شرح قصيدة (لذاتي بذاتي) - 6 | من قوله: بكل مليح أو بكل مليحة

للاستماع إلى الدرس

الدرس السادس للعلامة الحبيب عمر بن محمد بن حفيظ في كتاب: شرح قصيدة الشيخ عبدالغني النابلسي: (لذاتي بذاتي) للحبيب أحمد بن أبي بكر بن سميط.
مساء الأربعاء 23 محرم 1448هـ

ضمن دروس الدورة الصيفية الثالثة بمعهد الرحمة بالأردن.

من أبرز ما جاء الدرس:

  • -شهود العارفين لجمال الأفعال الإلهية في الكون بأسره
  • - ​الجمع بين التسليم لأقدار الله والقيام بحقوق العبودية
  • - ​إثبات رؤية الله في الآخرة للمؤمنين بلا كيف ولا جهة
  • - ​الترقي في مراتب المحبة وشهود نور الله في المحبوبات
  • - معنى التجلي بالأسماء والصفات وأكمل مظاهر الجمال في المصطفى
  • - حقيقة سجود الملائكة لآدم وتنزيه المحبة للمظاهر
  • - ثبات العارفين على محبة الله عند ملامة الخلق وأذاهم
  • - ​سر تعظيم مقام إبراهيم والكعبة وقصد المعبود لا مجرد الأحجار
  • - ​موقف السلف من العبارات المشكلة لبعض العارفين

شرح الأبيات:

بكُلّ مليحٍ أو بكُلّ مليحَةٍ *** تراءيتَ حتى حققتْكَ الضمائرُ 
وما مَذْهبِي حبُّ المظَاهِر إنّما *** أحِبُّ الذي دلّتْ عليه المظَاهِرُ
أمَا ومقَامِ البيْتِ والحجَرِ الذي *** عهِدناهُ قد دارَتْ عليه الخناصِرُ
لأنتَ المنَى والقصْدُ يا غايةً المنى *** وإن لامَني فيك القَنا والبواتِرُ

نص الدرس مكتوب:

[شرح البيت الرابع عشر]

ثم قال الناظم:

بكُلّ مليحٍ أو بكُلّ مليحَةٍ *** تراءيتَ حتى حققتْكَ الضمائرُ 

الشيخ -نفع الله به- نظر إلى مشْهدِ العارفين، وهو شهودُ ربّهم أنّ كُلّ ما يصدر في الكون جميلٌ من حيث صدورُه من المولى، كما قال بعضُ العارفين على لسان الألوهية:

وحيثُ الكلُّ مني لا قبيحٌ *** وقبحُ القبحِ من حيثي جميلُ 

ويرَون أن الكائناتِ كلها مِلاحٌ من حيث شهودُهم أن الفاعل حقيقةً هو الله تعالى، وأن العبدَ محلٌ لظُهورِ الأفعال، وليس له إلا الكسبُ.

قال بعض العارفين:

إذا ما رأيتَ الله للكُلّ فاعلاً *** رأيتَ جميع الكائناتِ ملاحَا 

وإن لم ترَ إلا مظاهِرَ صُنعِه *** حُجِبتَ فصيَّرتَ القِباحَ ملاحا 

وقوله: "تراءيتَ"، الخ. خطابٌ للحضرة، أي: تراءيتَ للعَارفِ بعين البصيرة القلبية، من حيثُ قيام الأسماء والصفات، لا رؤية الذات، فإنها ممتنعةٌ، تعالى الله عن ذلك علوًا كبيرًا. وقد يلوحُ على قوله: "بكُل مليح تراءيتَ" إلى معنى، وهو: أن كلّ جمالٍ في جميلٍ فإنما هو وميضُ برقِ حمَاك. فما حنَّ قلبٌ إلى جمالِ غيركَ، لأنك الجمالُ الحقيقيُّ.

 

الله أكبر، ولله الحمد ، ولا إله إلا هو ، آمنا به.

الحمد لله الحي القيوم، الواحد الأحد، له الأسماء الحسنى والصفات العلا، ونشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، إلهنا الرَّبُّ المليك القدير الأعلى، ونشهد أن سيدنا ونبينا محمدًا عبده ورسوله، أصفى الخلائق مرآةً وأجلى، وأحقهم بالفضل الرباني والمعرفة بالحق -تبارك وتعالى- وأولى. اللهم أدِم صلواتك على عبدك المختار سيدنا محمد الذي بشهود جمالك وجلالك وكمالك تملَّى، وعلى آله وأهل بيته الذين هم به أولى، وعلى صحابته أهل القِدَحِ المُعلَّا، وعلى من والاهم واتبعهم بإحسان حِسًّا ومعنىً، وعلى آبائه وإخوانه من الأنبياء والمرسلين ممن رَقَوُا في معرفتك والقرب منك المقام الأشرف الأعلى، وحُظوا من نوالك وإحسانك بما هو أكرم وأغلى، وعلى آلهم وصحبهم وتابعيهم، وعلى ملائكتك المقربين وجميع عبادك الصالحين، وعلينا معهم وفيهم برحمتك يا أرحم الراحمين.

ويذكر الشيخ في مخاطبته للحق -جل جلاله وتعالى في علاه- بعد أن قال:

فيا ظاهرا في خلقه وهو باطنٌ *** ويا باطنا في أمره وهو ظاهرُ
تجليت لي في كل شيء ولم أكن *** سواك فمنظورٌ كما أنت ناظرُ
وللقلب مِنّي قد ظهرت بكل ما *** ظهرت ولم تُنكرك مني الخواطرُ

كلامَ مستغرقٍ بشهود عظمة الله -تبارك وتعالى-، فلا خاطر له يخطر إلا في مجلَى مجالي شهود حُسنه وجماله سبحانه وتعالى. 

قال سيدنا الإمام الحداد:

واشهد جمالاً أشرقت أنواره *** في كل شيء ظاهرًا لا خافي

وعلى مَنَصِّ الجمع قف مُتخليًّا  *** عن كل فانٍ للتفرق نافي

 مَنَصِّ الجمع؛ أي: الجمعية على الله.. تنفي التفرُّقَ وهو التفاتك إلى السوى.

قال في خطاب ربه:

بكُلّ مليحٍ أو بكُلّ مليحَةٍ *** تراءيتَ حتى حققتْكَ الضمائرُ 

يقول أن: "الشيخُ -نفع الله به- نظر إلى مشْهدِ العارفين، وهو شهودُ ربّهم أنّ كُلّ ما يصدر في الكون" من حيث إرادة الله وتقديره.. "جميلٌ من حيث صدورُه من المولى"، -سبحانه وتعالى-، فذلك لحكمة كان يشير إليها سيدنا علي بقوله: "لو كُشِفَ الغطاء ما اخترتم إلا الواقع"، لو انكشف عن بصائركم ومدارككم ومفاهمكم وعقولكم أسرار حكمة الله تعالى؛ لمَا رأيتم أحكم مما هو واقع، ولا أتم ولا أقوم، فتبارك الله أحسن الخالقين، وتبارك الله أحكم الحاكمين.

 

ويقول: "كما قال بعضُ العارفين على لسان الألوهية:

وحيثُ الكلُّ مني لا قبيحٌ ***… 

أي: من حيث التخيل والتوهم أنه قبيح، "من حيثي"؛ من حيث أنه صادر بإرادة ربانية إلهية وحكمة عظيمة رحمانية: جميلُ، "من حيثي جميلُ".

وحيثُ الكلُّ مني لا قبيحٌ *** وقبحُ القبحِ من حيثي جميلُ 

وهكذا يُذكَرُ أن بعض الأنبياء سأل الله تعالى أن يُريه بعض حكمته في الحُكم بين عباده والعدل بينهم في عالم الدنيا، فأمره الله أن يأتي إلى مكان مُشرِفٍ على نهر، وأن يَنظُر ولا يُحدِث شيئًا، وينظر ما يجري ويحدث. فبينما هو كذلك إذا برجل شاب جاء وخفَّف عن ثيابه، ووضع صُرَّةً له فيها دنانير، وخرج يغتسل في النهر، ثم ارتفع ولبس ثيابه، وركب دابته ونَسِيَ الصُّرَّة التي فيها الدنانير -وهذا مأمور أن لا يُحدِث شيئا ولا يتكلم- وذهب. 

