ وَلَمْ نَحْظَ بِهِ *** ذَوْقاً لِمَا مَعْنَا مِنَ التَّشْتِيتِ
وَالشَّوْقُ مِنَّا لَا يَزَالُ مُنَازِعاً *** وَالْأَمْرُ بِالتَّقدِيرِ وَالتَّوْقِيتِ
يَا لَيْتَنِي قَدْ غِبْتُ عَنْ هَذَا الْوَرَى *** وَدُعِيتُ بِالْمُسْتَغْرَقِ الْمَبْهُوتِ
ماذا عليَّ من الأنام وقولهم *** إن أدعَ بالمحبوب أو الممقوت
حسبي إلهي والذي يختاره *** الله أكبر، غار بحر الحوت
[شرحُ البيت التاسع والعِشْرين]
ثم قال الناظم نفع الله به:
ودونك شَرْعي إن هَويتَ طرِيقَتِي *** فإني مدَى عُمْرِي إلى الحبِّ سَائِرُ
أي: خُذ طريقتي وتمسّكْ بها، إن هويت طريقتي التي أنا عليها. وقد بينها بقوله: "فإني مدى عمري"، الخ. وما هي إلا المحبّةَ، فهي طريقة العارفينَ، أهل العناية والتمكين، لأنها أصل المقامات التي منها أظهر الوجُود، كما ورد في بعض الكتب الإلهية: "كنتُ كنزاً مخفياً لم أُعرف، فأحببتُ أن أعرف، فخلقتُ الخلقَ وتعرفت إليهم، فبي عرفوني". والمحبة دينُ أهل الله.
ولسُلطان العاشقين ابن الفارض:
وعن مذهبي في الحبِّ ما لي مذهبٌ *** وإن ملتُ يومًا عنه فارَقْتُ مِلّتي
[شرحُ البيت الثلاثين]
ثم قال الناظم نفع الله به:
وكُن هكَذا مثلي فقيراً عن السّوَى *** عن نفسِه تأتيكَ منْكَ الذّخائِرُ
الخطابُ لمن يريد بلوغ المرام، والوصول إلى هذا المقام. أي: إذا أردت الوصول إلى ما وصلْتَ إليه فكن فقيراً من السِّوى. و"السّوَى": الغَيرُ. وهو عند العارفين عبارةٌ عن كُلّ ما يشغل عن عبادة الله، ورفضُه واجبٌ عند القومِ.
فالفقير عن السِّوى هو الذي انتفَى حبُّ السِّوى عن قلبِه، فلا قدْرَ له عنده، لأنه صار عادماً له، كالفقير العادِم للمال. فكما أنّ الفقير لا يُطْغيه المالُ لخلوِّ يده عنه، فكذا الفقيرُ من السوى، لا يتعلق قلبه بشيء من السوى، لتخليه عن كل شاغل عن الله تعالى. فلا يرى إلا بالله، ولا يبصر إلا بالله. وهذا مقامُ أهل الفناءِ الذين طهرتْ نفوسُهم عن رجس الحظوظِ والميل إلى الشهوات، وصرَفُوا نفوسهم عن كل شاغلٍ عن الله.
وفيهم قال القائل:
ورفضُ السِّوَى فرضٌ على القوم رفضُه *** وكلّ كمالٍ باتبَاع الفريضَةِ
ولسيدي القطب الحداد في الحثِّ على تفريغِ القلبِ عن الشواغل:
وتطهيره سبْعاً عن الميلِ للسِّوَى *** بماءِ الفنَا بالله عنهُ وغَيبةِ
يقول عليه رحمة الله تبارك وتعالى:
"ودونك شرعي…."؛ أي: طريقتي ومسلكي الذي اخترته مما دعاني إليه الحق والرسول من الأقوال والأفعال والمعاملات التي أدركت أن روحها حضوري مع الله تعالى، وحبي للإله سبحانه وتعالى، وتذللي بين يديه، فاخترت الحب والغرام طريقة، فأنا هائم بذلك.
