شرح قصيدة (لذاتي بذاتي) - 5 | من قوله: تشير إلى معنى به أنت حائر

للاستماع إلى الدرس

الدرس الخامس للعلامة الحبيب عمر بن محمد بن حفيظ في كتاب: شرح قصيدة الشيخ عبدالغني النابلسي: (لذاتي بذاتي) للحبيب أحمد بن أبي بكر بن سميط.
مساء الثلاثاء 22 محرم 1448هـ

ضمن دروس الدورة الصيفية الثالثة بمعهد الرحمة بالأردن.

من أبرز ما جاء الدرس:

  • الفكر كحل البصيرة وثمرته مع إدامة الذكر في انفتاح أبواب المعرفة
  • إضاءة الكون بظهور الحق فيه واعتباره عدم محض في ذاته
  • أثر الذنوب والمخالفات في عمى البصائر وحجاب القلب عن شهود الحق
  • الجمع بين اسمي الله الظاهر والباطن ومعناهما المطلق
  • المشاهدة القلبية لاهل الفناء وتجليات الذات والصفات والأفعال
  • ​سر الآية (وما رميت إذ رميت) ومعنى التجلي في قول: "ولم أكن سواك"
  • غلبة الخواطر الإلهية على العبد الفاني وحفظه من إنكار الخواطر القلبية
  • الإجابة عن الأسئلة وبيان مجاري الفكر كما بيّنها الإمام الحداد

تأمّلْ حروفَ الكائناتِ فإنَّها *** تشِير إلى معنًى به أنتَ حائرُ
وبرّقُ الحِمَى هذا الوجُود وميضُه  *** ولكن بما تجنيه تعْمَى البصَائرُ
فيا ظَاهِراً في خلقِه وهو باطنٌ *** ويَا باطِناً في أمرِه وهو ظَاهِرُ 
تجليتَ لي في كُل شيءٍ ولم أكُن *** سِواكَ فمنظُورٌ كما أنتَ ناظرُ
وللقلبِ منِّي قد ظهرتَ بكل ما *** ظهرتَ ولم تُنكِرْكَ مني الخواطرُ

نص الدرس مكتوب:

 

بسم الله الرحمن الرحيم 

وقوله:

……………………. *** تشِير إلى معنًى به أنتَ حائرُ

 

أي: أن هذه الكائناتِ تشيرُ إلى قدرته تعالى التِي حارتْ فيها الأفكارُ، ووقَفَت عندها عقولُ ذوي الأبصَار. ومنشأ النظَرِ هو الفكرُ الذي هو تردّدُ القلب، والتدبُّر لطلب المعاني. وهو كما قيل: كحل البصيرة. قال تعالى: (أَوَلَمْ يَنظُرُوا فِي مَلَكُوتِ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ) [الأعراف:185]. وقال بعضُهم: الفكر مرآةٌ تريك حسناتك وسيئاتك، وتدلك على أن الله هو الصانعُ المختار، وما غيره صائرٌ إلى الزوال.

وقال بعضُهم: تفكّرُ ساعةٍ خيرٌ من قيام ليلَة.

تأملْ في رياضِ الأرضِ وانظُر *** إلى آثارِ ما صنع المليكُ

عيونٌ من لجينٍ شاخِصَاتٌ *** بأحْداقٍ كما الذّهب السبيكُ

على قُضُبِ الزبرْجَدِ شَاهداتٌ *** بأنّ الله ليس له شَرِيكُ

واعلم أنّ إقامة الدليل مذهبٌ شرعي. والصوفيّ عدِمَ إقامة الدليل.

قال في الحكم: "متى غابَ حتى يُستدَلّ عليه، ومتى بَعُد حتى تكون الآثارُ موصلةً إليه". قال سيدي إبراهيم الخواصُ رحمه الله تعالى:

لقد وضحَ الطريقُ إليك حقاً *** فما أحدٌ أرادَك يستدلّ

وقال آخر:

لقد ظهرتَ فلا تخفَى على أحَدٍ *** إلا على أكمَهٍ لا يعرِفُ القمَرا

 

[شرح البيت الحادي عشر]

ثم قال الناظم:

 

وبرّقُ الحِمَى هذا الوجُود وميضُه  *** ولكن بما تجنيه تعْمَى البصَائرُ

 

البرقُ: كنايةٌ عن ظهور الوجُود الحق.

والمرادُ بوميضه: إشراقُ كل شيء بنور الوجُودِ الحق تعالى. ويوضحُ مرادَ الناظم قولُ صاحب "الحكم": "الكونُ كله ظلمةٌ، وإنما أناره ظهورُ الحقِّ فيه". أي: أن الكونَ بالنظر إلى ذاته كلُّه ظلمةٌ. أي: عدمٌ محضّ، لأنه لا وجُود له بذاته. "وإنما أنارَه" أي: أوجدَه، "ظهورُ الحق" تعالى "فيه"، أي: ظهُورَ إيجادٍ وتعريفٍ، لا ظهور حلولٍ وتكييف. بمعنى: تجلى عليه بذاتِه، ظهُورَ ايجادٍ وتعريف، لا ظهور حلولٍ وتكييف. بمعنى: تجلى عليه بذاته، وقال: كن، فيكون. وهو قادرٌ على إعدامه في الحالِ والاستقبال، فليس ثمَّ إلا مبدِعُ الأكوان.

وقوله: "بما تجنيه تعمى البصائرُ"

الخطابُ لكل من صلُحَ له. أي: بما تجنيه من الصفاتِ الغير المرضية، الموجبة لحجَاب القلبِ عن الشهود.

 تعْمَى البصائر. فأَنّ الصفات النفسانية سببٌ لحجابِ العبد عن النظَر إلى الحقِّ.

 

جلَّ جلاله وتعالى في علاه. 

الحمد لله القوي القادر الحكيم الصانع الفاطر العظيم، الذي بيده وله أمر التأخير والتقديم، وأمر الرفع والخفض، والعطاء والمنع، لا إله إلا هو آمنا به وعليه توكلنا وإليه أنبنا، وسألناه أن يقرّبنا إليه زلفى، وأن يثبِتنا في أهل الصدق وأهل الوفاء وأهل النقاء وأهل الصفاء، ونشهد أن سيدنا ونبينا وقرة أعيننا ونور قلوبنا محمدًا عبده ورسوله المصطفى، سيد المحبوبين لعالِم السر وأخفى.

اللهم أدم صلواتك على عبدك المختار المجتبى المنتقى المقتفى سيدنا محمد، وعلى آله الأطهار وأصحابه الشرفاء، وعلى من والاهم واتبعهم بإحسان ولهديهم اقتفى، وعلى آبائه وإخوانه من الأنبياء والمرسلين وآلهم وصحبهم وتابعيهم، وعلى ملائكتك المقربين وجميع عبادك الصالحين، وعلينا معهم وفيهم برحمتك يا أرحم الراحمين.

فقد تقدم قوله:

تأمّلْ حروفَ الكائناتِ فإنها *** تشِير إلى معنًى به أنتَ حائرُ

يقول: "تأمل حروف الكائنات"، وهي مظاهر هذه الموجودات ودلالاتها المستكنَّة فيها على عظمة موجدها جل جلاله وتعالى في علاه، "فإنها تشير إلى المعنى الذي أنت فيه حائر" يعني "هذه الكائناتِ تشيرُ إلى قدرته تعالى التِي حارتْ فيها الأفكارُ" وإرادته التي حارت فيها الأفكار، وعظمته التي حارت فيها الأفكار، وجلاله الذي حار فيه الأفكار، وعلوّه الذي حارت فيها الأفكار، وحكمته التي حارت فيها الأفكار، جلَّ جلاله وتعالى في علاه.

وهذه لوامع برقٍ؛ أي: إذا تنوّرت بصيرتك ونظرت إلى الكائنات من حولك؛ نظر المتأمل المستدل المنصف الصادق، رأيت وميض البرق من إدراك ما يُحيِّرُ الأذهان والعقول من عظمة الإله البَرّ الوَصُول، وعجائب حكمته وعجائب صنعته، وعجائب تقديمه وتأخيره وعجائب تطويره وتقديره، وعجائب إعطائه ومنعه وعجائب خفضه ورفعه، وعجائب تسييره للوجود والكائنات بحكمة بديعة ومعانٍ وسيعة، أنَّى للخلائق أن يصلوا فيها إلّا إلى ذراتٍ وأوائل يتكرم بها عليهم هذا المتفضل -سبحانه وتعالى-، فيدركون منها ما يدركون.

  • فتحار عقولهم حيرة معرفة وإدراك. 
  • لا حيرة جهل وارتباك. 

ولكن حيرة معرفة وإدراك، فإنَّ ما عرفته وعرفت ألا نهاية له تحيرت، وكلما قَويَت معرفتك في هذه العظمة التي لا نهاية لها زادت حيرتك، وهي مظهر انبهارك وإكبارك، فيرجع كله إلى معاني التكبير لله سبحانه وتعالى والتحقق بحقيقة: الله أكبر.

قال سبحانه وتعالى لسيد خلقه: (وَكَبِّرْهُ تَكْبِيرًا) [الإسراء:111] -جلَّ جلاله-، تكبير الحبيب ﷺ ليس في مستوى تكبير الكائنات هذه والموجودات، ولا الإنس وأصنافهم. 

