شرح قصيدة (لذاتي بذاتي) - 8 | من قوله: وماذا عسى نفسي تعادل في الورى

للاستماع إلى الدرس

الدرس الثامن للعلامة الحبيب عمر بن محمد بن حفيظ في كتاب: شرح قصيدة الشيخ عبدالغني النابلسي: (لذاتي بذاتي) للحبيب أحمد بن أبي بكر بن سميط.
مساء السبت 26 محرم 1448هـ

ضمن دروس الدورة الصيفية الثالثة بمعهد الرحمة بالأردن.

وماذا عسَى نفسي تعادِلُ في الورَى *** فمن أجْلِها عن مَالكي أنا نَافرُ
فررتُ به منِّي إليه لأنني *** تحققت أن لا غير والأمرُ ظاهرُ
فكان اضْطراري كونُ قلبي موحِّداً *** له وبِه لا بي أنَا اليوم شَاكِرُ 

من أبرز ما جاء الدرس:

  • تزكية النفوس وثمراتها في مراتب الدنيا والآخرة
  • مراتب الكمال الإنساني وانتهائها إلى سيد المرسلين
  • احتقار حظوظ النفس في جنب الإقبال على مالك الملوك
  • حقيقة الفرار إلى الله والفرار به من النفس وشهواتها
  • التحقق بأنه لا فاعل ولا مقصود على الحقيقة سوى الله
  • المعنى الصحيح لمقام وحدة الوجود عند العارفين
  • مقام الاضطرار والالتجاء التام وارتباطه بسر الخلافة في الأرض
  • مراتب التوحيد الأربعة
  • شهود الصديقين للوحدة وارتقاؤهم في مقامات اليقين
  • معنى: "وبه لا بي أنا اليوم شاكر" ونسبة التوفيق لله

نص الدرس مكتوب:

 

بسم الله الرحمن الرحيم

 الحمد لله رب العالمين، وصلى الله وسلم وبارك على النبي الأسعد الكريم سيدنا محمد، وعلى آله وصحبه وسلم.

قال المصنف رحمه الله تعالى ونفعنا الله بعلومه وعلومكم في الدارين آمين، ورضي الله تعالى عنكم، 

ثم قال رضي الله عنه:

 

وماذا عسَى نفسي تعادِلُ في الورَى *** فمن أجْلِها عن مَالكي أنا نَافرُ

 

تضمّن هذا البيتُ اتهامَ النفسِ وذمها، وهذا شأنُ أرباب القلوب. 

  • لأن الرضَا عن النفس أصل جميع الصفات المذمومة.
  • وعدمُ الرضا عنها أصلُ الصفات المحمودة. 

وهذا معنى قوله:

"وماذا عسَى نفسي تعادِلُ في الورى"، فهو يتَّهِمُها بما لها من الصفات المذمومة.

 وقوله: "فمن أجلها" إلى آخره، أي: فمن أجل النفس الأمارة بالسوء أنا نافرٌ عن مالكي، أي: عن طاعة مالكي، ففيه حذفٌ مضافٍ، وذلك لأن النفسَ طبعُها الميلُ لكُل لذيذ، والنفرةُ عن كل كَريه.

ويوضحُ هذا المطلب ما في "شرح الرسالة" لشيخ الإسلام ونص عبارته: "فالنفسُ بطبعها تميلُ إلى الدنيا، لكونها لا تعرف حسناً غيرها، فإذا عرفَت نقصَها، وحَجْبها عن الخيرات؛ نفرت عنها. فالذي كان لذيذاً لها صار كريهاً، وطبعها لم يتغير، وإنما تغير ظنُّه باللذيذ والكريه. 

وكذلك من نظَر إلى الأعمال الصالحة، ومشقّة القيام بها، يجد نفسَه نافرةً عنها، فإذا عرف ما يترتب عليها من الفوائد؛ مال إليها، وكره تركها. فالذي كان كارهاً له صار مائلاً إليه، والطبع لم يتغيّر"، انتهى بلفظه ومعناه.

وهذا ظاهر كلام الناظم، ولذا كان جهادُ النفس هو الجهادَ الأكبر، وقد عُدّت من أعداء الإنسان، وقد أشبع الصوفية الكلام على النفس، وبيّنوا كيفية مجاهدة النفس، حتى تنتفي عن العبد الأخلاقُ المذمومة، ويتحلّى بالصفات المحمودة. 

 

ما شاء الله لا قوة إلا بالله. 

الحمد لله الذي يُزكي النفوس كما شاء جلَّ جلاله فيرفعها من حضيض الهوى والدنيا إلى يفاعِ ومرتفع الهدى والعلياء، ويُذيقها وهي في الدنيا من ملذَّات قُربه وحبه ما يضيق عن شرحه جميع الألفاظ، وما يُستحقر أمامه جميع لذات الدنيا من أولها إلى آخرها، فكيف بما أعدَّ وخبأ لهم من عطائه الوسيع، ومَنِّه البديع جلَّ جلاله وتعالى في علاه.

فيا سعد من زكَّى نفسه، وله الفلاح بنصِّ قسم ربنا وحليفه في كتابه العزيز: (قَدْ أَفْلَحَ مَن زَكَّاهَا * وَقَدْ خَابَ مَن دَسَّاهَا) [الشمس:9-10]. فالخيبة واقعة على من دسَّوا أنفسهم بارتضاء الذنوب والمعاصي وإيثارها، وما غلبهم من وَهم وظن أن فيها ملذَّات وحُسن، فانقطعوا عن حقيقة الملذات والحسن إلى صورها المُزرية، الهاوية بأصحابها إلى الهاوية والعياذ بالله تبارك وتعالى. فلهم خيبات في الدنيا، وخيبات عند الموت، وخيبات في البرازخ، وخيبات يوم القيامة، وكمال الخيبة في النار الموقدة التي تتطلع على الأفئدة.

(وَقَدْ خَابَ مَن دَسَّاهَا)، والفلاح لمن زكَّى هذه النفس. ولمَّا عاملوا الله تبارك وتعالى بعد أن عرفوا عظمته وعظمة الرجوع إليه، وأن الدنيا وما فيها مجرد اختبار، يختبر من يأوي ويلوي إليها، ومن يستقيم على حبه سبحانه وتعالى ويثبُت على ذلك ويُعرِضُ عنها ويُقبِل على ربه سبحانه وتعالى؛ علِمُوا ذلك، فمن أجله نفروا من نفوسهم إليه، وفروا من نفوسهم إليه، وآثروه على أنفسهم، وقدموا أنفسهم له جلَّ جلاله. فعاملهم بما تقتضيه رحمته، ورحمته لا يُحاط بها، وبما يقتضيه كرمه، وكرمه لا يُحاط به، وبما يقتضيه فضلُه، وفضله لا حدَّ له ولا غاية، فأدركوا في الدنيا قبل الآخرة ما لا عين رأت، ولا أذن سمعت، ولا خطر على قلب بشر، (ذَٰلِكَ فَضْلُ اللَّهِ يُؤْتِيهِ مَن يَشَاءُ) [الجمعة:4].

نعم، عادَوا أنفسهم من أجله، وفرَّوا من أنفسهم إليه، وخالفوا نفوسهم طلباً لموافقة أمره ومرضاته، فزكَّى لهم نفوسهم، ورفعها.. 

  • من الأمَّارة إلى اللوَّامة 
  • ومن اللوَّامة إلى المُلهمة 
  • ومن المُلهمة إلى المُطمئنَّة
  • ومن المُطمئنَّة إلى الراضية 
  • ومن الراضية إلى المَرضية
  • ثم رقَّاهم إلى المراتب الكمالية؛ الكمال الإنساني، والكمال الذي جعله الله تعالى للإنسان.

فالكمال المُطلق له جلَّ جلاله، ثم لكل مخلوق رتبة تسمى كمالاً وله نقص كل مخلوق، حتى للشجرة كمال ولها نقص، وكذلك من غير النباتات، حتى للجمادات والحيوانات، كذلك لها كمال ولها نقص، يكون كله نسبي. الكمال المطلق الواحد فقط فقط فقط هو لله.

والكمال الخَلْقي هذا فيه اتساعات؛ 

  • أعظم هذا الكمال ما تعلَّق بكمال العقلاء من الإنس والجن والملائكة. 
  • وأكمل الكمال فيهم ما تعلَّق بمعرفة الله تبارك وتعالى. 

