(452)
(628)
(368)
تفسير فضيلة العلامة الحبيب عمر بن محمد بن حفيظ للآيات الكريمة من سورة الحج:
{ وَيَعْبُدُونَ مِن دُونِ اللَّهِ مَا لَمْ يُنَزِّلْ بِهِ سُلْطَانًا وَمَا لَيْسَ لَهُم بِهِ عِلْمٌ ۗ وَمَا لِلظَّالِمِينَ مِن نَّصِيرٍ (71) وَإِذَا تُتْلَىٰ عَلَيْهِمْ آيَاتُنَا بَيِّنَاتٍ تَعْرِفُ فِي وُجُوهِ الَّذِينَ كَفَرُوا الْمُنكَرَ ۖ يَكَادُونَ يَسْطُونَ بِالَّذِينَ يَتْلُونَ عَلَيْهِمْ آيَاتِنَا ۗ قُلْ أَفَأُنَبِّئُكُم بِشَرٍّ مِّن ذَٰلِكُمُ النَّارُ وَعَدَهَا اللَّهُ الَّذِينَ كَفَرُوا وَبِئْسَ الْمَصِيرُ (72) يَا أَيُّهَا النَّاسُ ضُرِبَ مَثَلٌ فَاسْتَمِعُوا لَهُ إِنَّ الَّذِينَ تَدْعُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ لَنْ يَخْلُقُوا ذُبَابًا وَلَوِ اجْتَمَعُوا لَهُ وَإِنْ يَسْلُبْهُمُ الذُّبَابُ شَيْئًا لَا يَسْتَنْقِذُوهُ مِنْهُ ضَعُفَ الطَّالِبُ وَالْمَطْلُوبُ (73) مَا قَدَرُوا اللَّهَ حَقَّ قَدْرِهِ إِنَّ اللَّهَ لَقَوِيٌّ عَزِيزٌ (74) اللَّهُ يَصْطَفِي مِنَ الْمَلَائِكَةِ رُسُلًا وَمِنَ النَّاسِ إِنَّ اللَّهَ سَمِيعٌ بَصِيرٌ (75) يَعْلَمُ مَا بَيْنَ أَيْدِيهِمْ وَمَا خَلْفَهُمْ وَإِلَى اللَّهِ تُرْجَعُ الْأُمُورُ (76) يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آَمَنُوا ارْكَعُوا وَاسْجُدُوا وَاعْبُدُوا رَبَّكُمْ وَافْعَلُوا الْخَيْرَ لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ (77) }
الإثنين 15 ذو الحجة 1447هـ
إنكار الكافرين للآيات حتى تظهر الكراهية في وجوههم.
معرفة الله هي أشرف ما يناله العبد.
الله يصطفي من الملائكة ومن الناس رسلًا، وأعظمهم أولو العزم.
الأمر للمؤمنين بالركوع والسجود.
بيان اختلاف الفقهاء في سجدة التلاوة الثانية في سورة الحج.
الحمدلله، مُكرمنا بالوَحي والتنزيل وبيانِه على لسانِ خير هادٍ ومعلمٍ ودليل، عبده المُختار سيدنا محمد صلى الله وسلم وبارك وكرَّم عليه وعلى آله وصحبه ومَن تَبِعهم في النيَّة والفعل والقِيل، وعلى آبائه وإخوانه من الأنبياء والمرسلين أهل التكريم والتبجيل، وعلى آلهم وصحبهم وتابعيهم، وعلى ملائكة الله المقربين وجميع عباد الله الصالحين، وعلينا معهم وفيهم، إنَّه أكرم الأكرمين وأرحم الراحمين.
