شرح قصيدة (لذاتي بذاتي) - 7 | من قوله: وما مِلتُ يوماً عنك للغير سلوة

للاستماع إلى الدرس

الدرس السابع للعلامة الحبيب عمر بن محمد بن حفيظ في كتاب: شرح قصيدة الشيخ عبدالغني النابلسي: (لذاتي بذاتي) للحبيب أحمد بن أبي بكر بن سميط.
مساء الجمعة 25 محرم 1448هـ

ضمن دروس الدورة الصيفية الثالثة بمعهد الرحمة بالأردن.

وما مِلتُ يومًا عنك للغير سلوةً *** وكيف ويا نوري معي أنتَ حاضرُ
وأنت رفيقي لا رفيق سواك لي *** وإن أنا عن إبقاء حقّك قاصرُ
أحبّك لا بي بل بك الحبّ مِنّة *** عليّ كما أني بك الآن شاكرُ
يقول عذولي لا تخاطر بقربهِ *** وهل يدرك المأمول إلا المخاطرُ
وإني لأدري أنّ طرق وصاله *** تدور على الأقوام فيها الدوائرُ
ولكن له سلمتُ نفسي فإن يُرِد *** هداها وإن يضلل فما هو جائرُ

من أبرز ما جاء في الدرس:

  • تجلي الله في الأكوان والارتقاء إلى معنى الشهود الرباني (قصة نداء سيدنا موسى)
  • ​ذكر المعيّة (الله معي، الله ناظري) وأثره في تحقق الحضور مع الله
  • ​اعتراف العبد بالقصور عن إيفاء حقوق الربوبية مهما بلغ في المعرفة
  • حقيقة الشكر وأن التوفيق للطاعة والحمد منة كبرى تستوجب شكراً جديداً
  • مجاهدة قواطع النفس والهوى والدنيا والشيطان لبلوغ مقامات المحبين
  • ​بيان مقامات اليقين وأهميتها في السير إلى الله
  • ​الإجابة عن سؤال: الفرق بين النور والروح
  • ​التوفيق الإلهي وعجز الإنسان

نص الدرس مكتوب:

بسم الله الرحمن الرحيم 

[شرحُ البيت الثامنَ عشر]

ثم قال نفع الله به:

وما ملتُ يومًا عنك للغير سلوةً *** وكيف ويا نُوري مَعِي أنتَ حاضِرُ

هذا خطابٌ في رقيقِ حجابٍ، مؤكِّدٌ لما تقدمَ من قوله: "لأنت المنى"، الخ. أي: لا ملتُ عنك يوما. وقولَه: "كيف" استفهامٌ انكاريّ بمعنى النفي. أي: لا أسلو والحالُ يا نوري مَعي أنتَ حاضِر. أي: يا نوريَ الذي بك رأيتُكَ، وتركت ما سواك.

وقوله: "معي أنت حاضِر"، هذا القائلُ عبدٌ تحقّقتْ له مقاماتُ القربِ، ووصل إلى مقام الشهُود والمراقبة، وتحقق له قولُه -تعالى-: (وَهُوَ مَعَكُمْ أَيْنَ مَا كُنتُمْ ۚ) [الحديد:4]، فهو حاضرٌ مع الله دائماً. أي : لا يشهَد غيره -تعالى-، وهو دأبُ أهل الله.

قال سيدي عمر بن الفارض -رحمه الله تعالى-:

ولو خطرَتْ لي في سِواكَ إرادةٌ *** على خاطري يوماً قضيتُ برِدَّتي

 

[شرحُ البيت التاسعَ عشر]

ثم قال نفع الله به:

وأنتَ رفيقِي لا رفيْقَ سواكَ لي *** وإن أنا عن إيفَاء حقِّك قاصرُ

"وأنت رفيقي لا رفيق سواك لي"؛ أي: لا رفيق لي سواك لأني رفضت السوى فلا أشهد غيرك. وقوله: "وإن أنا عن إيفاء حقك قاصر" اعترافٌ منه بعدم القيام بحقوق الربوبية. أي: وإن كنتُ قاصرًا عن ايفاء حقكَ، فإن العبْدَ وإن بلغ الغاية والنهاية في المعرفةِ والانقطاع إلى الله تعالى، لم يَفِ بحقوقه -تعالى-؛ كما قال نبيَّه عليه السلام: "سبحانَ من لا يعلمُ قدرَه غيرُه، ولا يبلغ الواصفونَ صفتَه". وقال تعالى: (وَمَا قَدَرُوا اللَّهَ حَقَّ قَدْرِهِ) [الزمر:67]، أي: ما عظّموه حقَّ تعظِيمه.

 

ما شاء الله لا قوة إلا بالله.

الحمد لله مولانا الحق الملك الجليل، السميع البصير، اللطيف الخبير، الحي القيوم، الواحد الأحد الفرد الصمد، لا إله إلا هو وحده لا شريك له. أرسل إلينا عبده المجتبى محمدًا بالهدى ودين الحق ليظهره على الدين كله ولو كره المشركون، وجعلنا به خير أمة، فكان في خيار هذه الأمة أعلى ما وهب الله -تعالى- أخيار الأمم من التجلي والتملّي والتعلّي والتخلّي والتحلّي، والشهود الأسنى بأنوار البصائر لقدس القدوس -جل جلاله وتعالى في علاه- في مجالي الموجودات والكائنات وحضور الحظائر القدسيات، وذلك فضل الله يؤتيه من يشاء.

فصلِّ اللهم على مفتاح باب الرحمات عبدك المختار خير البريات سيدنا محمد وعلى آله المطهّرين وأصحابه الغر الميامين، ومن والاهم فيك واتبعهم بإحسانٍ إلى يوم الدين، وعلينا معهم وفيهم برحمتك يا أرحم الراحمين.

وبعدُ، 

يواصل الشيخ -عليه رحمة الله- ذكر المعاني البديعة في حال العبد الصادق المخلص مع ربه الذي أكرمه بشهوده -سبحانه وتعالى- في كل شيء، وتجليه في كل شيء وبكل شيء. ولقد أشار الحق تعالى إلى هذا المعنى الأجل الأكرم فيما خصَّ به سيدنا موسى -عليه السلام- من الخطاب عند الإرسال فقال: (فَلَمَّا أَتَاهَا نُودِيَ مِن شَاطِئِ الْوَادِ الْأَيْمَنِ فِي الْبُقْعَةِ الْمُبَارَكَةِ مِنَ الشَّجَرَةِ أَن يَا مُوسَىٰ إِنِّي أَنَا اللَّهُ) [القصص:30].

 فقوله: (مِنَ الشَّجَرَةِ)؛ إشارة إلى أن تجليه -سبحانه وتعالى-، ما يحتملها العباد إلا بوسائط، وبتجلّ في الأفعال والموجودات.

فقال: إن  النداء من الشجرة، وليست الشجرة ولا غيرها بمحيطة بنداء الحق، ولكن الله جعل المجلى لسيدنا موسى من خلال تلك الشجرة ليسمع كلام الرب جل جلاله وتعالى وعلاه.

كما أنك تسمع من خلال هذه الآلات والأجهزة والأصوات من يناديك من بعيد وهو في مكان وأنت في مكان، ومن خلال الجهاز تسمع صوته؛ ولكن الحق -تبارك وتعالى- نداؤه وخطابه ليس بلغة ولا حرف ولا صوت ولا شيء يشبه الآدميين؛ ولكن ما جلّى لسيدنا موسى من أسرار كلامه فََهِمَ منه، فكان مجلى التجلي له في تلك الشجرة. فصار إذًا جميع الكائنات آلات لأنْ تُخاطَب بسر ما فيها من أسرار قدرته وإرادته، جل جلاله وتعالى في علاه.

ولما أرسل سيدنا عيسى ابن مريم عليه السلام رسلًا إلى قرية أنطاكية، وأرسل اثنين وعززهم بثالث نسب الرحمن هذا الإرسال إليه، فقال تعالى: (وَاضْرِبْ لَهُم مَّثَلًا أَصْحَابَ الْقَرْيَةِ إِذْ جَاءَهَا الْمُرْسَلُونَ * إِذْ أَرْسَلْنَا إِلَيْهِمُ اثْنَيْنِ)، وإنما هم من أصحاب سيدنا عيسى أرسلهم إلى أولئك يدعونهم إلى الله تعالى، (فَكَذَّبُوهُمَا فَعَزَّزْنَا بِثَالِثٍ فَقَالُوا إِنَّا إِلَيْكُم مُّرْسَلُونَ)[يس:13-14]، وهم أرسلهم سيدنا عيسى ابن مريم عليه السلام.

وهكذا.. يرفعك هذا إلى ترق في درجات عُلا تفهم فيها معنى خطاب الحق لسادتنا الصحابة، أو إخباره عنهم وعن مبايعاتهم في قوله لنبيه: (إِنَّ الَّذِينَ يُبَايِعُونَكَ إِنَّمَا يُبَايِعُونَ اللَّهَ يَدُ اللَّهِ فَوْقَ أَيْدِيهِمْ ۚ) [الفتح:10]. صلى الله عليه وآله وصحبه وسلم.

وصاحِب هذا الارتقاء إلى هذا الشهود الرباني يخجل ويستحيي أن يشهد الغير، ويلتفت إلى الغير، ويقف مع الغير، ولهذا يقول: "وما مِلتُ يومًا عنك للغير سلوة"؛ وكيف أسلو عنك وأميل إلى الغير؟ "وكيف ويا نُوري مَعِي أنتَ حاضِرُ" ومع شهودي حضورك.. كيف أقدر ألتفت إلى الغير، أو أميل إلى الغير، أو أقف عند الغير وأنت حاضر معي؟! لا إله إلا الله...

لهذا كان فيما يسمى "ذكر المعية" فتح لكثير من عباد الله -تبارك وتعالى- وكشف لكثير من الحُجب: "الله معي، الله شاهدي، الله حاضري، الله ناظري -وفي لفظ: الله ناظر إليّ- الله قريب مني". وكان يلقنها سيدنا سهل الجنيد، يلقنها خاله السَّري السقطي يقول له -وهو في الصغر والصبا على الفراش- يقول له: قل بقلبك بدون أن تحرك لسانك قبل النوم: "الله معي، الله شاهدي، الله حاضري، الله ناظري، الله قريب مني". وقالها خمس مرات فأحس لها بحلاوة، قال له: قلها سبع، ثم أمره يزيدها إلى إحدى عشر، قال: فوجدت لها حلاوة، فيقول يا جنيد: مَن كان الله معه وهو شاهده هل يعصيه؟ قال: لا. فربّاه على ذلك. 

ووجد الكثير فيها الفتح فينبغي أن يعتني بها، "الله معي، الله شاهدي، الله حاضري، الله ناظري، الله قريب مني". يقرأها. أما قبل النوم فبالقلب من دون حركة اللسان، وفي أي وقت يقرؤها، بأي عدد يتيسر له ليُرَسِّخ في نفسه الحضور، ويتهيأ للارتقاء إلى الشهود.

قال: 

وما ملت يوماً عنك للغير سلوةً *** وكيف ويا نوري معي أنت حاضرُ

كيف وأنت حاضر معي، يقول: "هذا خطابٌ في رقيقِ حجابٍ، مؤكِّدٌ لما تقدمَ من قوله: لأنت المنى"  ما لي منى سواك، ولا مراد غيرك، "لا ملت عنك يوماً،  وقولَه: "كيف" استفهامٌ انكاريّ بمعنى النفي. أي: لا أسلو والحالُ يا نوري مَعي أنتَ حاضِر"، ما دام هكذا، والحال أنه كيف أسلو وأنت يا نوري معي؟ "يا نوري" هذا الذي بك رأيتك، أي رأى قلبي سنا معاني صفاتك، عظيم معاني أسمائك، وسمو وعليّ تجلي علوّك وكبريائك وعظمتك. هذا معناه "بك"، بفضلك وإحسانك إلي وقفت بصيرتي على هذه المشاهدات العلية، فصرت أرى معاني أوصافك وأسمائك رؤيا شهود وعيان، لا مجرد إيمان وتصديق. فآمنت وصدقت، ثم أحسست وشعرت، ثم شاهدَت روحي معاني عظمة أسمائك وصفاتك العلية.

