(454)
(631)
(368)
الدرس الثالث للعلامة الحبيب عمر بن محمد بن حفيظ في كتاب: شرح قصيدة الشيخ عبدالغني النابلسي: (لذاتي بذاتي) للحبيب أحمد بن أبي بكر بن سميط.
مساء الأحد 20 محرم 1448هـ
ضمن دروس الدورة الصيفية الثالثة بمعهد الرحمة بالأردن.
وصَوني لأفعالي عن العبَثِ اقتضى *** خِطابي ومَنْ لَمْ يمتثل فهو كافرُ
جُسُومٌ وأعراضٌ تَلوحُ وتَختَفِي *** وما هي لِلمَحبُوبِ إلا ستائرُ
[شرح البيت السَّابع]
ثم أشار النَّاظِم إلى معنىً لم ينفكَّ عمَّا تضمنه البيت المُتقدِّم، فقال:
وصَوْني لأفعالي عن العبث اقتضى *** خطابي ومن لم يمتثل فهو كافر
المَصدَرُ مضافٌ لضمير الفاعل، والبيتُ تضمَّن تعليلًا لِمَا تقدَّم.
ومحطُّ الفائدة: قوله: (ومَنْ لم يَمْتَثِلْ) إلخ، أي: ولأجل صونِ أفعالي عن العبث، اقتضى خطابي بالإيمان، وفائدته: أن يكون مَنْ لم يمتثل به هو الكافر، كما أنَّ مَن امتثَلَ به هو المؤمن، والكلامُ هنا مبنيٌّ على أفعاله تعالى لا تخلو عن حكمٍ، إذ الفعلُ الخالي عن الغرض عبثٌ، والعبثُ من الحكيمِ مُحالٌ.
[الفرقُ بين الحكمة والغرضِ]
ثُمَّ إنَّ المقرَّر في العقائد: أن أفعاله تعالى لا تُعلَّلُ بالغرض، بمعنى الباعِث على الفعل، بحيثُ لولاهُ لم يفعل؛ لإفضائه إلى استكمالٍ، وهو الغنيُّ عن كُلِّ شيءٍ بكمالِهِ الذي لا نهايةَ له، ومع تنزُّهِ أفعاله تعالى عن الغرض الباعث، فلها حكمٌ جميلةٌ، وغاياتٌ جليلةٌ، إذ لو كانت خاليةً عن ذلك لكانت عبثا، والعبثُ في فعله محالٌ.
والذي لا يليق بجنابه تعالى: تعليلُ قولِهِ بالغرض الباعث على الفعل، بحيث يعود نفعُهُ إليه، تعالى الله عن ذلك علُوًّا كبيرا، والفرقُ بين الغرضِ والحكمةِ: مثَّلوهُ كمن غرس شجرة لأجل ثمرها، فثمرها غرضٌ باعثٌ على الغرس، وظلُّها بعد حكمةٍ، أي: مصلحَةٌ مترتبةٌ على الفعل، من غير أن تكون باعثةً عليه، فحكمُ الله تعالى بالنسبة لأفعاله وأحكامه كالظلِّ بالنسبة للغرسِ.
وبالجملة؛ فأفعاله تعالى لا تخلو عن حكمٍ، وقد يظهرُ لخواصِّ خَلْقِهِ، بعضها بإعلامه تعالى إيَّاهم، وقد لا.
ولمَّا دلَّ الدليلُ القطعي على أن المولى لم يرد من الكافر الإيمان، ومع ذلك أمره به، فغايرت إرادته أمره؛ احتيج إلى بيان وجه الحكمة في ذلك، لئلا يتوهم أن لا فائدة في الأمر بما يُعلَم بعدم وقوعه، ولذا قال الناظم مبينًا لهذه الحكمة على لسان الإلوهية:
وصَوْني لأفعالي عن العبث اقتضى *** خطابي ومن لم يمتثل فهو كافر
أي: ومن يمتثل فهو كافرٌ، فحكمة أمره أو نهيه ظهور الامتحان: هل يطيع العبد أم لا؟ فيظهر حينئذ من له استعداد القبول فيكون مسلمًا، ومن لا؛ فيكون كافرًا. إذ الشقاوة والسعادة لا بد فيهما، ولا يتحققان إلا بالطاعة والعصيان بعد الأمر الإلهي".
الحمد لله الذي بيده ملكوت كل شيء، وإليه مرجع كل شيء، وهو ربُّ كل شيء، وخالق كل شيء، والمحيط بكل شيء، والعليم بكل شيء، والقادر على كل شيء. ونشهد أنه الله الذي لا إله إلا هو وحده لا شريك له، تعالى وتنزَّه عن أن يُحيِطَ به شيءٌ، أو أن يُشابهه شيء، أو أن يُناظِرهُ شيء، (لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْءٌ ۖ وَهُوَ السَّمِيعُ الْبَصِيرُ) [الشورى:11]. ونشهد أن سيدنا ونبينا وقرة أعيننا ونور قلوبنا محمدًا عبده ورسوله، أعرف الخلق بذلك الخالق، وأهداهم إلى أقوم الطرائق، وأجلَّهم تحققًا بأعلى وأسنى الحقائق.
اللهم صلِّ وسلم وبارك وكرِّم على عبدك الأمين الصادق سيدنا محمد، وعلى آله وأصحابه وكل متابِعٍ موافق، وعلى آبائه وإخوانه من الأنبياء والمرسلين خيار الخلائق، وعلى آلهم وصحبهم وتابعيهم، وعلى الملائكة المقربين، وجميع عبادك الصالحين، وعلينا معهم وفيهم برحمتك يا أرحم الراحمين.
ولا يزال الإمام عبد الغني النابلسي -عليه رحمة الله- في أبياته والشارح لها، يُبَيِّنَانِ معانٍ من حِكَمِ الله تبارك وتعالى في هذا الوجود، وواجب العبودية مع هذه الألوهية والربوبية. حقَّقنا الله بحقائق العبودية لربِّنا، حتى تتولانا ربوبيته، ورزقنا تحقيق العبدية حتى نَظْفَرَ بعنديّته، إنه أكرم الأكرمين.
يقول: "ثم أشار النَّاظِم إلى معنىً لم ينفكَّ عمَّا تضمنه البيت المُتقدِّم، فقال:"
وصَوْني لأفعالي عن العبث اقتضى *** خطابي ومن لم يمتثل فهو كافر
يقول: ليس هناك من الأعمال الإلهية والأفعال في خلق الكائنات عبث.
(وَمَا خَلَقْنَا السَّمَاءَ وَالْأَرْضَ وَمَا بَيْنَهُمَا لَاعِبِينَ * لَوْ أَرَدْنَا أَن نَّتَّخِذَ لَهْوًا لَّاتَّخَذْنَاهُ مِن لَّدُنَّا إِن كُنَّا فَاعِلِينَ * بَلْ نَقْذِفُ بِالْحَقِّ عَلَى الْبَاطِلِ فَيَدْمَغُهُ فَإِذَا هُوَ زَاهِقٌ ۚ وَلَكُمُ)؛ أي: أيها الكفار والمشركين (الْوَيْلُ مِمَّا تَصِفُونَ) [الأنبياء:16-18].
إذن، فليس في خلق الله -سبحانه وتعالى- عبث.
طيب أنتم قلتم أنه ما هناك غرض!
نعم، نقول ما هناك غرض في خلق الكائنات، لأنه لا يحتاج إلى شيء أصلًا.
والغرض يراد به الحامل للفاعل على الفعل؛ لتعود مصلحته إليه؛ وهذا مستحيل بحق الله تعالى؛ لا يحتاج إلى شيء، وكل شيء يحتاج إليه.
لكن الناس لهم أغراض فيما يفعلونه وهذه الأغراض تتباين، فمنها:
والأغراض العلوية المحمودة، منها:
وهذا أعلى وأعظم ممن يبعثه على العمل إرادة الجنة، ويبعثه على العمل إرادة الثواب وما إلى ذلك؛ هذه أغراض، ولكنها أغراض شريفة ورفيعة وبعضها فوق بعض.