وإذا بشاب يأتي من بعده يجد الصُّرَّة ويأخذها. وإذا بشايب كبير يأتي من بعده يخرج إلى النهر يغتسل، وإذا بالشاب الأول أقبَل على فرسه ومعه رمحه، ووجد الشايب على النهر، قال: يا شايب أين الصرة التي نسيتها هنا التي فيها دنانير؟ قال: أنا ما رأيت شيئا، أنا جئت الآن واغتسلت، ما رأيت. فقال له: ما أحد جاء بعدي يأخذ هذه إلا أنت، فإما تحضرها وإلا أقتلك. قال: يا ولد أنا ما رأيت شيئا.. فحمل عليه فقتله! فصاح هذا النبي قال: يا رب! أين مظهر الحكمة والعدل في هذا؟! واحد ينسى، والثاني يسرق، والثالث يُقتَل! وما هو هو الذي أخذها! فأوحى الله إليه: إنَّ هذا الأول الذي جاء كان قد اختلس على والد الثاني الشاب الذي جاء، والده اختلس مبلغ الدنانير مثل هذا بالضبط، اختلسها من والده، اليوم أوصلتها إلى الوارث، رجَّعتها إلى الوارث. 

وإنَّ ذاك الشايب اغتال أب الأول غِيلَةً ولم يدري مَن قتله، وهو الذي قتله، واليوم مكَّنتُ الولد أن يأخذ القِصاص ويقتله، قال: سبحانك ما أحكمك! ومن ينظر بعقله يقول أيش المصيبة هذه! هذا ما هو عدل، هذا ظلم…! لكن من حيث إنه إرادة وحكمة.. جميل، كله مرتب من قِبَله -سبحانه وتعالى- (وَاللَّهُ يَعْلَمُ وَأَنتُمْ لَا تَعْلَمُونَ) [البقرة:216]، (لِتَعْلَمُوا أَنَّ اللَّهَ عَلَىٰ كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ وَأَنَّ اللَّهَ قَدْ أَحَاطَ بِكُلِّ شَيْءٍ عِلْمًا) [الطلاق:12] جل جلاله وتعالى في علاه.

قال: "ويرَون أن الكائناتِ كلها مِلَاحٌ من حيث شهودُهم أن الفاعل حقيقةً هو الله تعالى، وأن العبدَ محلٌ لظُهورِ الأفعال، وليس له إلا الكسبُ."، أما الخلق والإيجاد والحكمة فلله العليّ الأعلى سبحانه.

"قال بعض العارفين:

إذا ما رأيتَ الله للكُلّ فاعلاً *** رأيتَ جميع الكائناتِ ملاحَا 

وإن لم ترَ إلا مظاهِرَ صُنعِه *** حُجِبتَ فصيَّرتَ القِباحَ ملاحا" 

أي: وحُرِمْتَ النظر إلى الكون؛ من حيث حكمة المُكَوِّن وإرادته، وواسع علمه الذي لا يحيط به محيط. وما عاد صِرت تنظر إلى الكون إلا من الناحية الأخرى، فتنظر إليه من حيث هو مُكَوَّنه فيما يبدو لك ولأمثالك من النظر والمدركات والعلم القصير القليل، فبسبب ذلك تُحرَم النظر إلى لذة الجمال، وتُحرَم الأدب مع الكبير المتعال -سبحانه وتعالى-، وإلا:

أَنْتَ وَالخْلاَئِقْ كُلُّهُمْ عَبِيدْ *** وَ الإِلَهُ فِينَا يَفْعَل مَا يُرِيدْ

هَمُّكْ وَاغْتِمَامُكْ وَيْحَكْ مَا يُفِيدْ *** الَقْضَا تَقَدَّمْ فَاغْنَمِ الْسُّكُونْ

الَّذِي لِغَيْرِكْ لا يَصِلْ إليكْ *** وَالَّذِي قُسِمْ لَكْ حَاصِلٌ لَدَيْكْ

فاشتغِل بربِّك والذي عليك في فَرض الحقيقة والشَّرع المصون

شرع المصطفى الهادي البشير *** ختم الأنبياء البدر المنير

صلى الله عليه الرَّبُّ القدير *** ما رِيحُ الصَّبا مالت بالغُصون

وكل هذا يستقيم تمامًا مع أداء حق العبودية، في: إنكار المنكر، والأمر بالمعروف، وتحسين الحَسَن، وتقبيح القبيح، كما كان ﷺ. ولكنه من منظور شهود المكوِّن الحَكَيم، في كمال تسليم، وإكبار وإجلال، وإدراك أنَّ من ورائه حِكَم لا يستطيع أن يحيط بها.

وهكذا كتب بعض التلامذة لبعض الشيوخ المربين الصالحين، قال له وقع عليّ كذا وكذا من الأشياء التي تسوء، قال له: اشكر الله تعالى لعلَّ وراء ذلك حِكَم ومِنح ما تعلمها. وامتُحِن ثاني مرة وثالث مرة، بعدين سُجِن، فكتب إليه من السجن، قال له: اشكر الله، لعل في ذلك خير. قال: لا حول ولا قوة إلا بالله! سُجن معه واحد مجوسي، وبعدين ربطوا رجله برجل المجوسي، وصار إذا واحد منهم بيقضي الحاجة يقوم الثاني معه، لابد يمشي معه ويقضي الحاجة. 

فكتب إليه أنه وصل إلى كذا، فكتب إليه: اشكر الله تعالى. فكتب إليه: كلما ذكرت لك شيء تقول لي اشكر الله، اشكر الله على أيش هذا؟ يربطون رجلي برجل المجوسي! فكتب إليه الشيخ: لو تحوَّل الزِّنَّار الذي فيه إليك، لعرفت قدر ما أنت فيه من النعمة! قال لو سلبك الله نعمة الإسلام والإيمان وحوّلك أنت مجوسي بتعرف أيش الذي فاتك! اشكر الله!. فبدأ يتنبه ويشكر الله، ففرَّج الله عليه، وخرج وسلك مسلك الشاكرين وارتفع الابتلاء عنه والاختبار، وصار في خير مَسَار. لكنه ما طاع يشهد إلا بعد ما مُحِّص وفُحِص، حتى وصل إلى هذا الشهود، فتأدّب مع الملك المعبود -سبحانه وتعالى- لا إله إلا هو!

فله حكمة في كل شيء! 

ولله في كل تحريكةٍ  *** وتسكينة أثرٌ شاهدُ

"وقوله: "تراءيتَ"، الخ. خطابٌ للحضرة، أي: تراءيتَ للعَارفِ بعين البصيرة القلبية، من حيثُ قيام الأسماء والصفات"، أي: فشَهِدك ببصيرته "من حيثُ قيام الأسماء والصفات، لا رؤية الذات، تعالى الله عن ذلك علواً كبيراً"، حاشا الله تعالى، قال: (لَّا تُدْرِكُهُ الْأَبْصَارُ وَهُوَ يُدْرِكُ الْأَبْصَارَ ۖ وَهُوَ اللَّطِيفُ الْخَبِيرُ) [الأنعام:103].

وهذا الإدراك منفي، حتى عند ما جاءنا في السنة من إثبات الرؤية لوجه الله تعالى في الجنة ما فيه الإدراك، لا..

  • الرؤية التي عبر النبي  ﷺ عن تكرُّم وتفضُّل لله بتجلّي أوسع، عَبَّر عنه بالرؤية ﷺ، وعَبَّر عنه بالنظر؛ فنُعَبِّر بما عبَّر ﷺ. 
  • أما الإحاطة مُمتنعة، ولا كيفية، ولا جهة، ولا شيء من هذه الأشياء. 

إنما الأبصار في الآخرة شأنها شأن البصائر، كأنها بصائر، كما تدركه البصائر في الدنيا يُدرَك في الآخرة بعين البصر، ويُدرك النور والظلمة والخير والشر، حتى رائحة الأعمال في الآخرة تُشَم، يُشَم ريح الصلاة، ريح الصوم، ريح الزكاة، ريح القراءة، ريح الكذب… وفي الدنيا محجوب عنَّا، لكن في الآخرة.. حتى يقول: "إذا كذب ابن آدم تنحَّى عنه الملكان مسافة ميل مما يخرج من نِتَن فِيه"، رائحة الكذب، الملائكة يشمئزون منها وتبتعد مسافة كيل من شدة الرائحة القبيحة للكذب. وهكذا فهذه تخفى علينا في الدنيا، وفي الآخرة تكون ظاهرة واضحة.