أمَّا بعد؛
فإننا في نعمةِ تأمُّلنا لكلام ربنا وإلهنا وخالقنا -جلَّ جلاله-، وما أنزل على نبيّه محمد، وتبيُّننا لتعاليمه وإرشاداته وتوجيهاته جل جلاله، انتهينا في سورة الحج في أواخرها إلى قوله -جلّ جلاله وتعالى في علاه- في وصف الذين رفضوا دعوة الله على لسان رُسُله صلوات الله وسلامه عليهم، وتولَّوا مُؤثِرين لأهوائهم وشهواتهم ومألوفاتهم وشيء مِن هذا المتاع الفاني.
(وَيَعْبُدُونَ مِن دُونِ اللَّهِ مَا لَمْ يُنَزِّلْ بِهِ سُلْطَانًا وَمَا لَيْسَ لَهُم بِهِ عِلْمٌ) فلا ذرةً مِن علمٍ في عبادةِ غير الله قط، فكلُّ ما سوى الله مُكوَّنٌ، مخلوقٌ، مصنوعٌ، قابلٌ للزوال والفناء كما أنَّه كان معدومًا في الأصل، فلا يمكن أن تكون شيء من صفة الألوهية في شيء من الكائنات والمخلوقات من أولها إلى آخرها، فلا برهان ولا سلطان ولا علم، (وَمَا لِلظَّالِمِينَ مِن نَّصِيرٍ (71)) ينصرُهم ويُنجِيهم مِن عذاب الله جلَّ جلاله.
وذكرنا أن مُناصَرات الناس بعضهم البعض على الباطل والضَّلال في الدنيا تضمحل وتتلاشى، ثم لا ينصر أحدٌ صاحبه في مواقف الحُكم في القيامة، بل مِن عند الغرغرة إلى ما بعدها، قال سبحانه: (مَا لَكُمْ لَا تَنَاصَرُونَ * بَلْ هُمُ الْيَوْمَ مُسْتَسْلِمُونَ) [الصافات:25-26]، (وَمَا لِلظَّالِمِينَ مِنْ أَنصَارٍ) [آل عمران:192].
قال تعالى في وصف هؤلاء القوم أنَّه تتغير فطرتهم، وما يُناسِب الفطرة مِن حيث تكوين الفطرة الآدمية، حتى يصيرون يكرهون الحق، ويكرهون مَن ينطق بالحق، ويكرهون مَن يدعو إلى الحق -والعياذ بالله تبارك وتعالى-، وهكذا إذا انحرفت وجهة الإنسان، تغيّرت طبيعته إلى الأمر المُضادّ للفطرة، والمُناقض للحق وللحقيقة.
قال: (وَإِذَا تُتْلَىٰ عَلَيْهِمْ آيَاتُنَا (72)) على ألسن الأنبياء وأتباع الأنبياء؛ بيِّنات، واضحات، جليَّات، فيها هدى، وفيها نور، وفيها بيان للحقيقة، وفيها توضيح للأمر، وفيها رحمة، وفيها سكينة؛ آيات بينات.
(تَعْرِفُ فِي وُجُوهِ الَّذِينَ كَفَرُوا الْمُنكَرَ) وصار في وجوههم، اكفهرار وعُبوسة وكلاحة، فهي كالحة باسِرة، تعرف في وجوههم المنكر، أي يظهر عليهم ردّ الحق وكراهتهم للحق، من شدّة غيظهم.
(يَكَادُونَ يَسْطُونَ بِالَّذِينَ يَتْلُونَ عَلَيْهِمْ آيَاتِنَا) هؤلاء لو تمكنوا لينقضُّوا على هؤلاء التالين للآيات، ويضربونهم ويوقعون بهم وينالون منهم (يَسْطُونَ) والسطو: هو التجبر والقهر والإذلال.
(يَكَادُونَ يَسْطُونَ بِالَّذِينَ يَتْلُونَ عَلَيْهِمْ آيَاتِنَا) يودُّون أنَّهم يضربون هؤلاء الذين يتلون الآيات، ومع أنَّهم تَلَوا عليهم ما فيه سعادتهم وخيرهم ورشادهم، لكن هؤلاء يبغضون ما ينفعهم وما يرفعهم -والعياذ بالله تبارك وتعالى-.