  • وأقرب ما يكون معه من إدراك لمعنى التكبير الأنبياء والمرسلون صلوات الله وسلامه عليهم. 
  • ثم من يليهم من المقربين وأهل الصديقية الكبرى، 

فتكبيرهم لله تكبير.. لهذا لمَّا تكون من هذه الحقائق آثار عند القوم الذين ينصر الله بهم الدين إلى آخر الزمان؛ إذا أقبلوا على كثير من حصون الكفرة فكبّروا.. اهتزت الحصون، اهتزت الحصون بتكبيرهم، عليهم الرضوان؛ لِمَا يُبرِز الله تعالى من شيء يسير من السر الذي أوقد نوره في قلوبهم من الإدراك المحيِّر والمعرفة المحيِّرة والعلم المحيِّر، فتحار العقول في عجائب هذا الإله البَرّ الوَصُول جلَّ جلاله.

قال: وهذه الكائنات "تشِير إلى معنًى به أنتَ حائرُ"؛ إلى معاني هذه القدرة والعظمة الإلهية.

قال: "ومنشأ النظَرِ هو الفكرُ الذي هو تردّدُ القلب، والتدبُّر لطلب المعاني. وهو"؛ الفِكر "كما قيل: كحل البصيرة." يقولون للبصيرة نور وكحل، كما أنَّ للبصر نور وكحل، كحل يجلو البصر، كما قال في الإثمد ﷺ إنَّه: "مَجلاة للبصر مَنْبَتة للشعر".

  • كذلك نور البصيرة الذكر.
  • وكحل البصيرة الفكر.

فالفكر كحل البصيرة، تكحل به عين بصيرتك فيزداد انجلاءها وقوة نظرها، فبالذكر وبالفكر؛

  • بالذكر تحصل زيادة الأُنس.
  • وبالفكر تنفتح أبواب المعرفة.

بالفكر تزداد المعرفة؛ فيقوى الأُنس بكثرة الذكر، وتنفتح أبواب المعرفة بصفاء الفكر.

وقد جمعها الله تعالى في وصفه لأولي الألباب في قوله: (إِنَّ فِي خَلْقِ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَاخْتِلَافِ اللَّيْلِ وَالنَّهَارِ لَآيَاتٍ لِّأُولِي الْأَلْبَابِ * الَّذِينَ يَذْكُرُونَ) الذكر؛ يذكرون، (يَذْكُرُونَ اللَّهَ قِيَامًا وَقُعُودًا وَعَلَىٰ جُنُوبِهِمْ وَيَتَفَكَّرُونَ)؛ الفكر؛ يتفكرون، يذكرون ويتفكرون 

  • (يَذْكُرُونَ اللَّهَ قِيَامًا وَقُعُودًا وَعَلَىٰ جُنُوبِهِمْ) يعني ذكره مستولٍ عليهم، استغرق حالاتهم وأصناف تقلباتهم وأطوارهم.
  • (قِيَامًا وَقُعُودًا وَعَلَىٰ جُنُوبِهِمْ) ما ينفكون عن الذكر، ولا ينقطعون عن الذكر، ولا ينفصلون عن الذكر.

وقال سبحانه وتعالى في الخاصة الذين رفعهم في الدرجات العلى: (وَمَنْ عِندَهُ لَا يَسْتَكْبِرُونَ عَنْ عِبَادَتِهِ وَلَا يَسْتَحْسِرُونَ * يُسَبِّحُونَ اللَّيْلَ وَالنَّهَارَ لَا يَفْتُرُونَ) [الأنبياء:19-20]. قالت السيدة عائشة في وصف قدوتنا وإمامنا ﷺ: "كانَ يَذكُرُ اللهَ على كُلِّ أحيانِه"، صلى الله وسلم وبارك عليه وعلى آله وهو سيد الذاكرين.

يقول: (وَيَتَفَكَّرُونَ فِي خَلْقِ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ رَبَّنَا مَا خَلَقْتَ هَٰذَا بَاطِلًا سُبْحَانَكَ فَقِنَا عَذَابَ النَّارِ * رَبَّنَا إِنَّكَ مَن تُدْخِلِ النَّارَ فَقَدْ أَخْزَيْتَهُ ۖ وَمَا لِلظَّالِمِينَ مِنْ أَنصَارٍ)، اللهم أجرنا من الخزي ولا تخزنا يوم القيامة إنك لا تخلف الميعاد. 

(رَّبَّنَا إِنَّنَا سَمِعْنَا مُنَادِيًا يُنَادِي لِلْإِيمَانِ)؛ وبعد الذكر والفكر واستيلائه عليهم، وارتقائهم بهذه المراتب العلى، تذكروا الدليل والإمام والهادي، وقالوا: (سَمِعْنَا مُنَادِيًا)، ونحن وراءه فلا دخول إلا باتِّباعه والاقتداء به، (سَمِعْنَا مُنَادِيًا يُنَادِي لِلْإِيمَانِ أَنْ آمِنُوا بِرَبِّكُمْ فَآمَنَّا) فنحن في تبعيته، (رَبَّنَا فَاغْفِرْ لَنَا ذُنُوبَنَا وَكَفِّرْ عَنَّا سَيِّئَاتِنَا وَتَوَفَّنَا مَعَ الْأَبْرَارِ)، فما عدنا نوالي إلا المقربين والمحبوبين، ولا نحب إلا هم من أجلك، (وَتَوَفَّنَا مَعَ الْأَبْرَارِ * رَبَّنَا وَآتِنَا مَا وَعَدتَّنَا عَلَىٰ رُسُلِكَ وَلَا تُخْزِنَا يَوْمَ الْقِيَامَةِ ۗ إِنَّكَ لَا تُخْلِفُ الْمِيعَادَ). والجواب لهؤلاء من حضرة الربوبية: (فَاسْتَجَابَ لَهُمْ رَبُّهُمْ أَنِّي لَا أُضِيعُ عَمَلَ عَامِلٍ مِّنكُم مِّن ذَكَرٍ أَوْ أُنثَىٰ ۖ بَعْضُكُم مِّن بَعْضٍ)، وذكر أنموذجًا منهم قال: (فَالَّذِينَ هَاجَرُوا وَأُخْرِجُوا مِن دِيَارِهِمْ وَأُوذُوا فِي سَبِيلِي وَقَاتَلُوا وَقُتِلُوا لَأُكَفِّرَنَّ عَنْهُمْ سَيِّئَاتِهِمْ)، بالتأكيدات هذه لام التوكيد ونون التوكيد، (لَأُكَفِّرَنَّ عَنْهُمْ سَيِّئَاتِهِمْ وَلَأُدْخِلَنَّهُمْ جَنَّاتٍ تَجْرِي مِن تَحْتِهَا الْأَنْهَارُ ثَوَابًا مِّنْ عِندِ اللَّهِ ۗ وَاللَّهُ عِندَهُ حُسْنُ الثَّوَابِ).

والمنقطعون عن هذه المعاني من الغافلين بالفانيات قال لا تلتفت عليهم: (لَا يَغُرَّنَّكَ تَقَلُّبُ الَّذِينَ كَفَرُوا فِي الْبِلَادِ * مَتَاعٌ قَلِيلٌ ثُمَّ مَأْوَاهُمْ جَهَنَّمُ ۚ وَبِئْسَ الْمِهَادُ) فالشأن شأن من؟ قال: (لَٰكِنِ الَّذِينَ اتَّقَوْا رَبَّهُمْ لَهُمْ جَنَّاتٌ تَجْرِي مِن تَحْتِهَا الْأَنْهَارُ خَالِدِينَ فِيهَا نُزُلًا مِّنْ عِندِ اللَّهِ ۗ وَمَا عِندَ اللَّهِ خَيْرٌ لِّلْأَبْرَارِ) [آل عمران:190-198].

قال: فالفكر "كحل البصيرة"، يذكرون ويتفكرون، قال سيدنا الإمام أحمد شهاب الدين بن عبد الرحمن بن علي:

الحمد لله نفسي قد عَرفتُ لها *** والقلب منّي بسِرّ الذكر مُنتبها

وغُصتُ في الفِكر بعد الذِّكر مُنغَمِسًا *** في بحر نورٍ سما سِرّي بها وزَهَا

-لا إله إلا الله-

وكنتُ عبدَ الهوى واليوم مالكُهُ *** وصِرتُ مولى الوَرى مُذْ ذُقتُ سَلْسَلَها

وهكذا إلى أن قال:

سلافةٌ من رحيقٍ فائقٍ أنقٍ *** مَن ذاقَهَا صارَ نشْوَانًا بِهَا ولِها

هذا شرابُ الشيوخِ والأُصُولِ لَنَا *** من لدن خيرِ الورى حتَّى شَرِبْتُ لَها

لا إله إلا الله. اللهم اسقنا من هذا الشراب، وأعنَّا على ذكرك وشكرك وحسن عبادتك، واجعل لنا قدمًا راسخًا في الذكر، واجعل لنا نصيبًا وافيًا من صفاء الفكر يا أرحم الراحمين.