يقول: وتركت ما سواك، "معي أنت حاضر"، قال: "عبدٌ تحقّقتْ له مقاماتُ القربِ، ووصل إلى مقام الشهُود والمراقبة" للملك المعبود، تحقق معنى قوله تعالى: (وَهُوَ مَعَكُمْ أَيْنَ مَا كُنتُمْ ۚ)، ما هو مجرد إيمان (وَهُوَ مَعَكُمْ أَيْنَ مَا كُنتُمْ ۚ) [الحديد:4] يؤمن ويصدق بها ويتيقن ويتحقق ذلك ويعاين ويشاهد أنه معه، لا إله إلا هو جل جلاله وتعالى في علاه. 

وهذا هو المعنى الذي يجب أن نرتقي إليه فيما أوحاه بصراحة إلى نبيه محمد ﷺ في قوله: (مَا يَكُونُ مِن نَّجْوَىٰ ثَلَاثَةٍ إِلَّا هُوَ رَابِعُهُمْ وَلَا خَمْسَةٍ إِلَّا هُوَ سَادِسُهُمْ وَلَا أَدْنَىٰ مِن ذَٰلِكَ وَلَا أَكْثَرَ إِلَّا هُوَ مَعَهُمْ أَيْنَ مَا كَانُوا ۖ) [المجادلة:7]. -لا إله إلا هو-، فالغفلة والانقطاع من العباد أنفسهم؛ الرب جلَّ عن ذلك. وكل هذا كما أسلف وتقدم في كلامه أنه: 

  • ليس معناه شيء من الحلول والاتحاد ولا شيء مما يتبادر للأذهان. 
  • بل تجلٍ للجمال والجلال والكمال الإلهي بمعاني مشهودة بالبصائر، كأنهم يرونها رأي العين، كما يُروى "أو أصبحت كأني أرى ربي بارزًا".

 وكل ذلك مندرج في معاني قوله -عليه الصلاة والسلام-: "أن تعبد الله كأنك تراه، فإن لم تكن تراه فإنه يراك" جل جلاله.

يقول: 

ولو خطرَتْ لي في سِواكَ إرادةٌ *** على خاطري يوماً قضيتُ برِدَّتي

يعني: ارتددت عن دين الشهود ودين الحضور معك، يعني: حكمت بردَّتي، حكمت بعدم استغراقي فيك، وعدم حسن أدبي معك، وغفلتي عنك، هذه الردة التي عناها، ما هو خروج من الإسلام أصله، ردة عن مقام الشهود، ردة عن الفناء في المعبود الموجود سبحانه وتعالى. 

ولو خطرَتْ لي في سِواكَ إرادةٌ *** على خاطري يوماً قضيتُ برِدَّتي

 

ويقول في أبياته الأخرى:

وقفٌ عليه محبتي ولمحنتي *** بأقل من تلفي به لا أشتفي

"وقف عليه محبتي" له فقط… "ولمحنتي" أي: تعلق قلبي بعشقه وهواه "بأقل من تلفي به لا أشتفي"؛ ما يشتفي خاطري حتى أتلف فيه ماعاد يبقى لي بقية، ما يبقى فيه بقية، "بأقل من تلفي به لا أشتفي".

ولئن رضي غيري بطيف خياله *** فأنا الذي بوصاله لا أكتفي

لا إله إلا الله.

ومن فُتِح له باب في هذه المعاني لم يكلَّ عن طلب الزيادة، كيف وقد قال الرحمن لسيدهم على الإطلاق في الغيب والشهادة: (وَقُل رَّبِّ زِدْنِي عِلْمًا) [طه:114]. اللهم صلّ عليه وعلى آله وصحبه. يا رب وفقنا وخذ بأيدينا وزدنا من نوالك ما أنت أهله يا أرحم الراحمين.

يقول: 

"وأنت رفيقي لا رفيقَ سواك لي"

أنت رفيقي المحيط بي وبكل شيء، المتفضل المنعم علي. لا رفيق سواك يكون بهذه المثابة من المرافقة أصلًا، ما حد لي رفيق يحيط بي، ما حد لي رفيق غيرك يعلم ظاهري وباطني، ما حد لي رفيق غيرك يرحمني مثلك، مثل ما رحمتك لي، ما شي، مايتأتى يوجد رفيق، لا رفيق لي سواك.

 ".... لا رفيق سواك لي***وإن أنا عن إيفاء حقك قاصر" 

مهما قصرت ومهما كان، ما أجد غيرك أصلًا، أنا معك، ولك، وبك، بين يديك.. ولا لي مهرب ولا لي ملجأ ولا لي مفر، أين أفر؟ إلى أين أفر؟  عند مَن أفر؟ فأنا بتقصيري وبعجزي على بابك وحاضر معك، ولا أزال أبذل وسعي في مشاهدة جلالك وجمالك في مختلف الأحوال، وكل ذلك على قدري أنا، على قدر ما تفضلت به علي من هذا الإجلاء ومن هذا الإبراز ومن هذا التجلي. وأما أنت من حيث أنت؛ فلا أنا ولا غيري يعرفك ويحيط بك -جل جلالك-، أنت أكبر من ذلك، الله أكبر. 

فكل ما عرفه العارف من الملائكة ومَن دونهم، ومن النبيين ومَن دونهم، مقرَّبين وصديقين، لا يزال على حقيقة: "الله أكبر"، كل ما وصلوا إليه من المعرفة هو أكبر، هو أكبر من ذلك -جل جلاله-، كل ما انتهوا إليه من معرفته وشهوده هو أكبر، الله أكبر -جل جلاله-، فلا يتأتى الإحاطة به قطعًا، لا في الدنيا ولا في الآخرة، ولكنها مراتب في القرب، ما أصفاها وما أهناها وما أجلَّها وما أجملها وما أفضلها وما ألذّها وما أحلاها، يا فوز مَن حَصَّل نصيبه منها.

على نفسه فليبكِ مَن ضاع عمره *** وليس له منها نصيب ولا سهمُ 

اللهم لا تحرمنا خير ما عندك لشر ما عندنا.

قال: لا رفيق لي سواك لأني رفضت السوى، ولا أشهده، من هو ذا السوى الذي بيرافقني مرافقتك؟

 قال سيدنا علي لما يقرأ دعاء الخروج في السفر، يقول: "اللهم أنت الصاحب في السفر والخليفة في الأهل والمال والولد، ولا يجمعهما غيرك". ماحد غيرك يكون رفيق معي وخليفة في أهلي، كيف؟! إما أخلفه في أهلي وهو ما عاد هو رفيق معي، أو يرافقني وما عاد حد هو عند أهلي، لكن: "أنت الصاحب في السفر والخليفة في الأهل والمال" -لا إله إلا الله، سبحانه وتعالى في علاه-، قال: "ولا يجمعهما غيرك". لا إله إلا الله...

وهكذا سيدنا أبو بكر الصديق لما خرج معه في غزوة تبوك، "قال له: ما تركت لأهلك وولدك؟ قال: الله ورسوله!". وهو داري النبي بيقعد عند أهله أو بيخرج؟! وهو وإياه خارجين معًا، بيخرج من المدينة إلى تبوك. قال: الله ورسوله لأهلي، تركت لأهلي الله ورسوله. اللهم صلّ عليه وعلى آله، ياربنا صل على المصطفى وآله وصحبه.

يقول: "فلا أشهد غيرك. وقوله"وإن أنا عن إيفاء حقك قاصر"، اعترافٌ منه بعدم القيام بحقوق الربوبية"، -لا إله إلا الله- "أي وإن كنت قاصرًا عن إيفاء حقك، فإن العبد وإن بلغ الغاية والنهاية فيما يقدر عليه في المعرفة والانقطاع إلى الله -تعالى- لم يفِ بحقوقه -تعالى-".

قلنا: لم يزل الله أكبر. هذا ليُجعَل شعارنا عند الفرح وفي الأعياد: "الله أكبر"، شعارنا عند الدخول للصلاة: "الله أكبر". كيف أكبر؟ أكبر من أن يُحاط به، أكبر من أن يُعرف معرفة إحاطة، أكبر من كل ما عرفه العارفون فضلًا عما تخيّل المتخيلون وظن الظانون، ما تبيّن وتجلى من الحق لأهل الحق هو أكبر من ذلك، فضلاً عن الخيالات والضلالات، كل ما تخيل ببالك فالله بخلاف ذلك، (لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْءٌ ۖ) [الشورى:11]. 

لكن حتى ما تجلى من النور الخالص لمعاني أسمائه وصفاته للعارفين هو أكبر من ذلك، لكن هذا الذي تفضل به عليهم وسمحَت به إحساناته وامتناناته عليهم، ووصلوا إلى هذا المستوى الرفيع، وهو أكبر، وهو أكبر -لا إله إلا هو-. سيدهم يقول كل ليلة ﷺ: "أعوذ بمعافاتك من عقوبتك، وأعوذ برضاك من سخطك، وأعوذ بك منك سبحانك لا أحصي ثناءً عليك، أنت كما أثنيت على نفسك". فمَن غيره يحصي ثناء؟.. سيد الوجود ما يحصي ثناؤه، هل غيره يحصيه؟! من باب أولى ما حد يحصي ثناء على الله -لا إله إلا الله-، فهو أكبر وأجلّ، الله يوفِّر حظنا من عطائه الأجزل وجوده هذا الأكبر الأعظم. 

قال: "فإن العبد إن بَلَغ الغاية والنهاية في المعرفة والانقطاع إلى الله، لم يفِ بحقوقه -تعالى-. وقال نبيه عليه السلام: "سبحان مَن لا يعلم قدره غيره، ولا يبلغ الواصفون صفته"." ما شاء الله.

يقول فيما علمنا من سيد الاستغفار: "اللهم أنت ربي لا إله إلا أنت خلقتني وأنا عبدك، وأنا على عهدك ووعدك ما استطعت" -باذل جهدي كله - "أعوذ بك من شر ما صنعت، أبوء" -أعترف وأُقر-  "أبوء لك بنعمتك علي، وأبوء بذنبي، فاغفر لي فإنه لا يغفر الذنوب إلا أنت". هذا اعتراف سيد أهل العصمة فكيف يجب على غيره؟.. يا رب صلِّ عليه. 

  • قال تعالى: (وَمَا قَدَرُوا اللَّهَ حَقَّ قَدْرِهِ وَالْأَرْضُ جَمِيعًا قَبْضَتُهُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ وَالسَّمَاوَاتُ مَطْوِيَّاتٌ بِيَمِينِهِ ۚ سُبْحَانَهُ وَتَعَالَىٰ عَمَّا يُشْرِكُونَ) [الزمر:67]. 
  • (سُبْحَانَ رَبِّكَ رَبِّ الْعِزَّةِ عَمَّا يَصِفُونَ) [الصافات:180]؛ تنزه وتعالى عما يصفون، أي: ما عظموه حق تعظيمه، لا إله إلا الله.

فنعترف بالعجز والتقصير؛ ولكن ليس لنا غيره فلا بد من دوام التجائنا إليه واعتمادنا عليه سبحانه.

 

رضي الله عنكم، ثم قال نفع الله به:

[شرحُ البيت العِشرين]

ثم قال نفع الله به:

أحبُّكَ لا بي بَل بكَ الحبُّ مِنّةٌ *** عليَّ كما أني بِكَ الآن شَاكِرُ

بيَّن -رضي الله عنه- أنه أحبَّ المولى سبحانه وتعالى. أي: الحبّ الواقع من العبد، لا به. أي: لا بعمله وكسبه، بل بمولاه. كما قال: "بل بك"، الخ. أي: الحبُّ الواقع مني بكَ يا مولاي، فأنت الذي خلقتَني، ووفقتني لذلك مِنَّةً منكَ، فإن المحبةَ من أعظم مِنَن المولى على عبده، ولذا سألها نبيُّه عليه الصلاة والسلام، فقال: "اللهُمَّ إني أسألكَ حُبَّك، وحبَّ من يحبّكَ، والعملَ الذي يبلغُني حبّك". وقال تعالى لنبيه موسى عليه السلام في مقام الامتنان: (وَأَلْقَيْتُ عَلَيْكَ مَحَبَّةً مِّنِّي) [طه:39] .

وقوله: "كما أني بكَ الآن شاكِرُ"، أي : كما أن الشكرَ مني بكَ لا بي، أي : أنتَ الذي أقدرتني على ذلكَ. والتوفيقُ للشكر نعمةٌ يجب الشكر عليها، فالتوفيق للحمدِ والشكرِ من نعم الله على عبده.