ذاك الكمال العظيم الواسع ما له غايات، ولكنه مع ذلك كله هو بالنسبة للحق كمال نسبي ليس بمُطلق. وهكذا ينتهي في كمالات في أنبياء الله، وتنتهي إلى أكمل مُكمَّل من البشر: عبد الله المرسل محمد صلى الله عليه واله وصحبه وسلم، جامع الكمالات الإنسانية، وهو المُرتقي في ذُراها، وبعده النبيون صلوات الله عليهم، وبعدهم الصدِّيقون والمُقرَّبون مع الملائكة المُكرَّمين، مع خواص الملائكة؛ خواص البشر مع خواص الملائكة، ثم يفوق خواص البشر على عوام الملائكة بما يخصُّهم به من معرفته سبحانه وتعالى. ويذكر أهل السنة في تفضيل الخلق بدرجاتهم عند الله أن أفضلهم وأعلاهم:

  •  الأنبياء
  • ثم خواص الملائكة
  • ثم خواص البشر بعد الأنبياء وهم الصديقون 
  • ثم عوام الملائكة
  • ثم عوام البشر 

يأتون في الدرجة والرتبة عند الله تبارك وتعالى. فيفوق خواصُّ البشر عوامَّ الملائكة، وعوامُّ الملائكة يفوقون عوامَّ البشر من المؤمنين من غير ما شك.

هذه الكمالات الإنسانية، يرقيَ الله إليها من جاهد نفسه، خالف نفسه، وعاتب نفسه، وحاسب نفسه، وقوّم نفسه، وزكَّى نفسه، وطهَّر نفسه من أجله  -جلَّ جلاله- يرفعه ويُحوِّلها، ما عادها أمارة، ولا عادها لوامة، ولا عادها مجرد مُلهَمة، بل هي فوق ذلك مطمئنة، وفوق الطمأنينة راضية، وفوق الرضا مَرضية، وفوق ذلك كله كاملة يُرقِّيها في مراتب الكمالات الإنسانية، فسبحان رب الكمال المُطلق والذي يُكمِّل من شاء من عباده.

وكان يقول السيد حاتم الأهدل رحمه الله:

يا كُمَّل الوصف كمّلوني *** إني بتكميلكم كَمُلُ

يا من كمل الله لكم الأوصاف ورفعكم في مراتب الكمالات الإنسانية، كمِّلوني.. إني بتكميلكم كمُلُ. وقد شاء الحق تبارك وتعالى أن يجعل هذا التكميل على أيدي الرسل، فما يبلغ أحد غيرهم درجة الكمال إلا بواسطة المرسلين، بدءًا ثم أتباعهم؛ إنما ينتقل إلى الكمال من أتباع أتباعهم على يد أحد من أتباعهم، وينتقل إلى الكمال من أتباع أتباع أتباعهم على يد أحد من أتباع أتباعهم، وهذه سنة الله تبارك وتعالى في هذا الوجود.

ولهذا يقولون: من ربَّى نفسه فلا تتربَّى ولا تتزكَّى ولا تصلح ولا تكمُل! ولكن إذا ربطها بالمُربِّين والمُكمِّلين والمُزكِّين تتأهَّل. أما "من ربَّى نفسه" يقولون لا يتربَّى ولا يُربِّي غيره. وهكذا، كالبذرة التي لم تُدفَن في الأرض ما تنبُت، وان نبتت تنبت يسير ثم تضمحل وتتلاشى ما تكبر ولا يجيء منها ثمر، ولكن إذا دُفنت وتعهَّدها المُسقِّي والمُربِّي لها طلعت شجرة قوية وأثمرت الثمر الطيب.

قال: "وماذا عسَى نفسي تعادِلُ في الورَى"، ماذا تساوي؟ ماذا لها في القدرة؟ ما لها في الإرادة؟ ماذا لها في السعادة؟ ماذا لها في الدرجات؟ هذه النفس بشهواتها ماذا تساوي؟ ماذا تكون؟ أصلها عدم، ومُحتفٌّ بها شهوات إن تبِعتها آلت إلى الجحيم وجهنم. فمن أجل ماذا؟ لأجل هذه النفس أترك السير الجميل للجليل جلَّ جلاله؟! من أجل هذه النفس أنقطع عن رفقة محمد الجميل؟! من أجل هذه النفس أزيغ عن سواء السبيل؟! ما هذه النفس؟ ومن هي حتى تكون بهذا المقام؟ أترك الأغلى والأثمن والأعلى والأجمل والأحسن من شأنها؟! لا، بل من أجله ومن شأنه أقهرها، من أجله ومن شأنه أنفُر عنها، ومن أجله ومن شأنه أُجاهدها (وَالَّذِينَ جَاهَدُوا فِينَا لَنَهْدِيَنَّهُمْ) [العنكبوت:69].

"وماذا عسَى نفسي تعادِلُ في الورَى" حتى من "أجْلِها عن مَالكي أنا نَافرُ؟" أنفرعن إلهي وعن مالكي من شأن أيش؟ لا تُغني عنه، ولا تكفي منه، ولا تسعده في جنة ولا في آخرة، وهو ملك الملوك (بِيَدِهِ مَلَكُوتُ كُلِّ شَيْءٍ) [يس:83]، مُسعِد ومُعطي ومانح وفتَّاح وجميل، أترك هذا من شأن هذه النفس؟ ماذا تساوي هذه النفس حتى أترك هذا الأمر الأكبر الأجلّ من أجلها؟ لا. يقول سيدنا الإمام الحداد عليه رضوان الله:

عزمت شاقطع كل أمرٍ أرى *** في قطعه نيل المقام الكريم

وأرفض الدنيا الغرور التي *** من حبها كان الحجاب مقيم

والنفس والشيطان أَعصيهما *** بقوة الله العلي العظيم

أولّيَ الأكوان ظهرًا ولا *** أرى سوى الله العزيز الحكيم

يا رب هب لي منك حسن اليقين *** وعصمة الصدق وقلبًا سليم

وهِمةً تعلو وصبرًا جميل *** ونور توفيقٍ به أستقيم 

وحسن تأييد وعونًا يدوم *** فإنك الدائم وجودك عميم

أرجوك تعطيني الذي أبتغي *** بمحض فضلك لا بجهدي الذميم

وكانوا يقولون، بيت القصيدة هذا قوله: 

عزمت شاقطع كل أمرٍ أرى *** في قطعه نيل المقام الكريم

 الله أكبر. 

والنفس والشيطان أَعصيهما *** بقوة الله العلي العظيم

يعني ما أقوم أنا بمخالفة النفس والشيطان بنفسي، ولكنه بإمداده وبجوده سبحانه وتعالى.

والنفس والشيطان أَعصيهما *** بقوة الله العلي العظيم

 

أولّيَ الأكوان ظهرًا ولا *** أرى سوى الله العزيز الحكيم

يا رب هب لي منك حسن اليقين *** وعصمة الصدق وقلبًا سليم

وهِمةً تعلو وصبرًا جميل *** ونور توفيقٍ به أستقيم 

وحسن تأييد وعونًا يدوم *** فإنك الدائم وجودك عميم

أرجوك تعطيني الذي أبتغي *** بمحض فضلك لا بجهدي الذميم

 لا إله إلا الله.

وقال في خُلاصة السير بهذه المُجاهدة والطريق لله تبارك وتعالى: 

ماذا يقول المُنكِرون *** فيمن له قلب سليم 

على جميع المسلمين *** ………….

قال هذا الطريق طريق أهل التصوف وأهل الصدق مع الله؛ هذا طريقهم؛ له قلب سليم 

على جميع المسلمين *** وقصده المولى الكريم

ويعتقد في نفسه *** بأنه عبدٌ ذميم

تقول أيش في هذا؟ تُنكِر أيش على هذا؟ ماذا يُنكَر في طريقة هؤلاء؟! 

ويعتقد في نفسه *** بأنه عبدٌ ذميم

لولا عناية ربِّه *** لكان بطَّالاً ضلول

الله حسبي وكفى *** قل ما تشا يا ذا الفُضول

قل ما تشا يا ذا الفضول، كلامك ما بيقدم ولا بيأخر..  خلَّك أنت وأفكارك، خلِّني مع نور ربي، خلِّني مع منهج ربي، خلِّني مع القرب من ربي. يقول:

بات المحب مع الحبيب *** والعاذل الغافل بعيد

لم يدرِ ما شأن الهوى *** بين الموالي والعبيد

يا ويحه ماذا عليه *** لو كان يعرف للسعيد

مكانه من ربه *** والله يعلم ما يقول

الله حسبي وكفى *** قل ما تشا يا ذا الفضول

 

هبَّت نُسيمات الوصال *** من جانب القُدس العليّ

واستغرقت أنوارُها *** عوالم القلب الخليّ

عمَّا سوى معبوده *** الواحد الحق الوليّ

وكوشفت أسراره *** وحلَّ في برج الوصول

الله حسبي وكفى *** قل ما تشا يا ذا الفضول

 

ماذا عليَّ من الأنام وقولهم *** أن أُدعَ بالمحبوب أو الممقوت

 

 وقال سيدنا الإمام البوصيري:

والنفس كالطفل إن تهمله شبَّ على *** حب الرضاع وإن تفطمه ينفطمِ

فاصرف هواها وحاذر أن تُولِّيه *** …………………………..