وهكذا الإنسان إذا خرج عن دائرة الأدب مع الله تبارك وتعالى وتولَّى غير الله سبحانه وتعالى، يصير يحب الفساد ويحب الضر، ويحب ما يوجب له الخيبة والخسران -والعياذ بالله تبارك وتعالى-، ويكره الحق والهدى والخير.
(يَكَادُونَ يَسْطُونَ بِالَّذِينَ يَتْلُونَ عَلَيْهِمْ آيَاتِنَا)، يقول الله لنبيه؛ ما هذا الغيظ الذي في قلوبكم! والاستحقار للعباد الصالحين الذين تودُّون أن تبطِشوا بهم؟! انظروا حقيقة الشر وراء ذلك.
(قُلْ أَفَأُنَبِّئُكُم بِشَرٍّ مِّن ذَٰلِكُمُ) يعني أنتم بتكبُّركم هذا وإعراضكم تتعرّضون أن تكونوا حطبًا للنار، فمن الخير؟! الذي يدخل الجنة أم الذي يدخل النار؟ -لا إله إلا الله- (لَا يَسْتَوِي أَصْحَابُ النَّارِ وَأَصْحَابُ الْجَنَّةِ أَصْحَابُ الْجَنَّةِ هُمُ الْفَائِزُونَ) [الحشر:20] كما قال الله.
قال: نتيجة أعمالكم هذه الدخول إلى النار الموقدة، التي أُوقِد عليها ألف عام حتى احمرّت، وألف عام حتى ابيضّت، وألف عام حتى اسودّت، فهي سوداء مظلمة لا يُطفأ لهيبها، حرارتها أشدّ من حرارة نار الدنيا بسبعين ضعفًا، تعرِّضون أنفسكم لهذا الشر وتحتقرون هؤلاء وتودُّون البَطش بهم؟ أنقذوا أنفسكم من الشر المُقْبِلٌ عليكم والخطر، عليكم واقع لا على هؤلاء.
(النَّارُ وَعَدَهَا اللَّهُ الَّذِينَ كَفَرُوا) إذًا فقل لهم: ما تقاسونه مِن شدة وتعب عند سماع الآيات، فوراء إنكار هذه الآيات ما هو أشد وأكبر: دخول النار، وأن تصلَونها فتشوي جلودكم (كُلَّمَا نَضِجَتْ جُلُودُهُم بَدَّلْنَاهُمْ جُلُودًا غَيْرَهَا لِيَذُوقُوا الْعَذَابَ) [النساء:56]، أي: أقيموا التفكير على وزن صحيح، واخرُجوا من هذا الانحباس للأهواء وللشهوات، حتى تردّوا الحق وترتضون الباطل -والعياذ بالله تبارك وتعالى-.
(قُلْ أَفَأُنَبِّئُكُم بِشَرٍّ مِّن ذَٰلِكُمُ النَّارُ وَعَدَهَا اللَّهُ الَّذِينَ كَفَرُوا وَبِئْسَ الْمَصِيرُ (72)) لهؤلاء الذين يدخلون النار -والعياذ بالله تبارك وتعالى- بئس النهاية والمآل والغاية لهم؛ هذا العذاب الشديد الذي لا يُطاق.
يقول تعالى: (يَا أَيُّهَا النَّاسُ (73)) وخاطبَ الله جميع العقلاء من هؤلاء الناس على لسان رسوله محمد صلى الله عليه وآله وصحبه وسلم (يَا أَيُّهَا النَّاسُ ضُرِبَ مَثَلٌ فَاسْتَمِعُوا لَهُ).
(ضُرِبَ مَثَلٌ): أي جُعِلَ لله تعالى مَثَل، وهي الآلهة التي يجعلها الكفار محلَّ العبادة فيعبدونها دون الله تبارك وتعالى.