 

[شرحُ البيت الحادي والعِشرين]

ثم قال نفع الله به:

يقول عَذُولي لا تخاطِرْ بقُربِه *** وهل يدرِكُ المأمولَ إلا المخَاطرُ

 العذولُ: هو اللائمُ. أي: نهاني العذولُ أن لا أخاطِر بقرْب المحبوب لما في نيله من المصَائب والمتاعب، إذ لا تُنال مقاماَتُ المحبَّين إلا بعد قطْع عقبات النفس. وقد يرادُ بالعذول هنا : النفس، والشيطان، والهوى، وإبليس. وهنّ أعداءُ الإنسان التي تصدّه عن منهج الحق.

وقوله: "هل يدركُ المأمولَ"، استفهامٌ إنكاريّ. أي: لا يدركُ المأمولَ إلا المخاطرُ الذي يستسهِلُ كِل صعْبٍ في إدراكِ الأرَبِ. وقد قيل: من لم يوطَّنْ نفسه على المرارة لا يصِلُ إلى ذوق الحلاوة. وللمتنبي شعرٌ في هذا المعنى:

تريدينَ لقْيانَ المعالي رَخيصةً *** ولا بدَّ دونَ الشّهدِ من إبَر النحْلِ

ولسيدي القطب الحداد في هذا المعنى وأجاد:

ونبئتُ أنّ الوصْلَ من قبْل نيلُه *** عِقَابٌ سعَى في قطعِهَا كل فَائز

 

الله أكبر.

يقول: بعد كل ما اعترف من إنعامه وإحسانه وتوفيقه، أن لا يميل عنه للغير أبدًا، ولا يسلو عنه بأي شيء، وهو حاضر معه، وأنه رفيقه ولا رفيق له سواه، وأنه قاصر عن أداء حقه جلّ جلاله. 

يقول: والذي تحصلت عليه هذا كله.. بك؛ لا خلقت نفسي، ولا أوجدت لنفسي الإيمان، ولا قدرت أن أصرف قلبي إليك ليتولّع بك، ولا أوقعت لنفسي بنفسي نور محبتك في القلب، أنت وهبتني كل ذلك، فإنما أحببتك بك، بإفضالك، بتوفيقك، برزقك، بإحسانك، بمنِّك، بجمالك، بتجليك، بمنحك، بفتحك… وإلا من أين أجيب المحبة! لا في خزانتي ولا خزانة أخوي ولا عمي ولا أحد ولا هي عند أحد…الله الله! فما أحببتك إلا بك وبتوفيقك، ومن أين تحبه؟ وليس المحبة وحدها والشكر كذلك، والعبادات كلها، من أين جاءتك؟ الآن صلينا المغرب، من أين قدرنا نصلي؟ لولاه من أين قدرنا نصلي؟ ولولا إحسانه، بعد ما خلقنا وجعلنا في خير أمة، لولا المدد منه بالتوفيق، والقدرة والإرادة، كيف نصلي؟ ما بنقدر أصلًا. ولكنه به -سبحانه وتعالى- الحمد لله رب العالمين. الله أكبر.

ومع ذلك ففي القيام بهذا مراتب لأهل الشهود فيه. يقول الإمام عبد الرحمن بلفقيه: 

  • فالمبتدي يقول: أصلي لله، أصلي لله، 
  • ولكن يشعر المتوسط: أصلي بالله. أصلي لله نعم لكن بالله ما هو بي أنا، أصلي لله بالله. 
  • وقال: فيأتي فوق ذلك من قويت عنده نورانية الشهود وانجلاء البصيرة فيدخل في دائرة (وَمَا رَمَيْتَ إِذْ رَمَيْتَ وَلَٰكِنَّ اللَّهَ رَمَىٰ ۚ) [الأنفال:17]، يقول: صلّى الله لي! كيف صلّى الله لي؟! خلقني، خلق الصلاة، ووفقني لها، وأقدرني عليها، وأقامني فيها، وأقامها لي.. فأيش حصل؟ قال: صلّى الله لي. يعني خلقني وخلق لي الصلاة وأقدرني عليها ومكنني من القيام بها. فمن أين جاءت هذه الصلاة كلها؟ من عنده ﷻ. (وَمَا تَشَاءُونَ إِلَّا أَن يَشَاءَ اللَّهُ رَبُّ الْعَالَمِينَ)[الإنسان:30]. إذًا الأمر كله منه وإليه، وهو كذلك. لا إله إلا الله تعالى في علاه.

يقول:

أحبُّكَ لا بي بَل بكَ الحبُّ مِنّةٌ *** عليَّ

أنت مننت عليّ حتى أحببتك. "كما أني بك الآن شاكر"، وأنا الآن شكرك بك، لولا توفيقك لأن أشكرك، كيف أشكرك؟ وكلما وفقتني لشكر كان نعمة جديدة التوفيق ذا.. يحتاج شكر، بقوم أشكرك وهو نعمة جديدة يحتاج شكر… وقال بعض الأنبياء: يا رب كيف أحمدك وأنا كلما أحمدك كان حمدي إياك منةً منك علي تحتاج إلى حمد! وكيف أشكرك وأنا كلما شكرتك كان شكري إياك مِنَّةً جديدة منك عليّ تحتاج إلى شكر؟ فأوحى الله إليه: إذا علمت ذلك فقد شكرتني!... فتعلم هذا وتعلَم أنه هو الذي سيّرك بهذا، وتعلم عجزك وما عندك شيء وأنا قبلت هذا منك خلاص، أنا أسميك شاكر وإن كان ما لك شيء أنا أسميك شاكر، فتفضل عليك بذلك.

لا إله إلا هو ما أعظم فضله وما أعظم إحسانه، لا إله إلا الله.

وإلا من الخَلق؟ وما هم؟ وأيش أصلهم!... ولكن يتفضل عليهم ويوجدهم وإذا قدهم موجودين أصلهم عدم، وإذا هو موجود وبعد الوجود ممدود؛ ذا بسمع، ذا ببصر، ذا بقوة. وبعد ذلك أمور معنوية؛ ذا بإسلام، وذا بإيمان، ذا بإحسان، وذا بعرفان، وذا بولاية، وذا بصديقية، وذا بنبوة، وذا بمَلَكية؛ ذا ملك من الملائكة وذا نبي. ويُسأل: من أين جاء؟ في الأصل ما حد له شيء، لكن هو أعطى، ورتب هذا كله، ووضع كلٌّ في موضعه، وفي مقامه، والأمر له من قبل ومن بعد، (لِلَّهِ الْأَمْرُ مِن قَبْلُ وَمِن بَعْدُ ۚ). 

تشوفون مجريات الأحداث هذه وما تناله أفهامكم وأنظاركم، ويحتجب به مَن يحتجب ويرتقي عنه مَن يرتقي، من غَلَبة ذا على ذا؟ وسلطة ذا… يقول: (الم * غُلِبَتِ الرُّومُ * فِي أَدْنَى الْأَرْضِ وَهُم مِّن بَعْدِ غَلَبِهِمْ سَيَغْلِبُونَ * فِي بِضْعِ سِنِينَ ۗ) قال واسمعوا: (لِلَّهِ الْأَمْرُ مِن قَبْلُ وَمِن بَعْدُ ۚ) [الروم:1-4]. من قبل ومن بعد ما هو لا لذا ولا ذا، ولكن يظهرها مظاهر يختبر ويبتلي عباده. 

(ذَٰلِكَ وَلَوْ يَشَاءُ اللَّهُ لَانتَصَرَ مِنْهُمْ وَلَٰكِن لِّيَبْلُوَ بَعْضَكُم بِبَعْضٍ ۗ وَالَّذِينَ قُتِلُوا فِي سَبِيلِ اللَّهِ فَلَن يُضِلَّ أَعْمَالَهُمْ * سَيَهْدِيهِمْ وَيُصْلِحُ بَالَهُمْ * وَيُدْخِلُهُمُ الْجَنَّةَ عَرَّفَهَا لَهُمْ)[محمدﷺ:4-6]. والكل مِنه قال الله سبحانه: (مَّن كَانَ يُرِيدُ الْعَاجِلَةَ عَجَّلْنَا لَهُ فِيهَا مَا نَشَاءُ لِمَن نُّرِيدُ ثُمَّ جَعَلْنَا لَهُ جَهَنَّمَ يَصْلَاهَا مَذْمُومًا مَّدْحُورًا * وَمَنْ أَرَادَ الْآخِرَةَ وَسَعَىٰ لَهَا سَعْيَهَا وَهُوَ مُؤْمِنٌ فَأُولَٰئِكَ كَانَ سَعْيُهُم مَّشْكُورًا) اسمع: (لًّا نُّمِدُّ هَٰؤُلَاءِ وَهَٰؤُلَاءِ مِنْ عَطَاءِ رَبِّكَ ۚ) -لا هؤلاء ولا هؤلاء من أين يجيبون!… (وَمَا كَانَ عَطَاءُ رَبِّكَ مَحْظُورًا * انظُرْ كَيْفَ فَضَّلْنَا بَعْضَهُمْ عَلَىٰ بَعْضٍ ۚ) [الإسراء:18-21]. وجعلنا ذا غني وذا فقير، وذا مريض وذا صحيح، وذا قوي وذا ضعيف، وذا سميع وذا أصم، وذا بصير وذا أعمى، وذا متكلم وذا أخرس، وذا وذا وذا… وخالف بينهم البين ذا أمير وذا مأمور وذا….. من كذا ومن كذا ومن كذا... وكله من عنده، ما حد منهم يملك مثقال ذرة، يحوّل ذا إلى ذا في أي لحظة كما يشاء، أو يُعدم الكل كما شاء -جل جلاله وتعالى في علاه-. وهو القادر على كل شيء، والمحيط بكل شيء -جل جلاله-. 

الله يرزقنا الأدب معه بهذه المثابة، ونحن قاعدين في غفلتنا بين يديه هكذا، نثبِت معه سوى، وما شيء سواه.. نثبت لنا وجود، والوجود وجوده -جل جلاله-، ونتخيل خيالات ونظن ظنون، وهو أكبر ولا يخفى.عسى حُسن الأدب مع الرب، والشهود الأسنى بمرآة الأطيب صلى الله عليه وصحبه وسلم. اللهم ارزقنا دوام شهودك بمرآة حبيبك صلى الله عليه وصحبه وسلم، آمين.

قال: "بيَّن -رضي الله عنه- أنه أحبَّ المولى سبحانه وتعالى. أي: الحبّ الواقع من العبد، لا به"؛ لا بالعبد وواقع به وفيه، "أي: لا بعمله وكسبه، بل بمولاه." سبحانه وتعالى. ومن أين يأتي علمه وكسبه؟ ولا يحيطون بشيء من علمه إلا بما شاء.

  • (وَاللَّهُ أَخْرَجَكُم مِّن بُطُونِ أُمَّهَاتِكُمْ لَا تَعْلَمُونَ شَيْئًا وَجَعَلَ لَكُمُ السَّمْعَ وَالْأَبْصَارَ وَالْأَفْئِدَةَ ۙ لَعَلَّكُمْ تَشْكُرُونَ) [النحل:78]. 
  • (الَّذِي عَلَّمَ بِالْقَلَمِ * عَلَّمَ الْإِنسَانَ مَا لَمْ يَعْلَمْ) [العلق:4-5] 

علّم الملائكة هو، وعلّم الجن هو، وعلّم كل الكائنات ما عندها من معلومات، هو من يعلمها وإلا أصلها معدومة ولا تعلم شيء. وبعدين (قَدَّرَ فَهَدَىٰ)، قدر فهدى بذرة صغيرة تبذرها في الأرض، إن حطيت رأسها إلى الأرض أو إلى فوق أو إلى اليمين أو إلى اليسار أو إلى الأمام أو الخلف، اسقها تنقلب، تعرف من أين تطلع كذا، لا تروح وسط الأرض على يمين ولا يسار ولا تنزل تحت، تطلع كذا! أيش هذا؟ من قال لها؟ أنت اقلبها وادفنها واسقها هي تنقلب تطلع كذا، ما تروح لا تحت ولا تجي يمين ولا شمال ولا أمام ولا خلف! مَن يقول لها شوفي الطريق هنا! ارجعي إلى كذا!... لا إله إلا هو. 

  • (أَفَرَأَيْتُم مَّا تَحْرُثُونَ * أَأَنتُمْ تَزْرَعُونَهُ أَمْ نَحْنُ الزَّارِعُونَ) [الواقعة:63-64].
  • (أَمَّنْ خَلَقَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ وَأَنزَلَ لَكُم مِّنَ السَّمَاءِ مَاءً فَأَنبَتْنَا بِهِ حَدَائِقَ ذَاتَ بَهْجَةٍ مَّا كَانَ لَكُمْ أَن تُنبِتُوا شَجَرَهَا ۗ أَإِلَٰهٌ مَّعَ اللَّهِ ۚ)[النمل:60] أإله مع الله؟!.. جلّ جلاله.