إذا فسحت لها المجال وتولّت عليك..

…………………… *** إن الهوى ما تولَّى يُصمِ أو يَصمِ

لك وحدة من الثنتين: 

  • يُصمِ: يقتل 
  • أو يَصمِ: يوقعك في العار، تقع الوصمة عليك.

 واحدة من الاثنتين: يا قتل نهائي والعياذ بالله وموت على غير الملة، يا يوقعك في العار وتتعرض للحساب والعذاب إذا تولى عليك الهوى 

…………………… *** إن الهوى ما تولَّى يُصمِ أو يَصمِ

وَرَاعِهَا وَهْيَ فِي الْأَعْمَالِ سَائِمَةٌ *** وَإِنْ هِيَ اسْتَحْلَتِ الْمَرْعَى فَلَا تُسِمِ

كَمْ حَسَّنَتْ لَذَّةً لِلْمَرْءِ قَاتِلَةً *** مِنْ حَيْثُ لَمْ يَدْرِ أَنَّ السُّمَّ فِي الدَّسَمِ

وَاخْشَ الدَّسَائِسَ مِنْ جُوعٍ وَمِنْ شِبَعٍ *** فَرُبَّ مَخْمَصَةٍ شَرٌّ مِنَ التُّخَمِ

وَخَالِفِ النَّفْسَ وَالشَّيْطَانَ وَاعْصِهِمَا *** وَإِنْ هُمَا مَحَضَاكَ النُّصْحَ فَاتَّهِمِ

 

تروّج الشر في معرض الخير، وإبليس كذلك يضحك عليك؛ فاتهمِ..

وَلَا تُطِعْ مِنْهُمَا خَصْمًا وَلَا حَكَمًا *** فَأَنْتَ تَعْرِفُ كَيْدَ الْخَصْمِ وَالْحَكَمِ

أَسْتَغْفِرُ اللهَ مِنْ قَوْلٍ بِلَا عَمَلٍ *** لَقَدْ نَسَبْتُ بِهِ نَسْلًا لِذِي عُقُمِ 

يقول: "تضمَّن هذا البيت اتِّهام النفس وذمها، وهذا شأن أرباب القلوب". تسمعون الإمام الحداد يقول: "يا ويح نفسي الغوية"! وهو ارتاضت نفسه من أيام الطفولة والصبا، وتلقى مراتب النفس المطمئنة والراضية والمرضية من أيام قبل بلوغه، ويقول:

يا ويح نفسي الغوية *** من السبيل السويه

أضحت تروج عليّه *** وقصدها الجاه والمال  

وهو المُعرِض عن الجاه وعن المال، بكُليَّته عليه رضوان الله.

يا رب قد غلبتني *** وبالأماني سبتني

وفي الحظوظ كبتني*** وقيدتني بالَاُكبال

قد استعنتك ربي*** على مداواة قلبي

وحلِّ عقدة كربي*** فانظر إلى الغم ينجال 

 الله، لا إله إلا الله.

وهكذا في متابعة الاتهام لنفسه عليه رحمة الله تبارك وتعالى، يقول:

يا نفس هذا الذي تأتينه عَجَبٌ *** علمٌ وعقلٌ ولا نسك ولا أدب

وهو من أيام صغره، إذا خرج من المَعلامة يتعلم القرآن وهو أعمى، يمر إلى أحد المساجد، إما مسجد باعلوي أو مسجد مقالد، يصلي مئة ركعة أو مئتين ثم يرجع للدار، هذا في أيام الطفولة من أيام الصغر. لا إله إلا الله، يقول: 

………………. *** ………… ولا نسك ولا أدب

وصف النفاق …………..

 يتهم نفسه. سيدنا عمر بن الخطاب كان يقول لسيدنا حذيفة: هل أنا منهم؟ هل ذكرني النبي في المنافقين؟ يعني خايف على نفسه، وهو يفرق منه الشيطان، يفرق من ظله الشيطان، ومع ذلك يخاف من النفاق! يقول الحداد لنفسه، يقول:

وصف النفاق كما في النصّ نسمعه *** علم اللسان وجهل القلب والسبب 

حب المتاع وحب الجاه فانتبهي ***من قبل تطوى عليك الصحف والكتب

 وتصبحين بقبرٍ لا أنيس به *** الأهل والصّحب لمّا ألحدوا ذهبوا 

وخلّفوك وما أسلفتِ من عملٍ *** فالمال مستأخَرٌ والكسب مُصطَحَب

مع أنه في إعراضه عن الدنيا، أُخبروه مرة أنه أُرسل إليه أموال كثيرة في بعض البواخر قادمة من الهند، أو من الأحساء توجهت وجاءه خبرها وقال: "هذه الأموال إذا وصلت حضرموت تكن فتنة على أهلها، وما لنا حاجة فيها، حاجاتنا مقضية، وأمور الدعوة قائمة، اﻷحسن… تُوجَّه إلى الله، المال يغرق ويسلم من في السفينة من الأرواح. وكان ذلك، وغرقت السفينة، والأرواح كلهم سلموا الذين فيها، والأموال كلها التي فيها راحت. وكان أنشد بيت يخاطب الدنيا هذا لما جاءت، يقول عليه رضوان الله تعالى، يقول:

ولمَّا حدا بي حادي الشوق قاصدًا *** إليكم بجُندَي فطرتي وهوائي

الفطرة وحتى الهوى حقي صار وراكم ومعكم، "بجُندَيّ فطرتي وهوائي" معًا اجتمعا الفطرة والهوى. وقال:

دعتني إليها ذات مكر وحيلةٍ *** وقالت أنا المقصود ليس سوائي

يقصد الدنيا..

فأُفٍّ لها خداعةُ لا تغرني *** برونقها الممدود فوق خناءِ

تنحِّي تنحي لا سلاماً ولا رضا *** تريدين قطعي عن سبيل غنائي

تحققتُ مطلوبي فأسرعتُ نحوه *** فدام سروري واضمحل عنائي

ودام شهودي واستمرت مواسمي *** وطاب زماني واستتمَّ صفائي

أيش معك؟..

بربي قيامي لا بنفسي ولا السِّوى *** فشكري له سبحانه وثنائي 

عليه رضوان الله تعالى وعلى جميع الصالحين من عباد الله من سادتنا الصحابة، والبيت الطاهر، وجميع أهل الصلاح الذين مرُّوا في الحرمين، وفي الشام، وفي اليمن، وفي مصر، وفي المغرب، وفي هذه الأقطار، وفي جميع البلاد، اللهم ارضَ عنهم وارفع درجاتهم، واجمعنا بهم في دار الكرامة وأنت راضٍ عنا.

يقول: "فالنفس محل الصفات الذميمة. 

  • والرضا عن النفس أصل جميع الصفات المذمومة
  •  وعدم الرضا عنها أصل الصفات المحمودة"

يقول سيدنا الشيخ أبو بكر بن سالم: من نظر إلى نفسه بعين الرضا نظر الله إليه بعين السخَط؛ -رضي عن نفسه..- ومن نظر إلى نفسه بعين السخط من أجل الله نظر الله إليه بعين الرضا، يرضى عنه سبحانه وتعالى.

 

قال: "وماذا عسى نفسي تعادل في الورى"

فهو يتهمها بما لها من الصفات المذمومة"فمن أجلها" كيف حتى تصير "من أجل النفس الأمارة بالسوء؛ أنا نافرٌ عن مالكي؛ عن طاعة مالكي، ففيه حذف مضاف. وقال: النفس طبعها الميل لكل لذيذ، والنفرة عن كل كريه. ويوضح المطلب ما في "شرح الرسالة" لشيخ الإسلام" زكريا الأنصاري في شرحه للرسالة القشيرية، يقول: "فالنفس بطبعها تميل إلى الدنيا لكونها لا تعرف حسناً غيرها" -تظن هكذا- "فإذا عرفت نقصها وحجبها عن الخيرات نفرت عنها"، فلما نفرت كيف صار؟ "فالذي كان لذيذاً لها صار كريهاً، وطبعها لم يتغير"، لأنها تحب الحسن لكن لما تيقنت الحسن ليس هنا، هنا القبح، فتحولت إلى الحسن الحقيقي، "وطبعها لم يتغير، وإنما تغير ظنها باللذيذ والكريه. وكذلك من نظر إلى الأعمال الصالحة ومشقة القيام بها يجد نفسه نافرة عنها، فإذا عرف ما يترتب عليها من الفوائد" مال قلبه إلى الطاعات وتحمُّل المشقَّات في القربى إلى الله، "وكره تركها، فالذي كان كارهاً له صار مائلاً إليه، والطبع لم يتغير"، لكنه أدرك اللذة في الإقبال فأقبل بلذَّة. وهكذا، وصار يستلين ما يستوعره المُترَفون، وما يستوعره ويستثقله المحجوبون والمقطوعون وهو يستلذُّه ويطيب له.

