(454)
(10)
(6)
(368)
الدرس الثاني للعلامة الحبيب عمر بن محمد بن حفيظ في كتاب: شرح قصيدة الشيخ عبدالغني النابلسي: (لذاتي بذاتي) للحبيب أحمد بن أبي بكر بن سميط.
مساء السبت 19 محرم 1448هـ
ضمن دروس الدورة الصيفية الثالثة بمعهد الرحمة بالأردن.
ومَرتبَة التَّقْيِيدِ أَظهرت رحمة *** ومرتبة الإطلاقِ أنِّي سَاترُ
وتلك بمخلوق وهذي بخالقٍ *** سَمت وفي التحقيق أين التغايرُ
وأحببْتُ بالتكليف إظهار حِكمَةِ الـ *** ظهورِ وحُكْمِي ما أنا فيه جائرُ
ثم قال مقررًا للحكمة المترتبة على مرتبة التقييد:
ومرتبَةَ التقْييدِ أظهَرتُ رحمةً *** ومرتبةَ الإطلاقِ أنيَ سَاتِرُ
تقدّم أن وجهَ التقييد: كونُه تعالى موصُوفاً بمعاني الأسماء والصفات، باعتبار ظهُورها في الموجودات في الحضْرة الواحِدية، وأن وجْه الإطلاق: كونُه تعالى موصوفاً بمعاني الأسماء والصفات قبل إيجاده الأشياء في الحضرة الأحَدية. فحينئذٍ ليس للموجودات إلا مرتبتان:
- مرتبة التقييد: التي هي باعتبار وجُودِ الموجودات.
- ومرتبة الإطلاق: التي هي باعتبار عدمها.
فأشار الناظم بقوله: "أظهرتُ رحمةً" إلى أن مرتبة التقييد التي لزم منها ظهورُ آثار الأسماء والصفات؛ أظهرها المولى لأجل رحمته، فهي حكمة لا غرَضٌ. لأن أفعاله تعالى منزَّهةٌ عن الغرَضِ. والفرق بين الغرَضِ والحكمَة مذكورٌ في كلامهم، وسيأتي بيانُ ذلك في خلالِ هذه "النبذة".
وقد أشار إلى كلام العارف النابلسي هنا سيدي العارف بالله عبد الرحمن بن مصطفى العيدروس في "شرحه على الصلاة المنسوبة لسيدي أحمد البدوي" بما حاصله: أن سببَ إيجادِ العالم هو الرَّحمانيةُ التي هي عبارةٌ عن ظهُور معاني الأسْماء والصفات. ومما يُوضِّحُ المرادَ كلامُ ابنِ عبَّادٍ فيما يتعلقُ بهذا المقام. ونصُّ عبارته في "شرح الحِكَم".
"ورحمانيتُه تعالى كونهُ رحماناً. والرحمن اسمٌ لله تعالى يقتَضي وجودَ كل شيء، وهو مشتقٌ من الرحمة. والرحمةُ هنا: هي الرحمة العامةُ التي وسعَت كلَّ شيء كما وسع علمُه كل شيءٍ في قوله تعالى مُخبراً عن حملة العرش، إذ قالوا: (رَبَّنَا وَسِعْتَ كُلَّ شَيْءٍ رَّحْمَةً وَعِلْمًا) [غافر:7]، ولذلك دخَلت تحتَ مقتضَى اسمه الرحمنِ جميعُ أسمائه تعالى الإيجادية"، انتهى.
فقد ظهر بهذا الذي قدَّره سيدي عبد الرحمن بن مصطفى معنى كلامِ العارف النابلسي قدّس الله أسرارهما.
قوله: "ومرتبةَ الإطلاق أني ساترُ"
أي: ومرتبة الإطلاقِ المرادُ بها الحضرةَ الأحدية، فمقتضَى اسمِه الساتِر، لأن في تلك الحضرة كانتِ الأشياء في حيِّز السَّتْر.
لا إله إلا الله، به آمنا وعليه توكلنا، ونسأله أن يزيدنا إيمانًا ويقينًا في كل لمحةٍ وفي كل نفس، يا أكرم الأكرمين ويا أرحم الراحمين.
علمنا فيما يتعلق بوجودنا ووجود هذه الأشياء من حوالينا أنها برحمته سبحانه وتعالى ابتدأت، إذ أخرجنا من أدنى شيء وأقل شيء وهو العدم، ولا شيء أقل من العدم، فأخرجنا من العدم إلى الوجود؛ هذا مقتضى الرحمة، فإذا اعتبرنا إيجاده لهذه الموجودات والكائنات سبحانه وتعالى برحمانيته، وكُنا في مرتبة التقييد بما ظهر ووُجِدَ من هذه الموجودات، وكلُّ شيء من هذه الموجودات محدود ومحصور ومقيد متعلق برحمته سبحانه وتعالى، وبالأسماء والصفات التي يقتضيها تكوينُه وتسييره وتدبيره وتطويره في الأطوار كلها جلَّ جلال الله تبارك وتعالى.
وقال في تطويرنا في بطون أمهاتنا جلَّ جلاله: (ثُمَّ جَعَلْنَاهُ نُطْفَةً فِي قَرَارٍ مَّكِينٍ * ثُمَّ خَلَقْنَا النُّطْفَةَ عَلَقَةً فَخَلَقْنَا الْعَلَقَةَ مُضْغَةً فَخَلَقْنَا الْمُضْغَةَ عِظَامًا فَكَسَوْنَا الْعِظَامَ لَحْمًا ثُمَّ أَنشَأْنَاهُ خَلْقًا آخَرَ ۚ فَتَبَارَكَ اللَّهُ أَحْسَنُ الْخَالِقِينَ) [المؤمنون:13-14]:
وبهذا إذا وجَدْتَ مثلاً وجودَ هذا الكتاب بيننا على هذه الطاولة، ففي عالَم الحِس وعالم الأجساد؛ نعلم أنه لا يمكن لهذا الكتاب بحكم ما عرفناه من سنة الله أن يَحضُر بنفسه وسط هذه المائدة، ولكن هناك يد أوصلتها حتى وضعتها في هذا المكان. فإذا تعلَّق نظرنا إلى تلك اليد وجدنا أيضاً هذه اليد مُتعلقة بجسد، ووجدنا حركتها متعلقة بقوة، والقوة في هذا الجسد موضوعة بوضع الله تبارك وتعالى، وجدنا أن لها مُؤثِّر، وهو شأن هذا القلب والإرادة المخلوقة في ذلك الإنسان.