قال: قال تعالى: (أَوَلَمْ يَنظُرُوا فِي مَلَكُوتِ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَمَا خَلَقَ اللَّهُ مِن شَيْءٍ) [الأعراف:185]، "الفكر مرآةٌ تريك حسناتك وسيئاتك،" وتريك "أن الله هو الصانعُ المختار، وما غيره صائرٌ إلى الزوال."؛ كل ما سواه صائر إلى الزوال -جلَّ جلاله وتعالى في علاه-، فبإعمال الفكر في الآيات والأحاديث الواردة في عظمة الله وصفاته، وفي الرجوع إليه سبحانه وتعالى وفي واسع إنعامه وفي حكمته، وفي عفوه ومغفرته وتجاوزه ومسامحته، وفي عقوبته وأليم عذابه، وفي جنته وفي ناره، وفي الوقوف بين يديه، كلها لا يؤثر فيها مجرد المرور على الخاطر ولا العبور السريع بالفكر؛ ولكن الرسوخ في التفكر وحسن التدبر والتأمل ودقة النظر.

وهذه العبادة التي غفل عنها الكثير، وكان حظ الصحابة منها بسبب مربِّيهم ﷺ، كثير وكبير حظ الصحابة، يكثرون الفكر في تأمل الآيات وتستغرق منهم ذلك ساعات، ساعات من الليل ومن النهار تجدهم يتفكرون، يكثرون الفكر، ولمَّا سألوا أسماء بنت عميس عما شهدته في سيدنا الصديق أبي بكر قالت: كان كثير الفِكر، ويأتي في الليل ويقوم ويناجي ربَّه ويقعد متفكرًا، وقد ورد عليّ في ليلة، قالت: ثم قام وصلى ركعتين ثم جلس فأخذ يقول: واشوقاه إلى رسول الله، واشوقاه إلى رسول الله.. وأخذ يبكي، قالت: حتى رققت له، غشيته وقلت له: يا خليفة رسول الله، قد صحِبته ونصرته وكنت معه ومات وهو راضٍ عنك وستلقاه بعد هذا، ستلقاه بعد هذا، وهو مأخوذ بحالته وفكره، مأخوذ في المرافقة للجناب الشريف، وما كان يستقيه من الذات الكريمة في أيامه ولياليه الماضية، من أيام مكة ومن ليلة الغار وما بعدها مما جالسه، فكان يعود عليه ذلك بعوائد في استجلاء الجمال والجلال والكمال، ويشتاق ويحِن إلى مرافقة مفتاح الباب وسبب رفع الحجاب صلى الله عليه وعلى آله وصحبه وسلم، يقول: واشوقاه إلى رسول الله!..

حتى يقول علماء السيرة: إنَّ الله سبحانه وتعالى لمَّا أراد يجمع له بين الصديقية وبين الشهادة، كان من أسباب موته سببان:

  • سبب سُمٍّ تناوله قبل موته بسنة وبقي أثره إلى وقت موته.
  • وبسبب كمد، الكمد على فراق سيدنا رسول الله.

فكان قتلته المحبة. قالوا: إنَّ شهداء المحبة من أعلى الشهداء عند الله، الذين تنقطع نياط قلوبهم من شدة الشوق والمحبة، يشتاقون فيموتون كذلك، هؤلاء من أعلى الشهداء عند الله تبارك وتعالى، سيدنا أبو بكر كان له النصيب الوافي من ذلك عليه رضوان الله ورحمته.

يقول: "الفكر مرآةٌ تريك حسناتك وسيئاتك، وتدلك على أن الله هو الصانعُ المختار، وما غيره صائرٌ إلى الزوال." فليس بشيء، فكيف تعتمد عليه وتستند إليه؟! -لا إله إلا الله-، ولهذا لمَّا قالوا لبعضهم: هل تنظر إلى غيره؟ قال: وهل ثَمَّ غيره؟ حتى أنظر إليه يعني! هل هناك شيء يعيض عنه؟ هل هناك شيء يقوم بذاته من دونه سبحانه وتعالى؟ ما هناك شيء، فلماذا الانقطاع بها؟ ولماذا الالتفات إليها إذا أيقنت بذلك. 

وهكذا يقول: "تفكّرُ ساعةٍ خيرٌ من قيام ليلَة."، إلى غير ذلك مما ورد في العبادة بالفكر.

تأملْ في رياضِ الأرضِ وانظُر *** إلى آثارِ ما صنع المليكُ

عيونٌ من لجينٍ شاخِصَاتٌ *** بأحْداقٍ كما الذّهب السبيكُ

على قُضُبِ الزبرْجَدِ شَاهداتٌ *** بأنّ الله ليس له شَرِيكُ

ليس كمثله شيء سبحانه وتعالى.

وقيل أنَّ سيدنا الفخر الرازي لمَّا كان يمشي، وبعض العجائز المتمكنة في الإيمان واليقين مرَّ بها، فرأت حشد فقالت: ما هذا؟ قالوا: تلامذة الشيخ فخر الدين الرازي، قالت: وما شأن فخر الدين الرازي؟ قالوا: يقيم على وجود الله ألف دليل. قالت: يقيم على وجود الله؟ الله يحتاج إلى دليل؟! كل شيء يدل على وجود ربي وعاد الفخر الرازي بيعلمنا وجود ربي؟ ويقول لنا؟ هو وجوده قد يحتاج دليل، وأمَّا وجود الحق! وجوده هو، من هو؟ ومن أين جاء؟ وما هو؟ وماذا له في الوجود؟ لكن الموجود الحق، فلمَّا بلّغوه كلامها قال: اللهم إيمانًا كإيمان العجائز! يعني: أهل اليقين الذين لا يخالطهم ريب ولا شك، ولا يتعلقون بوساوس ولا بتقديرات، والأمر واضح عندهم جلي، عين يقين وحق يقين. -لا إله إلا الله-.

فـ "إقامة الدليل" إذًا "مذهبٌ شرعي."، ودعا إليه الحق، وجاء به الأنبياء صلوات الله وسلامه عليهم، ولكن من أشرق له نور المعرفة، عَجِب من نفسه كيف يطلب الدليل على ما هو أوضح، ما هو أوضح من الدليل! وأي شيء يكون أبهر من الله -تبارك وتعالى-، وأحق بالوجود من الله -جلَّ جلاله وتعالى في علاه-، وما سواه فوجوده مستقى ومأخوذ.

قال: "متى غابَ حتى يُستدَلّ عليه، ومتى بَعُد حتى تكون الآثارُ موصلةً إليه!" وقد قال لنا: (وَنَحْنُ أَقْرَبُ إِلَيْهِ مِنْ حَبْلِ الْوَرِيدِ) [ق:16]. فما هو ببعيد، البعيد أنت تبعد في شهودك، أنت تبعد في إدراكك، أنت تبعد في شعورك، أمَّا هو أقرب من كل شيء إليك -لا إله إلا هو سبحانه وتعالى-.

لقد وضحَ الطريقُ إليك حقاً *** فما أحدٌ أرادَك يستدلّ

ما يحتاج استدلال، إذا أرادك وجدك -لا إله إلا الله-.

لقد ظهرتَ فلا تخفَى على أحَدٍ *** إلا على أكمَهٍ لا يعرِفُ القمَرا

"أكمَهٍ"؛ يعني: أعمى، نوَّر الله بصائرنا.

قال:

 

وبرّقُ الحِمَى هذا الوجُود وميضُه  *** ولكن بما تجنيه تعْمَى البصَائرُ

 

"البرقُ: كنايةٌ عن ظهور الوجُود الحق."، وظهور عظمة الإله الخالق -جلَّ جلاله-، الوميض لهذا الحمى.. هذا الوجود، وميضه؛ يعني: الأمر الدال الذي يستدل به المبتدئون، والذي يصير مرآة للمنتهين يطالعون فيها جلال المنشئ المبدئ الفاطر -سبحانه وتعالى- وعظمته وحكمته.

"ولكن بما تجنيه تعْمَى البصَائرُ"، (فَإِنَّهَا لَا تَعْمَى الْأَبْصَارُ وَلَٰكِن تَعْمَى الْقُلُوبُ الَّتِي فِي الصُّدُورِ) [الحج:46]؛ بما تجني من السيئات ومن المخالفات ومن الغفلات يجيء عمى البصائر. 

  • يقول تعالى: (أَفَمَن يَعْلَمُ أَنَّمَا أُنزِلَ إِلَيْكَ مِن رَّبِّكَ الْحَقُّ كَمَنْ هُوَ أَعْمَىٰ ۚ إِنَّمَا يَتَذَكَّرُ أُولُو الْأَلْبَابِ) [الرعد:19]. 
  • ويقول سبحانه وتعالى: (وَمَن كَانَ فِي هَٰذِهِ أَعْمَىٰ فَهُوَ فِي الْآخِرَةِ أَعْمَىٰ وَأَضَلُّ سَبِيلًا) [الإسراء:72]، والعياذ بالله تبارك وتعالى.

فما هو إلا عمى القلوب عن إدراك عظمة الخالق الموجد الحي القيوم -جلَّ جلاله-.