وهكذا؛ فيصير حسن الدنيا وزهرتها الذي يختبر بها الناس ويغتر بها الأكثر، يصير حاله معها كحال من رأى من صنع حلوى طيبة خبيصة، ولكنه أدخل وسطها سُم وشافه وبعدين قدّم، فَيَنْفِر عنها.. فالذي ما يعرف الحقيقة وأن وسطها سم يقول: ماله هذا مجنون؟ حلوى ممتازة ما حد يفوتها، وهذا يجلس كذا يحرم نفسه منها! كل بتقتلك… وهذا علم أن فيها سُم يَنْفِر عنها وهو ظاهرها حلو. 

فحلاوة الدنيا كلها بالنسبة لهم تصير مثل:

  • مَن نظر إلى صانع الحلوى صلّح وسطها سُم، فما عاد يفكر في القرب منها أصلاً. 
  • ودونه بعد ذلك من ينظر إليها وإلى دناءتها ومحرَّماتها مثل من يرى صانع الحلوى حط فيها وسخ أو قذارات أو حط بعض البول وسطها، وهذا يَنْفِر منها.. 
  • وأخفَّ منه واحد ينظر إلى أن صانع الحلوى تمخّط فيها!.. فما يحلو له و لو اضطر اضطرار كبير يأخذ من طرف قليل وهو مشمئز.

فهكذا نظرة أهل القلوب إلى حلاوة الدنيا وزينتها وزخرفها الذي يغتر بها أكثر الناس، ولكن حقائق الحلاوة الحقيقية واللذة الصحيحة الباقية بدت لهم فعشقوها وحصلوها وراء الجد والاجتهاد والقيام بين يدي الله تعالى. ربك يصفهم: (وَالَّذِينَ يَبِيتُونَ لِرَبِّهِمْ سُجَّدًا وَقِيَامًا) [الفرقان:64]، صاروا عشقوا ذلك واستلذّوه، وبذلك ذاقوا فيه من الحلاوة ما قالوا: "لو يعلم الملوك ما نحن فيه بالليل لجالدونا عليه بالسيوف".

قال: "وهذا ظاهر كلام الناظمولذا كان جهاد النفس هو الجهاد الأكبر، وقد عُدَّت من أعداء الإنسان"، بل أعدى عدوّك نفسك التي بين جنبيك. وهي نفسها ترجع بعدين للمطيّة، للرُّقي للمراقي العُلى. "وقد أشبع الصوفية الكلام على النفس وبينوا كيفية مجاهدة النفس حتى تنتفي عن العبد الأخلاقُ المذمومة، ويتحلى بالصفات المحمودة". اللهم آتِ نفوسنا تقواها، وزكِّها أنت خير من زكاها، أنت وليها ومولاها.

 

ثم قال رضي الله عنه وعنكم، ورزقنا كمال الانتفاع منه ومنكم: 

"ثم قال الناظم:

فررتُ به منِّي إليه لأنني *** تحققت أن لا غير والأمرُ ظاهرُ

 

الفرارُ هنا بمعنَى الذهابِ إلى ثواب الله والهرب من عقابه، فهو كنايةٌ عن هجرانِ العبد نفسَه وشهواتِه بطلب ما عند الله. 

وقوله "به" متعلقٌ بقوله "فررتُ"، أي الفرار بالمعنى المذكُور هو بتوفيقِه وهدايته، إذ هو الذي هداني إلى التوحيد، وخلقَ القدرة على الطاعة، ووفقني لها. 

وقوله "مني إليه" فيه حذفُ مضافٍ، أي فررتُ من كُلِّ ما تدعو إليه النفسُ من كل مذموم إلى مرضات الله. وقوله "لأنني تحققتُ" إلخ. تعليلٌ للفرار إلى الله تعالى، وهو ترقٍّ من الأكوان إلى المكوِّن.

وقوله "والأمر ظاهر"، أي الأمر ظاهرٌ أن لا ثَمَّ غيرُ الله، فهو الموجود أزلاً وأبداً، والموجوداتُ كلها إنما هي موجودةٌ بوجود الله تعالى المُوجِد لها، فهي عدمٌ محضٌ بالنظر إلى وجود الله الذاتي. وإلى هذا أشار بعض العارفين بقوله:

الله قُل وذَرِ الوُجودَ وما حوَى *** إن كُنتَ مرتاداً بلوغ كمالِ

فالكُلّ دونَ الله إن حقَّقتَه *** عدمٌ على التفصيلِ والإجمالِ

من لا وجُود لذاته من ذَاتِه *** فوجُودُه لولاه عينُ محالِ

وهذا المقام هو المسمَّى بوحْدَة الوجود، ولا يدركه الشخْصُ إلا بعد الفناء في الأحدية، الذي قال فيه ابن مشيش: "وزُجّ بي في بحار الأحدية..." إلخ.

 

يقول: "فررت به مني إليه"، قال: لمّا عرفت الحقيقة وأن نفسي محل السوء واﻷكدار والأقذار والشهوات، وأن طاعتها تُؤديني إلى عذاب الآخرة وإلى تعب الدنيا وما إلى ذلك، وعلمت لي إلهًا عظيمًا، كريمًا، رحيمًا، حليمًا، قادرًا، جبارًا، قيومًا بيده ملكوت كل شيء؛ فررت من نفسي إليه. ولا فررت من نفسي بنفسي، ولكن به "فررت به مني إليه"؛ امتثل لأمر الله، الذي حمله بنص الوحي وتصريح التنزيل في القرآن: (فَفِرُّوا إِلَى اللَّهِ ۖ إِنِّي لَكُم مِّنْهُ نَذِيرٌ مُّبِينٌ) [الذاريات:50]. فكان الذهاب الذي أشار إليه سيدنا الخليل إبراهيم وقال: (إِنِّي ذَاهِبٌ إِلَىٰ رَبِّي سَيَهْدِينِ) [الصافات:99]. لا إله إلا الله. 

وهكذا.. كيف ذهاب الأنبياء إلى الرب جلَّ جلاله، فوجب علينا أن نفرَّ إلى الله، نفر من نفوسنا، من شهواتنا، من أهوائنا، من عيوبنا، من ذنوبنا، من سيئاتنا، من جميع الكائنات إلى الرب جلَّ جلاله. وإن كان أغلظ الحجُب وأكثفها النفس، بالمجاهدة تتخلص من حُجُب أنواع الأغيار، إلا النفس هذه صعبة، أصعب شيء. 

تتخلص بالمجاهدة من حجاب المال، ومن حجاب زخرف القول، وما إلى ذلك، ولكن النفس آخر شيء، آخر شيء. أعدى عدوك نفسك التي بين جنبيك، وأكثف خصالها وأبعدها: العُجب، وفيها الرياء، وهو أدقُّ من دبيب النمل، أخفى من دبيب النمل، والعُجب أخفى من الرياء. فهذا أشدُّ الحجب بينك وبين الله تبارك وتعالى، حتى تشهد المنَّة له وتتخلص من العجب ومن كل هذه القواطع، فتصل إليه جلَّ جلاله. خَلِّ نفسك وتعالَ، اترك النفس وتعالَ تجد تواليَ النَّوال من ذي الإفضال سبحانه وتعالى صبَّابة عليك، بس اترك نفسك.

 

قال: "فررتُ به مني إليه"، فالفرار هنا بمعنى الذهاب إلى ثواب الله والهرب من عقابه، فهو كناية عن هجران العبد نفسه وشهواته في طلب ما عند الله"؛ من قربه ورضاه ومحبته ومعرفته ورضوانه سبحانه وتعالى. 

" "فررت به"، وقوله "به" متعلقٌ بقوله "فررتُ"؛ أي الفرار بالمعنى المذكور هو بتوفيقه وهدايته. إذ هو الذي هداني إلى التوحيد"، ولهذا قال: 

والنفس والشيطان أعصيهما بقوة الله *** ……………………….

ما هو بقوتي، ويقول: (وَإِمَّا يَنزَغَنَّكَ مِنَ الشَّيْطَانِ نَزْغٌ فَاسْتَعِذْ بِاللَّهِ) [الأعراف:200]؛ هو الذي يكفيك ويدفع شره عنك، يُخلصك من مكره وتلبيسه وكذبه. "إذ هو الذي هداني إلى التوحيد وخلق القدرة على الطاعة ووفقني لها".

فررت به مني إليه"، أي فررت من كل ما تدعو إليه نفسي، من كل مذموم"، هذا معنى: "مني"، "إلى مرضاة الله تبارك وتعالى".