فأنت من حيث النظر على درجات؛ يمكنك أن تقف عند هذا الكتاب وكأن الكتاب هذا موجودٌ بنفسه، وهذا خطأ، فيمكنك أن تنظر للكتاب على إحدى طريقين صحيحين:
فأنت إذا قيل لك هذا الكتاب.. فورًا يرتفع نظرك تقول: اليد التي طرحته؛ فأنت مؤمن بوجود هذا الكتاب، ولكنك لغلَبَة شُهودك أن لا استقلال له ولا اختيار له أن يُوضع، تعلَّقت بالواضع الذي وضع هذا الكتاب واليد التي وضعته، فكأنك لا تشاهد إلا تلك اليد.
فإذا امتدَّ نظرك واتَّسع عقلك، تقول اليد علَّقناها بالجسد، والجسد علَّقناه بقدرة وقوة، والقوة والقدرة علَّقناها بإرادة وسط هذا الجسد من خلال إصدارات أوامر القلب، والقلب مُدَّ نظرك تُحصِّله بيد مُقَلِب.. يا مقلب القلوب والابصار ثبت قلوبنا على دينك.
لا يستطيع أن يُورِد على نفسه الخواطر ولا أن يدفعها، ولا أن يبعث من نفسه مُستقلّاً لإرادات ولا أن يدفعها، وما يُسَلِّط عليه من ذلك هو الذي (يُضِلُّ اللَّهُ مَن يَشَاءُ وَيَهْدِي مَن يَشَاءُ) [المدثر:31] جلَّ جلاله وتعالى في علاه.
فإذا امتدَّ نظرك تمامًا، لا عاد الكتاب ووضعه، ولا عاد اليد التي وضعت، ولا عاد الجسد ولا القوة التي فيه ولا القلب، وإذا بربِّ الأرباب مُسببِّ الأسباب هو الذي بقدرته وإرادته وضع هذا الكتاب في هذا المكان، فذلك الكون كله والوجود كله بهذه المثابة، إنما هو الذي خلقه سبحانه وتعالى.
ليس للأرض أن تخلق نفسها ولا أن تقوم بنفسها، ولا للسماء ولا للعرش ولا للكرسي ولا للجنة ولا للنار… كلها ما شيء منها من نفسها أوجدت نفسها، وكلها فسبحان الموجد الخلّاق.
فإما أن تنظر لها وأنها موجودة بسبب ذلك، وإما أن يغلب على نظرِك وُجود الفعَّال فلا تكاد تُعِد لها استقلالاً من قريب ولا من بعيد في شيء من الوجود؛ فيتعلق قلبك بالموجِد جلَّ جلاله وتعالى في علاه، فهذا ما يتعلق بمرتبة التقييد وما يرتبط بمرتبة الإطلاق.
قال: "تقدَّم أن وجهَ التقييد: كونُه تعالى موصُوفاً بمعاني الأسماء والصفات، باعتبار ظهورها في الموجودات"؛ وهي الأفعال، بخالِقيَّته بإحيائه بإماتته سبحانه وتعالى، رفعهِ خفضه، إعطائه مَنعهِ، إعزازه من يشاء جلَّ جلاله، وإذلاله لمن يشاء جلَّ جلاله، وتظهر في الوجود وتظهر في الكائنات أفعالاً، وهكذا يقول: "فحينئذٍ ليس للموجودات إلا مرتبتان:"
ويختلف النظران:
قال الإمام عبد الرحمن بلفقيه: (وَمَا رَمَيْتَ) طريقةً، (إِذْ رَمَيْتَ) شريعةً، (وَلَٰكِنَّ اللَّهَ رَمَىٰ) حقيقةً، أنت بحكم الطريقة ما رميت؛ لأنك عبد مملوك، (وَاللَّهُ خَلَقَكُمْ وَمَا تَعْمَلُونَ) [الصافات:96]، (إِذْ رَمَيْتَ) شريعة، حملت الحصباء ورميت بها في وجوه القوم، (وَلَٰكِنَّ اللَّهَ رَمَىٰ) حقيقة، هو الذي خلقك وخلق هذا الرمي، هو الذي أوصل هذا سبحانه وتعالى جلَّ جلاله، فهذا هو من معاني هذه الآيات يتحدث عنها العارفون، ويقصُر فَهم الكثير عن إدراك المعنى أو عن مُرادهم بالمعنى فيقعون في كثير من التَّخبُّط.
قال: "ومرتبة الإطلاق باعتبار عدمها"؛ أن الوجود أصله عدم، وهذا ما أشار إليه أيضًا في قوله ﷺ في الحديث صحيح: "أصدق كلمة قالها الشاعر كلمة لبيد: ألا كل شيء ما خلا الله باطل"، هذا حضرة إطلاق، وهذه حضرة تقييد، وجمعت فيها مع هذه الآية: (وَمَا رَمَيْتَ إِذْ رَمَيْتَ وَلَٰكِنَّ اللَّهَ رَمَىٰ)، الإطلاق والتقييد، كله موجود فيها، لا إله إلا الله.