وقال في "الحِكم": "الكونُ كله ظلمةٌ، وإنما أناره ظهورُ الحقِّ فيه". "أي: أن الكونَ" كله عدم أصله، كما قال ﷺ فيما روى البخاري: "كان اللهُ ولَم يَكُنْ شيءٌ غيره"، "كان اللهُ ولَم يَكُنْ شيءٌ معه"، إذًا؛ فالكون "كلُّه ظلمةٌ." يعني: "عدمٌ" لا وجود له، ولكن تجليه تعالى بالإيجاد أوجده، فليس له استقلال أصلًا في الوجود قط قط قط! لا العرش ولا الكرسي، ولا الجنة ولا النار، ولا الروح ولا الجسد، لا شيء له استقلال في الوجود، كلها موجودة بإيجاده، بإيجاده فقط، وإمداده فقط، وغير ذلك ما لها وجود ولا لها بقاء إلا بإبقائه، ولا لها حياة إلا بإحيائه، ولا لها سمع ولا بصر إلا بما يعطيه سبحانه وتعالى وما يتفضل فقط، من دون ذلك ما هناك شيء أصلًا، يعني: هو الواحد الأحد الفرد الصمد الفعّال، (إِنَّهُ هُوَ يُبْدِئُ وَيُعِيدُ * وَهُوَ الْغَفُورُ الْوَدُودُ * ذُو الْعَرْشِ الْمَجِيدُ * فَعَّالٌ لِّمَا يُرِيدُ) [البروج:13-16] جلَّ جلاله وتعالى في علاه.

"أن الكونَ بالنظر إلى ذاته كلُّه ظلمةٌ. أي: عدمٌ محضّ، لأنه لا وجُود له بذاته. "وإنما أنارَه" أي: أوجدَه، "ظهورُ الحق" تعالى "فيه"، أي: 

  • ظهُورَ إيجادٍ وتعريفٍ. 
  • لا ظهور حلولٍ وتكييف." 

فذلك بعيد عن مراد صاحب الحكم عليه رضوان الله تعالى، وعن مراد جميع من رسخ منهم القدم في اتباع الحبيب الأعظم صلى الله عليه وعلى آله وصحبه وسلم، عن جميع صلحاء الأمة وعلماء الأمة وخيار الأمة على مدى القرون، هذه المعاني الباطلة بعيدة عن أذهانهم وعن مراداتهم عليهم رضوان الله تبارك وتعالى.

قال: " ظهُورَ ايجادٍ وتعريف، لا ظهور حلولٍ وتكييف." جلَّ الله عن ذلك "بمعنى: تجلى عليه بذاته، وقال: كن، فيكون. وهو قادرٌ على إعدامه في الحالِ والاستقبال، فليس ثمَّ إلا مبدِعُ الأكوان." إذًا؛ فقوة النظر في عظمة الإله البَرّ، وأنَّه لا يستقر ولا يستقل شيء قط بذاته عنه -جلَّ جلاله- هي التي يتحدث عنها العارفون وأرباب اليقين ويتكلمون، حتى يتوهم من يتوهم أنَّهم يقولون بشيء من قول الزنادقة من الحلول أو الاتحاد وما إلى ذلك مما يريدونه ويقصدونه من الباطل والضلال! وحاشا أهل طاعة الله، وحاشا أهل الصدق مع الله، وحاشا أهل المعرفة بالله -تبارك وتعالى- من الالتفات إلى شيءٍ من ذلك، فضلًا عن تصديقه أو اعتقاده.

فمن هنا قال: الذي يقدر على إعدامه في الحال -وهو الذي أوجده في الأصل ويقدر على إعدامه في الحال أو الاستقبال-؛ هو الذي يحق أن يُشهَد وأن يُعَظَّم وأن يُقصد وأن يراعى أمره وأن يراقَب، ما هو الكائنات وما فيها! ولهذا فليس ثَمَّ يحق أن يُهاب وأن يُستدام ذكره ويُلجأ إليه إلا مبدع الأكوان، إلا مبدع الأكوان، أمَّا الاعتماد على غيره، الاستناد إلى غيره، الالتفات إلى غيره، الوقوف مع غيره، الركون على غيره… هذا ضلال، وهو واقع عند الناس افتتانًا بالكائنات والأسباب، يفتتنون بها ويقفون عندها، يقفون عندها وكأنَّها فعّالة! وليست بفعّالة، إنَّما هي مجرد تحريك محرك، يقولون: الآلة تحت الجلالة، الآلة تحت الجلالة.

وكذا يقول الشيخ الشواف باللهجة العامية:

بحلف يمين قطَّاعة *** ما حد يحرك باعه

في معصية أو طاعة *** إلا إن حرَّكها الله

إلا إن حرَّكها الله! لا إله إلا الله… (وَمَا تَشَاءُونَ إِلَّا أَن يَشَاءَ اللَّهُ رَبُّ الْعَالَمِينَ) [التكوير:29] -جلَّ جلاله- فيا من له المشيئة اجعل مرادك فينا خيرًا، واستعملنا صالحين في جميع شؤوننا، لا تكلنا إلى أنفسنا ولا إلى أحد من خلقك، ولا تضلنا عن سواء السبيل يا أكرم الأكرمين.

"بما تجنيه تعْمَى البصَائرُ" البصائرة تعمى بما تجنيه.

فشهوة النفس مع الذنوب *** موجبتان قسوة القلوب

بما تجني.. فما لم تغفل وما لم تُهمل، وما لم تفعل المكروه ولا المحرم، وما لم تترك الواجب؛ فلن تعمى بصيرتك ولن يصيب الظلمة باطنك، بل ينوِّرك الحق -تبارك وتعالى- بنوره ويهديك سبحانه وتعالى. وهو القائل في الحديث القدسي: "يا عبادي كلُّكم ضالٌّ إلَّا من هديتُه، فاستهدوني أهدِكُم"، اللهم اهدنا فيمن هديت، اللهم اهدنا فيمن هديت، اللهم اهدنا فيمن هديت يا خير هادٍ.

قال الله تعالى: (فَهَدَى اللَّهُ الَّذِينَ آمَنُوا لِمَا اخْتَلَفُوا فِيهِ مِنَ الْحَقِّ بِإِذْنِهِ ۗ وَاللَّهُ يَهْدِي مَن يَشَاءُ إِلَىٰ صِرَاطٍ مُّسْتَقِيمٍ)، بعد أن اختلف الناس، (وَمَا تَفَرَّقُوا إِلَّا مِن بَعْدِ مَا جَاءَهُمُ الْعِلْمُ بَغْيًا بَيْنَهُمْ) [الشورى:14]؛ بسبب الشهوات والآفات وإرادات غير الله تعالى واختلفوا، وإلا جاءهم رسل بحجج واضحة وبينة وبطريق قريب يسير إلى الرحمن، لكن دخلت الأهواء والشهوات (وَمَا اخْتَلَفَ فِيهِ إِلَّا الَّذِينَ أُوتُوهُ مِن بَعْدِ مَا جَاءَتْهُمُ الْبَيِّنَاتُ بَغْيًا بَيْنَهُمْ) فما الذي حصل؟ (فَهَدَى اللَّهُ الَّذِينَ آمَنُوا لِمَا اخْتَلَفُوا فِيهِ مِنَ الْحَقِّ بِإِذْنِهِ ۗ وَاللَّهُ يَهْدِي مَن يَشَاءُ إِلَىٰ صِرَاطٍ مُّسْتَقِيمٍ) [البقرة:213]. فثبّتهم وأعانهم ووفقهم.. سلموا من الأهواء ومن الترهات وشرور الأنفس وإرادة غير الله، وثبتوا على ما يحبه منهم.

فيا ربِّ ثبتنا على الحق والهدى *** ويا ربِّ اقبضنا على خير ملة

 

[شرح البيت الثاني عشر]

ثم قال نفع الله به:

 

فيا ظَاهِراً في خلقِه وهو باطنٌ *** ويَا باطِناً في أمرِه وهو ظَاهِرُ 

 

الخطابُ للحضرة المنزهَة عن المثال. أي: يا ظاهراً وجودُه للعقول السليمة، بآياته الدالة عليه كالسموات والأرض.

وقوله: "في خلقه". أي: الظاهر في خلقه. المصدرُ هنا بمعنى المفعُول. فإطلاقه عليه مجازٌ، علاقته التعلقُ. أي: ظاهرٌ في مخلوقاتِه. وإنما كان ظاهراً فيها من حيثُ أن الأشياء كلها مجالٌ ومظاهرُ لمعاني أسمائه. فيظهر في أهل العزّة معنى كونه معِزاً، وفي أهل الذلة معنى كونه مذلاً، وهكذا.

وقوله: "وهو باطن"، الواو للحالِ. أي: والحالُ أنه باطنٌ. أي: احتجبَ عن العيون والأوهام، كما هو ظاهر. 

  • أما ظهورُه في كل شيءٍ فباعتبار ما ذُكِر. 
  • وأما بطونُه فاحتجابه عن العيون. 

فهما أسماءٌ له تعالى، أعني الظاهرَ والباطن، كلٌّ منهما باعتبار.

قال الله تعالى: (هُوَ الْأَوَّلُ وَالْآخِرُ وَالظَّاهِرُ وَالْبَاطِنُ ۖ وَهُوَ بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيمٌ) [الحديد:3]. ومعنى الباطن: المحتجبُ عن العيون والأوهام، فلا تدرَكُ كيفيتُه؛ فهو: 

  • الظَّاهِر من جهة التعريف. 
  • الباطنُ من جهة التكييف.