و(قَدَّرَ فَهَدَىٰ)[الأعلى:3]، قَدَّرَ فَهَدَىٰ؛ علم الطفل في بطن أمه، يقوم ويقعد، إيش مِن فريق رياضي دخل وسط بطن الأم يقول له: قم واقعد! واتكئ، متكى على اليمين كبد، متكى على اليسار طحال، بعدين يجي وقت الولادة، يقول له انقلب، الطريق هنا، وإلا أيش بيدفعه من رأسه إلى فوق، يقول له: انقلب كذا واخرج من كذا.. (ثُمَّ السَّبِيلَ يَسَّرَهُ) (مِن نُّطْفَةٍ خَلَقَهُ فَقَدَّرَهُ * ثُمَّ السَّبِيلَ يَسَّرَهُ) [عبس:19-20]؛ سهل له طريق، يخرج من بطن أمه، كان من حين ما نُفخ فيه الروح في بطن أمه ما ياكل من فمه شيء أبدًا، وما يدخل فمه شيء، أول ما يخرج اسمع: الآن حال ثانٍ، التغذية ما عادها من السرة، مقطوعة السرة الآن، افتح فمك، ابلع.. من بيفهّمه هذا الحين؟ بأي لغة بتفهّمه؟ خرج من بطن أمه بتقول له: افتح فمك كذا، ابلع!... خلاص خلُّه..(قَدَّرَ فَهَدَىٰ). من نفسه يعرف، وأنت لك أشهر في بطن أمك ما بدا مصيت شيّ، ولا بدا دخل من فمك حبة، وذا الحين… بسرعة؟ الله، لا إله إلا الله..

وهكذا حتى الحيوانات يرتبها يقدّرها: (وَأَوْحَىٰ رَبُّكَ إِلَى النَّحْلِ أَنِ اتَّخِذِي مِنَ الْجِبَالِ بُيُوتًا وَمِنَ الشَّجَرِ وَمِمَّا يَعْرِشُونَ * ثُمَّ كُلِي مِن كُلِّ الثَّمَرَاتِ فَاسْلُكِي سُبُلَ رَبِّكِ ذُلُلًا ۚ يَخْرُجُ مِن بُطُونِهَا شَرَابٌ) [النحل:68-69] وصلّحي البيت حقك بشكل مسدس هندسي يليق بحياتك ووضع العسل وترتيبه تمام، وتطلعه بالشكل… لا إله إلا هو قَدَّرَ فَهَدَىٰ. 

كان يقول الحبيب أبوبكر العطاس: "لو تكلمت على ما أورد الله في قلبي في معنى (قَدَّرَ فَهَدَىٰ) لعجزت كتبة الدنيا". الذي قدّر فهدى الله -لا إله إلا هو- (وَخَلَقَ كُلَّ شَيْءٍ فَقَدَّرَهُ تَقْدِيرًا) [الفرقان:2] سبحانه.

قال: "فأنت الذي خلقتَني، ووفقتني لذلك مِنَّةً منكَ، فإن المحبةَ من أعظم مِنَن المولى على عبده" اللهم نسألك حبك، سألها النبي محمد وعلمنا أن نسألها، والله يوفر حظنا منها، اللهُمَّ إنا نسألكَ حُبَّك، وحبَّ من يحبّكَ، وحب عمل يبلغُنا إلى حبّك، اللهم آمين.

يقول: 

  • "اللهم إني أسألك حبك" وهو سيد المحبين
  •  "وحب مَن يحبك" وهو أولهم
  • "والعمل الذي يبلغني حبك" وهو سيد العاملين والعابدين ﷺ. 

وعلمنا كيف نسأل ربنا: اللهم إنا نسألك حبك وحب مَن يحبك والعمل الذي يبلغنا حبك. 

"ولايزال عبدي يتقرب إلي بالنوافل بعد أداء الفرائض حتى أحبه". وقال تعالى لنبيه موسى عليه السلام في مقام الامتنان: (وَأَلْقَيْتُ عَلَيْكَ مَحَبَّةً مِّنِّي وَلِتُصْنَعَ عَلَىٰ عَيْنِي) [طه:39]، (وَاصْطَنَعْتُكَ لِنَفْسِي) [طه:41]. 

وقال لسيد المرسلين: (وَاصْبِرْ لِحُكْمِ رَبِّكَ فَإِنَّكَ بِأَعْيُنِنَا). أيش أيش أيش يقول الرب لحبببه؟ (فَإِنَّكَ بِأَعْيُنِنَا).. (فَإِنَّكَ بِأَعْيُنِنَا) أين محمد هذا؟ إيش حال محمد؟ من يعرف حال محمد ﷺ؟ (فَإِنَّكَ بِأَعْيُنِنَا). (وَسَبِّحْ بِحَمْدِ رَبِّكَ حِينَ تَقُومُ * وَمِنَ اللَّيْلِ فَسَبِّحْهُ وَإِدْبَارَ النُّجُومِ) [الطور:47-49]. قال لسيدنا موسى: (وَأَلْقَيْتُ عَلَيْكَ مَحَبَّةً مِّنِّي وَلِتُصْنَعَ عَلَىٰ عَيْنِي). 

يقول: ''كما أني بك الآن شاكر"، "أي: كما أن الشكر مني بك لا بي، أي: أنت الذي أقدرتني على ذلك. والتوفيق للشكر نعمة يجب الشكر عليها، والتوفيق للحمد والشكر من نعم الله على عبده." "اللهم ما أمسى بنا من نعمة أو بأحد من خلقك، فمنك وحدك لا شريك لك، فلك الحمد ولك الشكر على ذلك". يا الله.

يقول عَذُولي لا تخاطِرْ بقُربِه 

العَذول: اللائم اللاهي من النفس والهوى والشيطان، يقول لا تتعب نفسك، وخفّف على نفسك، لا تخاطر بقربه! قال: "وهل يدرك المأمولَ إلا المُخاطرُ". العذول اللائم ينهاني، ينهاني قال: لا أستمع قول مَن صدّوا. وهكذا يقول: لا يسمعونك ولو ناديتهم ألف عام، لا تتعب نفسك بتصدّ المحبوبين الذين تعلقوا بحب الواحد الأحد، قل لإبليس وجنده: لا تتعب نفسك.. (إِنَّ عِبَادِي لَيْسَ لَكَ عَلَيْهِمْ سُلْطَانٌ) [الحجر:42]، ما يرجعوا عن محبة ربهم والفناء في ربهم والأدب مع ربهم ولو جئت بمئة مليون وسوسة ما يلتفتون إليك. لا إله إلا الله، الله الله الله. 

يقول: "العذول: اللائم ينهاني ألا أخاطر بقُرب المحبوب لما فيه من المصائب والمتاعب، إذ لا تنال مقامات المحبين إلا بعد قطع عقبات النفس. وقد يُراد بالعذول هنا: النفس والشيطان والهوى وإبليس، وهن أعداء الإنسان التي تصده عن منهج الحق."

إني بُليتُ بأربعٍ يرمينني *** بسهام قوسٍ ما له تفتيرُ
إبليس والدنيا ونفسي والهوى *** يا رب أنت على خلاصي قديرُ


واحفظ القلب أن يُلِمَّ به الشيطان *** والنفس والهوى والدنية 

أربع قواطع هذه التي تقطع؛ أعداء للإنسان. 

يقول: "وهنّ أعداءُ الإنسان التي تصدّه عن منهج الحق."

وقوله: "هل يدركُ المأمولَ"، استفهامٌ إنكاريّ. أي: لا يدركُ المأمولَ إلا المخاطرُ الذي يستسهِلُ كِل صعْبٍ". لهذا يقول الإمام الحداد:

خليلَيَّ هل من مُسعِدٍ منكما على *** سلوكِ سبيلٍ دارسٍ وخَفيَّةِ

تَخلَّف عنها الأكثرونَ وأعرضوا *** لما علموا في قطعها من مشقةِ

لا إله إلا الله. 

وقال: "هل يدرك المأمولَ إلا المخاطرُ"، "الذي يستسهل كل صعب في إدراك الأرب". 

لأستسهلن الصعب أو أدرك المنى *** ……………

يعني: حتى أدرك المنى.

لأستسهلن الصعب أو أدرك المنى *** فما انقادت الآمال إلا لصابرِ

 ومِن نَصَبٍ شُقَّ النصيب…. *** ……………

 النصيب: الحظ، من النَصَبِ، نصب ونصيب. أردت نصيب؟ انصب، اتعب حتى تحصّل النصيب.

وَمَنْ نَصَبَ شُقَّ النَّصِيبِ وَقَدْرَهُ *** عَلَى قَدْرِهِ فَانْصَبْ تَصِبْ كُلَّ مُنْيَةِ

يقول -عليه الرضوان: "مَن لم يوطن نفسه على المرارة لا يصل إلى ذوق الحلاوة. وللمتنبي شعر في هذا المعنى:"

تريدين لقيان المعالي رخيصة *** ولابد دون الشهد من إبر النحلِ

تريد تاخذ العسل من تحت النحل، خذ لك قرصتين ثلاث قرصات لسعات، وبعدين تصل إليه

………………………. *** ولابد دون الشهد من إبر النحلِ

قال سيدنا الحداد:

ونبئتُ أن الوصلَ من قَبل نيلِه *** عِقَابٌ سعى في قطعها كلُّ فائزِ

كل فائزِ، ما شاء اللهم ألحقنا بأهل الفوز.

يقول:

قَصَدتُ إِلى العَليا بِهِمَّةِ عاجِزِ *** فنوديتُ إن القرب من دون حاجزُ

وَنُبِّئْتُ أَنَّ الوَصْلَ مِنْ قَبْلِ نَيْلِهِ *** عِقَابٌ سَعَى فِي قَطْعِهَا كُلُّ فَائِزِ

فَقُلْتُ وَقَلْبِي فِيهِ أَيُّ عَزِيمَةٍ *** يُطَالِعُ أَحوَالَ الذُّرَى وَالمَرَاكِزِ

أَرَى بَذْلَ رُوحِي فِي هَوَاكُمْ فَرِيضَةً *** وَبُخْلِي بِهَا فِي حُبِّكُمْ غَيْرُ جَائِزِ

ما يصح ولا يجوز، ما يصلح مني، عيب أبخل بروحي فيكم في محبتكم؟! -الله الله الله الله-

وَأَنتُم مِنّي قَلبي وَراحَةُ خاطِري *** وَأَنتُم مُرادي لا حُصولَ الجَوائِزِ

لا جنة، ولا فردوس، أنت أنت المقصود ياربي..

وَأَنتُم مِنّي قَلبي وَراحَةُ خاطِري *** وَأَنتُم مُرادي لا حُصولُ الجَوائِزِ

وَفي السِرِّ داعٍ لَو أَجَبتُ دُعاءَهُ *** لَصِرتُ قَرينِ الوَحشِ بَطنَ المَفاوِزِ

ماعاد بيطيب لي قعود بين أهل ولا ولد، ولا عاد بطيق مقابلة أحد، وما بيحصلونا إلا في المفاوز عند الوحوش وعند السباع -لا إله إلا الله-.

…………………… *** لَصِرتُ قَرينِ الوَحشِ بَطنَ المَفاوِزِ

قال: عاد انا أمسك نفسي، وإلا لو فسحت لها المجال في دواعي محبتها ما بقدر أشوف أحد ولا أكلم أحد ولا بقعد بين الأهل والأولاد،وإلا وأنا مع الوحوش في المفاوز وفي الخلوات وانا بعيش بينهم هناك -لا إله إلا الله، سبحان الله-.

ولكن يصبر حتى.. حتى حين، إلى أن يجيء اللقاء، -لا إله إلا الله- ينتظر الإذن حتى يأتي الإذن باللقاء، ويقول كما قال بعض العارفين من المتقدمين الأكابر لما أحس بالموت، قال: "حبيبٌ جاء على فاقة، لا أفلح من ندم". اللهم لا تحرمنا مذاقات المقرّبين والصالحين. 

يقول سيدنا الشيخ أبو بكر بن سالم: أسألك رضاك ولقاءك والجنة، وأعوذ بك من سخطك والنار، ومن الحرمان من ذوق الصالحين. من سخطك والنار ومن الحرمان من ذوق الصالحين، هذا من مظاهر السخط والنار، إذا ما شي ذوق معك من حق العارفين والصالحين هذا مظهر سخط ونار، أعوذ بك من سخطك والنار من الحرمان من ذوق والصالحين، اللهم لا تحرمنا خير ما عندك لشر ما عندنا.