يقول: "فأشار الناظم بقوله: "أظهرتُ رحمةً"، إلى أن مرتبة التقييد التي لزم منها ظهورُ آثار الأسماء والصفات، أظهرها المولى لأجل رحمته -سبحانه وتعالى- فهي حكمة" أظهرها لأجل الرحمة، حكمة منه، لا غرَض له فيها، لا مراد له فيها من حيث أن تعود له بفائدة ولا مصلحة ولا منفعة.
وهؤلاء لهم أغراض لأنهم محتاجين إليها، ولأنهم ما يتوصَّلون إلى أغراضهم إلا بهذه الوسائل، أما هو بمُجرَّد إرادة، يخلق أي شيء: (إِنَّمَا أَمْرُهُ إِذَا أَرَادَ شَيْئًا أَن يَقُولَ لَهُ كُن فَيَكُونُ) [يس:82]، ما شيء لا بد منه، لا شيء عليه لابد منه إلا إرادة مطلقة هو يخلق الأشياء بالإرادة، وليس له غرض فيها من حيث أنه يستفيد شيء ويرجع لشيء حاشاه سبحانه وتعالى، وهو الغني المطلق عن كل شيء.
هذا حكمة من الحِكَم العظيمة، ما معنى هذه الحكمة؟
معنى أن الحكمة الكبرى في هذا الخلق تكريمُهم ومنحهم شرف العبادة له، وهوما مكَّنهم منه سبحانه وتعالى.
ولا ينقص من الحكمة شيء، ما نقص من حكمة الله شيء، كما قال سبحانه وتعالى: (الَّذِي خَلَقَ الْمَوْتَ وَالْحَيَاةَ لِيَبْلُوَكُمْ)؛ ليختبركم (أَيُّكُمْ أَحْسَنُ عَمَلًا) [الملك:2]؛ إذًا؛ حكمة من الحكم العظيمة:
ولهذا لا معنى لقول بعضهم: إذا كان الله خلق الجن والإنس ليعبدوه، وبعدين أكثر الجن والإنس لا يعبدون، فكيف يكون معنى الآية؟
هل تظن أن ربك محتاج لعبادتهم وخلقهم لذلك وبعدين تأبَّوا؟!
هذه حكمة، أنه من رحمته العظيمة أوجَدهم وهيَّأهم؛ لأن ينالوا شرف العبادة له؛ فمن استجاب ولبّى فيا حبَّذا، وإلا (وَمَا خَلَقْتُ الْجِنَّ وَالْإِنسَ إِلَّا لِيَعْبُدُونِ)، وإلا (خَلَقَ الْمَوْتَ وَالْحَيَاةَ لِيَبْلُوَكُمْ أَيُّكُمْ أَحْسَنُ عَمَلًا) وهكذا.
فلو كانت العبادة له سبحانه وتعالى إرادةٌ منه لكل مُكلَّف لعَبَدَ المُكلَّفون، (وَلَوْ شَاءَ رَبُّكَ لَآمَنَ مَن فِي الْأَرْضِ كُلُّهُمْ جَمِيعًا) [يونس:99]، هذه ما هي مشيئة؛ هذه حِكمة خلقها في العباد وليست مشيئة، ولو شاء لا أحد منهم بيقدر يتخلَّف فإنه جلَّ جلاله وتعالى في علاه.
فلهذا لا تظن في معنى قوله: (وَمَا خَلَقْتُ الْجِنَّ وَالْإِنسَ إِلَّا لِيَعْبُدُونِ) أنه لما دام أكثر الإنس والجن كفار ولا يعبدونه سبحانه وتعالى؛ أنه تبطل معنى الآية! الآية كما هي؛ لأنه ما له حاجة أصلاً في عبادتهم ولا له غرَض. ولكن الحكمة التي خلقها أن يتشرَّفوا، من أبى التشرّف بهذا.. (لِيَبْلُوَكُمْ أَيُّكُمْ أَحْسَنُ عَمَلًا).
ولولا أنَّ هذه مجرَّد حكمة لا مشيئة لما خلق النار، ولماذا خلق النار؟ ولو شاء كلهم يعبدونه ما يحتاج يخلق النار، ما خلق النار إلا وهو يعلم وشاء أن منهم مَن يزيغ ويضلّ ويكون أدبه في هذه النار ويُؤدِّبه بدخول النار.
لا إله إلا هو جلَّ جلاله وتعالى في علاه، (فَلِلَّهِ الْحُجَّةُ الْبَالِغَةُ) [الأنعام:149].
يقول: "وقد أشار إلى كلام العارف النابلسي هنا سيدي العارف بالله عبد الرحمن بن مصطفى العيدروس في "شرحه على الصلاة المنسوبة لسيدي أحمد البدوي".. "أن سببَ إيجادِ العالم هو الرَّحمانيةُ"، قال سيدنا البدوي فيها: "اللهم صلِّ وسلم وبارك وكرِّم على سيدنا محمد، شجرة الأصل النورانية، ولمعة القبضة الرحمانية، وأفضل الخليقة الإنسانية، وأشرف الصورة الجسمانية، ومعدن الأسرار الربانية، وخزائن العلوم الاصطفائية، صاحب القبضة الأصلية، والبهجة السنية، والرتبة العلية، من اندرجت النبيون تحت لوائه".
فالخَلق والإيجاد كله مظهر رحمة من رحماته سبحانه وتعالى، لأنه كوَّنهم ولم يكونوا شيئاً، (هَلْ أَتَىٰ عَلَى الْإِنسَانِ حِينٌ مِّنَ الدَّهْرِ لَمْ يَكُن شَيْئًا مَّذْكُورًا * إِنَّا خَلَقْنَا الْإِنسَانَ مِن نُّطْفَةٍ) [الإنسان:1-2]، فيُخرجك من العدم ولا أقل ولا أنقص من العدم إلى الوجود؛ هذا رحمة منه سبحانه وتعالى، يجعلك موجوداً وأصلك عدم.