فدونك شرعي إذا أردت "إن هويت طريقتي *** فإني مدى عمري إلى الحبِّ سَائِرُ"؛ على المحبة. كما كان يقول الشيخ بامخرمة -عليه رحمة الله تبارك وتعالى-:
على العشقه الله براني *** وسقَّى بِمَاها عظامي
ولِلحُبّ ربي خلقني *** وفي الحب موت الكرامِ
وعندما ذكر هذه المحبة، قال:
على ذا بنيت أمر ديني *** وكثّرت فيه الكلامِ
الأمر أمر المحبة، قال الإمام الحداد:
محبتهم ديني وفرضي وسُنّتي *** وعروتي الوثقى وأفضل ما عندي
يقول إذا تريد الرقي والحظي بهذا.. خذ في الطريق وامسك، تعلق بالهوى وبالتعلق بأهل السر يبدو لك السر، في الطريق التي ساروا عليها السلف.. سِر. "أي: خُذ طريقتي وتمسّكْ بها، إن هويت طريقتي التي أنا عليها. وقد بينها بقوله: "فإني مدى عمري" " فإني مدَى عُمْرِي إلى الحبِّ سَائِرُ "، ما هي إلا المحبة، هي طريقة العارفين.
يقول الشيخ بامخرمة عندما يذكر ما وصل إليه من شهود الجلال والجمال، يقول:
حبيبي رماني بعينيه *** وأنا كنت ما احسبه رامي
وحق النبي ما جعلته *** من العين يرمي السهامي
وثر قُرّة العين يرمي *** من لحاظ عينه مرامي
وثر قُرّة العين؛ وإذا بـ قٌرّة العين..
مرامي يصبن المعامد *** ومن اصبنه أمسى يُهامي
من أصابه أمسى في الهيام..
ويمسي في الليل ساهر *** يمضّيه زامًا بزامي
أي ساعة بساعة…
ترانا كذا يا اهل ودي *** تلبّست ثوب الغرامي
لبسته وخلاني اسبح *** بلا عقل في بحر طامي
وأمّا من يدّعي المحبة وهو متماسك ومتمالك ولا يهيم ولا يغيب عن الوجود… خلّوه هذا ما هو صاحب المحبة.
ومن حَب وأخفى المحبة *** وجا في الهوى بايكامي
وعاده بايكامي يقول كم معك وكم معك وكم عندي…
تبريت يا ناس منه *** ……………….
هذا الذي ما عنده ذوق ذا، إنما يدعيها هكذا المحبة دعوى، ما يصل. يقول:
تبريت يا ناس منه *** ولو كان شيخي إمامي
ولو مر عندي وسلَّم *** فلا أرد عليه السلام
ولو بات ليله يصلي *** وشفته يطيل القيام
ولا له في الحب مشرب *** فلا أعدُّه إلا حرامي
على ذا بنيت أمر ديني *** وكثّرت فيه الكلام
ولو لامني فيه لايم *** تصيقعت عند الملام
أصقع؛ أصم ما أسمع…
وقلت ألف لا يا عذولي *** ترانا على ذا دوامي
أنا لاتراجع ولا ارجع *** ولو عشت فيه ألف عام
حتى ألف سنة بتكرر كلامك ما أرجع أبداً..