في الثانية يقول:

خليليَّ هل من مُسعِدٍ منكما على *** سلوكِ سبيلٍ دارسٍ وخفيَّةِ

تأخر عنها الأكثرون وأعرضوا *** لما علموا في قطعها من مشقةِ

ويقول:

أبان كتابُ اللهِ فيما أبانَهُ *** عن مسالكِ فقهٍ واعتبارٍ وعبرةِ

وأحوالِ من يأتي وأحوالِ من مضى *** وأنباءِ ترغيبٍ وأنباءِ رهبةِ

كل هذا في كتاب ربنا -سبحانه-. ربطنا الله وإياكم بالقرآن وفهم معانيه والعمل بما فيه. قال:

ومنشور أحكام ومأثور حكمة *** ومستور أسرار العلوم الدقيقة

كلها في القرآن، كلام العارفين هذا كله في كتبهم ذرة مما في القرآن. في القرآن أصله، أصل ذا الكلام كله في كلام الله تعالى.

 وعن كل ما يحتاجه الخَلق كلهم *** بدينٍ ودنيا في اجتماع ووحدة

 كله في القرآن.

وشرحِ الصراطِ المستقيمِ وحثِّهم *** عليه وأحوالِ المعادِ ورجعةِ

وعن كلِّ فرضٍ أوجبَ اللهُ فعلَهُ *** وكلِّ حلالٍ أمرَهُ بالسويَّةِ

وكلِّ حرامٍ أوجبَ اللهُ تركَهُ *** وما حالهُ الإشكالُ من شأنِ شُبهةِ

وحفظِ قوانينِ المعاشِ وما بهِ *** القَوامُ وضبطِ الكلِّ تحتَ السياسةِ

أي: الترتيب والإعداد على حسب الإرشادات.

وأحوالِ أربابِ الرسالاتِ والذي *** بهِ أُيِّدوا من معجزاتٍ جليَّلةِ

وأحوالِ من ردَّ الهدى فتعجَّلتْ *** لَهُ قبلَ يومِ الحشرِ بعضُ العُقوبةِ

(فَكُلًّا أَخَذْنَا بِذَنبِهِ ۖ فَمِنْهُم مَّنْ أَرْسَلْنَا عَلَيْهِ حَاصِبًا وَمِنْهُم مَّنْ أَخَذَتْهُ الصَّيْحَةُ وَمِنْهُم مَّنْ خَسَفْنَا بِهِ الْأَرْضَ وَمِنْهُم مَّنْ أَغْرَقْنَا ۚ وَمَا كَانَ اللَّهُ لِيَظْلِمَهُمْ وَلَٰكِن كَانُوا أَنفُسَهُمْ يَظْلِمُونَ) [العنكبوت:40]. قال: (وَكُلًّا ضَرَبْنَا لَهُ الْأَمْثَالَ ۖ وَكُلًّا تَبَّرْنَا تَتْبِيرًا)[الفرقان:39]. ثم يقول تعالى: (وَكَمْ أَهْلَكْنَا مِنَ الْقُرُونِ مِن بَعْدِ نُوحٍ ۗ وَكَفَىٰ بِرَبِّكَ بِذُنُوبِ عِبَادِهِ خَبِيرًا بَصِيرًا) [الإسراء:17] لا إله إلا هو.

 قال هذا كله وسط القرآن.

وَمَعْرِفَةِ الذَّاتِ الْعَلِيِّ علاؤهَا *** بِمَا لاَ خَفَا فِيهِ عَلَى ذِي بَصِيرَةِ

وَمَعْرِفَةِ الأَوْصَافِ فِي عُظْمِ شَأْنِهَا *** وَجُمْلَةِ أَوْصَافِ الإِلَهِ الْعَظِيمَةِ

وَمَعْرِفَةِ الأَفْعَالِ وَهْيَ فَسِيحَةٌ *** وَفِيهَا مَجَالٌ وَاتِّسَاعٌ لِفِكْرَةِ

سَمَاءٌ وَأَرْضٌ وَالْجِبَالُ وَأَبْحُرٌ *** وَرِيحٌ وَنَبْتٌ وَالسَّحَابُ الْمُظِلَّةِ

وَعَرْشٌ وَكُرْسِيٌّ وَشَمْسٌ وَظُلْمَةٌ *** وَنُورٌ وَأَمْلاَكُ الطِّبَاقِ الرَّفِيعَةِ

وَجِنٌّ وَإِنْسٌ وَالْجَمَادَاتُ كُلُّهَا *** وَطَيْرٌ وَأَسْمَاكٌ وَكُلُّ بَهِيمَةِ

وكم غير هذا والجميعُ مسبِّحٌ *** لخالقه سبحان رب البرية

تَبَارَكَ مِنْ عَمَّ الْوَرَى بِنَوَالِهِ *** وَأَوْسَعَهُمْ فَضْلًا بِإِسْبَاغِ نِعْمَةِ

وَقَدَّرَ أَرْزَاقًا لَهُمْ وَمَعَايِشًا *** وَدَبَّرهُمْ فِي كُلِّ طَوْرٍ وَنَشْأَةِ

أَحَاطَ بِهِمْ عِلْمًا وَأَحْصَى عَدِيدَهُمْ *** وَصَرَّفَهُمْ عَنْ حِكْمَةٍ وَمَشِيئَةِ

وَلِلَّهِ بَيْنَ الْمُؤْمِنِينَ وَمِنْهُمُ *** بِكُلِّ زَمَانٍ كَمْ مُنِيبٍ وَمُخْبِتِ

وَكَمْ سَالِكٍ كَمْ نَاسِكٍ مُتَعَبِّدٍ *** وَكَمْ مُخْلِصٍ فِي غَيْبِهِ وَالشَّهَادَةِ

 

اللهم ألحقنا بهم واجعلنا منهم.

 

وَكَمْ صَابِرٍ كَمْ صَادِقٍ مُتَبَتِّلٍ *** إلى الله عَنْ قَصْدٍ صَحِيحٍ وَنِيَّةِ

وَكَمْ قَانِتٍ قوَّام فِي غَسَقِ الدُّجَى *** مِنَ الْخَوْفِ مَحْشُوَّ الْفُؤَادِ وَمُهْجَةِ

من خوف ربه حُشي فؤاده وروحه ومهجته.

يُنَاجِي بِآيَاتِ الْقُرْآنِ إِلَهَهُ *** بِصَوْتٍ حَزِينٍ مَعَ بُكَاءٍ وَعَبْرَةِ

وَكَمْ ضَامِرِ الأَحْشَاءِ يَطْوِي نَهَارَهُ *** بِحَرِّ هَجِيرٍ مَا تَهَنَّى بِشَرْبَةِ

وَكَمْ مُقْبِلٍ فِي لَيْلِهِ وَنَهَارِهِ *** عَلَى طَاعَةِ الْمَوْلَى بِجِدٍّ وَهِمَّةِ

وَكَمْ زَاهِدٍ فِي هَذِهِ الدَّارِ مُعْرِضٍ *** ومُقْتَصِرٍ مِنْهَا عَلَى حَدِّ بُلْغَةِ

تَزَيَّنَتِ الدُّنْيَا لَهُ وَتَزَخْرَفَتْ *** فَغَضَّ وَلَمْ يَغْتَرَّ مِنْهَا بِزِينَةِ

وَكَمْ مُعْرِضٍ عَنْ صُحْبَةِ الْخَلْقِ مُؤْثِرٍ *** لِوَحْدَتِهِ وَالاِنْقِطَاعِ وَعُزْلَةِ

وَكَمْ عَالِمٍ بِالشَرْعِ للَّهِ عَامِلٍ *** بِمُوجَبِهِ فِي حَالِ عُسْرٍ وَيُسْرَةِ

وَكَمْ آمِرٍ بِالرُّشْدِ نَاهٍ عَنِ الرَّدَى *** سَرِيع إِلَى الْخَيْرَاتِ مِنْ غَيْرِ فَتْرَةِ

وَكَمْ مِنْ وَلِيٍّ لِلإلهِ بِأَرْضِهِ *** وَكَمْ عَارِفٍ مُسْتَهْتِرٍ فِي الْمَحَبَّةِ

وَكَمْ مِنْ أَمِينٍ حَامِلٍ لأَمَانَةٍ *** مِنَ السِّرِّ لاَ تُفْشَى لأَهْلِ الْخِيَانَةِ

وَصَاحِبِ كَشْفٍ قَدْ تَجَلَّتْ لِقَلْبِهِ الْحَقَائِـــــقُ فِي أَطْوَارِهَا الْعُلْوِيَّةِ

فَأَبْدَالُهُمْ أَوْتَادُهُمْ نُقَبَاؤُهُمْ *** مَعَ النُّجَبَا وَالْقُطْبُ رَأْسُ الْعِصَابَةِ

أُولَئِكَ أَبْدَالُ النَّبِيِّينَ أُبْرِزُوا *** لِفَضْلِ رَسُولِ اللَّهِ فِي خَيْرِ أُمَّةِ

عِبَادٌ كِرَامٌ آثَرُوا اللَّهَ رَبَّهُمْ *** فَآثَرَهُمْ وَاخْتَصَّهُمْ بِالْوِلاَيَةِ

وَآنَسَهُمْ بِالْقُرْبِ مِنْهُ وَبِالرِّضَا *** حَبَاهُمْ وَأَسْقَاهُمْ بِكَأْسِ الْمَوَدَّةِ

بِهِمْ يَدْفَعُ اللَّهُ الْبَلاَيَا وَيَكْشف الرَّزَايَـــــا وَيُسْدِي كُلَّ خَيْرٍ وَنِعْمَةِ

وَلَوْلاَهُمُ بَيْنَ الأَنَامِ لَدُكْدِكَتْ *** جِبَالٌ وَأَرْضٌ لاِرْتِكَابِ الْخَطِيئَةِ

 

(وَلَوْلَا رِجَالٌ مُّؤْمِنُونَ وَنِسَاءٌ مُّؤْمِنَاتٌ لَّمْ تَعْلَمُوهُمْ أَن تَطَئُوهُمْ فَتُصِيبَكُم مِّنْهُم مَّعَرَّةٌ بِغَيْرِعِلْمٍ لِّيُدْخِلَ اللَّهُ فِي رَحْمَتِهِ مَن يَشَاءُ لَوْ تَزَيَّلُوا لَعَذَّبْنَا الَّذِينَ كَفَرُوا مِنْهُمْ عَذَابًا أَلِيمًا) [الفتح:25]، بوجود هؤلاء أُخِّر العذاب حتى عن الكفار. لو قال: لو وحدهم وتميزوا وراحوا من عندكم نزل العذاب عليهم، وببركة وجودهم أُخِّر العذاب ثم آمن كثير من الكفار ودخلوا في دين أفواج. لا إله إلا الله.

ثم رجع إلى النصيحة -عليه رحمة الله تبارك وتعالى- يقول في بيان الحقيقة في مسالك أهل هذه الطريقة:

وَمَا فِي طَرِيقِ الْقَوْمِ بَدْءًا وَلاَ انْتِهَا *** مُخَالِفَةٌ لِلشَّرْعِ فَاسْمَعْ وَأَنْصِتِ

وَخَلِّ مَقَالاَتِ الَّذِينَ تَخَبَّطُوا *** وَلاَ تَكُ إِلاَّ مَع كِتَابٍ وَسُنَّةِ

فَثَمَّ الْهُدَى وَالنُّورُ وَالأَمْنُ مِنْ رَدًى *** وَمِنْ فِتْنَةٍ تُخْشَى وَزَيْغٍ وَبِدْعَةِ

وَمُتَّبِعُو حُكْمِ الْكِتَابِ وَسُنَّةٍ *** هُمُ الْمُفْلِحُونَ الْفَائِزُونَ بِجَنَّةِ

عَلَيْهِمْ مِنَ الرَّحْمَنِ رِضْوَانُهُ الَّذِي *** هُوَ النِّعْمَةُ الْعُظْمَى وَأَكْبَرُ مِنَّةِ

 

لا إله إلا الله… ويقول في المحبة:

 

ألا ما لِقَلْبِي كُلَّمَا ذُكِرَ الْحِمَى *** وَأَهْلُ الْحِمَى مِنْ خَيْرِ عُرْبٍ وَجِيرَةِ

يَهِيجُ بِهِ وَجْدٌ وَشَوْقٌ وَلَوْعَةٌ *** شَجونٌ لَهَا تَجْرِي عَلَى الْخَدِّ دَمْعَتِي

وَمَا لِفُؤَادِي قَدْ تَوَطَّنَهُ الأَسَى *** أُحِسُّ بِهِ مِنْ حَرِّه لَفْح جَمْرَةِ

تعوّدُ تَذْكَارِ الْخِيَامِ وَأَهْلِهَا *** إِلَى أَنْ غَدَا مِنْ شَوْقِهِ كَالْمُفَتَّتِ

وَلِلَّهِ رُوحٌ خَالَطَ الْحُبُّ كُلَّهَا *** وَمَازَجَهَا حَتَّى صَبَتْ لِلصَّبَابَةِ

وَخَامَرَهَا خَمْرُ الْغَرَامِ فَأَصْبَحَتْ *** وَأَمْسَتْ عَلَى حُبِّ الْحَبِيبِ مُقِيمَةِ

يَظُنُّ بِهَا مَنْ لَيْسَ يَدْرِي بِشَأْنِهَا *** بِأَنَّ بِهَا سُكْرَ الْخُمُورِ الأَثِيمَةِ

لَهَا أَبَدًا شَوْقٌ إِلَى خَيْرِ مَعْهَدٍ *** بِهِ خَيْرُ عَهْدٍ فِي الْعُصُورِ الْقَدِيمَةِ

 

قال: المعهد حيث جمع الله الأرواح، وأخرجنا من ظهر آدم والذر كلها، وكشف الحجاب، وخاطبنا رب الأرباب: (أَلَسْتُ بِرَبِّكُمْ)؛ هذا المعهد، نحِنُّ إليه دائمًا.