"لأنني تحققتُ أن لا غير"، "تعليلٌ للفرار إلى الله تعالى، وهو ترقٍّ من الأكوان إلى المكوِّن."؛ تحققت أن ما حد غيره بيسعدني أبداً، ولا غيره بيده أمري، ولا غيره قط أصلاً أوجدَني، ولا غيره مصيري إليه أبداً، ولا غيره يقدر ينعّمني، ولا غيره يقدر يرفعني، ولا غيره يقدر يعمل لي شيء في دنيا ولا في آخرة، إلا هو وبأمره سبحانه وتعالى، وكلهم بعد ذلك مجرد أسباب. 

إذًا "لا غير"، ما دام لا غير خلاص دع كل شيء، وفِر إليه، ما معك إلا هو. "والأمر ظاهر"، "أن لا ثَمَّ غير الله فهو الموجود أزلاً وأبداً، والموجوداتُ كلها موجودة بوجود الله تبارك وتعالى المُوجِد لها، فهي عدمٌ محضٌ بالنظر إلى وجود الله الذاتي". كما يقول العارف:

الله قُلْ وذَرِ الوجُودَ وما حوَى *** إن كُنتَ مرتاداً بلوغ كمالِ

فالكُلّ دونَ الله إن حقّقتَه *** عدمٌ على التفصيلِ والإجمالِ

من لا وجُود لذاته من ذَاتِه *** فوجُودُه لولاه عينُ محالِ

 

لولا الله سبحانه وتعالى. 

الله لولا الله ما اهتدينا *** ولا تصدَّقنا ولا صلّينا 

عبَّر الصحابة عن الارتفاع عن العُجب وعن شهود أعمالهم، قالوا: اللهم من عندك أنت يا رب، والجهاد هذا والصلاة كلها من عندك أنت، جبت لنا محمد وأهديتنا الهدى ووفقتنا لنصرته. 

لولا الله ما اهتدينا *** ولا تصدقنا ولا صلينا 

فأنزلن سكينة علينا *** وثبت الأقدام إن لاقينا

إن الألى قد بغوا علينا *** وإن أرادوا فتنة أبينا

 وأعجب النبي ﷺ كلامهم، وكان يشل معهم إذا وصلوا عند قولهم "أبينا" يرفع صوته يقول: أبينا أبينا أبينا، وإن أرادوا فتنة أبينا ﷺ.

"وهذا المقام المسمى بوحدة الوجود"، تقدَّم الكلام معنا فيه، أن الوجود الحق لواحدٍ وهو الله، هذا أمر لا خلاف فيه عند كل ذي عقل. أما أوهام وظنون وخيالات تجد أن وجود الكائنات المُضمحلة القابلة للعدم والتي أصلها عدم أنها تكون هي عين الله ومن ذاته! أعوذ بالله… هذا حتى الأطفال ما تقبل عقولهم هذا الكلام! وهم من يقولون بعيدون، لا صلاة لهم ولا صوم لهم ولا معرفة لهم ولا سند لهم. أما أرباب التقوى واليقين فهم أبعدُ الناس عن سوء الظن بالله- تبارك وتعالى- وعن اعتقاد ما ليس يليق بجلاله. فما معنى وحدة الوجود؟ إلا أن وجوده واحد، والوجود الحق الذاتي له وحده وليس لغيره. هذا هو المعنى، أما غير ذلك فلا.

ولا يُدرك الشخص، هذا المقام ذوقاً ومُعاينة، إلا بعد الفناء في الأحدية. والفناء في الأحدية بعد الفناء في الواحدية، وفي الواحدية تنظر أسماءه وصفاته وأفعاله في الوجود، ولكن إذا أشرقت شمس الذات.. اضمحل، ما عاد يبقى عندك قدرة ولا فراغ ولا استطاعة أن تنظر إلى الغير، فما عاد تشهد إﻻ هو جلَّ جلاله وتعالى في علاه. كما إذا كان عندك شمعة ونورها، فأشرق نور الشمس، هيا كلِّف عينك، تنحجب عن نور الشمس وترى نور الشمعة؟ فتِّح لما تشبع، نور الشمعة مضمحل لأن الشمس نورها قوي، وإذا تجلي الذات أيش تشوف؟.. أيش يكون نور الشمس ذا… الشمس ساعة تُكْسَف وساعة… وبعدين تنكسف في الأخير، واذا نور الذات تجلَّى عليك، عادك بتشوف نور ثاني؟ هذا نور اﻻيمان.

لما يذكر العارفون في إشراقات أنوار الوﻻية، أنوار النبوة، وإذا سطع نور محمد تغطّت كلها، يقول سيدنا: 

محمدٌ الطُّهر لي نوره طمس كل نور

من أنوار الأنبياء والملائكة، إذا جاء أشرق نور محمد اختفت كلها هذه، وصلّى وصلَّوا خلفه، فإذا هو المقدَّم، وهو الرأس لأهل الرئاسة ﷺ. محمد الطهر اللي نوره طمس كل نور. اللهم صلِّ وسلم عليه وعلى آله. وهكذا.. وكيف نور الله تبارك وتعالى حينئذ؟…

في دعاء ابن مشيش في الصلاة، يقول: "وزُجّ بي في بحار الأحدية"، وهذه غايات غايات المُراد من اليقين وحقائق توحيد الله سبحانه وتعالى. اعتقاد توحيده من حيث أنك أنت موحد، يعني قبلك كان اثنين هو وﻻ ايش؟ وﻻ كان معه شركة؟ وأنت الذي توحّده؟! وهو أيش إذًا؟ هل هو أصله معه شريك حتى تأتي أنت تُوحّده؟ التوحيد بهذا المعنى قال له: "انشلني من أوحال التوحيد"؛ أنت الواحد قبل ما تخلقني وقبل ما تخلق السموات والعوالم، أنا الذي أوحّدك؟! أنت واحد بنفسك، أنت واحد في ذاتك، أنت واحد في صفاتك، أنت واحد في أفعالك. ثم يعرفون المعنى، يقولون هذا بيخرج من التوحيد… توحيد أيش؟ توحيد الخربطة حقك اللي ما تفهم بها نفسك وﻻعقلك، أو حقيقة الإيمان! هؤﻻء في قمة اليقين، في قمة حق اليقين عليهم رضوان الله تعالى. "وزُجَّ بي في بحار الأحدية".

 

ثم قال الناظم نفع الله به:

فكان اضْطراري كونُ قلبي موحِّداً *** له وبِه لا بي أنَا اليوم شَاكِرُ 

قوله: "فكان اضطراري"، إلى آخره، مرتبطٌ بقوله في البيت المتقدم: "تحققت أن لا غير". والمعنى: تحققتُ أن لا إله غير الله الموجُود أزلاً وأبداً، فكان قلبي موحِّداً اضطراراً. أي : ضرورةً. لأن من انتفَتْ عن قلبه الأغيار، ولم يشهد إلا الواحد القهار، صار توحيدُه اضطراراً، أي: ضرورةً، إذ هو حينئذٍ من أهل المقام الرابع من مقامات التوحيد، وهو الذي تسميه الصوفيةُ: بمقام الفناء. ومن كان من أهل هذا المقام؛ كان توحيدُه اضطراراً.

وتوضيحه: أن للتوحيد أربعَ مراتب:

  • المرتبة الأولى: أن يقول الإنسانُ (لا إله إلا الله) بلسانِه، وقلبُه غافل عنه. أي: عن معناها المقصُود.
  •  الثانيةُ: أن يصدقَ بمعنى اللفظ قلبه. كما يصدق عمومُ المسلمين، وهو اعتقاد العوام.
  • والثالثة: أن يشاهد ذلك بطريق الكشف عن المعاينة، بواسطة نور الحق في قلبه، وهو مقام المقربين، وذلكَ: بأن يرى أشياءَ كثيرةً مختلفة الأنواع والأجناس، ولكن يراها على كثرتها صادرةً من الواحد القهار.
  • والرابعة: أن لا يرى في الوجُود في سائر مراتبِه إلا واحدًا، وهي مشاهدةُ الصديقين، وهو مقام الفناء في التوحيد، عن النفس وعن الخلق، يزول إحساسُه عن نفسه، ذَكَر هذا حجة الإسلام في "الإحياء"، وقال في هذا المقام: "إنه الغايةُ القصوى، وليس بعد هذا مقامٌ للسالكِ ينتهي إليه".

ولا يخفى أن قولَ الناظم: "فكان اضطراراً"، إلى آخره. يدل على حُسْن سابقيته، وعناية الله به، وأنه من أهل التوحيد الخالص.