وأمَّا أهل الدرجات العلا، ما عاد بقي لهم في هذه الأشياء وقوف وأغراض بحيث يُعللون بها عبادتهم، فلا تكون العلة في عبادتهم إلا أنهم عرفوه، فأحبوه، فعظّموه، فعبدوه تعظيمًا ومحبةً وعبوديةً، لأنه يستحق ذلك. هؤلاء أغراضهم فوق؛ أشرف الأغراض وأعلاها، و: (هُمْ دَرَجَاتٌ عِندَ اللَّهِ) [آل عمران:163].
وهناك أغراض سفلية:
وما إلى ذلك من الأغراض والشهوات.
نحن في عالم الخلق نقول للذي يفعل شيء بلا غرض: عبث. نقول له: لا، هناك حكمة؛ فما يفعل شيء إلا بحكمة، (وَكُلُّ شَيْءٍ عِندَهُ بِمِقْدَارٍ) [الرعد:8]، كما قال -جل جلاله-، وما يُقدِّم ولا يؤخِّر إلا بأجل معلوم، وبحكمة ربانية.
إذًا، من أجل هذه الحِكَم كانت الأفعال وكانت التشريعات، وكان كل ما أبدى الله تعالى. إلا أنَّ هذه الحِكَم منها ما يبرزها للناس ومنها ما لا يبرزها. ولا يزال في كل فعل من أفعال الله من الحِكَم ما لا يحيط به الخلق. وأهل القرب منه والمعرفة به يطّلعون من حِكَمِه في فعل الأشياء على نصيب وافر أكثر من غيرهم، ولكن لا يحيطون بالحكمة، لا في خلق السماء ولا في خلق الأرض، ولا في خلق الناس ولا في خلق أصنافهم وألوانهم وألسنتهم واختلافها، ولا في تقريب المقرَّب وإبعاد المُبْعَد، ولا في توفيق الطائع ولا في خذلان العاصي. وكل الأفعال الربانية حِكم، ملآنة بحِكَم، العارفون المقربون يعلمون منه نصيبًا وافرًا، وكلما كان أقرب علم نصيبا أوفر، ولكن ما يحيط بحكمته إلا هو جل جلاله.
ولهذا يقول:
"وصَوْني لأفعالي عن العبث اقتضى *** خطابي…"
خطابي: أي: إنزاله الكتب وإرساله الرسل.
وخطابه للمكلفين؛ ليتبيَّن منهم المؤمن والكافر، والطائع والعاصي، والمُقبِل والمُدبِر، والقابل والرافض، والراد والمعاند. يتبيَّن هذا من هذا بواسطة الخطاب. وهذه حكمة من حِكَم الشرائع؛ بإنزال الكتب وإرسال الرسل؛ يتبين هذا من هذا، مَن يؤمن ومَن يكفر، مَن يطيع ومَن يعصي، مَن يُقبِل ومَن يُدبِر، مَن يرضى ومَن يسخط، مَن يستسلم ومَن يعاند. بواسطة هذا التكليف، فكانت حكمة في التكليف، لا غرض له -سبحانه وتعالى-، يعني ما له منفعة ولا شيء يرجع إليه، ولكن حِكَم، خلَق الخلق لحكمة وطوى عليها علمه، وعلمنا منها ما علمنا، و(سُبْحَانَكَ لَا عِلْمَ لَنَا إِلَّا مَا عَلَّمْتَنَا ۖ إِنَّكَ أَنتَ الْعَلِيمُ الْحَكِيمُ) [البقرة:32].
قال: "ومحطُّ الفائدة: قوله: "ومَنْ لم يَمْتَثِلْ""؛ أي: من لم ينقَد لأمر الله ويخضع بعد أن جاءته دعوته "فهو كافر".
"أي: ولأجل صونِ أفعالي عن العبث، اقتضى خطابي بالإيمان"، خاطبتُ العباد، وأمرتهم بالإيمان بي وبرسلي. "وفائدته: أن يكون مَنْ لم يمتثل به هو الكافر، كما أنَّ مَن امتثَلَ به هو المؤمن، والكلامُ هنا مبنيٌّ على أفعاله تعالى لا تخلو عن حِكمٍ"، بل حِكَم كثيرة، ولا يحيط بها إلا هو. "إذ الفعلُ الخالي عن الغرض عبثٌ، والعبثُ من الحكيمِ مُحالٌ" حاشاه -سبحانه وتعالى- أن يخلق شيئًا عبثا، في عالم الحس، وعلى قدر علم الناس وإدراكهم.
طرأ على واحد من الناس مرة رأى حشرة، واستنكر هيئتها، وقال: ما الفائدة في خلق هذه الحشرة؟! فابتلاه الله تعالى بمرض، واشتد عليه، وأخذ يعالجه ولم يُعالَج، حتى جاء إلى عند بعض الأخيار. قال له: صدَر منك اعتراض على الله في شيء؟ قال له: ما أذكر. قال: تذكر، تذكر، قال: يوم رأيت الحشرة... قال: اسمع، شُف دواك في الحشرة هذه، العلة حقك دواها تلك الحشرة التي استنكرتها وقلت لماذا خلقها الله -سبحانه وتعالى-، روح دوّر لها ذا الحين، وهات وحدة، إذا لقيت منها صنف ضعها في الزيت وعلى محلّ العلة تروح. لا إله إلا الله!. راح يدوّر يدوّر حتى حصَّل وحدة من هذه الذي كان استنكر وجودها، فلمَّا وضعها في الزيت، وضعها على العلة بَرِئ. وقال: أتوب إلى الله، من أن استنكر، لله الحكمة في كل شيء.
وكان سيدنا جعفر الصادق عند أمير جالس، وإذا ذباب يقع على الأمير، والأمير يطردها أول مرة وثاني مرة، قال: يا أبا عبد الله، ما الحكمة في خلق هذا الذباب؟ ليش الله خلق هذا الذباب؟ قال: ليذل به الجبابرة. جعفر الصادق قال له: ليذل به الجبابرة! يعني واحدة من الحِكَم في خلق الذباب. فسكت.
لا إله إلا الله، في كل شيء له حكمة، وفي كل شيء له آية.
قال: "إنَّ المقرَّر في العقائد: أن أفعاله تعالى لا تُعلَّلُ بالغرض، بمعنى الباعِث على الفعل"، يعني الباعث على الفعل الذي له منفعة فيه ولا مصلحة -حاشاه من ذلك-، "بحيثُ لولاهُ لم يفعل؛ لإفضائه إلى استكمالٍ، وهو الغنيُّ عن كُلِّ شيءٍ بكمالِهِ الذي لا نهايةَ له"، فلا يحتاج أن يَكمُل بخلق شيء، ولا بإحياء شيء، ولا إماتة شيء، ولا رفع شيء، ولا خفض شيء، هو كامل غاية الكمال جل جلاله.
قال: فلا غرض له، وإنما له الحكمة في تسيير كل شيء، في رفع أي مرفوع، وخفض أي مخفوض، وتقريب أي مقرب، وإبعاد أي مُبْعَد، وتنوير كل منور، وإظلام كل مظلم، وغنى كل غني، وإفقار كل فقير… له حِكَمٌ جلَّ أن تحيط وتحصرها عقول الخلائق.. ومن الخلائق؟ ومتى جاءوا؟ ومتى يقدرون؟.. هو العليم -سبحانه وتعالى- بكل شيء، خلَق الخلق لحكمة وطوى عليها علمه، سبحانه وتعالى.
قال:"ومع تنزُّهِ أفعاله تعالى عن الغرض الباعث، فلها حكمٌ جميلةٌ، وغاياتٌ جليلةٌ، إذ لو كانت خاليةً عن ذلك لكانت عبثا، والعبثُ في فعله محالٌ."؛ أي: مستحيل.
"والذي لا يليق بجنابه تعالى: تعليلُ قولِهِ بالغرض الباعث على الفعل، بحيث يعود نفعُهُ إليه، تعالى الله عن ذلك علُوًّا كبيرا، والفرقُ بين الغرضِ والحكمةِ:" مثلاً: في عالم الخلق يكون غرض للإنسان مثلاً ثمرة من شجرة معينة، فيحمله غرض تحصيل هذه الثمرة على غرس الشجرة.. يغرسها، فلما يغرسها يصادف أنها لما تكبر يكون لها ظل، الظل هذا حكمة موجودة، ما كان قصده بغرسها أنه يستظل، لأنه بيت وعنده..، ما يحتاج إلى ظلها هذه، ولكن هي بضرورتها تُحدِث الظل. فوجود الظل من الشجرة حكمة، اقتضاها غرس الشجرة، وليست بغرض للغارِس، غرضه الثمرة ليأكل منها.