على العشقة الله براني *** وسقَّى بِمَاها عظامي
وللحب ربي خلقني *** وفي الحب موت الكرام
يا الله بذرة من محبة الله *** نفنى بها عن كل ما سوى الله
يقول:
إذا رمت من نجدٍ دنواً تزاحمت *** عليّ أمورٌ تقتضي البُعدَ عن نجد
وعن جيرةِ الحيِّ الذي حَلَّ حُبُّهُمْ *** فؤادي فألهاني عنِ القبل والبَعدِ
محبتُهم ديني وفرضي وسنتي *** وعروتيَ الوثقى وأفضلُ ما عندي
وفي قُربِهِم أُنسي ورَوْحي وراحتي *** ولستُ بشيءٍ إن بلوني بالبعدِ
ومهما سَرَتْ لي نَسْمَةٌ من رُبوعِهِمْ *** يُخالطُها عَرْفُ البشامات والرندِ
وريحُ الخزامى والأراك تهيجُ بي *** شجوناً تَدَعْني لا أُعيدُ ولا أُبدِي
فما حيلتي والعمرُ ولّى ولم أنل *** لِقاهم وما للعمرِ إن فاتَ من رَدِّ
وما أستلذُّ العيشَ في البعدِ عنهمُ *** ولو كانَ مُلكُ الأرضِ في قبضةِ اليدِ
وإني لأرجو قربَهُم ووصالَهُم *** وإن طالتِ الأيامُ ما لم أَرِدْ لَحْدي
فيا سَعدُ سِر بِي نحوهمْ وابُلغنّهمْ *** بأني على حِفظِ المودةِ والعهدِ
ونبِئُهُم عن لوعتي وصبابتي *** وكتمي لأسرارِ الهوى غايةَ الجهدِ
وأني مُقيمٌ في مواطنِ غربةٍ *** على كثرةِ الأُلَّافِ في جانبٍ وَحْدِي
قريبٌ بعيدٌ كائنٌ غيرُ كائنٍ *** وحيدٌ فريدٌ في طريقي وفي قصدي
أمورٌ وأحوالٌ تَعِنُّ ولم أجِد *** عليها مُعِينًا وهي تَقعُدُ بالفردِ
فكُنْ لي شفيعاً عندَهُمْ فلعلَّهُمْ *** يَمُنُّوا بجَمعِ الشملِ فضلاً على العبدِ
فيا ليتَ شِعري هل أزورُ خيامَهُم *** سُحَيْراً على حالِ المسرةِ والوُدِّ
وهل تَجْمَعُ الأيامُ بيني وبينهم *** وهل بعد هذا البُعدِ يا سعد ما يُجْدِي
أُرجِّي ولي ظنَّ جميلٌ بخالقي *** تعالى عظيمُ الشانِ مستوجبُ الحمدِ
إلهُ البرايا كلِّها ومليكُها *** تنزَّهَ عن شِبهٍ ومثلٍ وعن نِدِّ
لا إله إلا الله.
يقول عليه رحمة الله:
ودونك شَرْعي إن هَويتَ طرِيقَتِي *** فإني مدَى عُمْرِي إلى الحبِّ سَائِرُ
"فهي طريقة العارفينَ، أهل العناية والتمكين، لأنها أصل المقامات التي منها أظهر" الله "الوجُود"، "فأحببتُ أن أعرف فبي عرفوني". لولا الرحمة والمحبة ما خلق أحداً سبحانه وتعالى، والتكوين وإخراجه من العدم هذا رحمة وهذا محبة منه سبحانه وتعالى.
يقول:
وعن مذهبي في الحب ما لي مذهبُ *** وإن ملتُ يوماً عنه فارقتُ ملّتي
يعني ما أذهب إلى غيره، وإن ملت يوماً عنه فارقت ملتي؛ خرجت منه الطريقة كلها.
وكُنْ هكذا مثلي فقيراً عنِ السِّوَى *** وعنْ نفسِهِ……….
يعني غائباً. قال: "الخطابُ لمن يريد بلوغ المرام، والوصول إلى هذا المقام. إذا أردت الوصول إلى ما وصلْت إليه فكن فقيراً من السِّوى، و"السّوَى": الغَيرُ. قال: "المراد عند العارفين السوى والغير كل ما يشغل عن عبادة الله سبحانه وتعالى وعن الجمعية على الله تعالى، هذا غير"، أي شيء كان يقطعك ويشغلك عن الحضور مع ربك، هذا غير وهذا سوى. فالفقير عن السوى قال: "هو الذي انتفَى حبُّ السِّوى عن قلبِه، فلا قدْرَ له عنده، لأنه صار عادماً له، كالفقير العادِم للمال. فكما أنّ الفقير لا يُطْغيه المالُ لخلوِّ يده عنه، فكذا الفقيرُ من السوى، لا يتعلق قلبه بشيء من السوى، لتخليه عن كل شاغل عن الله تعالى." فحينئذ.. "لا يرى إلا بالله، ولا يبصر إلا بالله."
قال: "هذا مقام أهل الفناء الذين طهّرت نفوسهم عن رجس الحظوظ والميل للشهوات، وصرفوا نفوسهم عن كل شاغل عن الله سبحانه وتعالى".