ثم يقول: "أن سببَ إيجادِ العالم هو الرَّحمانيةُ التي هي عبارةٌ عن ظهُور معاني الأسْماء والصفات. ومما يُوضِّحُ المرادَ كلامُ ابنِ عبَّاد فيما يتعلقُ بهذا المقام. ونصُّ عبارته في "شرح الحِكَم"" -حكم ابن عطاء الله- "ورحمانيتُه تعالى كونهُ رحماناً. والرحمن اسمٌ لله تعالى يقتَضي وجودَ كل شيء، وهو مشتقٌ من الرحمة. والرحمةُ هنا: هي الرحمة العامةُ التي وسعَت كلَّ شيء كما وسع علمُه كل شيءٍ (رَبَّنَا وَسِعْتَ كُلَّ شَيْءٍ رَّحْمَةً وَعِلْمًا) [غافر:7]. كما تقول الملائكة في دعائهم، حملة العرش يقولوا: (رَبَّنَا وَسِعْتَ كُلَّ شَيْءٍ رَّحْمَةً وَعِلْمًا)، فرحمته وسعت كل شيء:
فالرحمة هي التي قال عنها في الحديث القدسي: "رحمتي علت غضبي"، "رحمتي سبقت غضبي"، وإلى غير ذلك مما ورد في هذا المعنى.
يقول: "(رَبَّنَا وَسِعْتَ كُلَّ شَيْءٍ رَّحْمَةً وَعِلْمًا). ولذلك دخَلت تحتَ مقتضَى اسمه الرحمنِ جميعُ أسمائه تعالى الإيجادية".
فالإيجاد رحمة؛ إخراج شيء من العدم إلى الوجود رحمة من رحمات الله تبارك وتعالى.
قال: "فقد ظهر بهذا الذي قرَّره سيدي عبد الرحمن بن مصطفى معنى كلامِ العارف النابلسي قدَّس الله أسرارهما."
قوله: "ومرتبةَ الإطلاق أني ساترُ"
قال: "ومرتبة الإطلاق المراد بها الحضرة الأحدية مقتضى اسمه الساتر"، والباطن، فما حَجب عن العقلاء والمُدركين من حِكمه ومن أسرار خلقه وإيجاده ومن معاني أسمائه وصفاته وذاته أعظم مما أبرز وأظهر لهم.
فهو الظاهر فليس فوقه شيء، وهو الباطن فليس دونه شيء جل جلاله.
لا إله إلا هو وحده لا شريك له.
فالتقييد وصفٌ يرجع إلى الأفعال؛ لأن كل مُكوَّن مُقيَّد، والقيد هذا بتجلي الحق سبحانه وتعالى، هو قيَّد كل مُكوَّن بحجمه وشكله ولونه ووقته وزمانه وحركاته كلها مُقيَّدة، من أين جاء التقييد هذا؟
من تجلِّيه سبحانه وتعالى، فأنت إذا نظرت إلى الكائنات كنت في حضرة تقييد..
فإذا ارتفع نظرُك كمثل أن يكون عندك شمعة ترى لها ضوءًا، فإذا طلعت الشمس تبحث عن ضوء الشمعة ما تُحصِّل لها ضوء، ضوءها موجود لكن النور الأقوى غطى على هذا النور.
فكذلك عندما يُشرق نور شهود الحق سبحانه وتعالى، ما عاد تبقى عندك استعداد ولا وسعة لمشاهدة الخلق، إلا أن يأتي التثبيت بعد ذلك والتأييد الربَّاني بالإبقاء بعد الإفناء.
قال سيدنا الإمام الحداد:
ولي أملٌ ورا هذا بعيدٌ *** وذاك بأن أصير إلى الحبيبِ
وأشهَده مشاهدةً وأفنى *** عن الكون البعيد مع القريبِ
وأن أبقى به بعد التفاني *** فيا بشراي ما أوفى نصيبي
اللهم وفِّر حظنا ونصيبنا.
[شرح البيت الرابع]
ثم قالَ مبيناً لما لكلِّ من المرتبتين، من حيثُ اعتبارُ كلِّ من الحضرتين، فإن الحضرة الأحدية هي باعتبار الذاتِ الخالصَة عن الظهُور في المظاهر، وهي الأكوانُ. أي في حالة عدَمها، إذ قد سبقَها العدمُ، ويلحقها العدم. و الحضرةُ الواحدية هي باعتبارِ الذات الظاهرَة في الأكوانِ.
فأشار إلى كلّ من الحضرَتينِ بقوله:
وتلكَ بمخلُوقٍ وهَذي بخَالقٍ *** تسمَّت وفي التحقيقِ أينَ التغايرُ
الإشارةُ بتلكَ للحضرة الواحدية، التي سماها مرتبةَ التقييد. أي: أنها مخلوقٍ، إذ هيَ باعتبار الذاتِ مع المظاهِر.
وقولَه: "وهذي بخالقٍ"، إشارةٌ إلى الحضرة الأحدية، التي سماها مرتبةً الإطلاق. أي: أنها باعتبار الخالقِ، لأنها عند العارفين الذاتُ الخالصة عن الظهور في المظاهر، كما تقرِّر، مع إسقاط الأسماء والتعينات.
وقوله: "في التحقيقِ: أين التّغايُر؟"، الاستفهامُ هنا للإنكار، أي: لا تغاير بين الحضرتين في التحقيقِ عند العارفينَ. فإنهم لم يفرقُوا بين الحضرتَين لغلبة شهودهم الحقّ، إذ هم لما نظَروا إلى أحدية ذاته، كما هو توحيدُ العارفينَ؛ لم يجدوا للأكوان ثبوتاً، وإنما لها ثبوتٌ بالنظر إلى الواحِدية.