وقوله: "وبه لا بي أنا اليوم شاكر". أي: فأنا اليوم شاكرٌ لله تعالى على ذلك. أو المعنى: وكان شكري له به لا بي، لأنه جعلني موحِّدًا قبل وجود معاني توحيدي. ثم وفقني وألهمني طرائق التوحيد، من الإسلام، والأحكام، والإيمان، والإحسان، والأخلاق الكريمة.

 

سبحانه عز وجل.

قال: "فرَرتُ به منّي إليه"، يقول: 

 …………… لأننِي *** تحققْتُ أن لا غيرَ والأمْر ظَاهِرُ

 فكان اضْطِراري كونُ قلبي موحِّداً *** ………………

أنا مضطرٌ إلى هذا..

………………. *** له وبِه لا بي أنَا اليوم شَاكِرُ

أقوم مقام شُكره وأنتصب في محراب الشكر به تعالى؛ بإفضاله وتوفيقه وهِدايته وتسديده وتعليمه -سبحانه وتعالى- وإمداده ومَنحُه لي، أن أعرف الشكر وأذوق الشكر وأتحقق بالشكر. 

 

 يقول: "فَكَانَ اضْطِرارِيٌّ" مرتبطٌ بقوله في البيت المتقدم: "تَحَققت أن لا غير"

فلما "تَحَققت أن لا غير" صار توحيدي له اضطراراً.

فإذا دعا الإنسان المُضطر.. أَجابه إجابة: (أَمَّن يُجِيبُ الْمُضْطَرَّ إِذَا دَعَاهُ) وأما الذي يرى نفسه في أي معنى من معاني الغنى و الإستغناء عن الله  فهو بعيد عن قبول دعاءه، لكن المضطر الذي يرى أن ليس له غيره أصلاً، قط، قط، قط، فيصير مضطراً، إلى الإلتجاء  إليه اضطراراً.

قَد تَحَقَّقَت بِعَجزي *** وَخُضوعي وَاِنكِساري

 أَنا عَبدٌ صارَ فَخري *** ضِمنَ فَقري وَاِضطِراري

فخري أن أكون مفتقر مضطراً إليه -جل جلاله- فإذا كان ذلك، شوف أسرار الخلافة كلها في هذا: (أَمَّن يُجِيبُ الْمُضْطَرَّ إِذَا دَعَاهُ وَيَكْشِفُ السُّوءَ) بأصنافه وأنواعه، ولا عاد ظُلمة ولا عاد حجاب ولا عاد غفلة ولا عاد انقطاع ولا عاد هم غيره ولا كسل ولا أي قاطع ولا أي حاجب يكشف السوء، (وَيَجْعَلُكُمْ خُلَفَاءَ الْأَرْضِ)، خلفاء الأرض في نِيابة عن الأنبياء والمرسلين، تنوبون في الأرض (إِنِّي جَاعِلٌ فِي الْأَرْضِ خَلِيفَةً) [البقرة:30]، (وَيَجْعَلُكُمْ خُلَفَاءَ الْأَرْضِ ۗ أَإِلَٰهٌ مَّعَ اللَّهِ ۚ قَلِيلًا مَّا تَذَكَّرُونَ) [النمل:62] ولو تَذَكَروا هذه الحقائق لاضطروا ولو اضطروا ودعوا مضطرين لأجبتُهم، لأجبتهم (يُجِيبُ الْمُضْطَرَّ إِذَا دَعَاهُ)، وأكشف السوء عنهم بأصنافه، وأجعلهم خلفاء، أستخلفهم في الأرض فيكونوا نوابًا عن الله ورسله في هداية الناس ورحمتهم، وإيصال الخير إليهم، وفي إقامة العبودية التامة للحق تعالى، التحقق بالعبدية والعبادة والعبودة للرب سبحانه وتعالى، وفي شهود الرحمن -جلَّ جلاله-، وفي الفَناء فيه، هذا مقام الخلافة الكبيرة، يقول: (وَيَجْعَلُكُمْ خُلَفَاءَ الْأَرْضِ ۗ أَإِلَٰهٌ مَّعَ اللَّهِ) لا إله إلا الله (قَلِيلًا مَّا تَذَكَّرُونَ) ارزقنا التذكر والتنور والتبصر والتدبر.

يقول:

"صار توحيدُه اضطراراً، أي: ضرورةً؛ لأن من انتفَتْ عن قلبه الأغيار، ولم يشهد إلا الواحد القهار، صار توحيدُه اضطراراً، أي: ضرورةً، إذ هو حينئذٍ من أهل المقام الرابع من مقامات التوحيد،"، هذا المقام الرابع كما ذكره عندكم:

  • مرتبة أولى في التوحيد: يشهد لا إله إلا الله ويكررها بلسانه والقلب غافل عن معانيها العظيمة، هذا توحيد العوام.
  • يُصَدق بمعنى اللفظ ويعرف حقيقته ولكنه كعموم المسلمين، 

وأما الأول هذاك حتى من يقولها وهو مخالف يدخل فيهم المنافقين، ويدخل فيهم أهل التقصير الكبير من عموم المؤمنين.

  • ثم عموم المؤمنين يصدقون بأن لا معبود بحق إلا الله في الوجود كله.
  • وراء ذلك أن يُشاهد حقيقة أن لا معبود بحق في الوجود إلا الله، بطريق التحقق واليقين والكشف والمُعاينة، لأنه يحل في قلبه نور الحق، بهذا ينطوي في معنى لا معبود إلا الله، عندما ينطق بـ لا إله إلا الله، ألا مقصود إلا الله، وينتفي عن قلبه قصد غير ربه سبحانه وتعالى، عند ذلك ينطوي في ذلك ويرتبط به ويدخل فيه معنى: لا موجود -أي بذاته- إلا الله، وإذا تمكن من ذلك يستقيم شهوده. 

يا مَن هَواهُم في فُؤادي مُقيمُ *** وَحُسنَهُم في مَشهَدي مُستَقيمُ

فيستقيم له الشهود، ويعرف إذا نطق بلا إله إلا الله، فيعلم ما هو مجرد لا معبود،  لامعبود ولا مقصود ولا موجود، ولا مشهود إلا الله، سمعت؟.. فيرتقي إلى المقام الرابع بعد ذلك.

  • ففي المقام الثالث هذا يرى أشياء كثيرة من الموجودات والكائنات؛ هذا مقام الواحدية. 
  • ويجيء بعده مقام الأحدية. 

"مختلفَةَ الأنواعِ والأجناسِ"، ولكن مع كثرتها صادرة من واحد، فيرى الوَحدة في الكثرة -لا إله إلا الله-، ويرى أن هذه الكثرة كلها في الوحدة جاءت من الواحد، يرى الكثرة في الوحدة، يعني أن هذه الكثرة كلها جاءت من الواحد فقط ليست متكاثرة أصلًا، هي أصلها من واحد -لا إله إلا الله- فحينئذ يرتقي إلى المقام الرابع.

"المقام الرابع: أن لا يرى في الوجُود في سائر مراتبِه إلا واحداً، وهي مشاهدةُ الصديقين"، وهو مقام الأحدية "مقام الفناء في التوحيد، عن النفس وعن الخلق، يزول إحساسُه عن نفسه"، وعن غيرها من الوجود.

حينئذٍ يذوق بعض معنى إشارته  ﷺ بقوله: "أصدق كلمة قالها شاعر كلمة لبيد: ألا كل شيء ما خلا الله باطل"؛ أنت تحب تكون مع الباطل؟ لا نفسك ولا غيرك! ماعاد شيء… إلا إبقاء، إيجاد، تقريب، إبعاد، إشقاء، إسعاد، رفع، خفض، من عنده هو لا شيء له استقلال بنفسه وذاته قط غيره سبحانه وتعالى.

يقول: هذا المقام الرابع، يعبرون عنه أحيانا بالمقام العاشر، ذكرنا  أمس التسع مقامات، مقامات اليقين، بعدها يأتي هذا المقام الذي هنا وهو بهذا الاعتبار.

  • إذا بدأنا من معاني التوحيد يأتي الرابع.
  • إذا ابتدأنا من مقامات اليقين يأتي العاشر. 

و يسمونه المقام العاشر، يسمونه المقام الرابع، وهو مقام واحد الذي يشيرون إليه.

وهذا المقام العظيم لما قال: "إنه الغايةُ القصوى، وليس بعد هذا مقامٌ للسالكِ ينتهي إليه."، بس هو درجاته غير متناهية، هو المقام هذا، فليس أهله على مرتبة واحدة، هذا المقام الأعلى الذي ينتهي إليه شهود الحق ورسوله.. هو بنفسه مراتب ودرجات لا نهاية لها، ففي أولها خواص هؤلاء من عموم المؤمنين من الصديقين أو أوائل أهل الصديقية، لكن فوقه و فوقه وفوقه النبيون، فوقه وفوفه وفوقه سيد المرسلين صلى الله عليه على آله وصحبه وسلم، هذا المقام درجاته ما لها نهاية، والعجيب أن الزيادة فيه مستمرة، حتى أن أعلى ملذات نعيم الجنة تعود إليه، وزيادته لهم في الجنة أعلى ما يتمتعون به من النعيم، وبسِرِّه ما يحصل لهم مما عبر عنه سيدنا رسول الله عليه وصحبه وسلم بالنظر إلى وجه الله الكريم، يحصل مِن سر هذا.