ورفضُ السِّوَى فرضٌ على القومِ رفضُهُ *** وكلُّ كمالٍ باتباعِ الفريضةِ
بتطهير الباطن، يقول سيدنا الإمام الحداد:
وتطهيره سبعاً عن الميل للسوى *** بماء الفناء بالله عنه وغيبته
غيبة عن أسرها لك، عن قطعها إياك، عن ميلك إليها… لا تجعلها قاطعة لك هذه الموجودات والزخارف التي فيها والإغراءات والإغواءات وما فيها، كن حاضر مع الرب جل جلاله وكن مؤثر له عن كل شيء سواه. تصبح وتبيت والله أحب إليك من كل شيء، الله ورسوله أحب إليك مما سواهما.
رضي الله عنكم، إلى أن قال:
وقوله: "ومن نفسه"، إلخ. معطوفٌ على قوله "فقيرًا عن السوى"، بإعادة الخافض. أي: وكن هكذا فقيراً عن السِّوى، وعن نفسه، أي: نفس الفقير.
وفقدُ النفس هو محْو كونها عرفت أو هُذبت، حتى يمتحي عنها كلّ حَظّ نفساني وبشري، فلا يبقى فيها إلا معدنُ التوحيد الخالص، والافتقار المحْض، وفناها في مكونها الحكيم الخبير.
وقوله: "تأتيكَ منك الذخائر" جوابُ الأمر. وهو قوله "هكذا"، بإشباع الياء للوزن. أي: وإن كنت مثلي فقيراً، الخ. تأتيك الذخائر من نفسِكَ. فالفقرُ المذكور هو سببٌ لإتيانِ الذخائر لكَ من نفسِك. وإنما كانت الذخائر تأتي للشخْصِ من نفسه؛ لأن ذلك من فعله وكسبِهِ، وإن كانت أفعالُه مخلوقةً لله تعالَى. إذ الفعلُ ينسب إلى الشخْصِ كسبًا، والإنسان هو في نفسه لا يأتيه شيءٌ إلا من نفسه، كما قال تعالى: (مَّنِ اهْتَدَىٰ فَإِنَّمَا يَهْتَدِي لِنَفْسِهِ ۖ) [الإسراء:15].
اللهم اهدنا بهداك.
"... *** ومن نفسه تأتيك منك الذخائر"
فقيرًا عن السوى وعن نفسه؛ يعني: إذا غبت ولم يكن عندك شيء من الميل إلى السوى ولا إلى نفسك، "تأتيك منك الذخائر"؛ يأتي تجلّي الحق عليك بواسطة الروح الذي نفخه فيك (وَنَفَخْتُ فِيهِ مِن رُّوحِي) [الحجر:29]، يقول جل جلاله. وإذا بك اهتديت لنفسك: (مَّنْ عَمِلَ صَالِحًا فَلِنَفْسِهِ ۖ وَمَنْ أَسَاءَ فَعَلَيْهَا) [فصلت:46]، (وَمَن ضَلَّ فَإِنَّمَا يَضِلُّ عَلَيْهَا) [الإسراء:15]. فنفسك مجلَى، مجلَى كبير من مجالي إرادة الله تبارك وتعالى، وتسييره للعباد وتدبير شؤونهم. فكما قال ﷺ: "قلب ابن آدم بين إصبعين من أصابع الرحمن، إن شاء أقامه وإن شاء أزاغه". فيا رب قوِّم قلوبنا وثبت قلوبنا ونوِّر قلوبنا وطهِّر قلوبنا واملأها بأنوار المعرفة بك يا أرحم الراحمين.
فإذًا؛ تهتدي لنفسك وتفيض عليك الفائضات مما حشاك الله به عندما خاطبك في عالم الأرواح بقوله: (أَلَسْتُ بِرَبِّكُمْ ۖ) وقلتَ: بلى. فهذا كله مخزون مكنون فيك إذا تطهّرت وتنقّيت وصدقت مع الرحمن، انكشف لك ما خبأ فيك من هذا الفضل ومن هذا الإحسان الرباني، ولم يزل يواصلك بكشف هذه المخبوءات في نفسك.
قال: "وكُنْ هكذا مثلي فقيراً عنِ السِّوَى *** وعنْ نفسِهِ………."، "وكن هكذا فقيراً عن السِّوى" غائباً ومائلاً عن السوى "وعن نفسه، أي: نفس الفقير."، وفقدُ النفس هو محْو كونها عرفت أو هُذبت حتى يمتحي عنها كلّ حَظّ نفساني وبشري، فلا يبقى فيها إلا معدنُ التوحيد الخالص، والافتقار المحْض، وفناها في مكونها الحكيم الخبير."