وكذلك هذا التجلي الرباني عبَّر ﷺ بالرؤية، وهو أعرف الخلق بالله وأعلم الخلق بالله، فعبَّرنا بما عَبَّر. عَبَّر عنه بالنظر، فعبرنا كما عَبَّر ﷺ. ولكن فهمنا من كلامه وما أُنزِل عليه أن لا جهة ولا جسم ولا صورة ولا شيء من الحسيّات، ولا إحاطة ولا إدراك أصلا. فعَلِمنا كلامه كله حق ﷺ، فقلنا بما قال، وعلى هذا مضى أهل السنة، عليهم رضوان الله تعالى.

يقول: " لا رؤية الذات، فإنها ممتنعةٌ، تعالى الله عن ذلك علوًا كبيرًا. وقد يلوحُ" أيضًا يظهر معنى، يلوح يعني يظهر معنى على قوله:

بكُلّ مليحٍ أو بكُلّ مليحَةٍ *** تراءيتَ 

يعني: إذا شَهِد عبدك المُوفَّق المؤمن أي جمال حسِّيٍ أو معنوي.. في الجمادات والحيوانات والنباتات والأحوال والشؤون، جميع الجمال الحسي والمعنوي، يوقن أنه وميض بَرْقُ جمالك، فإنك أنت خالقه وأنت منشؤه، وإنما هذا يدل ويُشعر بعظمة جمالك الذي لا حد له ولا غاية، والجمال كله لله -سبحانه وتعالى- وإنما جمَّل الأشياء بحسب ما أمدَّها بشيء من الجمال. 

كما أنه هذا العلم، العلم لله؛ وإنما أمد الكائنات بشيء من العلم، وكما قال الملأ الأعلى: (لَا عِلْمَ لَنَا إِلَّا مَا عَلَّمْتَنَا ۖ إِنَّكَ أَنتَ الْعَلِيمُ الْحَكِيمُ) [البقرة:32]. والعلم كله له، والبصر كذلك، والسمع كذلك، والمحاسن كلها كذلك، والجمال كذلك، هو لله -سبحانه وتعالى-، وهو الجميل -جل جلاله- بكل معنى وعلى الإطلاق. وأما ما يبدو من الجمال في الكواكب النجوم والأزهار والأشجار.. وميض برق يدلك على جمال الصانع، هذا جمال محدود يدل على جمال الصانع غير المحدود، الذي لا حد له، إله إلا هو جل جلاله.

فيقول: "بكل مليحٍ أو بكل مليحة" في الحس والمعنى والظاهر والباطن "تراءيتَ" أي تراءى وظهر جمالك في هذا الجمال، فإذا نظرتَ بعد ذلك إلى معاني الجمال وجدتها فيما خلق الله في أحسن تقويم في هذا الإنسان، إنها من أجل وأعلى الجمال الذي خَلق الله -تبارك وتعالى-، فإذا نظرت إلى جمال الإنسان هذا المعنوي في خُلُقه وفهمه وعلمه وما إلى ذلك، رأيت رأس الجمال الإنساني عند الأنبياء والمرسلين -صلوات الله وسلامه عليهم-، ثم ترتقي، وإذا بأجمل صورة وأجمل معنى مخلوق على الإطلاق: محمد! قد خلقه الله على أجمل صورة، فيها جميع المحاسن محصورة، وعليها مقصورة.

وجمال صفاته، وجمال ذاته، وجمال أقواله، وجمال أفعاله، وجمال شريعته، وجمال هدايته، وجمال بلاغه وتبليغه، وجمال تعاطيه للأسباب، وجمال أكله وشربه ونومه ويقظته.. ما شيء مثلها! أجمل شيء وُجِد في الوجود وخلقه الله الجميل: جمال هذا الجميل ﷺ. بل فرَّعَ منه كُلُّ جمال، كما قال الحبيب علي الحبشي:
ما فضل في الكون إلا وهو من ذا الفضيل *** ولا جمال انبسط إلا لهذا الجميل
ما عين إلا ومن ذا البحر ماها يسيل

هكذا رتب الله -سبحانه وتعالى- وهكذا أوجد. لا إله إلا هو!

وربُّ الجمال تعالى الله خالقه *** فمثله في جميع الخلق لم أجدِ

وينتهي الجمال يا من يقوم مقام الحمد مُنفردًا *** للواحد الفرد الذي لم يولد ولم يَلِدِ

يقول: "ارفع رأسك!"، أيش تشوف هذا الجمال؟ "ارفع رأسك، وسَل تُعطَه، وقل يُسمع لقولك، وَاشْفَعْ تُشَفَّعْ". هذا جمال إلهي أم جمال محمدي…؟ جمال الله تجلى في محمد ﷺ، وقُدُه من البداية يقول: "أنا لها" ﷺ، ويأتي تمام الجمال بهذا التجميل من ذي الإفضال -جل جلاله وتعالى في علاه-، ويقوم المقام المحمدي: (عَسَىٰ أَن يَبْعَثَكَ رَبُّكَ مَقَامًا مَّحْمُودًا) [الإسراء:79].

الله يرفع مشاهدنا في الجمال ومعانيه وشهوده؛ حتى لا يحرمنا شهود جماله المنتشر في جميع ذرات الوجود، ويجمع لنا الجمال في عبده الأجمل، ويوفِّر حظَّنا من النظر إلى بهاءِ حسنه وجماله ﷺ في أقواله وأفعاله وأحواله وصفاته وأخلاقه وخَلقه. كان أحسن النَّاس خَلقًا وخُلقًا ﷺ وأهداهم إلى الحق طرقًا، اللهم صل وسلم وبارك عليه وعلى آله وأصحابه. 

بكُلّ مليحٍ أو بكُلّ مليحَةٍ *** تراءيتَ

 فما نشهد جمالًا إلا ذكّرنا بجمالك. "حتى حققتْكَ الضمائرُ"؛ أي بلغت رتبة عين اليقين وحق اليقين في شهود صدق جميع ما أخبرت به وما أنزلت على رسولك المصطفى صلى الله عليه وعلى آله وصحبه وسلَّم.

 

[شرح البيت الخامس عشر]

"ثم قال الناظم نفع الله به:

وما مَذْهبِي حبُّ المظَاهِر إنّما *** أحِبُّ الذي دلّتْ عليه المظَاهِرُ

أشار إلى أن من المحبِّينَ، كما في "شرح العارف الشبراوي"، من يحبُّ الكَون وما حواه، بحب الله تعالى. وإليه أشار البكريُّ بقوله:

يحبُّ مصنُوعًا بحبِّ الصانعِ *** لم يحتجِبْ بقاطعٍ ومانعٍ

 كذا أشَار بعضُ من قد قدُمُوا *** من أجلِ عينٍ ألفُ عين تُكرمُ 

ولم ير الشيخُ هذا المسلكَ، نظرًا إلى أنّ المحبة حينئذٍ مشروكَةٌ، بل أراد قصْرَها على المحبُوب الحقيقيّ. ولذا قال:

……………………. *** أحِبُّ الذي دلّتْ عليه المظَاهِرُ

وهو المولى سبحانه وتعالى، كما قيل: 

وفي كُلّ شيء له آيةٌ *** تدلّ عَلى أنه الواحِدُ

 

[شرح البيت السادس عشر]

ثم قال الناظم نفع الله به:

أمَا ومقَامِ البيْتِ والحجَرِ الذي *** عهِدناهُ قد دارَتْ عليه الخناصِرُ

وقوله : "أمَا" بالفتح والتخفيف هنا، حرفُ استفهامٍ بمنزلة ألَا، التي هي للتنبيه.

وقوله: "ومقَامِ البيتِ"، الواو للقسم. والمعنى: أقسِمَ بالبيت العتيق، الخ. وجوابُ القسم هنا قوله في البيت الثاني: "لأنت المنى"، الخ.

وقوله: "والحجر الذي عهدناه"، أي: الحجَر الذي به العهْدُ، وهو الحجَرُ الأسود. وهو تلميحٌ إلى ما نقل عن أمير المؤمنين رضي الله عنه: من أن اللّٰه تبارك وتعالى لما أخذَ العهْدَ على آدم وأولادِه في عالم الذر، وكتب عهدهم في كتابٍ، ووُضِع في الحجَر الأسود. فلذلك قال: "والحجر الذي عهدناه".