لَهَا أَبَدًا شَوْقٌ إِلَى خَيْرِ مَعْهَدٍ *** بِهِ خَيْرُ عَهْدٍ فِي الْعُصُورِ الْقَدِيمَةِ

يُذكرها العهد القديم سماعُها *** لترجيع تالٍ للمثاني الكريمة

وَرَنَّةُ أَذْكَارٍ وَصَوْتُ مُسَبِّحٍ *** وَنَغْمَةُ حَادٍ لِلْمَطَايَا الْمُجِدَّةِ

كل هذا يذكرنا بهذاك المعهد، وما أسمعنا الرب وتكرم على أرواحنا من خطابه، وما خاطبناه وقلنا له: (بَلَىٰ ۛ) وسيدنا الحداد قال هذه رنة الأذكار وترجيع التالي للقرآن، هذا كله يذكرنا هذا، كلما سمعنا آية كلما سمعنا حديث كلما سمعنا ذكر كلما سمعنا نغمة حادٍ…

 

وَتَغْرِيد وُرْقٍ فَوْقَ أَغْصَانِ دَوْحَةٍ *** وَتَلْحِينُ شَادٍ بِالأغاني الرَقِيقَةِ

 

تذكرنا..

 

وَكُلُّ نَسِيمٍ هَبَّ أَوْ بَارِقٍ شرَى *** وَأَشْيَا أَرَى فِي سِتْرِهَا حِفْظَ حُرْمَتِي

حِذَارَ غَبِيٍّ أَوْ حَسُودٍ مُوَلَّعٍ *** بِإِنْكَارِ أَسْرَارِ الْعُلُومِ الدَّقِيقَةِ

فَقَدْ سَتَروا أَهْلُ الطريق وَأَخْمَلُوا *** أُمُورًا مِنَ التَّحْقِيقِ حَتَّى تَغَطَّتِ

لِئَلاَّ يَرَاهَا الْمُنْكِرُونَ فَيَخْسَرُوا *** بِإِنْكَارِهَا لاَ عَنْ دَلِيلٍ وَحُجَّةِ

كَمَا أَنْكَرَ أقْوَامٌ عَلَى بَعْضِ مَنْ مَضَى *** مِنَ الْعَارِفِينَ أَهْلِ الْهُدَى وَالْبَصِيرَةِ

وَيَسْمَعُهَا قَوْمٌ وَلَيْسُوا مِنْ أَهْلِهَا *** فَيَرْتَبِكُوا فِيهَا بِجَهْلٍ وَغِرَّةِ

كَمَا ضَلَّ أَقْوَامٌ بِهَا وَتَخَبَّطُوا *** وَمَالُوا عَنِ الدِّينِ الْقَوِيمِ وَشِرْعَة

لا إله إلا الله…

 

يقول:

 

وَإِنَّ الَّذِي أَبْدَا مِنَ الْقَوْمِ مَا سَبِيــــلُهُ السِّتْرُ مَغْلُوبٌ بِحَالٍ قَوِيَّةِ

يُفَارِقُهُ التَّمْيِيزُ عِنْدَ وُرُودِهَا *** عَلَيْهِ وَإِنْ أَخْطَا فَلَيْسَ بِمُعْنَتِ

وَكَمْ مِنْ قرِيبٍ بَعَّدَتْه عِبَارَةٌ *** عَنْ الفَهْمِ فَاسْتَمْسِكْ بِحَبْلِ الشَّرِيعَةِ

وَسَلِّمْ لأَهْلِ اللَّهِ فِي كُلِّ مُشْكِلٍ *** لَدَيْكَ، لديهم وَاضِحٌ بِالأَدِلَّةِ

خَلِيلَيَّ هَلْ مِنْ مُسْعِدٍ مِنْكُمَا عَلَى *** سُلُوكِ سَبِيلٍ دَارِسٍ وَخَفِيَّةِ

يخاطب الحبيب أحمد بن عمر الهندوان، والحبيب علي بن عبد الله العيدروس، يقول:

خَلِيلَيَّ هَلْ مِنْ مُسْعِدٍ مِنْكُمَا عَلَى *** سُلُوكِ طريق دَارِسٍ وَخَفِيَّةِ

تَأخَّر عَنْهَا الأَكْثَرُونَ وَأَعْرَضُوا *** لِمَا عَلِمُوا فِي قَطْعِهَا مِنْ مَشَقَّةِ

رِيَاضَةُ نَفْسٍ وَاعْتِزَالُ عَوَائِدٍ *** وَقَمْعُ حُظُوظٍ لِلنُّفُوسِ مُمِيتَةِ

وَتَرْك الأَمَانِي وَالْمُرَادَاتِ كُلِّهَا *** وَكُلِّ اخْتِيَارٍ وَالتَّدَابِيرِ جُمْلَةِ

وَكَنْس ضَمِيرِ الْقَلْبِ كَيْ يَبْقَ فَارِغًا *** مِنَ الْحُبِّ لِلدُّنْيَا الْغَرُورِ الدَّنِيَّةِ

وَتَطْهِيرُهُ سبْعًا عَنِ الْمَيْلِ لِلسِّوَى *** بِمَاءِ الْفَنَا بِاللَّهِ عَنْهُ وَغَيْبَة

وَجَمْعٍ عَلَى الْمَوْلَى الْعَظِيمِ بِتَرْكِ مَا *** عَنِ الذِّكْرِ يُلْهِي وَالْتِزَامِ الْعِبَادَةِ

فَإِنْ تُسْعِدَانِي بِالْوِفَاقِ فَإِنَّ لِي *** بِهِ بَعْضَ أُنْسٍ وَارْتِيَاحٍ وَقُوَّةِ

وَإِلاَّ فَأَمْرُ اللَّهِ عِنْدِي مُعَظَّمٌ *** وَعِنْدِي بِحَمْدِ اللَّهِ يَا رُبَّ بُغْيَةِ

 

مَن بيساعد؟ يا مرحبا، ومن بيتخلف ما أنا متخلف، ولا أنا قاعد لقعود أحد، من بيجي يالله بسم الله، من هو عنده فتور عزم يقعد لوحده.

 

وَإِلاَّ فَأَمْرُ اللَّهِ عِنْدِي مُعَظَّمٌ *** وَعِنْدِي بِحَمْدِ اللَّهِ يَا رُبَّ بُغْيَةِ

وَكَمْ طُرْفَةٍ كَمْ تُحْفَةٍ كَمْ عَطِيَّةٍ *** بِهَا دُونَهَا بَسطي وَرَوْحِي وَرَاحَةِ

أطَالِعْ أمرَ الْقَبْضَتَيْنِ…… *** ………….

 

 ايش البصيرة هذه؟!

 

أطَالِعْ أمررَ الْقَبْضَتَيْنِ…… *** ………….

 

قبض قبضة وقال: هؤلاء إلى الجنة ولا أبالي، وهؤلاء إلى النار ولا أبالي….

 

أُطَالِعْ أمرَ الْقَبْضَتَيْنِ فَقَبْضَةُ الـــــــــيَمِينِ وَأُخْرَى لليمين الأَخِيرَةِ

فَسَبْقُ سَعَادَاتٍ وَسَبْقُ شَقَاوَةٍ *** بِمَحْضِ اخْتِيَارٍ دُونَ سَعْيٍ وَحِيلَةِ

وَأَعْمَالُهُمْ تَجْرِي عَلَى وَفْقِ سَابِقٍ *** لَهُمْ عِنْدَهُ وَالْخَتْمُ كَالأَوَّلِيَّةِ

 

وأيش عادك تطالع بالبصيرة حقك هذه وأنت ظاهرك أعمى؟! في أربع سنين عَمِي، وهو ابن أربع الإمام الحداد. قال:

وَمَسْحُ يَدِ الرَّحْمَنِ ظَهْرَ صفيِّه *** فَأَخْرَجَهُمْ كَالذَّرِّ يَوْمَ الشَّهَادَةِ

 

عندك الصحيفة هذه تطالع فيها!.. قال:

فَأَشْهَدَهُمْ وَالْكُلُّ مِنْهُمْ مُوَحِّدٌ *** هُنَاكَ وَبَعْدَ الأَمْرِ نَافٍ وَمُثْبِتِ

آمنوا ووحّدوه، ويوم ظهروا في الدنيا وغرتهم الزخرف ذا يكفر وذا يجحد وذا يلحد وذا…، -لاحول ولا قوة إلا بالله-، وقال لكم: (أَلَسْتُ بِرَبِّكُمْ)، قلتم: (بَلَىٰ) وذا الحين جئتم تلعبون بالعقول وتلعبون بالدنيا. قال:

وَسِرًّا خَفِيٌّ حَارُ فِيهِ أُولُو النُّهَى *** عَلَى صُورَةٍ لِلصُّورَةِ الآدَمِيَّةِ

فَنَزِّهِ إِلَهَ الْعَالَمِينَ وَقَدِّسَنْ *** عَنِ الصُّورَةِ الْحِسِّيَّةِ الْبَشَرِيَّةِ

وَغُصْ فِي بِحَارِ السِّرِّ إِنْ كُنْتَ عَارِفًا *** بِسَاحَاتِهَا الدُّرِّيَّةِ الْجَوْهَرِيَّةِ

وَكُنْ فِي أَحَادِيثِ الصِّفَاتِ وَآيِهَا *** ………….

آيات الصفات

…………….. *** عَلَى مَذْهَبِ الأَسْلاَفِ حَيْثُ السَّلاَمَةِ

مذهب الصحابة والتابعين وتابعيهم بإحسان.

وَاشْهَدْ لِلُطْفِ الْفَضْلِ فِي كَوْنِ آدَمٍ *** مِنَ الطِّينِ مَخْلُوقَ الْيَدَيْنِ النَّزِيهَةِ

فَسَوَّاهُ والنَّفْخُ الْكَرِيمُ مُعَقِّبٌ… *** …………..

 وهكذا وما كان إِلَى أَنْ بُعِثَ سَيِّدُ الأَكوان صَلَّى الله عليه وصحبه وَسَلَّم. توالوا الأنبياء وتوالوا إلى…

 

وقد جمع الأسرار والأمر كله ***  مُحَمَّدٌ الْمَبْعُوثُ لِلْخَلْقِ رَحْمَةِ

 بِهِ خَتَمَ اللَّهُ النُّبُوَّةَ وَابْتَدَا *** فَلِلَّهِ مِنْ خَتْمٍ بِهِ وبداية

وَإنَّ رَسُولَ اللَّهِ مِنْ غَيْرِ رِيبَةٍ *** إِمَامٌ عَلَى الإِطْلاَقِ فِي كُلِّ حَضْرَةِ

وَجِيهٌ لَدَى الرَّحْمَنِ فِي كُلِّ مَوْطِنٍ *** …………….