فكل الكائنات وما فيها لا غرض للخالق فيها شيء، كلها حِكمة. ليس فيها غرض، ما له غرض بشيء منها، ولكن كلها حكمة، -جلَّ جلاله- لأنه لا يحتاج إلى شيء، كما أن غارس الشجرة لم يكن محتاجًا إلى ظل الشجرة، ولكنها حكمة لابد أن توجد معها، وإذا قامت الشجرة يوجد لها الظل، فهذه حكمة.
فكذلك أفعال الله تعالى؛ يفعلها لحكمة لا لغرض، لا يحتاج إلى شيء منها، سبحانه عز وجل.
قال: "فأفعاله تعالى لا تخلو عن حكمٍ، وقد يظهرُ لخواصِّ خَلْقِهِ، بعضها بإعلامه تعالى إيَّاهم، وقد لا."، فمنها ما تظهر حكمته، ومنها ما لا تظهر حكمته. وما يظهر حكمته فيظهر منها بعض الحِكَم لبعض الناس، ويظهر لبعضهم أكثر من بعضهم، وهكذا.
قال "ولمَّا دلَّ الدليلُ القطعي على أن المولى لم يرِد من الكافر الإيمان" مع أمره به، "ومع ذلك أمره به، فغايرت إرادته أمره؛" قال: في عالم الخلق أحيانا إنسان يخاطبه من هو فوقه، يقول: لِمَ ضربت مملوكك مثلا فلان أو خادمك فلان؟ قال: هذا ما يطيع الأمر. فأراد هذا الإنسان أن يقيم الحجة عند الذي فوقه، قال له: يا فلان افعل كذا وكذا، هو يأمره، وهل يريد أن ينفذ الأمر؟ لا، يريد أن يُرِي الذي فوقه أنه ما يمتثل الأمر. فلا يناقض الأمر عدم الإرادة. يأمره بشيء وهو لا يريده أن يفعله. فالأمر شيء، والإرادة شيء آخر. فهذا الإنسان في هذه الحالة يأمرُ ويحب من الذي يأمره أن لا يفعله؛ ليكون حجة له. هذا بالنسبة للناس؛ لأن الناس لهم غرض.
لكن تبين لنا من خلال ذلك أن الأمر شيء والإرادة شيء آخر.
أمَّا الأمر فللجميع. ولمَّا أمر الجميع كان الجميع على هيئة يستطيعون بها القيام بالأمر، من حيث التركيب والخلق يستطيعون؛ لكن من حيث سبق القضاء لا يستطيعون.
فهم من حيث أنه سبق في علمه أن هؤلاء يطيعون، فلا بد أن يطيعوا، شاءوا أم أبوا؛ لأنه قد سبق في علمه أنهم يختارون الطاعة. وبالنسبة للعاصين: سبق في علمه أنهم يختارون المعصية، فلا بد أن يعصوا. فهم لابد أن يكون منهم ذلك؛ لأن علمه لا يتخلَّف، سبق في علمه ذلك.
لا إله إلا هو، وله الحجة البالغة.
قال: "ولمَّا دلَّ الدليلُ القطعي على أن المولى لم يرد من الكافر الإيمان، ومع ذلك أمره به، فغايرت إرادته أمره؛ احتيج إلى بيان وجه الحكمة في ذلك، لئلا يتوهم أن لا فائدة في الأمر"، يقول: لماذا تأمر؟ قال: آمر لتقوم الحُجَّة! (رُّسُلًا مُّبَشِّرِينَ وَمُنذِرِينَ لِئَلَّا يَكُونَ لِلنَّاسِ عَلَى اللَّهِ حُجَّةٌ بَعْدَ الرُّسُلِ) [النساء:165].
ولهذا هم يحاولون يحتجّون في القيامة، يقولون: ما جاءنا بشير، ما جاءنا نذير، ما بلغنا رسولك، يحتجّون! يجيب الرسل يقول: ما بلَّغت هؤلاء؟ يقول: يا رب بلَّغتهم! مَن يشهد لك؟ يقول: أمة محمد ﷺ، فأخيارنا هم الشهداء يوم القيامة على الرسل صلوات الله وسلامه عليهم.
فيأتون بخيار هذه الأمة، يقولون: هذا نوح، نشهد أنه بلغهم، ومكث فيهم ألف سنة إلا خمسين عام وهو يبلغهم وهم يردّون أمره، وأنه نصحهم ليلا ونهاراً وسراً وجهراً. تقول أمة نوح: هؤلاء جاءوا من بعدنا، وإيش عرفهم بهذا؟! فيقال: يا أمة محمد، مَن قال لكم؟ قالوا: نحن نشهد بشهادتك، أرسلت إلينا رسولاً محمدًا ﷺ، وأوحيت إليه أن نوحًا هذا بلغ قومه، ومكث فيهم كذا، فنحن نشهد بشهادتك. تسكت الأمم. وأمّة هود، وأمة صالح، وكل الأمم ينكرون أن الأنبياء بلغوهم، فتشهد هذه الأمة. ثم إذا شهدوا للأنبياء بالرسل وقالوا: نحن نشهد بشهادتك. يقال: وأنتم من يشهد لكم؟ يقولون: نبيك محمد الذي أرسلته إلينا يشهد لنا. فيُؤتى به ﷺ ليشهد فيقول: نعم يا رب، أشهد أنهم صدقوا، وأنك أوحيت إليّ وبلّغتني وأرسلتني إليهم وبلّغتهم، وهم صدقوا فيما قالوا. تقول الملائكة: ونحن نشهد بصدق محمد. يقول الحق: وأنا أشهد بصدقكم أجمعين. فتقوم الحجة (فَكَيْفَ إِذَا جِئْنَا مِن كُلِّ أُمَّةٍ بِشَهِيدٍ وَجِئْنَا بِكَ عَلَىٰ هَٰؤُلَاءِ شَهِيدًا) [النساء:41]، (لِّتَكُونُوا شُهَدَاءَ عَلَى النَّاسِ وَيَكُونَ الرَّسُولُ عَلَيْكُمْ شَهِيدًا) [البقرة:143]، اللهم صلِّ عليه وعلى آله وصحبه ومن سار في دربه.
فالشاهد أنه ما يكون حجة، فكان من حكمة إنزال الكتب وإرسال الرسل: إقامة الحجة. ولهذا حتى لما أرسل موسى وهارون إلى فرعون قال: (فَقُولَا لَهُ قَوْلًا لَّيِّنًا لَّعَلَّهُ يَتَذَكَّرُ أَوْ يَخْشَىٰ) [طه:44]، استنفدوا الوسائل لهدايته، وهو يعلم أنه لا يهتدي، لكن أقام الحجة عليه. وجاءوا كلموه: (هَل لَّكَ إِلَىٰ أَن تَزَكَّىٰ * وَأَهْدِيَكَ إِلَىٰ رَبِّكَ فَتَخْشَىٰ * فَأَرَاهُ الْآيَةَ الْكُبْرَىٰ * فَكَذَّبَ وَعَصَىٰ * ثُمَّ أَدْبَرَ يَسْعَىٰ * فَحَشَرَ فَنَادَىٰ * فَقَالَ أَنَا رَبُّكُمُ الْأَعْلَىٰ * فَأَخَذَهُ اللَّهُ نَكَالَ الْآخِرَةِ وَالْأُولَىٰ) [النازعات:18-25]، (لِئَلَّا يَكُونَ لِلنَّاسِ عَلَى اللَّهِ حُجَّةٌ بَعْدَ الرُّسُلِ) [النساء:165].