وقوله: "قد دارت عليه الخناصِرُ"، جمعُ خنْصر. أي: التفّت عليه خناصرُ الطائفينَ. وذلك: أنّ الطائف عند تقبيل الحجَر يضع كفَّيه عليه، ويلتقي خنصِرُ اليمنى بخنصِرِ اليسرى بالاستدارة عند وضع الكفين."

 

نعم، يقول: 

وما مَذْهبِي حبُّ المظَاهِر إنّما *** أحِبُّ الذي دلّتْ عليه المظَاهِرُ

"وما مَذْهبِي حبُّ المظَاهِر" من حيث هي. "وما مَذْهبِي حبُّ المظَاهِر"، وهي جميع الكائنات والموجودات. "إنّما *** أحِبُّ الذي دلّتْ عليه المظَاهِرُ"؛ وهي تدل على مُظهِرها ومُوْجِدها -جل جلاله-. والمحبة من أجل الله -تبارك وتعالى- تبدأ في البداية محبة الأشياء التي يحبها -سبحانه وتعالى- من الطاعة والعبادة والإيمان والمؤمنين والأنبياء والملائكة المقربين، من أجل محبتهم من أجله. ثمَّ إذا غلب الشهود على هذا العبد، أخلص الحب لله -تعالى- فيرجع يشهدُ نوره فيهم وتجلِّيه عليهم؛ فما يرى أنه أحب شيئًا غيره -سبحانه وتعالى-. فيكون بعد ذلك محبَّتهم للمحبوبات من الكائنات على غير الوجه الذي أحبُّوه في البداية. أحبوه في البداية بمجرد استشعار أن الله -تعالى- يحبه، وأن حبهم إياه يقربهم إلى الله. فلما ارتقوا وقوي لديهم الشهود وغلب عليهم شهود الحق، رأوا أنهم أصلًا عين محبتهم لله -تبارك وتعالى- سَرَت على آثار هذا المحبوب وأفعال هذا المحبوب -جل جلاله-، وخصوصًا ما كان من تجلِّي رأفته ورحمته وكرمه على هؤلاء المحبوبين وهذه المحبوبات. 

فما رأوا أنهم جاوزوا محبته إلى محبة غيره أصلًا، لأنهم ما أحبُّوها إلا من أجله. وكان في البداية مع شهود قيام لها، لكن الآن مع شهود قيُّومِيَّة القيُّوم، يحبونها، لكنهم بوجه غير الوجه الذي أحبوها بها أولًا. لا إله إلا الله.

وهذا مما يدق الكلام فيه والتعبير عنه، وإلا فهؤلاء الواصلون يحبُّون الأنبياء والملائكة.. محبَّة أشد مما كانت في البداية، لكن كانت في البداية محبَّتهم مع شيء من إثبات الغيرية، لكن الآن يحبُّونهم مع كمال الواحدية والأحدية. فصاروا يحبُّونهم لكنهم ما يرون شيء من المحبة مستقلة ولا ناقصة ولا شيء آخر، إنما عين محبتهم لله -تبارك وتعالى-، حتى أحبُّوه وأحبُّوا كل ما أحبه -سبحانه وتعالى-. وفي الحديث دعاؤه عليه الصلاة والسلام: "اللهم إني أَسْأَلُكَ حُبَّكَ وَحُبَّ مَنْ يُحِبُّكَ، وَحُبَّ عَمَلٍ يُقَرِّبُ إِلَى حُبِّكَ"، ثم قال: "اللَّهُمَّ اجْعَلْ حُبَّكَ أَحَبَّ إِلَيَّ مِنْ نَفْسِي وَمَالِي وَأَهْلِي، وَمِنَ الْمَاءِ الْبَارِدِ" على الظمأ، أحب من كل شيء.

وإذا كان ينتهي إلى هذه العجائب أولياء الله، فكيف بأنبياء الله؟ فكيف بسيد الأنبياء والمرسلين صلوات الله وسلامه عليه!.. وهكذا محبة الملائكة للمؤمنين من عباد الله والصَّالحين واستغفارهم لهم ودعاؤهم لهم تقربًا لله -تبارك وتعالى-، وهم لا يحبون إلا الله. وأن من تجدَّد إظهار محبة الله له التي كانت مستورة ممن لم يسبق إظهارها من قبل، ففيه جاء الحديث في الصحيح: إذا أحب الله عبداً نادى جبريل: يا جبريل، إني أحب فلان بن فلان فأحبه.

"إِنِّي أُحِبُّ .. فَأَحِبَّهُ"!... إذًا هو لما أحبه كيف كان حبُّه؟ حبُّه ما هو لذات هذا الشخص؛ حبُّه لله -تبارك وتعالى-، أحب به هذا الشخص.

نفس الشيء لما أمر الله الملائكة بالسّجود لآدم، كان هذا السجود لمن؟ مظهره سجود لآدم، لكن ما هو سجود لآدم، لأنه أصلًا ما قصدوا آدم ولا... إلا الرب الرحمن أمرهم بالسجود لآدم فسجدوا.. فسجدوا لمن؟ لله -تبارك وتعالى-. وجعلوا لآدم، جعلوا صورة مظهره السجود لآدم إكرامًا. فكان الإكرام والإكبار والتعظيم لآدم بأمر الله -تبارك وتعالى-، حقيقته: إكبارهم وتعظيمهم وسجودهم لله تعالى الذي خلق آدم. 

ولذا جاء بالفلسفة حق هذا المبعود إبليس قال: ما أسجد لبشر خلقته من طين! ومن الذي أمرك؟ أيس هو الذي أمرك! عجيب.. وهو ما هو داري أنه خلقه من طين، ولا كيف؟! أنت الذي خلقته أم هو الذي خلقه من طين؟! ما يعرف ربي أنه خلقه من طين! (لَمْ أَكُن لِّأَسْجُدَ لِبَشَرٍ خَلَقْتَهُ مِن صَلْصَالٍ مِّنْ حَمَإٍ مَّسْنُونٍ) [الحجر:33].

أليس هو الذي خلقه وأمرك تسجد له؟! عادك بتعلِّم ربي من أيش خلقت هذا، ولا كيف؟! ورجع.. فهو ذا في مظهر التوحيد الأعوج هذا يقول: أنا ما أسجد إلا لك، أيش بغيت من آدم؟ أليس أنا من أمرتك تسجد لآدم! (فَاخْرُجْ مِنْهَا فَإِنَّكَ رَجِيمٌ * وَإِنَّ عَلَيْكَ لَعْنَتِي إِلَىٰ يَوْمِ الدِّينِ) [ص:77-78]. 

وبغى نفسه مُوحِّد، والملائكة مشركين، ولا كيف! هو قال للملائكة اسجدوا لآدم، هم عندك مشركين يعني؟!.. هم المكرمون والعباد الذين لا يعصون الله ما أمرهم ويفعلون ما يؤمرون. 

بل كان السجود على وجه التحية والإكرام مُباح في الشرائع السابقة قبل نبينا محمد، ونصَّ القرآن عليه: (وَرَفَعَ أَبَوَيْهِ عَلَى الْعَرْشِ وَخَرُّوا لَهُ سُجَّدًا) [يوسف:100]. وأيش خبر سيدنا يعقوب؟ عسى ما هو عنده عقيدة شرك ولا شي؟ أستغفر الله! وأولاده معه حاشاهم! كان هذا جائز على وجه الإكرام، مثل سيدنا يعقوب ما أكرم ولده يوسف لأنه ولده، ولا لأجل غرض آخر دنيوي، إنما لمكانته عند الله -تبارك وتعالى-، فحيَّاه بهذه التحية إكرامًا لله تبارك وتعالى. 

فكان السجود على وجه الإكرام والتحيَّة جائز في الشرائع السابقة، وحُرِِّم في شريعتنا. فما يجوز تعبير عن التحية والإكرام بالسجود، أن تخرَّ ساجدًا لأحد من الخلق، حرام في الشريعة عندنا. ما هو شرك، حرام! أمَّا الشرك، إن سجدت ولا ما سجدت، إن اعتقدت أنه إله آخر مع الله؛ فأنت مشرك! سجدت ولا ما سجدت. الشرك عبارة عن اعتقاد أن مع الله شريك، وحاشا الله أن يكون له شريك. لا إله إلا الله. فذا صيَّر الجمال قبحًا -والعياذ بالله تبارك وتعالي- وأبى أن يسجد لآدم.