فكانَ نظرُهم إلى محو الآثارِ بأحدية الذات، وما سواه عَدَمٌ محضٌ، والحقُّ اللازم وجودُ أحديّة الله، والمكوِّناتُ جميعُها عدمٌ محضٌ، ولا وجُود لها إلا من حيثُ وجُود الله تعالى. فالوجود الحقيقيُّ لله تعالى. ومن هنا تكلمَ بعضُهم على وحدة الوجُود، وهي المسماةُ عند العارفين بالمسألة الغامِضَة."
نعم، يقول: "مبيناً لكلِّ من المرتبتين":
وأبعد الخلق: مَن افتتن بهذه الوجود والكائنات، فكانت حجاباً له عن الله تبارك وتعالى؛ بدلاً أن تكون طريقاً للاستبصار وللتذكُّر.
وإذا به يعدَّها كأنها أصل وكأنها موجودة بذاتها، ولا وجود لها إلا بوجوده؛ (وَاللَّهُ خَلَقَكُمْ وَمَا تَعْمَلُونَ)، (أَتَعْبُدُونَ مَا تَنْحِتُونَ * وَاللَّهُ خَلَقَكُمْ وَمَا تَعْمَلُونَ) [الصافات:95-96] جلَّ جلاله وتعالى في علاه؛ فحينئذ يكون هذا إشارة إلى معاني الباطل الذي أشار إليه في قوله: ألا كل شيء ما سوى الله باطلُ.
فإذًا؛
فهو المُتصرِّف في هذا الوجود كله سبحانه، ولا يكون كائناً إلا بعلمه وإرادته وقدرته وأمره، و يقول سبحانه وتعالى: (وَعِندَهُ مَفَاتِحُ الْغَيْبِ لَا يَعْلَمُهَا إِلَّا هُوَ ۚ وَيَعْلَمُ مَا فِي الْبَرِّ وَالْبَحْرِ ۚ وَمَا تَسْقُطُ مِن وَرَقَةٍ إِلَّا يَعْلَمُهَا وَلَا حَبَّةٍ فِي ظُلُمَاتِ الْأَرْضِ وَلَا رَطْبٍ وَلَا يَابِسٍ إِلَّا فِي كِتَابٍ مُّبِينٍ) [الأنعام:59]. فانتفى الاستقلال؛ فحينئذ وجَب على ذوي العقول أن يَشهَدوا المُستَقِل بهذا الإيجاد والخَلق وهو الله سبحانه وتعالى، ولا ينقطعوا ويَقِفوا مع مَن لا يَستَقِل بإيجاده ولا بِخَلقه ولا بشيءٍ من شؤونه وأحواله، كما تشير الآيات الكريمة إلى هذه المعاني:
يقول: "وتلك بمخلوق"؛ أي: تجلَّى شأن التقييد بإيجاد هذا المَوجود وخَلق هذا المَوجود، فهو الواحد الذي خَلَق كل شيء، لكن حضرة الإطلاق بالخالق، أي: تتجلى بذات الخالق سبحانه وتعالى وحده لا شريك له.
"تسمَّت" سماها مرتبة اليقين؛ لأنها نَظَرُنا إلى المخلوقين بِحُكمِ تَجَلي الخالِق -جلَّ جلاله- على هذه الكائنات والمخلوقات، فالأفعال كلها مخلوقة لله -تبارك وتعالى-، قال: (اللَّهُ خَالِقُ كُلِّ شَيْءٍ) [الزمر:62]، (الْحَمْدُ لِلَّهِ الَّذِي خَلَقَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ وَجَعَلَ الظُّلُمَاتِ وَالنُّورَ) [الأنعام:1]. وخَلَق الأنعام كلها، وخلق كل شيء -جلَّ جلاله وتعالى في علاه-، فهو الخالِق وهذه كلها الكائنات الدالَّة عليه خَلق، ومخلوقةٌ له سبحانه وتعالى.
قال: "فليس هناك عند التحقيق أي تغاير"، وإن دقَّ المعنى وفَهْمُه على أكثر العقول، ولكن إنما يكون الظلُّ تبع العود دائمًا، وما حَرَكَته إلا بذلك العود وبِحَرَكَتِه.
فلا وجود لشيء من الكائنات إلا وأصله إيجاد المَوجود الحق. الموجود الحق الذي هو موجود بذاته هو وحده، هو وحده، هو وحده -جلَّ جلاله وتعالى في علاه-.
إذًا؛
وكيف أَوجده، لما كان سبحانه وتعالى موجود وفعَّال لما يريد، أوجد وأبرز وأظهر وأنشأ وصنع وكَوَّن ما شاء.
"أي: لا تغاير بين الحضرتين في التحقيقِ عند العارفينَ. فإنهم لم يفرقُوا بين الحضرتَين لغلبة شهودهم الحقّ، إذ هم لما نظَروا إلى أحدية ذاته، كما هو توحيدُ العارفينَ؛ لم يجدوا للأكوان ثبوتاً"؛ أي: على وجه يسعهم الالتفات إليها والوقوف عندها، وإنما لها ثبوت بالنظر إلى واحديته سبحانه وتعالى فكان نظرهم إلى محو الآثار بأحدية الذات، وما سواه عَدَمٌ محض، والحق اللازم وجود أحدية الله تعالى، والمكونات جميعها عدم محض ولا وجود لها إلا مِن حيث وجوده تعالى فإيجاده لها، فالوجود الحقيقي لله تبارك وتعالى."
وأما ما تكلَّم عنه من وحدة الوجود:
………………. *** هيهات، ما المخلوق مثل الخالق
جلَّ جلاله. بل هو كما قال: (لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْءٌ) [الشورى:11]، (قُلْ هُوَ اللَّهُ أَحَدٌ * اللَّهُ الصَّمَدُ * لَمْ يَلِدْ وَلَمْ يُولَدْ * وَلَمْ يَكُن لَّهُ كُفُوًا أَحَدٌ) [الإخلاص] سبحانه وتعالى فهذه هي الحقيقة.