"ومن يمتثل فهو كافرٌ، فحكمة أمره أو نهيه ظهور الامتحان: هل يطيع العبد أم لا؟ فيظهر حينئذٍ من له استعداد القبول فيكون مسلمًا، ومن لا فيكون كافرًا. إذ الشقاوة والسعادة لا بد فيهما، ولا يتحققان إلا بالطاعة والعصيان بعد الأمر الإلهي". جعلنا الله من المؤمنين الطائعين خواص الذين آمنوا وعملوا الصالحات.
"يتحققان إلا بالطاعة والعصيان"، يعني: الطائع والعاصي ما يتحققان إلا بعد الأمر الإلهي، من دون أمر إلهي كيف يكون هذا طائع؟ من دون نهي كيف يكون هذا عاصي؟ ولكن بأمره ونهيه، كان هذا طائع وهذا عاصي، فهذا من حكمة الأمر والنهي.
وصَوْني لأفعالي عن العبث اقتضى *** خطابي، ومن لم يمتثل فهو كافر
إلى أن قال: -رضي الله عنه-.
"الفرق بين الإرادة والأمر:
واعلم أن الذي قرّره علماء الدين من الشافعية أن الإرادة تباين الأمر، فليست عينه ولا مستلزمةً له.
- فقد يريد ويأمر، كإيمان من عَلِم الله وقوع الإيمان منهم، فإنه تعالى أراده منهم وأمرهم.
- قد لا يريد ولا يأمر، كالكفر من هؤلاء، فإنه تعالى لم يرِده منهم ولم يأمرهم به.
- وقد يريد ولا يأمر، كالكفر الواقع ممن عَلِمَ الله عدم إيمانهم وكالعاصي، فإنه أراد ذلك ولم يأمره.
- وقد يأمر ولا يريد، كإيمان هؤلاء، فإنه أمرهم به ولم يرده منهم، وإنما أمرهم به مع كونه لم يرده منهم لحكمة يعلمها -سبحانه وتعالى- (لَا يُسْأَلُ عَمَّا يَفْعَلُ).
فالأقسام أربعة، ومن هذا الباب قول ابن الفارض -قُدِّسَ سرُّهُ العزيز-:
فلا عبثٌ والخلقُ لم يُخلقوا سُدى *** وَإِنْ لَمْ تَكُنْ أَفْعَالُهُمْ بِالسَّدِيدَةِ
على سِمَةِ الأسماءِ تجري أمورهم *** وحِكْمَةُ وَصْفِ الذَّاتِ لِلْحُكْمِ أَعْطَتِ
يصرفهم في القبضتين وَلَا وَلَا *** فقبضة تنعيم وقبضة شقوةِ
يريد أنه لا عبث في الوجود، وإنه لم يخلق شيئًا لغير حكمة، وإن الحكمة الإلهية اقتضت وجود أرباب السعادة وأرباب الشقاوة، وإن لم يكونوا على ما هم عليه.
ومقتضى الكمال ظهور آثار الجمال والجلال، والكل بمشيئة الله وإرادته تعالى تتعلق بالخير والشر، خلافًا للمعتزلة القائلين بأن إرادة الله لا تتعلق بالشرور.
وحُكي أن القاضي عبد الجبار الهمذاني دخل على الصاحب بن عباد، وعنده الأستاذ أبو إسحاق الإسفراييني. فلما رأى الأستاذ قال: "سبحان من تنزّه عن الفحشاء". فقال الأستاذ: "سبحان من لا يجري في ملكه إلا ما يشاء". فقال عبد الجبار: "أرأيت إن منعني الهدى وقضى عليّ بالردى، أحسن إلي أم أساء؟". فقال الأستاذ: "إن منعك ما هو لك فقد أساء، وإن منعك ما هو له فهو يختصّ برحمته من يشاء". انتهى.
هل يُنسب الشر إلى الله؟
اختلف العلماء في جواز نسبة فعل الشرور والقبائح إليه تعالى.
والراجح جواز ذلك في مقام التعليم لا في غيره.
وهذا الخلاف جار أيضًا في نسبة الأمور الخسيسة لله تعالى.
والأصح الجواز في مقام التعليم لا في غيره، فلا يجوز أن يقال الله خالق القردة والخنازير، وسبحان من رزق الهدهد، ومن دبب الشوك، إن لم يكن في مقام التعليم.
ومع أن الفعل خيره وشره من الله تعالى، فالأدب أن لا يُنسب إليه إلا الحَسَن، فيُنسب الخير لله، والشر من النفس كسبًا، وإن كان منسوبًا لله إيجادًا، قال الله تعالى: (مَّا أَصَابَكَ مِنْ حَسَنَةٍ فَمِنَ اللَّهِ ۖ وَمَا أَصَابَكَ مِن سَيِّئَةٍ فَمِن نَّفْسِكَ) [النساء:79]؛ أي: كسبًا، كما يفسره قوله تعالى: (وَمَا أَصَابَكُم مِّن مُّصِيبَةٍ فَبِمَا كَسَبَتْ أَيْدِيكُمْ) [الشورى:30]. وأما قوله تعالى: (قُلْ كُلٌّ مِّنْ عِندِ اللَّهِ) [النساء:79] فرجوعٌ للحقيقة.
يقول: أن الإرادة تختلف عن الأمر، فقد يريد ما لا يأمر به، وقد يأمر بأمر لا يريده، وقد يأمر ويريد، وقد لا يأمر ولا يريد.
فهكذا…
قال: "يريد ويأمر"
أمر بالإيمان، فكل من علم منهم قبول الإيمان واختياره أراده منه، فهو أمر وهو أراد.
وأما الكفر من هؤلاء المؤمنين الذين سبقت لهم سابقة السعادة، فلم يأمرهم بالكفر ولم يرده منهم أيضًا -لم يرده منهم-.
وكذلك الكفر الذي وقع من الكافرين والعصيان من العاصين، أراده الله منهم ولكن لم يأمرهم، حاشا أن يأمرهم بالكفر، فلا يأمر بالكفر ولا يرضاه.
ويأمر بالإيمان والطاعة ويرضى بذلك، رضاه تَبَعٌ لطاعته، وكذلك سخطه مَنُوط بمعصيته -جل جلاله-، كما قال: (إِن تَكْفُرُوا فَإِنَّ اللَّهَ غَنِيٌّ عَنكُمْ ۖ وَلَا يَرْضَىٰ لِعِبَادِهِ الْكُفْرَ ۖ وَإِن تَشْكُرُوا يَرْضَهُ لَكُمْ)[الزمر:7]. وقد أمرنا بالشكر دون الكفر.
كإيمان الكفار والفجار، أمرهم بالإيمان وعلم أنهم لا يختارونه ولا يقبلون عليه ولا يرتضونه ولا يقبلونه، فقد أمرهم بذلك ولم يرده منهم -جل جلاله-، إنما أمرهم به مع كونه لم يرده منهم لحكمة، لأنه حكيم -جل جلاله-. (رُّسُلًا مُّبَشِّرِينَ وَمُنذِرِينَ لِئَلَّا يَكُونَ لِلنَّاسِ عَلَى اللَّهِ حُجَّةٌ بَعْدَ الرُّسُلِ) [النساء:165] (أَن تَقُولُوا مَا جَاءَنَا مِن بَشِيرٍ وَلَا نَذِيرٍ ۖ فَقَدْ جَاءَكُم بَشِيرٌ وَنَذِيرٌ)[المائدة:19].
"فلا عبثٌ والخلقُ لم يُخلقوا سُدى *** وَإِنْ لَمْ تَكُنْ أَفْعَالُهُمْ بِالسَّدِيدَةِ
على سِمَةِ الأسماءِ تجري أمورهم *** ………………………"
سِمة الأسماء؛ أسماء الله تعالى وصفاته، الهادي، المضل، الخافض، الرافع، المعز، المذل. "على سمة الأسماء تجري أمورهم"؛ يذل هذا ويعز هذا، (قُلِ اللَّهُمَّ مَالِكَ الْمُلْكِ تُؤْتِي الْمُلْكَ مَن تَشَاءُ وَتَنزِعُ الْمُلْكَ مِمَّن تَشَاءُ وَتُعِزُّ مَن تَشَاءُ وَتُذِلُّ مَن تَشَاءُ ۖ بِيَدِكَ الْخَيْرُ ۖ إِنَّكَ عَلَىٰ كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ * تُولِجُ اللَّيْلَ فِي النَّهَار وَتُولِجُ النَّهار) [آل عمران:26-27]، كله تحت قدرتك وإرادتك. وهكذا، ترفع وتخفض، وتسعد وتشقي، وتعافي وتمرِض، وتهدي وتضل، وتصلح من شئت وتفسد من شئت، لا إله إلا أنت.