فيأتي (ضُرِبَ) بمعنى جُعِلَ، يقول: ضَرب عليهم الجزية: أي جعل عليهم الجزية، وضَرب عليهم الحجاب، أي يجعل عليهم الحجاب.
(ضُرِبَ مَثَلٌ فَاسْتَمِعُوا لَهُ) ضُرِبَ لله أمثال واتُّخذت أصنام آلهة من دون الله، وكل ما عُبد مِن دون الله تبارك وتعالى، (فَاسْتَمِعُوا لَهُ) استمعوا لله يُبيِّن لكم ما هذا الذي يُعبَد مِن دونه.
(إِنَّ الَّذِينَ تَدْعُونَ مِن دُونِ اللَّهِ) من مثل أصنامكم التي تعكفون عليها، وتردُّون دعوة الصادق خير الخلائق محمد ﷺ، الذي عرفتم أمانته مِن حين نشأته.
هذه الأصنام (لَن يَخْلُقُوا ذُبَابًا) يعني غاية في الحقارة والتفاهة وتجعلونها مثَل لله العليِّ الأعلى! تعبدونها مع الله سبحانه وتعالى وهو القوي القادر الغني، الذي بيده ملكوت كل شيء؟ تعبدون أصنامًا لا تستطيع أن تخلق ذبابًا!
وكذلك جميع هؤلاء لا يستطيعون على خَلقِ الذباب مهما تقدَّموا وتطوَّروا، وجعلوا الذكاء الصناعي، وجاءوا بالتكنولوجيا؛ نقول لهم اخلقوا ذبابًا واحدًا! بقوتكم كلها وإمكانياتكم كلها هاتوا ذبابًا! -لا حشرة مِّمَا فيها الروح- لا يقدرون على خلقها، الله وحده الخالق جلّ جلاله.
(لَن يَخْلُقُوا ذُبَابًا) في حقارته وأنتم تشمئزُّون منه، شيء ساقط وتافه، ومع ذلك آلهتكم ما يقدرون أن يخلقوا ذباب! وأكبر من ذلك (وَإِن يَسْلُبْهُمُ الذُّبَابُ شَيْئًا وَلَوِ اجْتَمَعُوا لَهُ) لو اجتمعوا لخلق الذباب ما قدروا.
(وَإِن يَسْلُبْهُمُ الذُّبَابُ شَيْئًا لَّا يَسْتَنقِذُوهُ مِنْهُ) كانوا يُزيِّنون أصنامهم وآلهتهم بالطيب ويضعون عليهم بعض العسل والحلاوة، فيجيء الذباب ويأخذ منهم ويطير، نقول له الآن الذي أخذه هذا الذباب منكم، رُدُّوه أو اطلبوا من آلهتكم أن تسترده منه، هل يمكن؟! يا الله، ليس فقط أنَّهم لن يخلقوا الذباب، بل هو الذباب لمَّا يأخذ عليهم شيء يسلبه لا يستطيعون أن يستردُّوه منه، فما هذه الحقارة! كيف يكونوا آلهة؟ ما هذا المثل الذي اتخذتموه مثلاً لله سبحانه وتعالى؟ لا مثل له.
(يَا أَيُّهَا النَّاسُ ضُرِبَ مَثَلٌ فَاسْتَمِعُوا لَهُ إِنَّ الَّذِينَ تَدْعُونَ مِن دُونِ اللَّهِ لَن يَخْلُقُوا ذُبَابًا وَلَوِ اجْتَمَعُوا لَهُ وَإِن يَسْلُبْهُمُ الذُّبَابُ شَيْئًا لَّا يَسْتَنقِذُوهُ مِنْهُ ضَعُفَ الطَّالِبُ وَالْمَطْلُوبُ (73)) لا الآلهة فيها قدرة، ولا الذباب فيه عظمة الطالب والمطلوب، كلٌ منهم، قولوا لآلهتكم أن يردوا ما أخذه الذباب؛ أنتم كرمتوهم وأعطيتوهم إياه، فقام الذباب فأخذه وطار به، ردوه! ولا يقدرون على شيء -سبحان الله-.