 

وقال: "وما مَذْهبِي حبُّ المظَاهِر"، يقول: ومن أجل الله في البداية يحبون الكائنات.

يحبُّ مصنُوعاً بحبِّ الصانعِ *** لم يحتجِبْ بقاطعٍ ومانعٍ

 كذا أشَار بعضُ من قد قدمُوا *** من أجلِ عينٍ ألفُ عين تكرمُ 

قال: "ولم ير الشيخُ هذا المسلكَ"، بل أشار إلى النهاية؛ إلى المحبة "نظرًا إلى أنّ المحبة حينئذٍ مشروكَةٌ، بل أراد قصْرَها على المحبُوب الحقيقيّ. ولذا قال:

……………………. *** أحِبُّ الذي دلّتْ عليه المظَاهِرُ

وهو المولى سبحانه وتعالى". وفي هذا المعنى، حتَّى في العالم الخَلقي يأتي مثل هذا. يحب الصنعة من أجل محبته لصانعها، هو يحب المصنع هذا، أي شيء يصنعه ذا المصنع يقول: جميل، جميل حسَن! هو يحبه.. محبته للمصنع خلَّته يحب المصنوعات حقه كلها، حتى وما هو ممتاز، يقول: ممتاز! وقال قائل:

أمر على الديار ديار ليلى *** أقبل ذا الجدار وذا الجدارا
وما حب الديار شغفن قلبي ***.............................. 

أنا ما أحب الجدران، لا! الجدران ملآنة الدنيا، لكن هذه متَّصلة بليلى.

………………….. *** ولكن حب من سكن الديارا

فكذلك أهل المحبة لله في الله -سبحانه وتعالى- يحبون أحبابه من أجله -جل جلاله-، فالمحبوب هو، هو وحده. حتى يقول سيدنا الشيخ أبو بكر في دعائه: حتى لا نحب ولا نرجو ولا نخاف سواك. لا نحب ولا نرجو ولا نخاف سواك. أين محبتك للأنبياء وللصَّالحين وللإيمان.. وهو مليان، كلامك بالمحبة؟! قال هذه محبة من نوع شهوده هو، فأنا أحببته هو، وهذه إنما تابعة، والمحبوب هو -جلَّ جلاله-، فهذه تابعة، ما أحببتهم استقلالًا لهم، بل له وبه ومن أجله أحببتهم فيهِ، جلَّ جلاله وتعالى في عُلاه. 

وفي كُلّ شيء له آيةٌ *** تدلّ عَلى أنه الواحِدُ

يقول: 

أما ومقَامِ البيْتِ والحجَرِ الذي *** عهِدناهُ قد دارَتْ عليه الخناصِرُ

لأَنتَ المنى………………………………………..

 

[شرحُ البيت السابعَ عشر]

ثم قال الناظم نفع الله به:

لأنتَ المنَى والقصْدُ يا غايةً المنى *** وإن لامَني فيك القَنا والبواتِرُ

هذا جوابُ القسَم، ولمّا كان للأكْوانِ محاسِنُ، وهي محبوبةً عند قوم؛ نزَّه نفسَه عن النظَر إلى الكون لئلا يُتَّهَم بشيءٍ من ملابسة السّوى. فقال: "لأنتَ المنى والقصدُ". أي: ما أقصدُه، إقامةً للمصدر مقام المفعول. "يا غاية المنَى"، حقيقة، لأن كل شيءٍ يُرغَبُ في الكونِ فهو أثرُ نعمة الله، وظلٌ وفرعٌ من أصلِ ذات الحقّ ونورِه.

وقوله:

………………. *** وإن لامَني فيك القَنا والبواتِرُ

أي: هذا ديدني، وإن لا مني في حبّك ذو القَنا والبواتِر، حُذفَ المضافُ وأقيم المضافُ إليه مقامه، وأعرب بإعرابه، كما هو مقرّرٌ في النحو. أي: وإن وقع عليّ القَنا والبواتر من أهلها، بمبالغتهم في الملامة، كما وقع لكثير من السلف، حيث لم يفْهَم أهلُ زمانهم مرادَهم، ولم يعلموا مكانتهم من الله، فشّنعُوا فيهم، كالحلاج وغيره.

 

[شرحُ البيت الثامنَ عشر]

ثم قال نفع الله به:

وما ملتُ يوماً عنك للغير سلوةً *** وكيف ويا نُوري مَعِي أنتَ حاضِرُ

هذا خطابٌ في رقيقِ حجابٍ، مؤكِّدٌ لما تقدمَ من قوله: "لأنت المنى"، الخ. أي: لا ملتُ عنك يومًا. وقولَه: "كيف" استفهامٌ انكاريّ بمعنى النفي. أي: لا أسلو والحالُ "يا نوري مَعي أنتَ حاضِر". أي: يا نوريَ الذي بك رأيتُكَ، وتركت ما سواك.

وقوله: "معي أنت حاضِر"، هذا القائلُ عبدٌ تحقّقتْ له مقاماتُ القربِ، ووصل إلى مقام الشهُود والمراقبة، وتحقق له قولُه -تعالى-: (وَهُوَ مَعَكُمْ أَيْنَ مَا كُنتُمْ ۚ) [الحديد:4]، فهو حاضرٌ مع الله دائمًا. أي : لا يشهَد غيره -تعالى-، وهو دأبُ أهل الله.

قال سيدي عمر بن الفارض -رحمه الله تعالى-:

ولو خطرَتْ لي في سِواكَ إرادةٌ *** على خاطري يوماً قضيتُ برِدَّتي

 

اللهم لا تحرمنا خير ما عندك لشر ما عندنا، وحققنا بحقائق محبتك يا كريم.
 

فما أرجّي اليوم كشف كربة *** إلا إن صفا لي مشرب المحبة

ونلت من ربي رضا وقربه *** يكون فيها قطع كل الأسباب

فلا ينبغي أن تكون قراءتنا لكلامهم هذا وسماعنا للمعاني والشروح تمر علينا والقلوب خالية عن صدق المحبة لهذا الإله الحق. مَن أحق أن نُحب؟ أنفسنا وأهلنا وأموالنا أو إنسي أو جنِّي أو أرض أو سماء! من أحق أن نحب؟ من أحق بمحبَّتنا؟ من مُنشِئنا؟ من صانعنا؟ من خالقنا؟ من مُكوِّننا؟ من المُنعم علينا؟ من الذي له الجمال كله؟ من الذي له الجلال كله؟ من الذي له الإنعام ومنه الإنعام كله؟ من الذي له الكمال كله؟ كيف نحب غيره؟! كيف نقارن بينه وبين محبة غيره؟! هو الأحق أن يُحَب -جل جلاله-. 

فلنتَعرَّض لأن تُشرق على أنوار قلوبنا أنوار المحبة، وذرة منها تُغيِّبك عن الكائنات بما فيها.

فما أرجّي اليوم كشف كربة *** إلا إن صفا لي مشرب المحبة

ونلتُ من ربي رضا وقربه *** يكون فيها قطع كل الأسباب

***

يا  الله بذرة من محبة الله *** أفنى بها عن كل ما سوى الله 

ولا أرى من بعدها سوى الله *** الواحد المعبود رب الأرباب

***

على بساط العلم والعبادة *** والغيب عندي صار كالشهادة

هذا لعَمري منتهى السعادة *** سبحان ربي من رجاه ما خاب

إلهنا من يبيت الليل من أهل أرضك وقد أكرمته بمحبَّةٍ فأحبَّك، ومحبةٍ منك له، فنسألك أن لا تحرمنا هذا العطاء، وأن لا نبيت ليلتنا إلا وقلوبنا في المحبة لك يا الله يا كريم، وحظَّنا وافر من محبتك واجعلنا محبوبين لك ولرسولك ﷺ في عافية، في لطفٍ وعافية، في خيرٍ ولطفٍ وعافية يا أكرم الأكرمين يا أرحم الراحمين.

 

أما ومقَامِ البيْتِ والحجَرِ الذي *** عهِدناهُ قد دارَتْ عليه الخناصِرُ

أقسم بالمقام وبالبيت والحجر الأسود الذي أُودِعَ العهد الذي عاهدنا الله عليه؛ (وَإِذْ أَخَذَ رَبُّكَ مِن بَنِي آدَمَ مِن ظُهُورِهِمْ ذُرِّيَّتَهُمْ وَأَشْهَدَهُمْ عَلَىٰ أَنفُسِهِمْ أَلَسْتُ بِرَبِّكُمْ ۖ قَالُوا بَلَىٰ) [الأعراف:172].