فهكذا.. الأمر أمره -سبحانه وتعالى-. وقال تعالى: (أُولَٰئِكَ الَّذِينَ لَمْ يُرِدِ اللَّهُ أَن يُطَهِّرَ قُلُوبَهُمْ) [المائدة:41]، فلهذا ما يَطَّهَّرون ولا يُقبِلُون، الآيات أمامهم والدلائل أمامهم، ولكن ما يُقبِلون.
قال: "مقتضى الكمال ظهور آثار الجمال والجلال، والكل بمشيئة الله" -تبارك وتعالى-. لا عبث.
على سمة الأسماء تجري أمورهم *** وحكمة وصف الذات للحكم أعطت
كما قال الشافعي:
عَلَى ذَا مَنَنْتَ وَهَذَا خَذَلْتَ *** وَهَذَا أَعَنْتَ وَذَا لَمْ تُعِنْ
في أبياته يقول يخاطب الله -تعالى-:
فَمَا شِئْتَ كَانَ وَإِنْ لَمْ أَشَأْ *** وَمَا شِئْتُ إِنْ لَمْ تَشَأْ لَمْ يَكُنْ
خَلَقْتَ الْعِبَادَ عَلَى مَا أَرَدْتَ *** فَفِي الْعِلْمِ يَجْرِي الْفَتَى وَالْمُسِنّ
عَلَى ذَا مَنَنْتَ وَهَذَا خَذَلْتَ *** وَهَذَا أَعَنْتَ وَذَا لَمْ تُعِنْ
لا إله إلا هو، والأمر له.
قال: "يُصَرِّفهم في القبضتين". فإن الله -تعالى- لمّا خلق الخلق في عالم الذر قبض قبضةً وقال: هؤلاء إلى الجنة ولا أبالي، وقبض قبضةً فقال: وهؤلاء إلى النار ولا أبالي.
يصرفهم في القبضتين وَلَا وَلَا *** ………………….
لا لهذا ولا لهذا، إرادة مع إردته.
…………………….. *** فقبضة تنعيم وقبضة شقوةِ
لا إله إلا الله. اللهم اجعلنا من أهل النعيم السعداء، ولا تجعل فينا شقيًا ولا محرومًا ولا معذبًا، يا الله.
"يريد أن لا عبث في الوجود، ولم يخلق شيئاً لغير حكمة". وأن الحكمة هي التي اقتضت "وجود أرباب السعادة وأرباب الشقاوة، وإن لم يكونوا على ما هم عليه. ومقتضى الكمال ظهور آثار الجمال والجلال، والكل بمشيئة الله." -تبارك وتعالى-.
والكل بمشيئته فهي "تتعلق بالخير والشر، خلافًا للمعتزلة القائلين بأن إرادة الله لا تتعلق بالشرور."، إنما يريدها الخلق. فكأن الخلق يفرضون على الله شيء! والله أعلى من ذلك وأكبر.
أرادوا تنزيه الله تعالى عن الظلم، فأوقعوه في العجز، فنسبوه إلى العجز، فكأن هؤلاء العصاة والكفار على رغمه - حاشا الله- على كُرهٍ منه يعصونه، وهو أجل من ذلك، وأكبر.
وحتى لو كان رئيس أو ملك من الرؤساء وملوك الدنيا، ما يرضى بمملكة ولا دولة أكثر من فيها يخالفون أمره، عاده يريد إيش في المُلك وهم خارجين عن أمره! فما يرضى بهذا الملك حتى ملك مخلوق، وهذه المملكة أكثر الناس فيها كفار ومشركين! والملك هو الله -تبارك وتعالى-، فما يكون شيء من دون إرادته، وحاشاه من أن يكون.
وكما ذكر لكم في مناظرة عبد الجبار الهمذاني لأبي إسحاق الإسفراييني -عليهم رضوان الله تعالى-.
"والكل بمشيئة الله وإرادته تعالى تتعلق بالخير والشر، خلافًا للمعتزلة القائلين بأن إرادة الله لا تتعلق بالشرور". أرادوا إيش؟ أرادوا تنزيه الحق -تعالى-، وهو منزه عن الظلم، وقالوا: لا تتعلق إرادته بالشرور. فبإرادة من إذًا تتعلق؟ الخلق! فالخلق صاروا حاكمين على ال…، يفعلون ما لا يريد -سبحانه وتعالى-، فيصير عاجز، وهو أجل من ذلك وأكبر.
وهكذا سمعت في هذه الحكاية، القاضي عبد الجبار الهمذاني كان معتزلي، كان يرى هذا الرأي، وأن الله -تعالى- ما يريد الشر، إنما يريد الخير -لاإله إلا الله- فإذا أثبتوا إرادته للخير -سبحانه وتعالى-، فكيف يثبتون للطائعين ثوابًا وهو الذي وفقهم بإرادته هو لا بإرادتهم، هو الذي هربوا منه يثبتون للعصاة والكفار عذاب، يقولون: ما يثبت العذاب إلا هو بإرادتهم دون إرادته.
إذًا؛ ما دام ينتفي العذاب لو أراد، فينتفي الثواب لو أراد! ما دام إرادته تنفي المسؤولية عن المراد من الخلق، خلاص لا ثواب ولا عقاب يقع، لأنه كله بإرادة الله!، فالكل بإرادة الله، والثواب قائم لأهل الطاعة والعقاب قائم لأهل المعصية. فلا إرادته لطاعة الطائعين تحرمهم الثواب، ولا إرادته لعصيان العاصين تمنعهم عن العقاب.
لكلًٍ ما اكتسب، (لَهَا مَا كَسَبَتْ وَعَلَيْهَا مَا اكْتَسَبَتْ) وكون إرادته حاكمة للكل لا تُعفِي هؤلاء عن الثواب، ولا تُخلص هؤلاء من العقاب، (لَهَا مَا كَسَبَتْ وَعَلَيْهَا مَا اكْتَسَبَتْ) [البقرة:286].
فهذا أبو إسحاق الإسفراييني لما كان جالس عند الأمير هذا الصاحب بن عباد، ولما دخل عبد الجبار الهمذاني وشاف هذا من علماء السنة، أراد يُعرِّض بمسألتهم هذه، قال: "سبحان من تنزّه عن الفحشاء!" و كذلك حتى أهل السنة كلهم يقولون: تنزه عن الفحشاء، لكن بتفسيرهم هم أنه ما يريد الشر، هذا ما هو صحيح.
فأجابه أبو إسحاق الإسفراييني: "سبحان من لا يجري في ملكه إلا ما يشاء". قال: -ما ذكرها هنا-، قال له: أوَ يريد ربنا أن يُعصى؟ يقول الهمذاني: أوَ يريد ربنا أن يُعصى؟ قال له أبو إسحاق: أفيُعصى ربنا قهرًا؟! بالقوة يعني يغالبون الله -تعالى- يكون تحت قهرهم؟! قال: "أرأيت إن منعني الهدى، ولقّاني الردى" -قضى علي بالردى-، "أحسن إلي أم أساء؟" فقال له -الآن هذه حججهم- فجاوب عليه، قال له: إن منعك ما هو لك، -شي ملك لك أنت منعك هو منه- "فقد أساء إليك"، وإن منعك ما هو له فله أن يفعل في ملكه ما يشاء. إيش لك من دخل أنت، متى يكون مسيء؟! حاشاه أن يكون مسيء!.. قال: "إن منعك ما هو لك فقد أساء إليك، وإن منعك ما هو له يختص برحمته من يشاء". فما عاد عرف إيش يقول المعتزلي سكت ساكت، كلما أراد يعرّض بحجة لهم جاوب عليه.
فالحق -تعالى- قدّر كل شيء، وقضى كل شيء، وماهو بظلام للعبيد، وكل نفس لها ماكسبت وعليها مااكتسبت -سبحانه وتعالى- والكل تحت إرادته.