وأما كل ما خرج عن هذه الحقيقة مما تكلم عنه في وحدة الوجود وغيرها فباطل وضلال.
وأما من حيث أن الوجود الحقيقي واحد، صحيح، الوجود الحقيقي واحد للحق سبحانه وتعالى.
لا إله إلا الله وحده لا شريك له.
ولكن المعاني التي أشرنا إليها في مثل الآية الكريمة: (وَمَا رَمَيْتَ إِذْ رَمَيْتَ)، ومثل: (فَلَمْ تَقْتُلُوهُمْ وَلَٰكِنَّ اللَّهَ قَتَلَهُمْ) [الأنفال:17]. يقول ومثل قوله ﷺ: "أَلَا كُلُّ شَيْءٍ مَا خَلَا اللهَ بَاطِلُ"، هي المعاني التي يتحدث عنها العارفون، نفس ما أراده صلى الله عليه وعلى آله وصحبه وسلم، وما عناه بهذا الكلام وما عناه القرآن، ما عندهم شيء غير هذا، وحاشاهم من التشبيه وحاشاهم من الحُلول وحاشاهم من الاتحاد الذي يقوله الفُجَّار والكفَّار والبعيدون عن العزيز الغفَّار -جلَّ جلاله-.
رضي الله عنكم، إلى أن قال:
"ثم قال الناظم نفعنا الله به:
وأحبيبتُ بالتكليفِ إظهارَ حكمةٍ *** من الظَّهُورِ وحكْمِي ما أنا فيه جَائرُ
هذا البيتُ تضمَّن مسألةً أصوليةُ وقع الاختلاف فيها بين الأشاعرة، وهي مسألةُ التكليف بالمُحال. وأن أفعاله تعالى هل تُعلّل؟
[مسألة: التكليفُ بالمحال]
وحاصل كلامهم: أن التكليف بالمحالِ جائزٌ، كالتكليف بالإيمانِ ممن علم الله تعالى أنه لا يؤمن. فإن اللّٰه تعالى كلّف الثقلين بالإيمان، وقال: (وَمَا أَكْثَرُ النَّاسِ وَلَوْ حَرَصْتَ بِمُؤْمِنِينَ) [يوسف:103]. فامتنع إيمانُ أكثرهم لعلمِه تعالى بعدَم وقوعِه، وهذا هو التكليفُ بالمحال.
[مسألة: أفعالُه تعالى هل تُعلّل؟]
وأما أفعاله تعالى فإنها معللةٌ بحكَم غايتُها تعود لنفع المكلَّفين وكمالهم، لا لنفع الله وكماله. حقّقَ ذلك الشهابُ ابن حجر في "شرح الأربعين"، قال: "فتلك العِللُ حكَمٌ موضِحةٌ لأفعاله لا أغراضَ باعثةٌ عليها، لأنه تعالى منزّهٌ عن أن يبعثه شيءٌ على شيءٍ".
فإذا تقرَّرَ ذلكَ؛ فاعلمْ أن غرضَ النَّاظمِ بهذا البيت تقريرُ ما عليه الأكثرون مِن أنَّ أفعالَهُ تعالى لا تخلو عن حِكَم. وفائدةُ التَّكليفِ فيما يعلَمُ بعدم وقوعِهِ مِن المكلَّفِ اختبارُهُ هل يأخذُ في المقدِّمات فيترتَّب عليها الثَّواب، أو لا؛ فيترتّبُ عليها العقاب؟
والباء في قوله "بالتكليفِ" سببيةٌ؛ أي: وأحببتُ بسبب التكليفِ، الذي هو إلزامُ ما فيه كلفةٌ، إظهار الحكمةِ التي هي الظهورُ. أي: ظهور الامتثال أو المخالفة. فيترتبُ على الأول الثواب، وعلى الثاني العقابُ. والفائدةٌ: حصولُ الإذعانِ أو عدَمُه.
قوله:
…………… *** وفِعْلي ما أنا فيه جَائرُ
الكلامُ على لسان الألوهية كما تقدم.
وحاصِلُه: أن المولى ليسَ بجائرٍ في أفعاله، بل فعله إما عدلٌ أو فضلٌ.
قال تعالى: (وَمَا أَنَا بِظَلَّامٍ لِّلْعَبِيدِ) [ق:29]، (لَا يُسْأَلُ عَمَّا يَفْعَلُ وَهُمْ يُسْأَلُونَ) [الأنبياء:23].
وغرض الناظم تقرير ما عليه أهل السنة والجماعة، ودفع ما يهجس لبعض القاصرين، وذلك أن الله تعالى هو خالق لفعل العبد، قال تعالى: (وَاللَّهُ خَلَقَكُمْ وَمَا تَعْمَلُونَ) [الصافات:96] هو الموفق لمن أراد إلى رضاه بأن خلق فيه قدرة على الطاعة، وخاذل لمن أراد بعده عن الخير بأن خلق فيه قدرةً على المعصية هذا الذي قرره أهل السنة والجماعة وربما هجس لبعض القاصرين أن من حجة العبد أن يقول لله تعالى: لِمَ تعذبني والكل فعلك؟ وهذا مردود بأنه لا يتوجه عليه تعالى من غيره سؤال، (لَا يُسْأَلُ عَمَّا يَفْعَلُ)، وكيف يكون للعبد حجة ولله الحجة البالغة؟
فلا يسعنا إلا التسليم المحض، وأن نقول معتقدين أن لا جَورَ في حكمه بل ما يفعله إما عدل أو فضل؛ فإن يثبنا فبمحض الفضل، وإن يعذب فبمحض العدل".
جلَّ جلاله وتعالى في علاه. هكذا يقول مِن المُراد في هذا التكليف:
وأحببتُ بالتكليفِ إظهارَ حكمةٍ *** من الظَّهُورِ وحكْمِي ما أنا فيه جَائرُ
أي: يمتنع ويستحيل الجَور على الله تعالى:
فالملك ملكه والعبيد عبيده -جلَّ جلاله وتعالى في علاه-، وهو الحكيم الفعال لما يريد.