فلمَّا قالوا: بلى وسجدوا، كتب الله كتابًا ميثاقًا لهذا العهد وألقمه الحجر الأسود. فهو يشهد لمن استلمه بالموافاة يوم القيامة. هكذا جاء عن سيدنا علي فيما خاطب سيدنا عمر بن الخطاب -عليهم رضوان الله تبارك وتعالى- في الحديث المشهور: أنه لمَّا أكب سيدنا عمر وقد غلبه اتِّباع الحبيب ومحبة الحق -سبحانه- ورسوله، خاطب الحجر قال: ما هو من أجلك ولا مستقل أقبّلك.. نحن على بصيرة في تقبيلك، نحن على تبعية، وقال: أعلم أنك حجر لا تضر ولا تنفع -في حد ذاتك؛ في نفسك- ولولا أني رأيت رسول الله ﷺ يقبّلك ما قبّلتك. 

فربما مَن يسمع هذا الكلام من سيدنا عمر يظن أن مشهوده في الحجر قاصر وأنه لا أثر لهذا التقبيل في المكانة عند الله، فكَمَّل المعنى سيدنا علي قال: بلى يا أمير المؤمنين إنه يضر وينفع! فالتفت قال: تقولها يا أبا الحسن؟ قال: "نعم سمعت رسول الله ﷺ يقول: إن الله لما أخذ العهد والميثاق على بني آدم، كتب كتابًا فألقمه هذا الحجر وإنه ليشهدُ لمن استلمه بالمُوافاة". تحب نفع أحسن من هذا!.. قال: بئس المقام بأرضٍ ليس فيها أبو الحسن، عليهم رضوان الله. 

وهكذا كان الصحابة في تكاملهم وفي تعاونهم على إبداء الحقائق وإبراز الخير للخَلق -عليهم رضوان الله تبارك وتعالى-. وفي مسند الإمام أحمد عنه ﷺ أنّه قال: إن الحجر الأسود يأتي يوم القيامة وله عينان ولسان طَلقٌ ذلقٌ يشهد لمن استلمه بالموافاة.

فيقسم بمقام البيت والمقام الذي كان يقوم عليه سيدنا إبراهيم عليه السلام، وهو الحجر الذي غاصت قدماه فيه، وقد كانوا يذكرون أن أصابعه باينة فمن كثرة تَمسُّح الناس عبر القرون اختلطت، وبقي أثر القدم إلى الآن في المقام الشريف. وقال سيدنا عمر -عليه رضوان الله-... وشوفوا أصحاب المعاني هذه والأذواق. والمقام ما هو حجر؟! والحجر الأسود حجر، والمقام ما هو حجر؟ حجر! لكن قال: "يَا رَسُولَ اللَّهِ لَوِ اتَّخَذْتَ مَقَامَ إِبْرَاهِيمَ مُصَلًّى". لو نَجيء نصلي عند المقام؛ يعني هذا حجر تشرّف بقدمي الخليل إبراهيم.. بنصلي عنده؟ ونزل الوحي: (وَاتَّخِذُوا مِن مَّقَامِ إِبْرَاهِيمَ مُصَلًّى) [البقرة:125].

فلما أراد الله ذكر الآيات في البيت الحرام فورًا ذكر المقام قال: 

(إِنَّ أَوَّلَ بَيْتٍ وُضِعَ لِلنَّاسِ لَلَّذِي بِبَكَّةَ مُبَارَكًا وَهُدًى لِّلْعَالَمِينَ * فِيهِ آيَاتٌ بَيِّنَاتٌ مَّقَامُ إِبْرَاهِيمَ) [آل عمران:96-67]. 

ما قال عن حجر! لكن المسألة ما هِي حجر. الحجر مخلوق ونحن مخلوقين، وسيدنا إبراهيم مخلوق، لكن الله اتخذه خليلًا وتجلَّى عليه وألصق هذا الحجر بقدمه، فكان له من التجلِّي والمنزلة عند الله -تبارك وتعالى-، فنحن حول المعنى، ما نحن حول الحس ولا حول الحجر. وهكذا: (وَاتَّخِذُوا مِن مَّقَامِ إِبْرَاهِيمَ مُصَلًّى). وإلا الأحجار كثيرة ملء الدنيا نجي نقبِّل شيء منها أو نروح نقصد ونصلي عند شيء منها! أحجار ملء الدنيا كثير شرق وغرب، لماذا هذا؟ هذه الخصوصية وهذه المزية.

وما حب الديار شغفن قلبي *** ولكن حب من سكن الديارا

وذا شاف أحد يتمسح بالشُبَّاك قال له: حديد! قال له: الأرض ملآنة حديد ما بدا مسكت شبَّاك واحد منها، ما هو من أجل حديد! حديد جنب مَن؟ عند مَن؟ في مكان مَن؟ أنا ما قصدي الحديد.. 

حتى كان سيدنا مالك يكره يقول: زرت قبر النبي، يقول: قل زُرت النبي، لماذا تعبِّر بقبر؟! قل زرت النبي، يعني أنت ما مقصودك هذا، أنت تقصد من؟ وهكذا كما من يأتون إلى البيت الحرام يقولون: إنما المقصود رب البيت، أنت حتى في الدنيا تجيء لعند البيت وقصدك رب البيت، أو تروح لصاحبك في البيت وتجيء لعنده قصدك من؟ البيت أم رب البيت؟ تجيء عند الكعبة ومقصودك رب الكعبة رب البيت جل جلاله.

قالت العارفة لمن طاف، قالت: على ماذا طُفت؟ قال: على هذه البنية. قالت: جسوم تطوف على جسوم! جسم يطوف على جسم! أين حقيقة الطواف؟ أنت قصدته هو. لهذا قال ﷺ: أما طوافك فإنك تخوض في رحمة الله! تخوض في رحمة الله عند الطواف، لا إله إلا الله. (مُبَارَكًا) كما قال الله (..وَهُدًى لِّلْعَالَمِينَ). وقال: (جَعَلَ اللَّهُ الْكَعْبَةَ الْبَيْتَ الْحَرَامَ قِيَامًا)، يقوم أمرهم عليه وصلاحهم عليه. (قِيَامًا لِّلنَّاسِ وَالشَّهْرَ الْحَرَامَ وَالْهَدْيَ وَالْقَلَائِدَ) [المائدة:97].

فحلف بهذا البيت والمقام "أقسِمَ بالبيت العتيق" ويقول: "والحجَرِ الذي *** عهِدناهُ"؛ أي: كُتِبت علينا العهود المواثيق فأُلقمت إياه، "أي: الحجَر الذي به العهْدُ"،قد دارَتْ عليه الخناصِرُ"؛ يعني: تطوفه الخلائق على مدى القرون.

وتحلف على أيش؟ يقول:" لأنتَ المنَى"، مُنايا أنت، لا شيء من هذه الكائنات. 

"جوابُ القسَم:

لأنتَ المنَى والقصْدُ يا غايةً المنى *** ………………

وهكذا كانت تقول رابعة العدوية في ندائها للرب وخطابها:

فَلَيتَكَ تَحلو وَالحَياةُ مَريرَةٌ *** وَلَيتَكَ تَرضى وَالأَنامُ غِضابُ

وَلَيتَ الَّذي بَيني وَبَينَكَ عامِرٌ *** وَبَيني وَبَينَ العالَمينَ خَرابُ 

إِذا صحَّ مِنكَ الوُدَّ يا غاية المنى *** فكُلُّ الَّذي فَوقَ التُرابِ تُرابُ

 

لأنتَ المنَى والقصْدُ يا غايةً المنى *** وإن لامَني فيك القَنا والبواتِرُ

  • القنا: السهام والرماح. 
  • والبواتر: السيوف القاطعة. 

وهل هي تلوم حد السيوف؟!.. يعني أصحابها؛ ناس من شدة لومهم يحملون أسلحتهم قُدَّامه، قال: وإن كان؛ أنا ما أبالي بهم. وهذا أيضًا من جملة الكلام الذي يأتي في هذا المجاز، الذي يستنكر معناه بعض مَن يقصر النظر: "لامَني فيك القَنا والبواتِرُ"؛ يجي واحد يقول لك هذا يعتقد أن الرماح والسيوف تتكلم وتلوم..! لماذا؟ انظر تقول: "لامَني فيك القَنا والبواتِرُ"؟! نقول له: أيش نصلِّح فيك إذا أنت ما عندك معنى ولا تفهم؟! هذا يريد أصحاب القنا، يعني إذا كان اللائمون حملوا لنا السيوف والبواتر يرمونا بها، ما تركنا محبتك ولا تراجعنا عن ذلك.