أما أحد يقهره أو يخرج عن إرادته حاشاه، ما عاده رب هذا، كيف ذا رجع؟ وإيش من رب هذا؟ على رغمه يعملون! (وَمَا كَانَ لِنَفْسٍ أَن تُؤْمِنَ إِلَّا بِإِذْنِ اللَّهِ )[يونس:100]. وقال على الكفار ومايفعلونه: (وَلَوْ شَاءَ رَبُّكَ مَا فَعَلُوهُ) [الأنعام:112]. لوشاء ربك مافعلوه، لكنه شاء أن يفعلوا؛ أن يختاروا لأنفسهم هذا، ويحق عليهم الخزي والغضب، والعذاب، والنار، وكله بمشيئته، أما يخرج شيء عن مشيئته فحاشاه أن يكون عاجزًا -سبحانه وتعالى-، أو أن أحد يتحكم في مملكته وفي أمره دون ما يريد -سبحانه وتعالى-، (إِنَّهُ هُوَ يُبْدِئُ وَيُعِيدُ * وَهُوَ الْغَفُورُ الْوَدُودُ * ذُو الْعَرْشِ الْمَجِيدُ * فَعَّالٌ لِّمَا يُرِيدُ) [البروج:13-16] جل جلاله.
قال: فهل يُنسب فعل الشرور إلى الله والقبائح؟
يقول:
وهو كله من عنده..
والخلق خلق الله -تعالى-، فالله خالق كل شيء.
يقول: إذًا، تقول: خالق الذباب وخالق ال…، من باب التعليم أنه خالقها، نعم نذكر ذلك.
ولكن إذا ذكرناه من دون وقت التعليم للمتعلم، نقول: خالق السماوات، خالق الأرض، خالق الملائكة، نذكر الأشياء العظيمة التي خلقها، أدبًا معه، وهو خالق كل شيء -جل جلاله وتعالى في علاه-.
وهكذا… وكما أن أي إنسان تحترمه إذا ذكرت ما يملكه وما يحمله، تذكر الأشياء الرفيعة التي يملكها، يملك القصور، يملك السيارة، يملك الـ…، وبعدين تجيء تقول يملك الأمعاء الدقيقة والأمعاء الغليظة، تقول له كذا؟! تقول له يملك البراز والمخاط! وهو هذا واقع فيه أم غير واقع؟! واقع؛ لكنه ما تتحدث عنه، هذا ما يليق فكذلك مع الرحمن -جل جلاله-، لا تذكر إلا ما هو أليق به.
وهكذا نرى سيدنا الخضر -عليه السلام- مع سيدنا موسى لما يتكلم وسأله عن الحوادث التي حدثت،
ذي قال: أردت أن اعيبها وذي قال: (فَأَرَادَ رَبُّكَ أَن يَبْلُغَا أَشُدَّهُمَا وَيَسْتَخْرِجَا كَنزَهُمَا رَحْمَةً مِّن رَّبِّكَ ۚ وَمَا فَعَلْتُهُ عَنْ أَمْرِي) [الكهف:79-82]. -سبحانه- إذًا فهكذا يجب أدب الخلق مع ربهم.
وأما في باب التعليم، نعم يقال: هو خالق كل شيء، خلق الذر وخلق النمل وخلق الحشرات، وخلق كل شيء، وخلق الخير وخلق الشر، وهكذا.
قال: ومع أن الفعل خيره وشره من الله تعالى، فالأدب أن لا يُنسب إليه إلا الحَسَن، فيُنسب الخير لله، والشر من النفس كسبًا "(مَّا أَصَابَكَ مِنْ حَسَنَةٍ فَمِنَ اللَّهِ ۖ وَمَا أَصَابَكَ مِن سَيِّئَةٍ فَمِن نَّفْسِكَ وأَرْسَلْنَاكَ لِلنَّاسِ رَسُولًا ۚ وَكَفَىٰ بِاللَّهِ شَهِيدًا) [النساء:79]." ومع ذلك قال: (قُلْ كُلٌّ مِّنْ عِندِ اللَّهِ)؛ أي: الخلق والإيجاد من عند الله، "(وَمَا أَصَابَكُم مِّن مُّصِيبَةٍ فَبِمَا كَسَبَتْ أَيْدِيكُمْ وَيَعْفُو عَن كَثِيرٍ)[الشورى:30]."
رضي الله عنكم:
[شرح البيت الثامن]
جسُومٌ وأعْراضٌ تلوحُ وتختَفِي *** ومَا هيَ للمحبُوبِ إلا سَتائِرُ
قوله: "جسومٌ وأعراض"، إلخ. والمراد بهما: العالم كله، إذ هو منحصرٌ في الأجسامِ، أي: الأجرام. وفي الأعراضِ.
والجسم: ما أخذ قدرًا من الفراغ، والعَرَض: ما قام بغيره كالظل والحركة والسكون والألوان القائمة بالأجرام والاجتماع والافتراق.
وقوله: "تلوح وتختفي" صفةٌ للأعراض، أي تظهر تارة وتختفي تارة أخرى. والمراد أنها تتغير من عَدَمٍ إلى وجود، ومن وجودٍ إلى عَدَم.
هذه صفات لازمة للأعراض، ويُستدل بذلك على حدوثها، وحدوث الأجرام الملازمة للأعراض استدلالًا على وجود الصانع الحكيم، إذ الحادث لابد له من مُحدِث.
قوله: "وما هي للمحبوب" إلى آخره، الضمير في قوله "وما هي" راجعٌ للجسوم والأعراض المنحصر فيهما العالم، أي ليست هي إلا ستائر، أي حواجب للمحبوب. ففي كتاب "جامع الأصول" ما نصه: "والستائر هي صور الأكوان لأنها مظاهر الأسماء الإلهية تُعرف من خلفها" انتهى.
من خلف صور الأكوان.. تُعرف مظاهر الأسماء والصفات.
ولعل تسمية صور الأكوان بالستائر عند الصوفية كونها تحجب العبد عن الوصول إلى مقام الشهود. إذ الناس عند نظرهم للأكوان لا يشهدون إلا هي دون مُكوِّنها، وهو المحبوب الحقيقي.
ولذا قال: "وما هي للمحبوب إلا ستائر"؛ أي: ليست هذه الجسوم والأعراض إلا ستائر، بمعنى حاجبة العبد عن الشهود، فلا وصول إليه إلا لمن لم يَرَ للأكوان وجوداً. والحجاب إنما هو في شهود الأكوان. وإلى هذا أشار بعضهم بقوله:
مَنْ أَبْصَرَ الْخَلْقَ كَالسَّرَابِ *** فَقَدْ تَرَقَّى عَنِ الْحِجَابِ
لا إله إلا الله وحده لا شريك له. رزقنا صدق الإقبال عليه، وإخلاص القصد لوجهه الكريم، اللهم آمين. ولا حجبنا بأنفسنا، ولا بشيء من هذه الكائنات والمخلوقات، فإنّها تستوقف النّاس، تستوقف الناس فتتحول إلى حُجُب لهم؛ ستائر تستر عنهم أمر ما خلفها.
وخلفها: قدرة القادر، وإرادة المريد، خَلق الخالق، تكوين المكوّن، عظمة المبدع -جلّ جلاله وتعالى في علاه- هذا خلف كلّ ذرة من ذرات الكون.
كل ذرة من ذرات الكون خلفها:
خلف كل ذرة من ذرات الكون هذا تدلّ عليه -لا إله إلا الله-.
ولكن أكثر النّاس يقفون عندها، وينحجبون بها، فإذا وقف الفكر عندها، ونسي النّاظر إليها من المكلّفين أنّها مخلوقة، ومصنوعة، ومكوّنة، ومقهورة، صارت حجابًا بينه وبين إدراك الحقيقة، وبين شهوده للرب، وبين قربه من الرب -سبحانه وتعالى-. وإذا تذكّر، واستشعر، أنّما هي مكوّنة، ومخلوقة، ومقهورة للإله، صارت بعد في هذا سبب لزيادة إيمانه ويقينه، فتصير كالمرآة؛ المرآة الصافية ما تحجب ما وراءها، فيتحوّل الكون كمرآة، المرآة يُرى ما خلفها، المرآة الصافية تشوف ما خلفها، بكن الجدار ما تشوف أيش وراه.