والعجيب أنه يزداد ولاينقطع، وزيادته يزداد بأنواع النعيم، والعجيب أنه بزيادة هذا الفضل والنعيم المخصوص يزيد بقية أنواع النعيم الأخرى، يعني الشرب من نهر اللبن أوالعسل أوالخمر أوالماء في الجنة، كلٌّ عندهم أنهار يشربون منه، لمّا يزيد عند هذا معرفته هذه الخاصة، لذة الشرب تزيد!.. لذة الأكل تزيد، كل شيء يزيد بعده بمقدار هذا القرب من الرحمن وهذا التجلي من المنان جلَّ جلاله.

 وليس لذلك من نهاية، لهذا يتجلى عليهم في حِسِّهم، يعني ماذا في حسهم؟؟ ولا تنقص ثمرة واحدة من يوم دخلت الجنة، والثمرات التي لك فيها وأنت تأكل منها ألف سنة؟ ألفين؟ مليار سنة ولا نقصت ثمرة، كيف؟ بل تزداد! كلما أخذت ثمرة نبتت مكانها أحسن منها، وخذ لك! هذا مجلى للذي يتجلى به عليهم هم، يزدادون زيادة زيادة زيادة شفت الزيادة حتى في الأثمار وفي الأشجار وفي الأنهار، لما تشرب من النهر ما ينقص منه شيء، مثل الذي تشرب منه يزداد فيه بعده أحسن، وهكذا على الأبد. لا إله إلا الله!..

يرى الطائر في الجنة يطير فيقع في نفسه أن يشتهيه مشويًا، يسقط عنده مشوي في أواني من الذهب  والفضة تفضل، كلْ، طائر مشوي، كَمَلت؟ يطير ثاني مرة! شوف الطائر حقك هذا الذي أكلته… ما تقول نقصت عليهم من الطيور واحد! أنت ستقعد للأبد، تكمل عليك الطيور، لكن لا ما تكمل عليك، ولا ينقص واحد منهم، زيادة! قال الله أكبر: (لَهُم مَّا يَشَاءُونَ فِيهَا وَلَدَيْنَا مَزِيدٌ) [ق:35]، (لِّلَّذِينَ أَحْسَنُوا الْحُسْنَىٰ وَزِيَادَةٌ) [يونس:26] الله أكبر!

بعد ما يعرض الحق علينا هذا، كيف نتشوف إلى الغير؟ كيف ننقطع بالغير؟ كيف نصدق أنفسنا الأمارة؟ كيف نتكاسل؟ كيف نتخاذل؟ كيف نغفل؟ كيف تمر بنا سنة بعد سنة ونحن في سِنَة وفي غفلة؟ لله  ينهضنا و ينهض عزائمنا، ويقوي دعائمنا في الإقبال عليه والوجهه إليه، حتى لا نحب ولا نرجو ولا نخاف سواه جلَّ جلاله وتعالى في علاه.

 

"قال: ولا يخفى أن قولَ الناظم: "فكان اضطراراً"، إلى آخره. يدل على حُسْن سابقيته، وعناية الله به، وأنه من أهل التوحيد الخالص.

وقوله: "وبه لابي أنا اليوم شاكر". أي: فأنا اليوم شاكرٌ لله تعالى على ذلك. أو المعنى: وكان شكري له به لا بي، لأنه جعلني موحداً قبل وجود معاني توحيدي. ثم وفقني وألهمني طرائق التوحيد، من الإسلام، والأحكام، والإيمان، والإحسان، والأخلاق الكريمة" وكلها مِنه سبحانه وتعالى. اللهم لك الحمد شكراً ولك المن فضلاً. 

ومع ذلك أيضاً يرجعون أن يرون أن هذا الحمد والشكر الذي يجريه من فضله عليهم وعلى أيديهم وفي قلوبهم بعظمته وجلاله وليس بهم، ولكن مع ذلك أين يَصِلون إلى حقائق ما يستحق مِن الثناء والحمد والشكر؟ أين يصلون إلى دقائق نعمه؟ فمع هذا كله يرجعون يلتجئون إليه، أن يحمد نفسه عنهم ويشكر نفسه عنهم؛ لأن الحمد والشكر له، والذي يعطيهم إياه بفضله يصير مِثْل وُضِع في قالب، أو سببية أو وساطة خلقية، فالنقص لابد منه مهما عَظُم، أين يصل؟ فيسألونه يشكر نفسه عنهم ويَحمد نفسه عنهم فوق ما يعطيهم من زيادة الحمد والشكر التي عندهم،  أين يصلون مهما كان؟ فيلجئون إليه، ولهذا يقول سيدنا الإمام الحداد: تبدَّى لي من جوده وإحسانه ما أيقنت  إني لا أستطيع القيام بعُشرٍ معشار الشكر، فأنا أسأله أن يحمد نفسه عني بما هو أهله وأن يشكر نفسه عني بما هو أهله، جلَّ جلاله وتعالى في علاه.

يقول أيضًا في هذا المعنى، في بعض كلامه عليه رضوان الله تبارك وتعالى:

إِن مِلت يَوماً بِحُكمِ طارِقَةٍ *** الآنَ مِنها إِلَيكَ أَعتَذِرُ

ما ثَمَّ غَيرَكَ وَالحِجابُ عَلى *** طَوائِفِ في جُسومِهِم حُصروا

أولَئِكَ القاصِرونَ لَو عَلِموا *** ما عَلِمَ العارِفونَ ما عُذِروا

كَأَنَّ مَن فَوقِ هَذِهِ عَدَمٌ *** لَم يوجِدوا أَو كَأَنَّهُم قُبروا

يقول الشيخ عبد الهادي السودى: 

ثق بمولاك في جميع الأمور***  واحسب الناس كلهم في القبور

مادام سيرجعون إلى القبور خلاص كأنهم مقبورين

ثق بمولاك في جميع الأمور***  واحسب الناس كلهم في القبور

 يقول:

ما ثَمَّ غَيرَكَ وَالحِجابُ عَلى *** طَوائِفِ في جُسومِهِم حَصَروا

أولَئِكَ القاصِرونَ لَو عَلِموا *** ما عَلِمَ العارِفونَ ما عَذَروا

كَأَنَّ مِن فَوقِ هَذِهِ عَدَمٌ *** لَم يوجَدوا أَو كَأَنَّهُم قُبروا

مَشاهِد بِالفُؤادِ أَشهَدُها *** مِن باطِنِ العِلمِ دونَها النَظَرُ

فَالجودُ إِن آمَنوا وَإِن شَكَروا *** وَالقَهرُ إِن كَذَبوا وَإِن كَفَروا

وَالعَدلُ إِن عَذَّبوا وَإِن هتَكوا *** وَالفَضلُ إِن رَحَموا وَإِن سُتَروا

لا أَجهَلُ الحِكمَةَ الَّتي بَرَزَت *** في ضِمنِ إِيجادِهِم وَلا أَذَرُ

وتقدم معكم أن لله حِكَم في كل ما يخلق و يفعل وليس له غرض؛ لأنه ما يحتاج إلى شيء ولا يريد  من أحد شيء وهو الغني عن كل شيء ولكن له حكمة.

يقول: 

لا أَجهَلُ الحِكمَةَ الَّتي بَرَزَت *** في ضِمنِ إِيجادِهِم وَلا أَذَرُ

الجَبرُ وَالاِعتِزالِ مُطَرِحٌ *** ……………………….

لا أقول بالجبر ولا بكلام المعتزلة، لا أنا منزوع الاختيار، والله أعطاني اختيار وأثبته. أقول ما لي اختيار؟! ولا أنا بهذا الاختيار مختال، أقول أخلق بنفسي خير أو شر! لا، لا، ما أنا خالق، أنا مكتسب فقط تحت القدر والقدرة.

الِجبرِ وَالاِعتِزالِ مُطَرحٌ *** فَالمَذهَبانِ كِلاهُما ضَرَرُ

أَنفي وَأثبَتَ غَيرَ مُكتَرِثٍ *** بِقَولِ مَن قالَ أن ذا خَطَرُ

أُثبت ما أثبته الله، وأنفي ما نفاه الله ورسوله، ولا التفات لي إلى ما يقول ذا ولا ذاك. 