وقوله: "ويا باطناً في أمره"، الخ. أي: ويا باطناً في كيفيته، فلا تدرك كيفيتُه، وهو الظاهر من جهة التعريف. والباطن من جهة التكييف.

 

جلّ جلاله وتعالى في علاه. توجه إلى الحق يخاطبه قال:

فيا ظَاهِراً في خلقِه وهو باطنٌ *** ويَا باطِناً في أمرِه وهو ظَاهِرُ 

"فيا ظَاهِراً في خلقِه"، ليس شيء أظهر وأجلى من عظمتك وجلالك، شاهد بها جميع أصناف الخلق، قال سبحانه وتعالى: (وَفِي الْأَرْضِ آيَاتٌ لِّلْمُوقِنِينَ * وَفِي أَنفُسِكُمْ ۚ أَفَلَا تُبْصِرُونَ * وَفِي السَّمَاءِ رِزْقُكُمْ وَمَا تُوعَدُونَ * فَوَرَبِّ السَّمَاءِ وَالْأَرْضِ إِنَّهُ لَحَقٌّ مِّثْلَ مَا أَنَّكُمْ تَنطِقُونَ) [الذاريات:20-23] -لا إله إلا الله- فأي شيء بتستدل على عظمته ووجوده أعظم من الله تعالى؟ ما هناك شيء تدل الدلائل على عظمته ووجوده أكثر من هذا الإله الخالق -جلَّ جلاله-؛ فهو الظاهر، والفطرة بنفسها تدرك وجوده وعظمته، حتى الذي ما عرف الإيمان ولا عرف التوحيد يحس في باطنه أنَّه فيه إله، فيه وجود، فيه شيء يرجع إليه، فيه شيء يستند إليه.

قال بعض الضباط كانوا في جيش في مصر، تقابل مع اليهود في بعض المقابلات، يقول إنَّه نشأ في بيت ملحِد، وما كانوا يؤمنون ولا يحملون شيء من الإيمان والتعظيم لله ولرسوله، قال: فوقعت في مأزق وقابلتنا طائرات من مقاتلات العدو وأنا وحدي في الطائرة، وأيقنت في تلك الساعة إن قابلتهم موت، وإن نزلت الأرض موت وقتل، قال: فما شعرت نفسي إلا أصيح: يا الله! يا الله!..

مع أنَّ ما كان عنده نصيب من الإيمان، قال صاح بقوة: يا الله! قال: ونجوت بأعجوبة، ما دريت كيف خرجت منهم، الطائرات بعيدة مني وأنا نجوت، من يومها عرفت ربي ورجعت إليه، قال: هذه أحرج ساعة مرت عليّ في حياتي، لكنها دلتنا على ربي جلَّ جلاله.

الفطرة تدل، والسماء تدل، والأرض تدل، وسمعك يدل عليه، وبصرك يدل عليه، ويداك تدل عليه، ورجلاك تدل عليه، وجهازك التنفسي يدل عليه -جلَّ جلاله وتعالى في علاه-، ولا زلت تقول أين هو؟ أين هو؟ لا إله إلا هو سبحانه وتعالى.

فما أظهر منه هو الظاهر، ومع ذلك كله إذا أردت أن تحيط بوصف من أوصافه ما قدرت، إذا أردت أن تحيط باسم من أسمائه ما قدرت، إذا أردت أن تراه بالعين ما قدرت، فما شيء أبطن منه، باطن، هو الظاهر وهو الباطن، (هُوَ الْأَوَّلُ وَالْآخِرُ وَالظَّاهِرُ وَالْبَاطِنُ ۖ وَهُوَ بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيمٌ) [الحديد:3] -جلَّ جلاله- كما قال سبحانه وتعالى ووصف نفسه في الآيات الصريحة.

وهكذا بهذا المعنى المطلق هو الظاهر، لا ظاهر غيره بهذا المعنى. وبهذا المعنى المطلق هو الباطن، لا باطن غيره بهذا المعنى، أمَّا على اعتبار النسب والمستويات فكثير أشياء ظاهرة وكثير أشياء باطنة.

وجاء في حديث في الإسراء أنَّه قابله ﷺ جماعة من الأنبياء فحيّوه قالوا: السلام عليك يا أول، السلام عليك يا آخر، السلام عليك يا ظاهر، السلام عليك يا باطن. 

وظهوره صلى الله عليه وآله وصحبه وسلم في العالم الخلقي أقوى ظهور، وينتهي إلى أنَّ الأولين والآخرين في موقف القيامة يتمنّون قربه، ويعرفون مقامه، ومقامه المحمود، ويدخلون في بركته وشفاعته.. ظهور في العالم الخلقي لا أحد أظهر منه ﷺ، ومع ذلك ماذا تعلمون عنه يا ملائكة ويا أنبياء فضلًا عن الأولياء؟ قالوا: أيش نعلم؟!..

يروى أن سيدنا عمر وسيدنا علي لما لقوا سيدنا أويس القرني، قال لهما: ما عرفتما من رسول الله ﷺ إلا الظل، قالوا: إي والله ما عرفنا من رسول الله إلا ظله، حقيقته من يعرفها؟ لا أحد أبطن منه أيضًا  في العالم الخلقي صلى الله وسلم وبارك عليه وعلى آله، لكونه ما يعرفه معرفة الإحاطة به غير ربه، جلَّ جلاله وتعالى في علاه. فهو بذلك باطن.

  • كذلك اختيار الحق أن يبدي نوره قبل أن يخلق الكائنات والسماوات والأرض، أولية ما نالها غيره من الخلائق. 
  • وختم النبوة به والرسالة، وأن أمته آخر الأمم، آخرية ما نالها غيره كذلك من الخلائق، فهو أول وهو آخر ﷺ. 

وقال: "نَحنُ الآخِرونَ الأوَّلونَ يَومَ القيامةِ"، حتى أمته اكتسبت أولية وآخرية ببركته ﷺ تميزت بها عن بقية الأمم. وإلا في كثير أول وآخر بمعانٍ ونسب مختلفة، لكن هذه الأمة آخر الأمم، وفي القيامة أول الأمم، ولا أحد يتقدم عليها من جميع الأمم، فسبحان الله! لا أحد يجي بعدها وفي القيامة لا أحد يتقدم قبلها! فصاروا: "نَحنُ الآخِرونَ الأوَّلونَ يَومَ القيامةِ" صلى الله وسلم على سيدنا محمد وآله، فالحمدلله.

لكن: 

  • الأولية بالمعنى المطلق من كل معنى هذا للواحد فقط وهو الله. 
  • والآخرية بالمعنى المطلق من جميع الجوانب لواحد وهو الله.
  • وكذلك الظهور والبطون بالمعنى المطلق، لا أحد ظاهر إلا هو، ولا أحد باطن إلا هو جلَّ جلاله. 

ولكن بالنسب يا كم من أول ويا كم من آخر، ويا كم من ظاهر ويا كم من باطن، باعتبارات كثيرة طويلة عريضة، حتى كل مجلس فيه أول وفيه آخر؛ سواءً من حيث الحضور من حيث الفهم، فيه أولية وآخرية متعددة المعاني، لكن كلها نسب ضئيلة ويسيرة وحقيرة، والأولية والآخرية بالمعاني الكبيرة للكبار، وأمَّا بالمعنى المطلق لواحد وهو الله -جلَّ جلاله وتعالى في علاه- لا يشاركه أحد لا في أوليته ولا في آخريته ولا في ظهوره ولا في بطونه، لا شريك له.

قال: "ومعنى الباطن: المحتجبُ عن العيون والأوهام، فلا تُدرَكُ كيفيتُه." لأنَّه حاشاه عن ذلك وتعالى "فهو الظَّاهِر من جهة التعريف، الباطنُ من جهة التكييف."؛ لا كيف.

"ويا باطناً في كيفيته، فلا تدرك كيفيتُه، وهو الظاهر من جهة التعريف. والباطن من جهة التكييف." سبحانه عز وجلَّ.

 

[شرح البيت الثالث عشر]

ثم قال نفع الله به مخاطبًا الحضرة الإلهية المنزهة عن المثال والكمية:

 

تجليتَ لي في كُل شيءٍ ولم أكُن *** سِواكَ فمنظُورٌ كما أنتَ ناظرُ

 

في هذا البيت، ولم أقدر على تعبير ما يلوح لي؛ لقصوري عن هذه المدارك، ولا أكتفي بالمقال من دون مساعدة الحال، غير أنَّ الناظم نفع الله به بلغ مرتبة أهل الفناء، وتحقق له معنى الحديث القدسي: "كُنتُ سَمعَه الذي يَسمَعُ به، وبَصَرَه الذي يُبصِرُ به".

 

[شرح البيت الرابع عشر]

ثم قال نفع الله به:

 

وللقلبِ منِّي قد ظهرتَ بكل ما *** ظهرتَ ولم تنكِرْكَ مني الخواطرُ

 

أشار بهذا إلى المشاهدة القلبية التي تحصل لأهل الله تعالى؛ بسبب تجلّيه على قلوبهم، فيشهدون تجليات الذات أو الصفات أو الأفعال على حسب استعداد المتأهلين.