فهذه الأكوان:
وفي كل شيء له آيةٌ *** تدلّ على أنّه الواحد
جلّ جلاله.
قال: "جسوم وأعراض"، هذا العوالم الدنيا، وعوالم الخلق، "تلوح وتختفي"، تظهر وتغيب، "وما هي للمحبوب إلا ستائر"، صور الأكوان ساترة للغافلين عن عظمة المكوّن.
"جسوم وأعراض"، بما العالم كله الذي هو منحصر في الأجسام، والأجرام والأعراض. فجميع الأجسام والأعراض هي العالم، يسمونه:
الأجسام والأعراض؛ هي عالم الملك وعالم الحس وعالم الصور وعالم الأجسام.
لكن وراءها ما هو أخفى من ذلك وأعظم، مثل الروح. الروح لا هي جسم ولا عرض؛ جوهر لطيف.. لا إله إلا الله. فهكذا تأتي المعاني، فهذا عالم الروح والمعنى، يُقال له:
ما هو بعالم الملك وعالم الصور.
أما هذه الكائنات، منها العرش والكرسي والسماوات من حيث أجرامها.. كلها من عالم المُلك. أما المعاني التي فيها فهذا عالم الملكوت. -لا إله إلا الله- ما لا يدرك بالحواس الخمس من عالم الملكوت. م قال الله كذلك نري إبراهيم مُلك السموات والأرض، ولكن قال: (وَكَذَٰلِكَ نُرِي إِبْرَاهِيمَ مَلَكُوتَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ) [الأنعام:75]؛ غيبياتها ومعانيها وأرواحها، وما تدل عليه.
ولهذا ما قال: انظروا السماوات والأرض، قال: (قُلِ انظُرُوا مَاذَا فِي السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ ۚ) [يونس:101]؛ ننظر إليها نستدل بها، ما هو أن ننظر إليها نقف عندها. وأكثر الخلق واقفين مع الخَلق، لهذا يُقال: ما أهلك الناس إلا الناس! لا إله إلا الله...
قال: "تلوحُ وتختَفِي"، وهذا من سمات الحادثات أنها تروح وتجيء وتغرب وتظهر، وتتقلب أحوالها، هذا علامة حدوثها. قال: "العالم كله، إذ هو منحصرٌ في الأجسامِ، أي: الأجرام. وفي الأعراضِ. والجسم: ما أخذ قدرًا من الفراغ، والعَرَض: ما قام بغيره".
كالظل عرض والعود والشجرة جسم، والظل عَرَض للجسم، ما يقوم الظل وحده إلا بالجوهر. والحركة والسكون أيضًا من الأعراض التي تتعلق بالأجسام، والألوان القائمة بالأجرام لونه كذلك عَرَض، "والاجتماع والافتراق."
"وقوله: "تلوح وتختفي" صفةٌ للأعراض، أي تظهر تارة وتختفي تارة أخرى. والمراد أنها تتغير من عَدَمٍ إلى وجود، ومن وجودٍ إلى عَدَم.
هذه صفات لازمة للأعراض"، وهو دليل على حدوثها. "وحدوث الأجرام الملازمة للأعراض استدلالًا على وجود الصانع الحكيم، إذ الحادث لابد له من مُحدِث."
وهكذا جميع الكائنات متقلبة متغيرة، دليل على حدوثها. والمُحْدِث هو الحي القيوم الذي لا يتحول ولا يتبدل ولا يتغير؛ ليس كمثله شيء. كان قبل أن يخلق السماوات والأرض، وهو على ما عليه كان، لا يتغير ولا يتبدل.
الحمد لله القديم الأوّلِ *** الآخر الباقي بلا تحوّل
ما يتحول من حال إلى حال. يُحَوِّل ولا يتحول، يُغَيِّر ولا يتغير.
وهكذا قال: " "وما هي للمحبوب"، الضمير في قوله "وما هي" راجعٌ للجسوم والأعراض"، وما هي للمحبوب؛ أي لله الحق "إلا ستائر".ليست هي إلا ستائر، أي حواجب للمحبوب".
"والستائر هي صور الأكوان لأنها مظاهر الأسماء الإلهية تُعرف من خلفها". "ولعل تسمية صور الأكوان بالستائر عند الصوفية كونها تحجب العبد عن الوصول إلى مقام الشهود. إذ الناس عند نظرهم للأكوان لا يشهدون إلا هي دون مُكوِّنها"، والمكون هو المحبوب، "هو المحبوب الحقيقي" جل جلاله.
"ولذا قال: "وما هي للمحبوب إلا ستائر"؛ أي: ليست هذه الجسوم والأعراض إلا ستائر، بمعنى حاجبة العبد عن الشهود، فلا وصول إليه إلا لمن لم يَرَ للأكوان وجوداً."؛ يعني: لم يقف عندها وقوف من يرى لها استقلالاً، بل لا يراها إلا مجرد مملوكة مخلوقة مصنوعة، فسبحان الصانع المالك الخالق جل جلاله.
"والحجاب إنما هو في شهود الأكوان." . لهذا يقول: غُض بصرك عن الكون، ترى عظمة الله تعالى! جل جلاله.
مَنْ أَبْصَرَ الْخَلْقَ كَالسَّرَابِ *** فَقَدْ تَرَقَّى عَنِ الْحِجَابِ
ثِق بمَوْلاكَ فِي جَمِيعِ الأُمُورِ *** وَاحْسِبِ النَّاسَ كُلَّهُمْ فِي الْقُبُورِ
من يرجع للقبر فهو في القبر خلاص.. حسبهم أنهم قد فنوا كلهم. فالكائنات كلها لا وجود لها ذاتي من أصلها أصلا. فلا ينبغي إلا أن تكون مطية لك، تقربك إلى بارئك، وتزيد من تعظيمك له، ومن معرفتك بجلاله وكبريائه وكماله وجماله سبحانه وتعالى.
(أَلَمْ نَجْعَلِ الْأَرْضَ مِهَادًا * وَالْجِبَالَ أَوْتَادًا * وَخَلَقْنَاكُمْ أَزْوَاجًا * وَجَعَلْنَا نَوْمَكُمْ سُبَاتًا * وَجَعَلْنَا اللَّيْلَ لِبَاسًا * وَجَعَلْنَا النَّهَارَ مَعَاشًا * وَبَنَيْنَا فَوْقَكُمْ سَبْعًا شِدَادًا) [النبأ:6-11]. محكمة الصنع قوية، سبع سماوات، حد يعمل لها صيانة؟ على مر ألوف السنين، ماشي صيانة لها! أيش يمسكها هذه الفترة كلها؟! لا إله إلا الله...
مخلوقات الخلق لابد بعد كل وقت ووقت صيانة، وبعدين يجيء شيء أحسن منها وتبطل تروح، هذه هي ثابتة سماوات وأرض من أيام أبوك آدم إلى اليوم وإلى أن تقوم الساعة، ما تحتاج تبديل ولا تغيير.
والكواكب فوقنا بالملايين، ولا واحد منها يحتاج صيانة ولا تعديل ولا… صيانة أيش! هذا الذي بيصلح صيانة لو وقعت فوقه بيعرف.. ما يقدر على شيء! لا إله إلا الله…
وهكذا يقول:
وخلفَ حجاب الكَون ما أنتَ طالبٌ *** ……………………….
لا تقف عند شيء من حجب الكون هذه، فإن الذي تطلبه من قربك ومعرفتك به، ورضاه عنك، ومحبتك له.. كله وراء حجاب الكون.
وخلفَ حجاب الكَون ما أنتَ طالبٌ *** ومن لفظَة المقهُور يلزَم قاهرُ
هذا البيت أيضًا يؤكد ما قبله.
يا كريم خذ بأيدينا إليك أخذ أهل الفضل والكرم عليك.
ما يتعلق بطلب السعادة والاستعاذة بالله من الشقاوة مطلوب من المؤمن وواجب عليه، وإن كان الأمر كما هو في الأزل، فإنه لا يُطلب منه تغيير ما في الأزل، ولكن يُطلب منه سبحانه وتعالى أن يجعله ممن سُعِد في الأزل بطلبه السعادة.