لأنتَ المنَى والقصْدُ يا غايةً المنى *** وإن لامَني فيك القَنا والبواتِرُ

قال:

"ولمّا كان للأكْوانِ محاسِنُ، وهي محبوبةً عند قوم؛ نزَّه نفسَه عن النظَر إلى الكون لئلا يُتَّهَم بشيء من ملابسة السّوى. فقال: "لأنتَ المنى والقصدُ". أي: ما أقصدُه"؛ قصدي الوحيد، مخلصين له الدين.. قال: "إقامةً للمصدر مقام المفعول"، -يعني: المقصود، وأنت القصد يعني المقصود. ""يا غاية المنَى"، حقيقة، لأن كل شيءٍ يُرغَبُ في الكونِ فهو أثرُ نعمة الله، وظلٌ وفرعٌ من أصلِ ذات الحقّ ونورِه." -سبحانه وتعالى- وهو تجلِّيه بالأسماء والصفات، حتى أوجد وأبرز وخلق. 

"أي: هذا ديدني، وإن لا مني في حبّك ذو القَنا والبواتِر، حذفَ المضافُ وأقيم المضافُ إليه مقامه، وأعرب بإعرابه، كما هو مقرّرٌ في النحو. أي: وإن وقع عليّ القَنا والبواتر من أهلها، بمبالغتهم في الملامة، كما وقع لكثير من السلف، -عليهم رضوان الله- حيث لم يفْهَم أهلُ زمانهم مرادَهم"، -في بعض كلامهم- "ولم يعلموا مكانتهم من الله، فشّنعُوا فيهم، كالحلاج وغيره".

ما فهموا منهم الكلام حتى حكموا بقتلهم وقتلوهم، وما صدَّهم ذلك ولا ردَّهم عن صدق محبتهم للواحد الأحد، جلَّ جلاله وتعالى في علاه.

وهكذا، وجب على مَن كان متماسكًا متمالكًا أن لا يُطلق لسانه في التعبير عما لا يُفهم معناه للسامعين ومَن حواليه؛ وإلا تعرَّض لأن يُعاقب عقوبة بحسب ما ظهر منه في ظاهر الأمر على ما يتبادر لأذهان السامعين. ولمَّا قتلوا الحلاج انكتب دمه على ظهر الأرض: الله الله الله الله… لا إله إلا الله. انكتب جلالات على ظهر الأرض: الله لا إله إلا الله. 

وقال القائل في التعبير عن هذه المحبة:

أرانا في هواكم لا أبالي *** وما ملّيت من سهر الليالي

عذابكم الأليم أراه عذبًا *** وفيكم ذقت طعم المُرِّ حالي

وإن جيَّشتُموا للصدِّ جيشًا *** بنيتُ حصون صبرٍ كالجبال

ولو خيلُ الصدود جيَّشتمُوها *** تريدون لروحي أو لمالي

أنا ما ألقَاكُمُوا إلا بدرعٍ *** من التسليم فوق قميص بالي

 

رضيتُ بما رضيتم لو قطعتم *** يدي اليمنى مددت لكم شمالي

فإن ترضونني في الحب عبدًا *** فإني قد رضيت بكم موالي

قال سيدنا خبيب:

وذلك في ذاتِ الإلهِ وإنْ يَشَأْ *** يُبارِكْ على أوْصالِ شِلْوٍ مُمَزَّعِ

يقول: "هذا ديدني، وإن لا مني في حبّك ذو القَنا والبواتِر". وهكذا لا يزال الأمر عند أرباب الصلاح، أصلح الله لنا الباطن والظاهر. وإنما يُتوصل إلى هذا: 

  • بحسن العكوف على باب الله 
  • والصدق في الإقبال على الله 
  • وتنقية البواطن عن الشوائب
  • والولع بذكر الله -سبحانه وتعالى- بالقلب وباللسان.


وَإِن رُمتَ أَن تَحظى بِقَلبٍ مُنَوَّرٍ *** نَقِيٍّ عَنِ الأَغيارِ فَاِعكِف على الذِكرِ

وَثابِر عَلَيهِ في الظَلامِ وَفي الضِيا *** وَفي كُلِّ حالٍ بِاللِسانِ وَبِالسِرِّ

فَإِنَّكَ إِن لازَمتهُ بِتَوَجُّهٍ *** بَدا لَكَ نورٌ لَيسَ كَالشَمسِ وَالبَدرِ

لازَمتَهُ: أي لازمت الذكر.

وَلَكِنَّهُ نورٌ مِنَ اللَهِ وارِدٌ *** أَتى ذِكرُهُ في سورَةِ النورِ فَاِستَقرِ

(اللَّهُ نُورُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ)، ألَّف فيها الإمام الغزالي مُؤلَّف: "مشكاة الأنوار"، في تفسير هذه الآية (اللَّهُ نُورُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ ۚ مَثَلُ نُورِهِ كَمِشْكَاةٍ فِيهَا مِصْبَاحٌ)  [النور:35]. إلى آخره.

والطريقة القريبة لكل ذلك والوثيقة القوية والعروة الوثيقة: اتباعه ﷺ. 

(فَاتَّبِعُونِي يُحْبِبْكُمُ)... (قُلْ إِن كُنتُمْ تُحِبُّونَ اللَّهَ فَاتَّبِعُونِي يُحْبِبْكُمُ اللَّهُ وَيَغْفِرْ لَكُمْ ذُنُوبَكُمْ) [آل عمران:31]. 

وآية حبّ اللَه منَّا اتِّباعه *** بِه وعَدَ الغفرانِ بعد المحبةِ

ويقول في التولع بالله سبحانه وتعالى والإقبال بالكليَّة عليه، يقول:

اللَه لا تشهد سواه ولا ترى *** إلَّاهُ في ملكٍ وفي ملكوتِ

سبحانه سبحانه من ماجد *** متفردٍ بالعز والجبروت

من قيّداه قصوره وكلاله *** عن أن يراه فَسِمْهُ بالمبتوت

من قيَّداه: أي إنسان قيَّداه. 

وكلاله: عجزه. 

أن يراه: أي أن يُشاهده المشاهدة التي قال عنها ﷺ: "أن تعبد الله كأنك تراه"؛ عن أن يراه: أن يصل لهذا الشهود.. فَسِمْهُ بالمبتوت: قال هذا مقطوع، هذا محجوب. مبتوت: مقطوع. 

من قيّداه قصوره وكلاله *** عن أن يراه فَسِمْهُ بالمبتوت

فلا يبيت أحد منَّا مبتوت إن شاءالله.. نشهده ونعبده كأننا نراه، آمين.

كيف أعمل؟... قال: 

سافر إليه……………………………….

أنت قاعد عند نفسك هذه، ونظرك القاصر، ومعلوماتك القليلة، وقاعد محلك؟! سافر، قم، سافر إليه! قال سيدنا إبراهيم الخليل: (وَقَالَ إِنِّي ذَاهِبٌ إِلَىٰ رَبِّي سَيَهْدِينِ) [الصافات:99].

ثم أمر نبيُّه يعلمنا هذا يقول له: قل لأمتك، ومن آمن كلهم.. شؤون العلايق هذه التي معكم والحُجُب.. فروا منها! نفِر إلى أين؟ قل لهم: فروا إليَّ.. وبلَّغنا ﷺ: (فَفِرُّوا إِلَى اللَّهِ ۖ إِنِّي لَكُم مِّنْهُ نَذِيرٌ مُّبِينٌ) [الذاريات: 50]. فِروا! لا تقعدوا مع القواطع ذي والحُجب التي تحيط بكم من: أوهام، وخيالات، ودنيا، وشياطين.. فرُّوا إلى الله. (فَفِرُّوا إِلَى اللَّهِ ۖ إِنِّي لَكُم مِّنْهُ نَذِيرٌ مُّبِينٌ). فِرّ من نفسك، فِرّ من هواك، فِرّ من زخرف الدنيا، فِرّ من كل شيء إليه!