وقوله: "ولم تنكِرْكَ مني الخواطرُ"، أي: كيف تنكره الخواطر القلبية وهي واردة من الحق على القلب، وهذا عبد فنيت بشريته وكونيته بنيران القرب وأنوار الشهود، فلا يخطر فيه إلا الخواطر الإلهية، وفي الحديث: "ما وسعني أرضٌ ولا سماء ووسعني قلبُ عبدي المؤمن".

ومن هذا ظهر معنى قوله: "وللقلبِ"، وأن المتكلم قد بلغ هذه المرتبة.

 

عليه رضوان الله تبارك وتعالى، ورضي الله عن جميع المؤمنين والمؤمنات وجعلنا الله في خيارهم.

يخاطب ربه سبحانه وتعالى يقول: "تجليتَ لي في كُل شيءٍ"، حتى صرت لا أغفل عنك ولا أغيب بشيء بل كل شيءٍ يذكرني بك ويدلني عليك. وهكذا؛ من غلب عليه التولُّع والمحبة لشيء ولو كان من الأمور الحسيِّات والفانيات تجده بكل قواه يتوجّه إلى ذلك المحبوب ويصبح يذكّره به مختلف الأشياء، فلو كان أحب حتى بستانًا جميلًا، أحبه وتعلَّق به وتولَّع به وزادت محبته على قلبه، ينظر إلى الفرش فيقول فيه من أثر كما الأشجار في بعض لون الأوراق، ينظر الجدار يقول كما بستاني في طول الجدار كما ذا، ينظر إلى الهواء يقول يشبه الهواء الذي في البستان، وكل شيء وهو البستان حقه مسكين! ومن هو ومن بستانه!

ولكن الذين تولعَّت قلوبهم بالحق -جلَّ جلاله-، كل شيء خلقه، كل شيء إيجاده، وكل شيء عبده، وكل شيء تحت أمره، الله، الله، الله، الله! فكل شيء يملأهم بالله، ويزيدهم امتلاء بالله، وعظمة الله سبحانه وتعالى، من أين جاءوا بهذا؟!.. هذا أيضًا من منِّه ومن إحسانه ومن خلقه لهم ومن تفضله به عليهم.

ولهذا قال: "لم أكُن سِواكَ"؛ يعني: أنا بسواك ما أنا شيء، أصلي عدم، وبعد إيجادك لي لو تركتني في ظلمة الافتتان بالأكوان لافتتنت بها ونسيتك فيها، لكنك أكرمتني.. 

ولهذا معنى "لم أكُن سِواكَ"؛ أي: بسواك، ولهذا يقول للذي ساعدك على فعل الشيء وقمت وفعلته، إذا جاء يثني عليك مثني يقول: أحسنت فعلت كذا، قال: لا، ليس أنا إنما فلان، فلان من هو ذا؟ ما شفناه ولا جاء، لأنَّه هو السبب لو كان ما انتبه منك وساعدك ولا هيأ لك السبيل لم تكن لتقدر أن تفعل هذا الفعل فتنسبه إليه. 

وهكذا كما تُنسب الأفعال إلى الذات الإلهية، إذا جئت وحصَّلت مثلًا صنعة متقنة تقول: ما أحسن هذا! هذه لفلان بن فلان، يعني ماذا لفلان بن فلان؟ يعني صانعها الذي صنعها ورتبها فلان بن فلان، وإذا جئت تعجبت حصَّلت فرش جميل، جئت تقول: أيش هذا الفرش! يقولون لك: فلان بفلان؛ ماذا يعني؟ يعني أتى به هو، تصدق به وأتى به إلى المسجد. فهذه النسب كثيرة في اللغة العربية والدارجة بهذه المعاني.

 قصدنا نعلم أن أقل المؤمنين إيمانًا بالله -تبارك وتعالى- يبعد عن أن يعتقد حلول الله في شيء أو حلول شيء في الله سبحانه وتعالى، وأنَّه إذا سمعت مثل كلام هذا الشيخ بمعرفته "لم أكُن سِواكَ"؛ يعني: ما قدرت على شيء من ذلك بغيرك، ولولا أنت لا وُجدت ولا خُلقت، ولولا أنت ما عرفت ولا اعتقدت، ولولا أنت ما تعلّقت ولا أحببت، ولولا أنت ما صرت أشاهد جلالك وجمالك في ذا الوجود والكائنات، فهذا منك وإلا أنا في حد ذاتي لا أنا ولا الكائنات شيء أمامك لكن أنت الذي أوجدت؛ فبهذا المعنى الخفي الدقيق يتكلمون بهذا الكلام، عليهم رضوان الله تبارك وتعالى.

تجليتَ لي في كُل شيءٍ ولم أكُن *** سِواكَ………………..

 يعني لا شيء غيرك لا أوجد الكون الذي أمامي ولا أوجدني في الكون ولا مكنني من أن أستجلي في الكون عظمة المكوِّن، لا شيء غيرك، أنت الذي أوجدتني وأوجدت هذا الكون ووفقتني لهذا وأعطيتني ذلك. الله أكبر..

وهذا هو المعنى المدرج في قول الله لحبيبه: (وَمَا رَمَيْتَ إِذْ رَمَيْتَ وَلَٰكِنَّ اللَّهَ رَمَىٰ) [الأنفال:17] -جلَّ جلاله وتعالى في علاه- إذا أحد قال: الله الذي رمى أم النبي محمد الذي رمى الكفار؟ إذا جاء واحد قال الله الذي رمى الكفار! هل يقول كافر؟ ليش كافر يقول؟ يد محمد التي حملت التراب، وإذا جاء واحد يقول محمد حمل بيده التراب ورماه، هل نقول كافر؟ لا ذا كافر ولا ذا كافر، بل لا يستكمل الإيمان حتى تقول محمد رمى بمعنى والحقيقة فوق: الله رمى.

 وهذا الذي جاء به القرآن! ويتكلمون على أهل المعرفة والذوق فيما يجيبوه، ما جاءوا إلا بنفثات مما في القرآن، نفثات جاءوا بها، يقول: (وَمَا رَمَيْتَ) وإذا واحد يقول النبي ما رمى، يقول: لك معنى وأنت لست كافر، لك معنى يعني ما رمى بنفسه ولا بقدرته ولا باستقلاله هذا صحيح، الله جاء بالثلاثة:

  • (وَمَا رَمَيْتَ) 
  • (إِذْ رَمَيْتَ) 
  • (وَلَٰكِنَّ اللَّهَ رَمَىٰ) 

جاء بالثلاثة كلهم ربك تعالى، في آية واحدة جاء بها: (وَمَا رَمَيْتَ) ما رميت.. (إِذْ رَمَيْتَ) يعني هو رمى.. رمى وإلا ما رمى؟! (وَلَٰكِنَّ اللَّهَ رَمَىٰ) الله ولا محمد؟! هيا خذها، اشربها من القرآن! توحيد ربك الرحمن -جلَّ جلاله. قال الحبيب عبد الرحمن بلفقيه: ما رميتَ طريقة، إذ رميتَ شريعة، ولكن الله رمى حقيقة، (وَلَٰكِنَّ اللَّهَ رَمَىٰ) -جلَّ جلاله.

 فلا يجيء واحد يعتقد فهم أو علم أو ذوق وبيتكلم على كلام العارفين والمقربين، وما بلغ مستوى تراب تحت أظفر واحد منهم حتى يقول ما يقول، عليهم رضوان الله تبارك وتعالى.

تجليتَ لي في كُل شيءٍ ولم أكُن *** سِواكَ………………..

 يعني: بسواك عرفت ولا حصل لي التجلي، "فمنظُورٌ كما أنتَ ناظرُ"؛ منظور إلي، وبنظرك مكنتني وأعطيتني نظر، وأعطيتني نظر نظرت به الوجود والكائنات وإذا بسرِِّ: "كُنتُ سَمعَه الذي يَسمَعُ به، وبَصَرَه الذي يُبصِرُ به"، جلَّ جلاله وتعالى في علاه، الله أكبر.

يقول:

……………………. ولم أكُن *** سِواكَ فمنظُورٌ كما أنتَ ناظرُ

 فأنا نظرت إلى جلالك وجمالك.. صار لي منظور، وأنا ما نظرت إلى جلالك إلا لَمَّا نظرت إلي بإفضالك ونوالك، فصرت أنا منظور وأنا ناظر. 

  • أنا منظور بإفضالك وتجليك وإحسانك إليَّ. 
  • وأنا ناظر إلى جلالك وجمالك بما آتيتني من الفضل.

وأنت ناظر إليّ وناظر إلى ذاك الجمال، والكل لك منظور. لا إله إلا هو.

تجليتَ لي في كُل شيءٍ ولم أكُن *** سِواكَ فمنظُورٌ كما أنتَ ناظرُ

لا إله إلا الله.

وللقلبِ منِّي قد ظهرتَ بكل ما *** ظهرتَ ولم تنكِرْكَ مني الخواطرُ

 

قال: "أشار بهذا إلى المشاهدة القلبية التي تحصل لأهل الله تعالى".