وكان بعض أهل الاهتمام بالدعوة إلى الله وإرشاد الخَلق وأداء حق هذه الأمانة، جاءهم بعض الذين خرج لمدة معينة في الدعوة، ورجع إلى الشيخ يقول له: قد عرفت، خلاص عرفتها، بروح بنشرها في بلادي. فقال الشيخ: لا، عادها، نريدك تخرج مدة كذا. خرج مدة، لما خرج هذه المدة رجع ثاني مرة وهو يبكي، ما لك؟ قال: ما عرفت من هذه الدعوة شيء! قال: الحمد لله، الآن بدأت تعرف الدعوة؛ بسم الله، أنت جئت هنا أول قلت قد عرفت وأنا بروح بقيم الدعوة… عرفت أنك عادك ما عرفت، لو عرفت أيش هذه الدعوة ومعناها بيكون كلامك ثاني، وتعرف إن هذه حملها النبوة والرسالة.. كيف عرفتها؟ كيف على أي أساس! عسى يبين لك من مهمّاتك وواجباتك نحوها ما يقرّبك منهم، وهي أكبر منك.. لما قال ما عرفت. قال: الحمد لله، رجع الشيخ الآن فرح وقال: بدأت تعرف. لا إله إلا الله.
يقول: "فقيراً عن السوى *** وعن نفسه"
"حتى يمتحي عنها كلّ حَظّ نفساني وبشري، فلا يبقى فيها إلا معدنُ التوحيد الخالص، والافتقار المحْض، وفناها في مكونها الحكيم الخبير."
يقول: "تأتيك منك الذخائر". لمّا أصابهم الاختبار والامتحان بنصر الكفار عليهم في أُحُد: (أَوَلَمَّا أَصَابَتْكُم مُّصِيبَةٌ قَدْ أَصَبْتُم مِّثْلَيْهَا قُلْتُمْ أَنَّىٰ هَٰذَا ۖ قُلْ هُوَ مِنْ عِندِ أَنفُسِكُمْ) [آل عمران:165]. كيف من عند أنفسكم؟ خالفتم أمر نبيكم وتريدون تنتصرون! هذا من عندكم جاء، الهزيمة جاءت من عندكم، (قُلْ هُوَ مِنْ عِندِ أَنفُسِكُمْ). لا إله إلا الله، الأمر راجع إلى غرائب هذه النفس وما حشا الله تعالى فيها، فإن أطاعت أظهر ما خبّأ فيها من كريم وعظيم تجليه وواسع أياديه سبحانه وتعالى.
"تأتيك منك الذخائر"
دواؤك منك وما تشعر *** وداؤك فيك وما تبصر
وتزعم أنك جرم صغير *** وفيك انطوى العالم الأكبر
"تأتيك منك الذخائر"، "جوابُ الأمر. وهو قوله "هكذا"، بإشباع الياء للوزن: وإن كنت مثلي فقيراً تأتيك الذخائر من نفسك"، أي: "مما حشا الله فيها وتجلى عليها. فالفقر المذكور سبب لإتيان الذخائر لك من نفسك. وما كانت تأتي للشخص من نفسه إلا لأن ذلك من فعله وكسبه وإن كانت أفعاله مخلوقة لله تعالى". الفعل يُنسب للشخص كسبًا لا خلقًا، الخلق لله والكسب لنا: (لَهَا مَا كَسَبَتْ وَعَلَيْهَا مَا اكْتَسَبَتْ) [البقرة:286]. والإنسان في نفسه لا يأتيه شيء إلا من نفسه: (مَّنِ اهْتَدَىٰ فَإِنَّمَا يَهْتَدِي لِنَفْسِهِ ۖ وَمَن ضَلَّ فَإِنَّمَا يَضِلُّ عَلَيْهَا ۚ) [الإسراء:15].
ثبتنا الله ورعانا، والعفو منكم تأخرنا عليكم وطوّلنا عليكم. الله يجمعنا في كل مقام كريم، ويبسط لنا بساط الجود والتكريم.
28 مُحرَّم 1448