وَالمَذهَبُ المُستَقيمِ أَذهَبَهُ *** نَصُّ الكِتابِ وَصَرحُ الخَبَرُ

صِرف اليَقينَ وَمَحضَ مَعرِفَةَ *** خُصِّ الشُهودِ وَعَمَمِ القَدَرُ

لا أَدخُلَ الشَكَّ بَيتَ مُعتَقِدي *** أُغلقهُ أَو تَدُقَّهُ الغِيَرُ

هَذا الَّذي مِن أَجلِهِ جَزَعَت *** نَفسي وَصارَ قَرينُها الضَجَرُ

وأخذ في لجوءه إلى ربه، يقول:

يا مَلجِئي لا أَقولُ في حَرَجٍ *** بَل لا أَزالُ إِلَيكَ مُفتَقَرُ

دُهيتُ بِالحُمقِ إِن زويتَ وَقَد *** صَرَفَتني في الوجود أَفتَخِرُ

رِدائي الذُلُّ ما حَييتُ كَما *** ……………………

متذلل بين يديك، متذلل لك ماحييت طول عمري ما أعرف إلا الذلة لك.

رِدائي الذُلُّ ما حَييتُ كَما *** أَنّي بِعَجزي أَصبَحتُ مُتَّزِرُ 

إزاري العجز أنا عاجز..

وَصَف العَبيد وَلا أُفارِقُهُ *** حَسبي بِهِ وَعَلَيهِ أَفتَقرُ

يا رب يا أملي ويا عضُدي *** يا ملجئي يا ملاذُ يا وَزَرُ

كم لك من منّةٍ ومن نِعَمٍ ***عليّ تترى مواهبٌ غُرَرُ

لو كان لي عمر الدنا … *** …………………

ما هو عمر ستين، سبعين، ثمانين…عمر الدنا؛ من يوم خلقت الدنيا إلى أن تقيم الساعة

لو كان لي عمر الدنا ومضى *** في الشكر كان يفوقه العُشُر

عُشر مما أعطيتني يفوق هذا الشكر كله. لو أنا عابد لك وساجد من يوم خلقت الدنيا واستمر لك عبادتي وسجودي وشكري لك إلى أن ينفخ في الصور، هذا كله ما يساوي شُكر عُشر مما أعطيتني، ما يساوي شُكر عُشر مما تفضلت به عليّ. لا إله إلا الله!...

لو كان لي عمر الدنا ومضى *** في الشكر كان يفوقه العُشُر

لكنني قد بقيت معترفًا ***  بالعجز في الشكر فانتفى الحذر 

انتفى الحذر: أنا معترف لك أني عاجز عن شكرك.

عاملتني بالجميل مبتدئاً *** جعلتني أثراً وما أثرُ

 أنا لا شيء أصلا عدم، ما لي وجود (هَلْ أَتَىٰ عَلَى الْإِنسَانِ حِينٌ مِّنَ الدَّهْرِ لَمْ يَكُن شَيْئًا مَّذْكُورًا) [الإنسان:1]، خلقتني وجعلتني إنسان ومسلم ومؤمن وفي تبعية محمد وعالم… جعلتني أثراً وما أثر:  أصلا ما أنا شيء.. 

ما كادت الفانيات توقفني *** إلا زَوَتها العلوم والفكر

أبعدتها عني بنور العلم والفكر الصافي.

ولا أتاني اللعين يفتنني *** إلا رماه من العُلا شررُ

صرفته عني وأبعدته مني.

لله في خلقه سرائر لا *** تُحصى ولا تهتدي لها البصر

للسِرِّ قومٌ لحَمْله صلحوا *** كم من خبيرٍ نصيبه الخبر

يتكلم فقط.. يعرف يتكلم، ما يذوق، ما يشهد، ما يعاين… يعرف يتكلم

…………………….. *** كم من خبيرٍ نصيبه الخبر

مامعه إلا الخبر، ماعنده من الخُبر شيء والعياذ بالله تبارك وتعالى.

يا رب لا تجعل نصيبنا الهذيان، ولا لقلقة اللسان، كما أكرمتنا بذكر أخبارهم وأحوالهم التي بها منحتهم و مننت بها  عليهم، فلا تحرمنا خير ما عندك لشر ما عندنا، ووفر حظنا مما أعطيتهم يا ربنا.

"فبه لا بي أنا اليوم شاكر"، فأنا اليوم شاكر لله تعالى على ذلك، وكان شكري له به لا بي لأنه جعلني موحداً قبل وجودي ومعاني توحيدي، ووفقني وعلمني طرائق التوحيد فلله الحمد شكرا"، اللهم لك الحمد شكرا ولك المن فضلا. اللهم ما أمسى بنا من نعمة أو بأحد من خلقك فمنك وحدك لا شريك لك، فلك الحمد ولك الشكر على ذلك عدد خلقك ورضا نفسك وزنة عرشك ومداد كلماتك.

 

نسأل الله أن يصلح لنا الشأن كله في الدارين، ويجعلنا في الهداة المهتدين المترقين أعلى أعلى أعلى مراتب علم اليقين وعين اليقين وحق اليقين.

وأكرم هذه الأمة بحسن التلقي لفائضات الجود والإحسان، وحسن النظر في ما أُوحى إلى قلب سيد الأكوان، ونقّاها عن جميع الأدران وعن الران، ونشر نور المحبة والألفة والاقتداء والقُربة والنقاء وسلامة القلوب ونقائها عن كل شوب، وسقانا من أحلى مشروب، ولا حرمنا خير ما عنده لِشَر ما عندنا، وتولّانا بما هو أهله حيث ما كنا وأينما كنا، اللهم إيانا وأحبابنا وعموم المسلمين في قبضتك حيث ما كنا فلاحظنا بعين عنايتك حيث ما كنا، اللهم إنا وإياهم والمسلمين في قبضتك أينما كنا فلاحظنا بعين عنايتك أينما كنا، اللهم إنا وإياهم والمسلمين في قبضتك حيث ما كنا وأين ما كنا فاجعلنا في رحمتك حيث ما كنا وأين ما كنا.

اللهم اجعل مستقر العلم النافع قلوبنا، ومستقر أربابه ديارنا، اللهم اجعل مستقر المعرفة بالله قلوبنا، ومستقر أربابها ديارنا، اللهم اجعل مستقر الورع الحاجز قلوبنا، ومستقر أربابه ديارنا، اللهم اجعل مستقر اليقين التام قلوبنا، ومستقر أربابه ديارنا.

ثبّتنا على الحق في ما نقول، وثبتنا على الحق في ما نفعل، ثبتنا على الحق في ما نعتقد، خذ بأيدينا إليك أخذ أهل الفضل والكرم عليك، لا تكلنا إلى أنفسنا ولا إلى أحد من خلقك طرفة عين، وفرّج كروب المسلمين.

واجعل هذا العام من أبرك الأعوام علينا وعلى جميع أهل الإسلام، أعلي اللهم الدرجات، والدينا ومشايخنا  وذوي الحقوق علينا، والمنتقل إلى رحمة الله سبحانه وتعالى: محمد بن معن بديع الكيلاني، الله يغفر له ويرحمه، ويضاعف حسناته، ويجعل قبره روضة من رياض جناته، أن الله سبحانه وتعالى يضاعف كل حسنة من حسناته الى مالا نهاية، ويبدل كل سيئة من سيئاته الى حسنات تامات، ويتحمل عنا وعنه جميع التبعات، يجعلها أبرك الليالي عليه، وأسعد الأيام لديه، و يجمعنا به في دار الكرامة ومستقر الرحمة وهو راضٍ عنا، يخلفه فينا وفي أهله وذويه وأولاده وأهل بلده والمسلمين بخلف صالح، وأن الله سبحانه وتعالى يجعل مستقر روحه في الفردوس الأعلى، وأن الله سبحانه وتعالى يظله بظل عرشه يوم لا ظل إلا ظله، ويظله بظل اللواء المعقود، ويرده على الحوض المورود، في أوائل أهل الورود، ويرحم موتانا وموتى المسلمين برحمة واسعة وهنيئة عامة، وأن الله سبحانه وتعالى يدفع السوء عنا وعن الأمة، يبارك في ولده، يجعل له لقاء في عالم الأرواح وعطايا منّاح، وجود وفتح من الفتاح، ومآل إلى الاجتماع في البرازخ وفي القيامة وفي دار الكرامة وهو راضٍ عنا وعنهم في خير ولطف وعافية جالبة لكل خير دافعة لكل شر لنا وللمسلمين، الفاتحة.

 

 

تاريخ النشر الهجري

27 مُحرَّم 1448

تاريخ النشر الميلادي

12 يوليو 2026

اضافة إلى المفضلة

كتابة فائدة متعلقة بالمادة

الأقسام