وهذا التغيير الذي يبدو في صحف الملائكة يسمى ألواح المحو والإثبات، لأن من حكمة الله تعالى:
وذلك بأن يسبق في الأزل مثلاً أن عمر فلان أربعين سنة، ولكن يكون من الأسباب التي يرتب الله أن يجعل له هذا العمر اكتسابه لسيئات معينة لا يتجاوز عمره هذا العمر. فينزل في صحف الملائكة عمر ستين وسبعين، لأنه في حِكمة الله أنه لو لم يفعل هذه الأفعال كان بيصل إلى الستين أو إلى السبعين ويُمتَّع به في الدنيا.
ثم تمر الأيام، يبدأ يعمل السيئة فينقص من عمره بالنسبة لما عند الملائكة، وإلا هو أصلاً في الأزل يموت شاب في الأربعين، وحتى يستكمل السيئة فيعود إلى أربعين؛ فإذا بأجله صار أربعين، وهو هو المكتوب في الأزل هذا، لكن بالنسبة لما في الصحف تبدّل وتغيّر.
وقد أحيانًا ينزل إليهم أن عمره أربعين مثلاً، وهو قد عَلِم في الأزل أنه يعمل من الصالحات ما يطول به العمر من مثل صلة الأرحام، ومثل إنقاذ الهلكى والمحتاجين، وما إلى ذلك. فيصير في صحف الملائكة أنه أربعين. ويبدأ في الصالحات، فإذا بعمره يزيد، ما زاد على ما سبق في علم الأزل هو هو سبعين. لكن حكمته يؤخر ظهور الزيادة والنقصان على قيام الأعمال ليعلم الملائكة وغيرهم أن هذه أسباب رتّبها في زيادة عمره أو في نقصه بالنسبة لما يظهر لهم. أما لما سبق في علمه، لا شيء يتغير ولا يتبدل.
فيجب على المؤمن أن يسأل من ربه السعادة، ويسأل من ربه الدرجات العلى من الجنة، ويسأل من ربه التوفيق وما إلى ذلك. والأمر أمره، كما قال ﷺ في تعليمنا الأدب مع الله، أنه لا يقول: اللهم اغفر لي إن شئت، اللهم ارحمني إن شئت، فإنه لا مُكْرِهَ له، "لِيَعْزِمْ أَحَدُكُمْ الْمَسْأَلَةِ"، أنت عبد ذليل تطلب، اعزم في المسألة وهو يقضي ما يشاء جل جلاله. ما عاد يحتاج تقول له إن شئت إن شئت! فإنه لا يكون إلا ما شاء جل جلاله. اللهم اغفر لنا وارحمنا وأسعدنا ورقِّنا أعلى مراتب السعادة يا رحمن يا أكرم الأكرمين.
ومن بديع أيضاً ما في ذلك من الحِكَم أنه ما يُسَلِّط في الغالب على قلب عبد من عباده المؤمنين طلب شيء، إلا وهو قد سبق له في الأزل أنه يعطيه إياه، فيجعل إلحاحه عليه وطلبه إليه سبب من الأسباب وهو قد سبق في الأزل، وسبق في الأزل من الحكمة أنه يلح عليه بكذا ويكثر سؤاله من كذا، فيعطيه كذا وكذا. وبهذا قال له:
لَوْ لَمْ تُرِدْ نَيْلَ مَا أَرْجُو وَأَطْلُبُهُ *** مِنْ فَيْضِ فَضْلِكَ ما ألهمتني الطَّلَبَا
فإذا قذف في قلب المؤمن طلب شيء، فليُلّح على الله به، فإنه في الغالب ما قذفه في قلبه إلا وهو يريد أن يعطيه إياه. اللهم لا تحرمنا خير ما عندك لشر ما عندنا، وزدنا منك زيادة يا أكرم الأكرمين يا أرحم الراحمين.
ما تقدم الكلام عنه من أن وجود الحق واحد، وهو الموجود بذاته وحده لا سواه، نعم.
أما يُطلق من معنى "وحدة الوجود" على معاني كثيرة، فلهذا يقول: هل يصح أن وحدة الوجود مقتضى الأحدية؟
هذا بالنسبة لوجود الحق نعم، واحد، وجوده سبحانه وتعالى واحد. ولكن إطلاق هذا القول يصير عند الغافلين وعند المحجوبين وعند القاصرين في النظر إشكالات كثيرة طويلة عريضة، فلهذا يُتوقَّف عن إطلاق القول لا من حيث المعنى.
فهو ما بيَّنا:
وكذلك القول بـ "وحدة الشهود" أبيَن وأقرب إلى فهم الناس، وأنها مقتضى الواحدية، لا بأس يكون هذا مَرْقى لشهود الأحدية بعد ذلك.
الله لا يحرمنا خير ما عنده لِشَر ما عندنا.
أما هذا الذي يسأل عن أن يطلب إجازة في صيغة الصلاة عليه ﷺ ، ويذكر أن فيها رؤية وإجازة.. لا، هذا المشتهر بين الناس غير صحيح. وإنما بعض أصحابنا الأخيار رأى الحبيب ﷺ يقرأ هذه الصيغة، ورأى بعض الأولياء عنده يقول له إنه أبرز هذه الصيغة في هذا الوقت وفي هذا الزمن ﷺ . فكانت هذه الصيغة، هذا الذي حصل، وأما ما يُذكر غير ذلك فلم يحصل شيء. وهي صيغة صلاة نورك الساري، وهي: "اللهم صلِّ وسلم على سيدنا محمد نورِكَ السَّارِي، ومَدَدِكَ الجَارِي، واجْمَعْنِي به في كل أَطْوَارِي، وعلى آله وصحبه يا نُور".
فلأحبابنا والحاضرين وأهل هذه الدورة الإجازة في ذلك. ويكثرون بحسب ما استطاعوا، والقصد فيها امتثال أمر الله تعالى واتباع سنة النبي ﷺ، وأن تكون بدافع المحبة والشوق والتعظيم.
وفّر الله حظنا منه ومن رسوله ﷺ ومن الصلاة عليه، ومن سِرِّها وبركتها الذي أشار إليه بقوله: "إن أولى الناس بي يوم القيامة أكثرهم علي صلاةً" ﷺ. وقال أيضًا: "من صلى عليّ صلاةً واحدة صلى الله عليه بها عشرا".
اللهم اجعلنا في دائرته، واحضرنا في حضرته، وارزقنا حسن متابعته، وأحيِ فينا سنته وشريعته، واجعلنا من خدامه وخدام شريعته وسنته وما جاء به عنك، وخدام أهل بيته وصحابته، وخدام أمته عامتهم عامة وخاصتهم خاصة، وانفعنا بهم أجمعين.
وارزقنا الاستقامة على منهاجه، والرقي بمعراجه، والاستضاءة بنور سراجه، واحمنا به من الشرور والآفات، وقنا به جميع المحذور والعاهات. واصلح أحوال أمته، واجعلنا في أنفع أمته لأمته، وأبرك أمته على أمته، وانفعنا بأمته عامة وبخاصّتهم خاصة. وأصلح القلوب والقوالب والظواهر والبواطن. وارزقنا حُسن أداء الأمائن، وتولنا في الظاهر والباطن، وامنحنا الرضوان الأكبر، وأصلح لنا ما بطن وأصلح لنا ما ظهر، وأصلح لنا شؤوننا في الدنيا والبرزخ ويوم المحشر وفي دار الكرامة والنظر، وأنت راضٍ عنا. وكما جمعتنا فاجمع لنا الخيرات، وكما جمعتنا فاجعل جمعنا عليك، وكما جمعتنا هنا فاجمعنا في دار الهناء، من غير سابقة عذاب ولا عتاب ولا فتنة ولا حساب ولا توبيخ ولا عقاب، برحمتك.
بِسِرِّ الْفَاتِحَةِ
إِلَى حَضْرَةِ النَّبِيِّ مُحَمَّدٍ، اللهمَّ صَلِّ وَسَلِّمْ وَبَارِكْ عَلَيْهِ وَعَلَى آلِهِ وَصَحْبِهِ
الْفَاتِحَة
22 مُحرَّم 1448