و يقول: "التكليف"، هل يجوز للحق أن يُكلِّف بما شاء؟
هذه مسألة أن تطلق أو تقول: يجوز أو مايجوز، المُراد بهذا المعنى المتبادر للذهن فهذا كلام غريب؛ لأن الحق سبحانه وتعالى (فَعَّالٌ لِّمَا يُرِيدُ) [البروج:16]، وليس فوقه أحد يمنعه من شيء ولا يُحتِّم عليه شيء ولا يُوجِب عليه شيء. هذا الشيء لائق بي وبك.. يجوز لنا وما يجوز لنا، ونقدر وما نقدر؛ لأن نحن مخلوقين وعباد بعضنا يتسلَّط على بعض، أما هو رب العالمين فوق كل شيء، يفعل ما يشاء ويريد.
فجائز له أن يفعل ما يريد، ولكن اقتضت حكمته مع رحمته أن لا يُكلِّف العباد إلا بما يطيقون، ولو كلفهم فوق ما يطيقون مَن يَرُدُّه؟ ومن يمنعه؟..
أما هو ففعَّال لما يريد جلَّ جلاله وتعالى في علاه. "لَا مَانِعَ لِمَا أَعْطَيْتَ، وَلَا مُعْطِيَ لِمَا مَنَعْتَ"، (مَّا يَفْتَحِ اللَّهُ لِلنَّاسِ مِن رَّحْمَةٍ فَلَا مُمْسِكَ لَهَا ۖ وَمَا يُمْسِكْ فَلَا مُرْسِلَ لَهُ مِن بَعْدِهِ) [فاطر:2].
وإنما يكون التكليف على العباد تشريف منه ورحمة؛ ليظهر من يُطيع ومَن يعصي، ومن يؤمن ومَن يُكذِّب ويُنافق:
أي: يُظهر علمه فيهم بما اختبرهم وبما آتاهم من القدرة والاختيار، ثم سلَّط على بعضهم من يصرف اختياره لما هو الخير ولما هو الطاعة، وسلَّط على بعضهم… يصرف اختياره لما هو الشر ولما هو المعصية فسبحانه وتعالى.
ولكن مناط التكليف هذا الاختيار الموجود عند الإنسان هو مناط التكليف، فما من إنسان عاقل لا يُفَرِق بين الحركة الإضطرارية لِعِلَّة أو مرض والحركة الاختيارية؛ فرق كبير.. واحد يضطرب بسبب مرض، وواحد هو يحرك يده، فرق بين هذا، فمن لا يدرك الفرق بينها؟
ثم جاء برحمته لم يجعل التكليف مُتعلق بالخارج عن الاختيار أصلاً، جعل التكليف كله فيما لك فيه اختيار، (إِنَّا هَدَيْنَاهُ السَّبِيلَ إِمَّا شَاكِرًا وَإِمَّا كَفُورًا) [الإنسان:3]؛ فلهذا ما يلاقي أحد إلا ما قَدَّم، وإلا ما اختار لنفسه في هذه الحياة الدنيا، كما أشار لهذا ﷺ في قوله: "كلكم يدخل الجنة إلا من أبى"، هو الذي ما بغى الجنة، ذا ما يدخل الجنة، قالوا: كيف يا رسول الله؟
يعني الإباء الحقيقي؛ ما هو باللسان يقول: أنا أريد الجنة وأنا أبَيت الجنة. قالوا كيف يأبى يارسول الله؟ من يأبى يدخل الجنة؟ قال: "من أطاعني دخل الجنة، ومن عصاني فقد أبى"، هو الذي رضيه بنفسه.
الحق يرسم لك طريق، وتروح طريق النار، وتقول لمَ لم تدخلني للجنة؟! قال: (قُلْ هُوَ مِنْ عِندِ أَنفُسِكُمْ) [آل عمران:165] أنت الذي ذهبت بنفسك إلى ذلك الطريق، وأنت الذي اخترت طريق النار، "خلق الجنة وخلق لها أهلاً، فهم بعمل أهل الجنة يعملون. وخلق النار وخلق لها أهلا، فهم بعمل أهل النار يعملون".
تعمل عمل أهل النار وتريد تدخل الجنة؟!
وهذا مثال واحد يقول أنا أريد المَشرق، و يتوجه إلى المغرب! بعدين تعال المشرق كذا، يقول لك أيش عليك، أنا أريد المشرق؛ يُرى أنه كاذب هذا، أنت تريد المغرب ما تريد المشرق. فمهما قلت أنا أريد المشرق؛ ففعلك مكذب لك ومكذب دعواك.
وهذا يقول أنا أريد الجنة ويعصي، نقول له أنت تريد النار! لا لا أنت تريد النار، فعلك يقضي أنك تريد النار، لا أنا أريد الجنة!! فعلك يقضي أنك تريد النار؛ "كلكم يدخل الجنة إلا من أبى".
الله يرزقنا متابعة نبينا ﷺ، عاده ما هو الجنة فقط في متابعته، محبة خالق الجنة، محبة خالق الجنة (فَاتَّبِعُونِي يُحْبِبْكُمُ اللَّهُ) [آل عمران:31] ما عادها الجنة فقط، محبة الذي خلق الجنة، لا إله إلا الله، اللهم ارزقنا حسن متابعته.
يقول: "(وَمَا أَكْثَرُ النَّاسِ وَلَوْ حَرَصْتَ بِمُؤْمِنِينَ) [يوسف:103]"؛ يعني: أنهم يصرفون اختيارهم للكفر والعياذ بالله تبارك وتعالى، وقد علم ذلك منهم سبحانه وتعالى.
فليس المراد بالمُحال: أنه تكليف من الله لأحد بما لا يَقدِر عليه بِحُكم التكوين والعادة والطبع، لا!