يقول بعض الصحابة لمَّا سمع غير سيدنا عمر بن الخطاب، لما سمع بعض الصحابة يقرأ على حرف من القرآن ما سمعه، قال له: من أين جئت بهذه القراءة؟ قال له: علمني إياها رسول الله. قال له: من قال لك؟ قال: نحن أقرأنا رسول الله غير هذا! قال: تعال أنا وإياك إلى رسول الله، فلمَّا جاءوا إلى عنده، فقال لهذا اقرأ ولهذا، قال له: هكذا أُنزلت، قال هذا: فوقع في قلبي شك ولا أيام كنت في الجاهلية، قال: فعرف ﷺ ما في نفسي فوضع يده على صدري وأخذ يقرأ، قال: فكأني أرى ربي! لَمَّا حط يده على صدره كأني أرى ربي! صار في حالة خلاص، وعاد إلى يقين أقوى مما كان ببركة سيد الأكوان ﷺ.

اللهم نوّر قلوبنا وارزقنا شهودك الأسنى كما يليق بك في كل شيء يا الله يا الله يا الله.

فكما قال سيدنا الشيخ أبو بكر: لا يحل في شيء، وليس شيء خالٍ عنه! لا شيء خالٍ عن إرادته وقدرته وتصويره وخلقه وإيجاده وتدبيره، لا شيء، إذا خلا عن هذا ماشي وجود! وحاشاه أن يحل في شيء، لا يحل في شيء، ولا يخلو منه شيء، يعني لا يخلو من قدرته وعظمته وتدبيره وخلقه وإيجاده، لا يخلو شيء، في شيء موجود في الكون ما خلقه؟ أو له خالق غيره؟! أبدًا! (أَرُونِي مَاذَا خَلَقُوا مِنَ الْأَرْضِ أَمْ لَهُمْ شِرْكٌ فِي السَّمَاوَاتِ) [الأحقاف:4]، ما من ذرة إلا هو الذي خلقها، فلا بدَّ لها منه. فلا يمكن تخلو عنه! كيف تخلو عنه؟ يعني تنقطع ما لها إيجاد ولا لها ترتيب منه ولا لها تدبير، ما يتأتى إلا بتدبيره؛ كان الكون كله وذرات الكون علويه وسفليه، وخيره وشره، ونفعه وضره، وإسلامه وكفره، كله وراء إرادته وتدبيره -جلَّ جلاله وتعالى في علاه- "ما شاء اللهُ كان وما لم يشَأْ لم يكُنْ".

وللقلبِ منِّي قد ظهرتَ بكل ما *** ظهرتَ ولم تنكِرْكَ مني الخواطرُ

"أشار بهذا إلى المشاهدة القلبية التي تحصل لأهل الله تعالى؛ بسبب تجليه على قلوبهم، فيشهدون تجليات الذات أو الصفات أو الأفعال على حسب استعداد المتأهلين.

وقوله: "ولم تنكِرْكَ مني الخواطرُ"، أي: كيف تنكره الخواطر القلبية وهي واردة من الحق على القلب، وهذا عبدٌ فنيت بشريته وكونيته بنيران القرب وأنوار الشهود."

ومن بَعُد عن القرب والشهود بصدق الإخلاص لوجه الله، والتذلل لعظمة الله، وكثرة الذكر لله تبارك وتعالى، وحسن الوقوف على بابه.. يستبعد هذه الأشياء وربما ينكرها، ويريد أن يحكم الأمور والمعارف والحقائق في حبتيّ مداركه، في الحبة حق مداركه يريد يحكم كل شيء بها! والحق أكبر من ذلك، والعلم أكبر من ذلك. 

قد عاتب الله سيدنا موسى وهو كليمه، وقال: هل أحد أعلم على وجه الأرض؟ قال: لا، أنا أعلم. فعاتبه، قال: شُف عبدنا الخضر أعلم منك. يعني في شيء، وسيدنا موسى أعلم من الخضر في أشياء، لكن العلم المطلق هذا لواحد، (وَأَنَّ اللَّهَ قَدْ أَحَاطَ بِكُلِّ شَيْءٍ عِلْمًا) [الطلاق:12] والناس يتفاوتون بعد ذلك في العلم، ولا أحد يحيط بالعلم إلا الله. 

بل الذي أوتيه الخلق من العلم مما علمهم الله ما يحيط به أحد منهم، ما شي جزء إلا بمجموعهم، ما واحد منهم يحيط بكل ما علمه الله الخلق، لا! لما قال ابن لقمان لأبيه: من الذي يحيط بالعلم؟ قال: الخلق كلهم، يعني ما أوتوه الخلق كلهم، ولا واحد منهم يستقل به ولا أجزاء منهم، إلا مجموعهم فيما أوتوا من العلم يحيطون بالعلم، وأما واحد أو اثنين أو ثلاثة أو مئة أو جزء منهم، ما يتأتى يحيطون.. بماذا؟ ليس بالعلم كله، إنما بالعلم الذي أوتيه الخلق، الذي أعلِمه البشر، وما لم يعلمون أكثر، والذي علمه البشر والإنس والجن كلهم والملائكة معهم تحت دائرة قوله: (وَمَا أُوتِيتُم مِّنَ الْعِلْمِ إِلَّا قَلِيلًا) [الإسراء:85].

 إذًا؛ ترجع الحقيقة: (وَاللَّهُ يَعْلَمُ وَأَنتُمْ لَا تَعْلَمُونَ) [البقرة:216] إذا سمعنا مثل هذا يجيء واحد يقول: لا أحد يعلم إلا الله، يقول له: أنت تنكر علمي؟ أنكر علمك.. تنكر علم العلماء؟ أنا أقررر ما قرره الله تعالى، هذا العلم القليل، صح أنت تعتبر عالم بالنسبة لما علمت، وما جهلت ما أنت عالم له، لكن أنا أتكلم عن مطلق العلم وأقول لك: (وَاللَّهُ يَعْلَمُ وَأَنتُمْ لَا تَعْلَمُونَ)؛ فالآية كما هي حقيقة واقعة ثابتة. 

خلوني من الاعتراض على كلام بعض العارفين، ولكن شوف الآيات عندك، تعال على كلام ربك، خطاب ربك، هو الذي يخاطبك بهذا الكلام، دع الأولياء، الأولياء إلا آلات من تحت الجلالة، لكن شوف خطاب ربك، هو الذي يعلمك الحقائق هذه سبحانه وتعالى، يقول لك: (وَأَنتُمْ لَا تَعْلَمُونَ) خلاص.. وبعدين له بيان في الآية الثانية، يقول: (ثُمَّ عَرَضَهُمْ عَلَى الْمَلَائِكَةِ فَقَالَ أَنبِئُونِي بِأَسْمَاءِ هَٰؤُلَاءِ إِن كُنتُمْ صَادِقِينَ * قَالُوا سُبْحَانَكَ لَا عِلْمَ لَنَا إِلَّا مَا عَلَّمْتَنَا) [البقرة:31-32] فما دام إلا ما علمتنا، وأيش نحن نعلم؟ هو ما تعلمناه من عندك، ولا نقدر نعلم شيء ثاني إلا إن كان علمتنا، وما قبله وما بعده وفوقه وتحته أنت العالم به، خلاص إذًا العلم لك (وَأَنتُمْ لَا تَعْلَمُونَ) كما قال سبحانه وتعالى.

 الله، لا إله إلا هو، آمنا بالله وسألنا الله كمال اليقين وحسن الأدب والمعرفة وأن يعلمنا ما جهلنا وينفعنا بما علمنا سبحانه وتعالى.

ويذكر هذا المأثور: "ما وسعني أرضٌ ولا سماء ووسعني قلب عبدي المؤمن" من المعلوم أنَّ لا الأرض ولا السماء تنتهي إلى المعرفة بالله إلى ما يخص الله به المؤمنين من عباده وخصوصًا خواصهم؛ ولذلك فإنَّ الأرض والسماء تذهب وتتلاشى وتضمحل، ويبقى المؤمن بإيمانه مخلد في النعيم، وجزاء من جحد وكابر وعاند مخلد في الجحيم والعياذ بالله تعالى. 

فبهذا الأمر كان اعتبار لهذا الإنسان أعظم من الأرض والسماء، أمَّا الأرض والسماء تُبدّل وتتغير، هذه تتشقق وهذه تمد وثم تمور مورًا، وتُسَيَّر الجبال، (وَتَكُونُ الْجِبَالُ كَالْعِهْنِ الْمَنفُوشِ) [القارعة:5]، ثم تنسف نسفًا (وَيَسْأَلُونَكَ عَنِ الْجِبَالِ فَقُلْ يَنسِفُهَا رَبِّي نَسْفًا) [طه:105]، لكن الآدمي هذا.. لا! إن أطاع واتقى وآمن له درجة عالية ولك نعيم مؤبد ولك الخلد، دع الأرض تروح والسماء تروح، وأنت تبقى وتتفضل، يبقيك الله أعظم. 