وكان من طبيعة الذباب أن مثل ما يأخذه من سكر أو حلاوة يذوب مباشرة، أول ما يلتقطه بفمه يذوب؛ قُم بردّه الآن! كيف ستردّه؟ اذهب امسك الذباب وفتّتهُ لن تجد فيه شيء، انتهى (وَإِن يَسْلُبْهُمُ الذُّبَابُ شَيْئًا لَّا يَسْتَنقِذُوهُ مِنْهُ ضَعُفَ الطَّالِبُ وَالْمَطْلُوبُ (73)) كيف تعبدون غير الله؟!
(مَا قَدَرُوا اللَّهَ حَقَّ قَدْرِهِ (74)) تجعلون له أمثالًا من هؤلاء؟! وهو القادر القوي الغني الذي بيده ملكوت كل شيء، وتأتون له بأمثال ومعبودات من الذي لا يقدر أن يخلق أضعف حشرة؟! وإذا أخذت عليه شيئًا لا يقدر يسترده منها! ما هذا؟! ما عرفتم الله.
(مَا قَدَرُوا اللَّهَ حَقَّ قَدْرِهِ) ما عظموا الله حق تعظيمه، ما عرفوا الله حق معرفته، ما أدركوا عظمة هذا الإله الحق -جلَّ جلاله- وإﻻ كلُّ من أدرك عظمة هذا الإله، لا يستطيع أن يعبد غيره، بل لا يستطيع أن يعصيه، بل لا يستطيع أن يقدِّم عليه شيئًا.
قال: (مَا قَدَرُوا اللَّهَ حَقَّ قَدْرِه إِنَّ اللَّهَ لَقَوِيٌّ) عز وجل، هو الذي يخلق كل شيء ويُفني كل شيء كما يريد، ويقدم ويؤخر، ويرفع ويخفض، ويسيّر النجوم والكواكب والأفلاك كما يشاء؛ صاحب هذه القدرة، تأتون له بشيء لا يقدر أن يخلق شيئًا ولا يقدر يستنقذ ما يُؤخذ عليه وتُساوونه بالله، وتعبدونه من دون الله! كيف هذا؟
(مَا قَدَرُوا اللَّهَ حَقَّ قَدْرِهِ إِنَّ اللَّهَ لَقَوِيٌّ عَزِيزٌ) جلَّ جلاله وتعالى في علاه، لا يحيط به شيء وهو محيط بكل شيء، لا يبلغ شيء نفعه ولا ضره، وهو يضرُّ وينفع كما يشاء -جل جلاله وتعالى في علاه-، (إِنَّ اللَّهَ لَقَوِيٌّ عَزِيزٌ(74)) -الله أكبر-.
وكما قال: (وَمَا قَدَرُوا اللَّهَ حَقَّ قَدْرِهِ وَالْأَرْضُ جَمِيعًا قَبْضَتُهُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ وَالسَّمَاوَاتُ مَطْوِيَّاتٌ بِيَمِينِهِ) [الزمر:67]، (وَمَا قَدَرُوا اللَّهَ حَقَّ قَدْرِهِ إِذْ قَالُوا مَا أَنزَلَ اللَّهُ عَلَىٰ بَشَرٍ مِّن شَيْءٍ قُلْ مَنْ أَنزَلَ الْكِتَابَ الَّذِي جَاءَ بِهِ مُوسَىٰ نُورًا وَهُدًى لِّلنَّاسِ تَجْعَلُونَهُ قَرَاطِيسَ تُبْدُونَهَا وَتُخْفُونَ كَثِيرًا) [الأنعام:91]، فمن لم يعرف الله جلَّ جلاله يصدر منه الغرائب مِن القبائح، ومِن الخروج عن الحق والواقع والمنطق والعقل -والعياذ بالله تبارك وتعالى-.