من حين ما ترتفع الحجاب عن الناس كلهم عند الموت، كلهم يعرف  قدر ربه وقدر محمد عند ربه. حتى في القبور: ما تقول في هذا؟ ما تقول في هذا الرجل الذي بُعث فيكم؟ أيش تقول؟ أيش حالك معه؟ أيش مشهودك فيه؟ أيش عقيدتك فيه؟ ما تقول في هذا الرجل الذي بُعث فيكم؟ صلى الله عليه وصحبه وسلم. الله أكبر!..

……………. *** إمامٌ على الإطلاق في كل حضرة

 

وَجِيهٌ لَدَى الرَّحْمَنِ فِي كُلِّ مَوْطِنٍ *** وَصَدْرُ صُدُورِ الْعَارِفِينَ الأَئِمَّةِ

أَتَاهُ أَمِينُ اللَّهِ بِالْوَحْيِ فِي حِرَا *** وَكَانَ بِهِ فِي حِينِ نُسكٍ وَخَلْوَةِ

فَقَالَ له: اقْرَأْ قَالَ: لَسْتُ، فَغَطَّهُ *** وَأَرْسَلَهُ حَتَّى الثَّلاَثِ فَتَمَّتِ

وَفِي طَيِّ هَذَا  رُبَّ سرٍّ مُحَجَّبٌ *** له يهتدي أهْل الْقُلُوبِ الْمُنِيرَةِ

وَكَانَ بِهِ الإِسْرَاءُ مِنْ خَيْرِ مَسْجِدٍ *** إِلَى الْمَسْجِدِ الأَقْصَى إِلَى أَوْجِ ذِرْوَةِ

مِنَ الْمُسْتَوَى وَالْقَاب قَوْسَيْنِ قُرْبُهُ *** مِنَ اللَّهِ أو أَدْنَى وَخُصَّ بِرُؤْيَة

وَأَوْحَى الَّذِي أَوْحَى إِلَيْهِ إِلَهُهُ *** عُلُومًا وَأَسْرَارًا وَكَمْ مِنْ لَطِيفَةِ

وَشَاهَدَ جَنَّاتٍ وَنَارًا وَبَرْزَخًا *** وَأَحْوَالَ أَمْلاَكٍ وَأَهْلَ النُّبُوَّةِ

وَصَلَّى وَصَلُّوا خَلْفَهُ فَإِذًا هُوَ الْـــــمُقَدَّمُ وَهُوَ الرَّاس لاهل الرئاسة

اللهم صَلِّ عَلَيْهِ وَعَلَى آلِهِ.

حَبِيبٌ خَلِيلٌ عَظَّمَ اللَّهُ قَدْرَهُ *** جَمِيلٌ جَلِيلٌ ذُو بَهَاءٍ وَهَيْبَةِ

 اللهم اربطنا به ربطًا لا ينحل أبدا، واجعلنا بقربه ونصرته من أسعد السعداء.

 

رضي الله عنكم:.

[شرحُ البيت الثاني والعِشرين]

ثم قال الناظم نفع الله به:

وإني لأدْرِي أنّ طُرقَ وصَالِه *** تدورُ على الأقْوام فيها الدّوائرُ

"الدوائرُ" هي: الأسواء. أي: أنّ طرُقَ وصال المحبوب تدورُ فيها الدوائر على الأقوام الطالبين للوصَال. والمراد بطرُق الوصال: أحوالُ السالكينَ. ومقاماتُ المقربين، كالصبر، والشكر، والزهد، والورع. والدوائرُ التي تدور في طرق الوصال: هي القواطعُ، من الأشغال الدنيوية، والشهوات النفسانية. فهي عائقةٌ عن بلوغ النفس غايةَ الكمال، والنفسُ تميل إليها غالباً. والخلاصُ إنما هو في مجاهَدة النفس، ورفضِ كلّ عائق عن حسن السلوك. وفي المجاهدة مشقةٌ شديدة، لأن النفسَ جُبِلت على حبّ الشهوات، تجري في ميدان المخالفة بطبعِها، وردُّها بلجام الكفّ عن غوايتها يصعُب على كثير من الناس.

 

[شرحُ البيت الثالثِ والعِشرين]

ثم قال رضي الله عنه:

ولكن له سلمتُ نفْسي فإن يُرِدْ *** هداهَا وإن يضْلِل فما هُو جائرُ

الضمير في قوله "له"، للمحبُوب الحقيقي.

وهذا البيتُ تضمّن اعترافاً من الشيخ بأن الله سبحانه وتعالى بيده الأمرُ، من أرادَ له الهدى اهتدى، ومن لا فلا، قال تعالى: (مَن يَهْدِ اللَّهُ فَهُوَ الْمُهْتَدِ ۖ وَمَن يُضْلِلْ فَلَن تَجِدَ لَهُ وَلِيًّا مُّرْشِدًا) [الكهف:17].

وقوله: "وإن يضلل فما هو جائر". أي: وإن يضلل نفسي فما هو جائر، إذ لا ينسَبُ إليه الجورُ، ولأنّ ذلك يستحيل في حقه تعالى (لَا يُسْأَلُ عمَّا يَفْعَلُ وَهُمْ يُسْأَلُون) [الأنبياء:23]. وقد تقدمَ أن أفعاله تعالى لا تخلو عن حكمةٍ، وإن لم تصل إليها عقولنا.

 

جل جلاله.

 قال: 

وإني لأدْرِي أنّ طُرقَ وصَالِه *** تدورُ على الأقْوام فيها الدّوائرُ

يقول: إنه -سبحانه وتعالى- ما ترك عباده من دون بيان، وأرسل إليهم الرسل حتى خُتموا بسيد الأكوان صلى الله عليه وصحبه وسلم. قال: فبيّن لنا سيرنا إلى ربنا بالإسلام والإيمان والإحسان، والتهيؤ بذلك العرفان. وأنه في هذا المسار إليه -سبحانه وتعالى- يأتي أنوار اليقين من علم اليقين وعين اليقين، وتأتي مقامات اليقين من توبة وورع وصبر وشكر وزهد ومن رضا ومن توكل ومن ذكر ومن شكر وما إلى ذلك من المقامات.

وهكذا؛ فمنها هذه المقامات التسعة لليقين، التي ذكرها أيضًا الإمام الحداد في تائيته -عليه رضوان الله تبارك وتعالى- يقول على اليقين:

عَلَيك بتصحيح  الأَسَاسِ الَّذِي هُوَ الْـــــيَقِينُ وَرُوحُ الدِّينِ مِنْ غَيْرِ مِرْيَةِ

فَمِنْ عِلْمِهِ ………. *** …………. 

يعني من علم اليقين

فَمِنْ عِلْمِهِ إِنْ صَحَّ صَحَّتْ به لَكَ الْــــــحَقِيقَةُ مِنْ إِسْلاَمِكَ الْعَمَلِيَّةِ

يصح لك الإسلام، بالقيام بالأعمال؛ إقام الصلاة، وإيتاء الزكاة، وصوم رمضان، وحج البيت، من استطاع إليه سبيلا، فعل الأوامر وترك النواهي، هذا من علم اليقين، إذا صح عندك علم اليقين، قام لك حقيقة الإسلام.

قال:

 وَمِنْ عَيْنِهِ …….*** ……..

 عين اليقين.

 وَمِنْ عَيْنِهِ إِنْ أَشْرَقَتْ أَشْرَقَتْ لَكَ الْــحَقِيقَةُ مِنْ إِيمَانِكَ الْعِلْمِيَّةِ

معارف وعوارف تنطوي في الإيمان بالله تعالى لأهل عين اليقين.

وَمِنْ حَقِّهِ .………..*** ………….

 حق اليقين.

وَمِنْ حَقِّهِ إِنْ حَقَّ حُقَّتْ لَكَ الْــحَقِيقَةُ مِنْ إِحْسَانِكَ الْمَعْنَوِيَّةِ

أنت من أهل الإحسان.

وبعدين يقول: مقامات أهل اليقين تسع:

مَقَامَاتُهُ تِسْعٌ عَلَيْكَ بِحِفْظِهَا *** وَأَحْكَامِهَا وَابْدَأْ بِتَصْحِيحِ تَوْبَةِ

 التوبة أول مقام.

وَخَوْفٌ وَنِعْمَ الْخَوْفُ لِلْعَبْدِ سَائِقُ *** …….……….

هذا الثاني، وثَالِثُ: الرجاء

….………. *** وَنِعْمَ الرَّجَا مِنْ قَائِدٍ لِلسَّعَادَةِ

 الرابع قال:

 وَصَبْرٌ جَمِيلٌ عِنْدَ كُلِّ بَلِيَّةٍ *** وَأَمْرٍ وَنَهْيٍ أوْ ركونٍ لِشَهِوة

عند كل بلية، وعند الأمر بالامتثال والنهي بالترك، وعند ثوران الشهوات بمغالبتها؛ صبر.

وَالخَامِسُ قال:

وشُكْرٍ عَلَى النَّعْمَا بِرُؤْيَةِ مُنْعِمٍ *** وَصَرْفِ الَّذِي أَسْدَاهُ فِي سُبْلِ طَاعَة

وَالسَّادِسُ قال:

وصَحِّحْ مَقَامَ الزُّهْدِ فَهُوَ الْعِمَادُ … *** ………….

 وَالسَّابِعُ قال:

……………… وَالتْــــوَكُّلِ وَهْوَ الزَّادُ فِي خَيْرِ رِحْلَةِ

وَالثَّامِنُ، قال: 

وَحُبَّ إِلَهَ العَالَمِينَ……... *** ………..

المحبة الثامن، التَّاسِعُ قال:

……....مع الرِّضَا *** بِكُلِّ الَّذِي يَقْضِيهِ فِي كُلِّ حَالَةِ

وَجَاهِدْ تُشَاهِدْ وَاغْنَمِ الْوَعْدَ بِالْهُدَى *** هُدًى نَصُّهُ فِي الْعَنْكَبُوتِ بِآيَة

(وَالَّذِينَ جَاهَدُوا فِينَا لَنَهْدِيَنَّهُمْ سُبُلَنَا) [العنكبوت:69].

 

يقول: "الدوائر" قال إما تأتي بمعنى:

  •  الشدائد و"الأسواء": "أي: أنّ طرُقَ وصال المحبوب تدورُ فيها الدوائر على الأقوام الطالبين للوصَال."

"والمراد بطرُق الوصال: أحوالُ السالكينَ. ومقاماتُ المقربين، كالصبر، والشكر، والزهد، والورع.

  • والدوائرُ التي تدور في طرق الوصال: هي القواطعُ، من الأشغال الدنيوية، والشهوات النفسانية"، ابتلاءات واختبارات "فهي عائقةٌ عن بلوغ النفس غايةَ الكمال، والنفسُ تميل إليها غالباً."

والخلاصُ إنما هو في مجاهَدة النفس، ورفضِ كلّ عائق عن حسن السلوك. وفي المجاهدة مشقةٌ شديدة، لأن النفسَ جُبِلت على حبّ الشهوات، تجري في ميدان المخالفة بطبعِها، وردُّها بلجام الكفّ عن غوايتها يصعُب على كثير من الناس."، "وإنه ليسيرٌ على من يسره الله عليه".

اللهم اهدنا لأحسن الأعمال والأخلاق لا يهدي لأحسنها إلا أنت، واصرف عنا سيئها لا يصرف عنا سيئها إلا أنت -جل جلاله-. "وأنت تجعل الحَزْنَ إذا شئت سهلاً". 

قال: "لقد سألت عن عظيم وإنه ليسير على من يسره الله عليه. ازهد في الدنيا يحبك الله، وازهد فيما في أيدي الناس يحبك الناس".

يقول: "ولكن له سلمت نفسي" 

أنا عليّ أن أَصدُق في الاجتهاد وهذا…، ولكن ما هو بنفسي، به -سبحانه وتعالى-.

"سلمتُ نفْسي فإن يُرِدْ *** هداهَا" وهذا المطلوب، اللهم اهدنا فيمن هديت." وإن يضْلِل فما هُو جائرُ"، وحاشاه من الظلم والجور، قال: (وَمَا ظَلَمَهُمُ اللَّهُ وَلَٰكِن كَانُوا أَنفُسَهُمْ يَظْلِمُونَ) [النحل:33]. 

"الضمير في قوله "له"، للمحبُوب الحقيقي."، كيف محبوب حقيقي؟ قال: كل محبوب تحبه فهو ناقص إذا لم يكن أصل المحبة محبة الله؛ فهو المحبوب لذاته وهو المحبوب الحقيقي. إنما يبتلي الله تعالى الخلائق بالمحبات القاصرة والساقطة والهابطة ليرى من يصدق ومن لا يصدق. 