قال:

سافر إليه بهمة عُلْوِية *** حتى تراه ………

حتّى تراه؛ حتى تنال مقام الشهود.

…………………………… وقل لنفسك موتي

 

لا تُبالغي في أذاي  ولا تشغِليني بشهواتك.. موتي!

 وأقبِل عليه بكل قلبك قاصدًا *** محو الظِّلال أُشِير للناسوت

محو الظلال: أي الانقطاع بهذا الظلال، وهو الكائنات والشهود لها. والناسوت: عالم الخلق. قال له: امحُ هذا الظلال!

بأيش يمشي، بأيش يمتحي؟ قال: بالشمس. وأيش من شمس؟ قال: شمس الذَّات، شهودك لذاته بشمس الذات: 

بالشمس شمس الذات حتى لا ترى *** شيئًا سوى متقدَّس اللاهوت

أسرار الألوهية السارية نورها في جميع ذرات الوجود. كلهم مألوه مألوه مألوه والإله واحد، نبات مألوه، جماد مألوه، أرض مألوه، سماء مألوه، عرش مألوه.. كلهم، كل شيء مألوه؛ والإله واحد. سر الألوهيَّة والربوبية منتشر في جميع ذرات الوجود، وإليها أشار بقوله: (تُسَبِّحُ لَهُ السَّمَاوَاتُ السَّبْعُ وَالْأَرْضُ وَمَن فِيهِنَّ ۚ وَإِن مِّن شَيْءٍ إِلَّا يُسَبِّحُ بِحَمْدِهِ) [الإسراء:44]. شُف كيف سرت فيها أنوار الألوهيَّة! 

قال:

بالشمس شمس الذات حتى لا ترى *** شيئًا سوى متقدَّس اللاهوت

فإذا انتهيتَ إلى الذي عرّفتُه *** شاهدتَ من عرشٍ إلى بهموت

شاهدت: أي ببصيرتك.. من العرش إلى الثرى إلى الحوت، الحوت في البحر

 قال:

ورأيت سرًا لم يُجِزْ إفشاءه *** أهلُ الهدى والكشفِ والتثبيتِ

إنا لنعلمُه ولم نَحْظَ به *** ذوقًا لما معنا من التشتيت

والشوق منا لا يزال منازِعًا *** والأمر بالتقديرِ والتوقيتِ

اقصده وتوجَّه إليه، وهو الذي يتجلَّى عليكَ بما شاء، وكيف شاء، ومتى شاء. لا إله إلا الله..

لم أزل بالباب واقف *** فارحمن ربي وقوفي

وبوادي الفضل عاكف *** فأدِم ربي عكوفي.

 

وحسبي أنني بالباب حاني *** على الأعتاب إلى يوم القيامة

 

ما لي عنكُمُ مُنصَرف 

يعني ما أنصرف عنكم. 

يقول:

يا ليتني قد غبتُ عن هذا الورى *** ودُعيتُ بالمستغرق المبهوتِ

ماذا عليَّ من الأنام وقولهِم *** إن أُدعَ بالمحبوب أو الممقوت

حسبي إلهي والذي يختاره *** اللَه أكبر غارَ بحرُ الحوت

وإذا غار بحر الحوت، يموت الحوت أو لا؟.. لذلك إذا غارت بحر النفس ستموت.

……………………. *** اللَه أكبر غارَ بحرُ الحوت

وإذا ماتت النفس حيَّ القلب. يا محيي، يا مميت.. يا محيي القلوب، يا مميت النفوس، لا إله إلا هو. 

الله ينظر إلينا وإليكم. ويقرِّبنا إليه، ولا يحرمنا خير ما عنده لشرِّ ما عندنا. يا من سقيت محبوبيكَ كؤوس محبتك، اسقنا من تلك الكأس، وألحِقنا بأولئك الأخيار من الناس، واَقِمنا في اتباعهم على أساس، يا أرحم الراحمين.

يبارك لنا ولكم أحبابنا في سراية سرايات مجالسة الحبيب صلى الله وسلَّم عليه وعلى آله في عالم الأرواح، وما كان بينه وبين خلق الأشباح، وما كان من مجالساته الكريمة في الأرض، وما كان مجالساته في السماء. ويعيد عوائد ما سرى من سر تلك المجالس علينا، حتى يشرِّف الله مجالسنا بأنسه، ويشرِّف الله مجالسنا بقربه، ويشرِّف الله مجالسنا بقُدسِه، ويشرِّف الله مجالسنا بالشرب من شربه، ويشرِّف الله مجالسنا بالحضور في حضرته، ويشرِّف الله مجالسنا بالنَّظر إلى طلعته، ويشرِّف الله مجالسنا بشهود الجمال الأسنى في كل شيء في الحِس والمعنى.

وأن الله يرزقنا شرب كؤوس محبته، ويثبتنا في أحبَّته، ويرزقنا حُسن متابعة حبيبه وصفوته ﷺ في جميع نيَّاتنا، في جميع مقاصدنا، في جميع أقوالنا، في جميع أفعالنا، في جميع حركاتنا، في جميع سكناتنا، وفي جميع مآكلنا، وفي جميع مشاربنا، في جميع أخذنا، في جميع عطائنا، في جميع ملابسنا، وفي جميع ما نأتي وفي جميع ما ندع. يرزقنا حسن المتابعة لهذا الحبيب، حتى يزيدنا محبة بكل شىء وفي كل شيء، منه تعالى وله تعالى، وتزداد وتقوى أبدًا سرمدًا، كما يليق بجوده الواسع وغيثه الهامع ومنِّه المتتابع، لا إله إلا أنت.

أكرمنا يا كريم، وأدخلنا في دوائر التكريم، وفِّر حظَّنا من حبيبك العظيم، ومن خُلقِه العظيم، ومن ذاته الشريفة، ومن أوصافه المُنيفة، ومن أسرار أسمائه، ومن أسرار إنبائه، ومن أسرار بلاغه، ومن أسرار تبليغه، ومن أسرار هدايته، ومن أسرار عنايته، ومن أسرار نصرتك ونصرته.

حقِّقنا بحقائق محبتك ومحبته، حتى نبيت ونصبح، ونحيا ونموت، وأنت ورسولك أحب إلى كل واحدٍ منَّا مما سواكُما. وزدنا محبة أبدًا سرمدًا، ولا تكلنا إلى أنفسنا ولا إلى أحدٍ من خلقك طرفة عين. اللهم أكرمنا بهذا الكرم، وزدنا ما أنت أهله، يا مُولي النعم، ويا ذا الفضل الأعظم، لا إله إلا أنت.

صلِّ على حبيبك الأكرم، وتولنا به في كل قول وفعل ونية ومقصد وإرادة وخاطر، وحركة وسكون، وسفر وإقامة، وأخذ وعطاء، ودخول وخروج، وقيام وقعود، وحركة وسكون، ويقظة ومنام.

واجعلنا في عنايتك حيث ما كنَّا وأينما كنا، نسبح في بحار مودتك، وبحار معرفتك، وبحار قُربك، وبحار الصدق معك، حيث ما كنا وأينما كنا، وبحار ملاطفتك ولطفك الخفي الكبير العظيم الدائم الظاهر والباطن.

ونسألك اللهم أن لا تحرمنا خير ما عندك لشر ما عندنا، اقبلنا يا ربَّنا على ما فينا، اقبلنا يا ربَّنا على ما فينا، اقبلنا يا ربَّنا على ما فينا، اقبلنا يا ربَّنا على ما فينا، اقبلنا يا ربَّنا على ما فينا، وأصلح ظواهرنا وخوافينا، وأشهِدنا جمالك الأسنى، وتولَّنا في الحِس والمعنى، واسقنا كأس محبتك الأهنى، وكُن لنا حيث ما كنا وأينما كنا يا أكرم الأكرمين وأرحم الراحمين. 

بِسِرِّ الْفَاتِحَةِ

إِلَى حَضْرَةِ النَّبِيِّ مُحَمَّدٍ، اللهمَّ صَلِّ وَسَلِّمْ وَبَارِكْ عَلَيْهِ وَعَلَى آلِهِ وَصَحْبِهِ 

الْفَاتِحَة

 

تاريخ النشر الهجري

24 مُحرَّم 1448

تاريخ النشر الميلادي

09 يوليو 2026

اضافة إلى المفضلة

كتابة فائدة متعلقة بالمادة

الأقسام