وأنت إن عاندت وخالفت وكابرت وجحدت تعال بعد ما أتاك هذا الفضل والإحسان، تروح كما بقية الحيوانات! تعال إلى هنا خذ عقابك على ما عاندت وعلى ما كابرت وعلى ما جحدت؛ لأنك تعرضت لأمر الكائنات هذه بحيواناتها وجماداتها تسبح بحمده وأنت قاعد تنكره! وأعطاك فوقهم عقل وأعطاك فوقهم إدراك ومع ذلك تنكره وتجحده وتخالفه؟! تعال فلك جزاء لا تذهب مع من يذهب ولكن لك النار، (وَيَقُولُ الْكَافِرُ يَا لَيْتَنِي كُنتُ تُرَابًا) [النبأ:40]؛ يتمنى أن يكون مثل الحيوانات، ولكن لا؛ لأن قضية الإيمان به بما آتى المكلفين من استعداد يتميزون به عن الكائنات أوجب أن يكون لهم شأن غير شأن الكائنات هذه، فأنى تسع الأرض والسماوات عطايا الله لعباده المقربين والعباد الصالحين.

فالحمد لله الذي آتانا هذه القلوب والأرواح، وقال فيها: (وَنَفَخْتُ فِيهِ مِن رُّوحِي) [الحجر:29]، فنسأله أن ينفعنا بذلك، وأن يرفعنا بذلك ويسلك بنا أشرف المسالك، اللهم آمين.

وقد ذكر عندك، يقول: "ولم أقدر على تعبير ما يلوح لي؛ لقصوري عن هذه المدارك" ويقول في مسلكه: "ولا أكتفي بالمقال من دون مساعدة الحال"؛ إذا لم يساعدني الحال ما أرسل المقال حتى يكون فتنة لمن يسمعه ولمن يعرفه، ما يصله على المراد. 

قال: وما دمت أنا بهذا القصور فلا أتكلم عن هذه، لكن أشار إلى عموم معناها بقوله: "غير أنَّ الناظم نفع الله به بلغ مرتبة أهل الفناء"، ويقول: "الذي لاح لي"؛ يعني: فهمته وعلمته ما أقدر على التعبير عنه، بهذا اعتذر -عليه رحمة الله تبارك وتعالى- وما يشير إليه قد وسَّعنا لك المجال في فهم معنى ومراد الناظم والمراد للشارح، عليهم رحمة الله تبارك وتعالى ونفعنا بهم وبجميع الصالحين.

 نوّر الله قلوبنا.

يزيدنا إيمان، يزيدنا يقين، يتولانا بما تولى به عباده الصالحين، يرقينا أعلى مراتب علم اليقين وعين اليقين وحق اليقين، لا تحرمنا خير ما عندك لشر ما عندنا يا أكرم الأكرمين، أذقنا بعفوك وحلاوة رحمتك ولذة مناجاتك، اسقنا اللهم كأس علم اليقين وكأس عين اليقين وكأس حق اليقين واجعلنا لتلك الكؤوس من الشاربين في هناء وصفاء وعوافي كوامل يا أكرم الأكرمين.

 نسألك بك أن تكرمنا بما أنت أهله من صفاء الوداد، وتكرمنا بما أنت أهله من خالص المحبة، وتكرمنا بما أنت أهله من خصوصية المعرفة، وأن لا تحرمنا خير ما عندك لشر ما عندنا، وأن تتولانا بما أنت أهله في الحِس والمعنى، يا قريب يا مجيب صلِ على عبدك المصطفى الحبيب سيدنا محمد وآله وصحبه ومن سار في منهجه العجيب، وبهم عليك ومنزلتهم لديك، قربنا يا قريب، وانظمنا في سلك ذاك الحبيب، وصفِّنا عن جميع الشك وما به يستريب المستريب. 

واجعلنا اللهم في أهل اليقين التام، واجعل مستقر اليقين التام قلوبنا ومستقر أربابه ديارنا، واجعل مستقر اليقين التام قلوبنا ومستقر أربابه ديارنا، اجعل مستقر اليقين التام قلوبنا ومستقر أربابه ديارنا، اجعل مستقر المعرفة بك قلوبنا ومستقر أربابها ديارنا، اجعل مستقر المعرفة بك قلوبنا ومستقر أربابها ديارنا، اللهم اجعل مستقر المعرفة بك قلوبنا ومستقر أربابها ديارنا، اللهم اجعل مستقر العلم النافع قلوبنا ومستقر أربابه ديارنا، اللهم اجعل مستقر الورع الحاجز قلوبنا ومستقر أربابه ديارنا، اللهم انظر إلى قلوبنا وصفِّ قلوبنا ونقِّ قلوبنا وأصلح قلوبنا وطهِّر قلوبنا، واجعلنا في المصطفين الأخيار، وأعذنا من الشرور والأشرار، واحمنا من جميع المضار، وأشرق علينا يا مولانا سواطع الأنوار في قوة منك لا يزغ البصر ولا يطغى، ونستقيم على منهج التقوى مع خواص من استقام معك وصدق في كل شأن من الشؤون في الظهور وفي البطون، واثبتنا فيمن يهدون بالحق وبه يعدلون، اختم لنا بأكمل حسنى وأنت راضٍ عنا في خير ولطف وعافية.

بِسِرِّ الْفَاتِحَةِ

إِلَى حَضْرَةِ النَّبِيِّ مُحَمَّدٍ، اللهمَّ صَلِّ وَسَلِّمْ وَبَارِكْ عَلَيْهِ وَعَلَى آلِهِ وَصَحْبِهِ 

الْفَاتِحَة

 

أسئلة

  • يسأل عن الفِكر.. 

عندك في رسالة المعاونة للإمام الحداد مجال الفكر، ومعنى الفكر، وأن تتفكر في عظمة الله تعالى وجلاله، وفي الآيات الواردة في ذلك والأحاديث الواردة في ذلك، وتتفكر في النعم التي أنعم بها عليك وعظمتها وعدم قدرتك على إحصائها، وتذكر ما ورد في ذلك من الآيات والأحاديث الشريفة، وتتفكر وتتأمل مرجعك ومصيرك إليه سبحانه وتعالى، ومصير كل شيء إليه وحالتك عند الوقوف بين يديه، ومساءلته إياك -جلَّ جلاله- وتتفكر فيما جرى منك من تقصير وزلل وذنب، وتطلب التحقق بالتوبة والإنابة إليه -سبحانه وتعالى- وتتفكر في حقارة الدنيا وما فعلت بأربابها وما امتلأت به من عبر على مدى القرون، إلى غير ذلك.

 وذكر، مجموعة من مجالي الفكر الإمام الحداد في هذا الكتاب: "رسالة المعاونة والمظاهرة والمؤازرة للراغبين من المؤمنين في سلوك طريق الآخرة"، فتأمله وابتدأ بهذا التفكر والتأمل، وبدايته التدبر في الآيات الواردة، ثم التَّفكر في المصنوعات والكائنات وكيفية تقديرها وتطويرها وتسييرها بقدرته -سبحانه وتعالى- وهكذا.. الله يفتح لنا باب الفهم عنه.

  • الصدق

وإنما يزداد الصدق بالرغبة فيه وطلبه من الرب -جلَّ جلاله- والتشبه بالصادقين والكون معهم، يقول: (يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ وَكُونُوا مَعَ الصَّادِقِينَ) [التوبة:119]، ونكون معهم من خلال قراءتنا لأخبارهم ولمناقبهم ولسيرهم، وما وجدنا من أثر الصدق عند من نستطيع أن نجالسه أو نلقاه أو نستفيد منه أو نباحثه نغنم كل ذلك، والله يزيدنا في الصدق معه؛ وهو أن تجتمع جميع القوى الظاهرة والباطنة على الأمر الذي نقصد به رضاه وأن نحسنه ونؤديه على التمام.

 

والمنتقل إلى رحمة الله حمَّاد أبو خالد ومن توفاهم الله من فلسطين، يغفر الله له ويرحمه ويتجاوز عنه، ويجعل قبره روضة من رياض الجنة ويرحم موتانا، ويجعل مستقر روحه وأرواحهم في الفردوس الأعلى، ويتقبل جميع حسناتهم ويتجاوز عن جميع سيئاتهم، وأن الله يجمعنا وإياهم في دار الكرامة من غير سابقة عذاب ولا عتاب ولا فتنة ولا حساب، ويبارك في أولادهم وأحفادهم وأسباطهم وقراباتهم ويسير بهم مسار أهل الخير والتقوى ويصلح لهم السر والنجوى، بسر الفاتحة إلى حضرة النبي ﷺ.

الحمد لله، لا يزال الواحد منا حامدًا لربه وشاكرًا له، ولا يزال يعلم أنَّ ليس أكبر وأعظم من إنعامه ومن جوده وكرمه -سبحانه وتعالى-، ونقتدي بهادينا ودليلنا ﷺ قال: "أفلا أكونُ عَبدًا شَكورًا" بما استطعنا من الأعمال الصالحة والبذل، بذل الوقت والفكر والقوة والعمر والمال في سبيل الله -تبارك وتعالى- والنفس والروح، اللهم وفِّقنا وخذ بأيدينا.

 

تاريخ النشر الهجري

24 مُحرَّم 1448

تاريخ النشر الميلادي

09 يوليو 2026

اضافة إلى المفضلة

كتابة فائدة متعلقة بالمادة

الأقسام