لكن نفس الشيء بالذين سبقت لهم من الله السابقة الحسنى وعَلِم أنهم يختارون طاعته، يكون المعصية بالنسبة لهم مثل المحال؛ محال من حيث هم يقدرون يعصون. ليس من حيث أنهم لا يقدرون. معنى محال:
وهذا الذي يتعلق به التكليف فلما يضيق نطاق الكلام في هذه المعاني تختلط على الناس و ما عاد يعرفون أين أولها وأين آخرها، وإلا فالحق بفضله كما قال: (لَا يُكَلِّفُ اللَّهُ نَفْسًا إِلَّا وُسْعَهَا) [البقرة:286].
أنما أن تظن أن يكون في الكون شيء غير ما أراده وغير ما سبق في علمه أن يكون، هذا مَحال:
قال: "وأما أفعاله تعالى فإنها معللةٌ بحكَم غايتُها تعود لنفع المكلَّفين وكمالهم، لا لنفع الله وكماله." حاشاه.. "حققَ ذلك الشهابُ ابن حجر في "شرح الأربعين"، قال: "فتلك العِللُ حكَمٌ موضِحةٌ لأفعاله لا أغراضَ باعثةٌ عليها، لأنه تعالى منزّهٌ عن أن يبعثه شيءٌ على شيءٍ.
فإذا تقرَّرَ ذلكَ؛ فاعلمْ أن غرضَ النَّاظمِ بهذا البيت تقريرُ ما عليه الأكثرون مِن أنَّ أفعالَهُ تعالى لا تخلو عن حِكَم. وفائدةُ التَّكليفِ فيما يعلَمُ بعدم وقوعِهِ مِن المكلَّفِ اختبارُهُ هل يأخذُ في المقدِّمات فيترتَّب عليها الثَّواب، أو لا؛ فيترتّبُ عليها العقاب.
والباء في قوله "بالتكليفِ" سببيةٌ، أي: وأحببتُ بسبب التكليفِ"؛ إظهار الحكمة
"الذي هو إلزامُ ما فيه كلفةٌ، إظهار الحكمةِ التي هي الظهورُ. أي: ظهور الامتثال أو المخالفة. فيترتبُ على الأول الثوابُ، وعلى الثاني العقابُ. والقاعدة: حصولُ الإذعانِ أو عدَمُه."
ما يترتب عليه الثواب والعقاب: "حصولُ الإذعانِ" من المكلفأو "عدَمُه"؛ قاعدته.
…………… *** وفِعْلي ما أنا فيه جَائرُ
ما يتأتى الجور من الرحمن سبحانه وتعالى، كما قال:
هو المتفضل سبحانه وتعالى، لا يجور ولا يظلم أحد. (وَلَٰكِنَّ النَّاسَ أَنفُسَهُمْ يَظْلِمُونَ) [يونس:44].
فقرَّر ما عليه أهل السنة، "ودفعُ ما يهجسُ لبعضِ القاصرين. وذلك: أن الله تعالى هو خالقٌ لفعْلِ العبد، فهو الموفِّقُ لمن أرادَ إلى رضاهُ، بأن خلقَ فيه قدرةً على الطاعة، وخاذلٌ لمن أراد بُعدَه عن الخير، بأن خلق فيه قدرةً على المعصية. هذا الذي قرّره أهلَ السنة والجماعة.
وربما هجسٍ لبعضِ القاصرينَ: أن من حُجّة العبد أن يقول للَّه تعالى: لم تعذبني والكُل فعلُكَ؟ وهذا مردودٌ"؛ لأنه لا يتوجّه. ويروى أن إبليس قال: ربي قد قدّرت عليّ أن لا أسجد لآدم فلمَ آخذتني؟
قال: متى عَلِمت أني قدَّرت عليك، قبل أن تأبى أو بعد؟ قال: بعد، قال: بها أخذتك! يعني شؤون علمي الأزل ما لك دخل أنت فيها، ولكن أنت أعطيتك الاختيار وكان الإباء منك؛ فبذلك آخذتك.
فكانت حكمة الله تعالى في وجود التكليف؛ لنعلم من يؤمن بالآخرة ممن هو منها في شك، (وَلَيَعْلَمَنَّ اللَّهُ الَّذِينَ آمَنُوا وَلَيَعْلَمَنَّ الْمُنَافِقِينَ) [العنكبوت:11]، يعلم من يطيع ومن يعصي، والأمر له سبحانه وتعالى، نسأله أن يوفقنا لمرضاته ولطاعته أبداً سرمداً.
"(لَا يُسْأَلُ عَمَّا يَفْعَلُ وَهُمْ يُسْأَلُونَ) [الانبياء:23].
وكيف يكونُ للعبد حجةً ولله الحجَّة البالغة!
فلا يسعنا إلا التسليمُ المحضُ، وأن نقولَ معتقدينَ: أن لا جور في حكم الله، بل ما يفعله إما عدلٌ، أو فضلٌ."
فإن يثيبنا فبمحض الفضل *** وإن يعذب فبمحض العدل.
يثيب من أطاعه بفضله، وإن يشاء عاقبه بعدله سبحانه وتعالى.
فالله يتفضّل علينا بالنعيم وبالرحمة وبدخول الجنة مع السابقين، اللهم من غير سابقة عذاب ولا عتاب ولا فتنة ولا حساب، اللهم آمين، وارزقنا الأدب الكامل معك والخضوع لجلالك، والعبودية المحضة برحمتك.
بِسِرِّ الْفَاتِحَةِ
إِلَى حَضْرَةِ النَّبِيِّ مُحَمَّدٍ، اللهمَّ صَلِّ وَسَلِّمْ وَبَارِكْ عَلَيْهِ وَعَلَى آلِهِ وَصَحْبِهِ
الْفَاتِحَة
20 مُحرَّم 1448