  • والمحبوب لذاته من جميع الوجوه هو الله وحده. 
  • محبتنا للطاعات ما يكون لذاتها لكن من أجل المطاع. 
  • محبتنا العبادات من أجل المعبود. 
  • محبتنا للمجاهدة من أجل الوصول إليه جل جلاله وتعالى في علاه. 

وهكذا… 

  • حتى ذروة المحبة، محبتنا لسيد المرسلين من أجل ربه، لأنه طريقنا إلى الله، لأن الله يحب منا ذلك. 

لكن محبة الله.. البحر المتلاطم الأمواج، يُحَب لجماله، ولكماله، ولجلاله، ولإفضاله، ونواله، ولنعمائه، بل ولذاته سبحانه وتعالى. هوالمحبوب لأنه الله جل جلاله وتعالى في علاه، الله أكبر!

فتكلم عن أسرار هذه المحبة في كتاب "المحبة والشوق" من الإحياء، وذكر طرف من ذلك في كتاب "مشكاة الأنوار" في شرح آية: (اللَّهُ نُورُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ ۚ) [النور:35]، للإمام الغزالي عليه رحمة الله تبارك وتعالى. ووراء ذلك أن ذلك كله تشويق، والمحبة ذوق يذيقه الله من يشاء، فالله يرزقنا. 

اللهم إنا نسألك حبك وحب من يحبك وحب عملٍ يقربنا إلى حبك، آمين.

 

يقول: "سلَّمت نفسي" له تعالى.. (مَن يَهْدِ اللَّهُ فَهُوَ الْمُهْتَدِ ۖ وَمَن يُضْلِلْ فَلَن تَجِدَ لَهُ وَلِيًّا مُّرْشِدًا). 

"وإن يُضلِل فما هو جائرُ" 

"وإن يضلل نفسي فما هو جائر، إذ لا ينسَبُ إليه الجورُ، ولأنّ ذلك يستحيل في حقه تعالى" 

الجائر: من يأخذ حق الغير، والحق كله لله، والكون كله حق الله -جل جلاله-. "ولأنّ ذلك يستحيل في حقه تعالى (لَا يُسْأَلُ عمَّا يَفْعَلُ)"؛ لأنه إله، (وَهُمْ يُسْأَلُون) لأنهم مخلوقون، الخالق يَسأل خَلقه، لكن الخالق من يسأله؟ ماحد فوقه حتى يسأله، اللي فوق يسأل اللي تحت، لكن اللي تحت أيش له دخل في اللي فوق؟! ما له حق، ما له حق. 

وهؤلاء يصلحون فيه، حتى من اللعب إلى مختلف الصناعات إلى مختلف الوظائف صلاحيات، أنت ناقص ما لك حق في هذا، ما لك صلاح فيه، والخلق صلاحياتهم إلى أين؟ ما لهم صلاحيات في حق الخالق!.. وحتى المخلوق أيش لك صلاحيات في حق الخالق؟ -جل جلاله وتعالى في علاه- عليك واجب التسليم والخضوع والانقياد والعبودية. (لَا يُسْأَلُ عَمَّا يَفْعَلُ وَهُمْ يُسْأَلُونَ) لأنه إله جلَّ جلاله.

قال: "وقد تقدمَ أن أفعاله تعالى لا تخلو عن حكمةٍ، وإن لم تصل إليها عقولنا."

نعم، والحِكَم كثيرة ومتنوعة، وليست أغراض كما سمعنا، لأنه لا غرض له في شيء ولا يحتاج إلى شيء جل جلاله وتعالى في علاه. اللهم لا تحرمنا خير ما عندك لشر ما عندنا يا أكرم الأكرمين.

 

أسئلة

  • يقول: يبلغ الإنسان مقام المحبة ولا زال يجاهد نفسه في التوبة وكذا…

نعم، مبادئها، مبادئها.. ولكن التحقق بحقائقها والوصول إلى  غاياتها ما يكون إلا بعد. ولكن مبادئها نعم، لأنه لولا أدنى المحبة ما صحّ إيمان، الإيمان كله قائم على المحبة، كل مؤمن بالله فهو محب له، ولكن المحبة القليلة الضعيفة. ومبادئها ليست هي ما يُطلَق عليها المحبة حتى تصير غالبةً مستوعبةً تأخذ بالكلية؛ هذه هي المحبة التي يتحدثون عنها. 

وأما أدنى المحبة.. نعم، فهذا من بداية…  بل (إِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ التَّوَّابِينَ) [البقرة:222]. 

  • وكل ما تحقق بالتوبة تحقق بالمحبة، وهكذا... 
  • وبالأعمال الصالحة 
  • والصفات والمجاهدات بأصنافها دليل محبة الله -سبحانه وتعالى- لكل مخلص فيها. 

رزقنا الله الإخلاص والصدق معه.

 

  • رؤية الله تعالى

كذلك رؤية النبي صلى الله عليه وسلم في ليلة الإسراء والمعراج، كرؤية أهل الجنة في الجنة، الجميع، كما قال الشيخ المرزوقي -عليه رحمة الله- في "عقيدة العوام":

وَبَعْدَ إِسْرَاءٍ عُرُوجٌ لِلسَّمَا *** حَتَّى رَأَى النَّبِيُّ رَبًّا كَلَّمَا

مِنْ غَيْرِ كَيْفٍ وَانْحِصَارٍ وَافْتَرَضْ *** عَلَيْهِ خَمْسًا بَعْدَ خَمْسِينَ فَرَضْ

مثل كلام سيدنا موسى وإن كان في الأرض، الكلام مثل الرؤية سمع كلام؟ لا.. مثل الرؤية للحق، كلها لا جسمانيات فيها، ولا جهات فيها، ولا حروف فيها، ولا شيء من هذه المشابهات للكائنات، من غير كيفٍ وانحصار، وافترض عليه خمسًا كما أثبت ﷺ رؤية أهل الجنة في الجنة لله، وتقدم الكلام فيها.

وكله لا دخل فيه لجهة ولا لجسمانية ولا لشيء من مشابهة الكائنات والمخلوقات، والأمر كما عبَّر ﷺ، وخير تعبيرٍ تعبير رسول الله -عليه الصلاة والسلام- عبَّر عن ذلك التجلي والوصول إلى تلك الغايات بالنظر والرؤية.

وقد تقدّم معنا أن المعنويات أيضًا التي تُرى بالبصائر تُرى في الآخرة بالأبصار.

 

  • الفرق بين النور والروح

والذي يسأل عن الفرق بين النور والروح، نقول له: أنت ما عندك من علم فهو نورك، ما عندك من معرفة فهي نورك، ما عندك من يقين فهي نورك. وبعد ذلك فروحك السر الذي نفخه الله -تبارك وتعالى- في جسدك هذا، وسرت سرايته من نفخ الروح في آدم، (فَإِذَا سَوَّيْتُهُ وَنَفَخْتُ فِيهِ مِن رُّوحِي فَقَعُوا لَهُ سَاجِدِينَ) [الحجر:29]. وكذلك روح محمد ﷺ أعلى الأرواح وأجلها، ونوره النور الأول؛ أول ما خلق الله تعالى، والنور الأعلى في العالَم الخَلقي.

القلم، والعقل، والنور المحمدي.. كل هذا معانيها في التعبير في الحديث عنها: من أول ما خلق الله تبارك وتعالى.. راجعةٌ إلى اتصالاتٍ قويةٍ بين مسمى القلم والعقل ونور محمد ﷺ. 

فأما العقول هذه التي اختُرعت وزِّعت في ناس وحدثت، وكذلك القلم الذي يكتب في اللوح المحفوظ، فناشِآتٌ مخلوقاتٌ من نور محمد ﷺ، إلا أنه يُطلق أحيانًا على القلم الذي أقسم الله -تعالى- به فيُراد بما به خطَّ الأشياء، وابتدأ الأشياء. وكذلك ما يُطلق على العقل، يطلق العقل على هذا النور المحمدي والروح الأوليّ، ثم بعد ذلك توزّعت وتفرّعت أرواحٌ وعقولٌ في العقلاء وذوات الروح من الكائنات.

قال: وهذا نفس المعاني الذي تحدث عنه في معنى: (وَنَفَخْتُ فِيهِ مِن رُّوحِي) أضاف الروح، وهو الشرف الذي خصَّ الله به آدم، أضافها لنفسه إضافة تشريفٍ، كما نقول: بيت الله على المساجد عامة، وعلى الكعبة المشرفة خاصة بيت الله -جل جلاله-، وأرض الله، وسماء الله، على وجه العموم. 

ولكن هذه الروح لخصائصها الكبيرة ومراتبها الرفيعة نسبَها الحق إلى نفسه تشريفًا وتعظيمًا. قال: (فَإِذَا سَوَّيْتُهُ وَنَفَخْتُ فِيهِ مِن رُّوحِي)؛ أي: الروح التي ميزتها واخترتها واصطفيتها من بين الأرواح، وهي الروح العظيمة بما يتأهل به هذا الإنسان لمعرفة الرحمن -جل جلاله-، ولإدراك أسرار الأسماء والصفات والأفعال وعظمة الذات ما لا يدركه غيره. 

هذا السر الإلهي لشرفه ومكانته نُسِبَ إلى الرحمن وقيل: (مِن رُّوحِي). فالإضافة إضافة تشريف وتكريم، لا إضافة جزئية ولا بعضية ولا شيء من هذه الأوهام، ولكنها إشارة تشريفٍ وتكريمٍ وتعظيمٍ من الله -تبارك وتعالى- لهذه الروح المخلوقة.

 

لا إله إلا الله.

طيِّب لنا به ﷺ كل حال وشان، وتولانا به في السر والإعلان، وانظمنا في سلكه، واحملنا في فلكه، وجَعلَنا وإياكم من السالكين في مسلكه، ويحفظنا به من شرور الانفس، ومن سيئات الأعمال، ومن شر كل ذي شر من الإنس والجان، وجميع المخلوقات. ويثبتنا أكمل الثبات، ويثبتنا أكمل الثبات، ويثبتنا أكمل الثبات، ويرعانا بعين العنايات،  ويرفعنا إلى عليِّ المقامات وأن لا يحرمنا خير ما عنده لشر ما عندنا، يا واسع الإفضال ويا جزيل النوال، عبادك بالأبواب وقفوا يسألونك، ويطيب لهم منك السؤال، ويضعون بين يديك الآمال، وأنت القوي الكبير المتعال، لا ينقصك شي، ولا ينقص خزائنك شيء من عطاياك وإفضالك وجزيل نوالك.

فيا واسع الجود والإحسان، امُنن على العباد الضعفاء المساكين الفقراء الواقفين ببابك، واللائذين بأعتابك، والمتوجّهين إليك بسيّد أحبابك، وبكتابك، وبما أوحيته إليه، وبأحبابك وبأهل حضرة اقترابك، وبأسمائك، وصفاتك، وذاتك، اللهم فأكرمنا، اللهم فأكرمنا، اللهم فأكرمنا، وجُد علينا وانظر إلينا، وقربنا إليك زلفى، ورَقِّنا مراقي أهل النقا والصفا من عبادك الأصفياء الأتقياء. اللهم لا تحرمنا خير ما عندك لشر ما عندنا، ووفِّر حظنا من المِنن والمواهب والاتصال بأطيب الأطايب، والشرب من أحلى المشارب.

اللهم جُد علينا بما أنت أهله، وأصلح لنا  وللأمة الشأن كله، واجعل لنا في كل ليلة رقيًا واعتلاءً، واجعل لنا في كل يوم رقيًا واعتلاءً، واجعل لنا في كل ساعة من الساعات رقيًا واعتلاءً وأدبًا يزداد معك ومحبة منك ومحبة لك، وشوقًا إلى لقائك وإلى لقاء حبيبك محمد صلى الله عليه وآله وصحبه وسلم، وعشقًا تامًا قلبيًا لك ولقربك ولمعرفتك ومحبتك.

وأعذنا اللهم من كل سوء أحاط به علمك في الدين والدنيا والبرزخ والآخرة، ويُعلي الدرجات للآباء والأمهات والأجداد والجدات، ويجمعنا بهم في أعلى الجنة، واختم لنا بأكمل الحسنى وأنت راضٍ عنا.

اللهم صلِّ وسلم وبارك عليه وعلى آله وصحبه،

 الفاتحة.

تاريخ النشر الهجري

28 مُحرَّم 1448

تاريخ النشر الميلادي

12 يوليو 2026

اضافة إلى المفضلة

كتابة فائدة متعلقة بالمادة

الأقسام