إذًا، أجلُّ ما يتشرف به مخلوق من أهل الأرض والسماء معرفة الله، معرفة الله جلّ جلاله: هي أساس السعادة، ونيل الحُسنى وزيادة، والخير كله؛ معرفة الله، لذا مَن لم يُدرك نصيبًا مِن معرفة الله، فمهما عرف ومهما أخذ ومهما تمتَّع فهو خائب خاسر ونهايته العذاب الشديد، فلا شيء يوازي معرفة الله، ولا شيء أعظم مِن معرفة الله.
ومع ذلك كله، فلا يُحيط به محيط (مَا قَدَرُوا اللَّهَ حَقَّ قَدْرِهِ (74))، ولكن هذا شرفٌ كبير، مِن أدنى المعرفة إلى أعاليها وأقاصيها للخواص، هذا شرفٌ عظيمٌ وفخرٌ كبيرٌ ورفعة وعلوٌ وسعادة، وفّرَ الله حظنا من المعرفة به، آمين.
أمَّا الإحاطة به فممتنعة ومستحيلة، قال سيدنا أبوبكر الصديق: "لا يعرف الله إلا الله"؛ معرفة الإحاطة لا أحد يحيط به، قال سيد أهل المعرفة به وأعظمهم معرفة بالله: "أعوذ برضاك من سخطك، وبمعافاتك من عقوبتك، وأعوذ بك منك، سبحانك لا أُحصي ثناءًا عليك، أنت كما أثنيت على نفسك"؛ هذا سيد العارفين بالله ﷺ، أعظمهم معرفة بجلال الله وعظمة الله وكبرياء الله وأسماء الله وصفات الله وذات الله -جلّ جلاله- محمد بن عبد الله عبده المختار، مع ذلك: "سبحانك لا أحصي ثناء عليك أنت كما أثنيت على نفسك"، حتى يقول في شأن المحامد التي يُحمد بها الله، وما أحد يقدر أن يحمده مثل النبي محمد ﷺ، ومع ذلك قال: "يلهمني في القيامة محامد لا أعلمها الآن" -الله أكبر-.
ما يحيط بحمده، ما يقدر أن يقوم بحمده كما هو أحد، ولكن رضي بالحمد شكرًا له من خَلقِه، وقال لهم تقولون الحمد لله أعطيكم ثواب يملأ الميزان "الحَمدُ للَّهِ تَملأُ الميزانَ"، "اللهم لك الحمد شكرًا ولك المنٌ فضلا".
يقول: (مَا قَدَرُوا اللَّهَ حَقَّ قَدْرِهِ ۗ إِنَّ اللَّهَ لَقَوِيٌّ عَزِيزٌ (74))، ثم بعد ذلك، مِيزانه في تفضيل من يشاء كما يشاء، (اللَّهُ يَصْطَفِي مِنَ الْمَلَائِكَةِ رُسُلًا وَمِنَ النَّاسِ (75))؛
(اللَّهُ يَصْطَفِي مِنَ الْمَلَائِكَةِ رُسُلًا وَمِنَ النَّاسِ) ثم جعل أفضل هؤلاء الرسل؛ أولي العزم:
قال له الله: (فَاصْبِرْ كَمَا صَبَرَ أُولُو الْعَزْمِ مِنَ الرُّسُلِ) [النساء:35] وهكذا يقول سبحانه وتعالى في ذكر أولي العزم من المرسلين -جلّ جلاله وتعالى في علاه- يقول:
فلا يمكن أن يوجد مخلوق؛ في الإنس، في الجن، في الملائكة، في العالم، في الأرض، في السماء، في الأول، في الآخر، يماثل هؤلاء ولا يشابههم قط؛ هؤلاء الأكمل، هؤلاء الأفضل، هؤلاء اصطفتهم حضرة الألوهية والربوبية، خالق كل شيء مَن بيده ملكوت كل شيء، فهم الأجلّ والأعلى صلوات الله وسلامه عليهم، رزقنا الله محبتهم وحشرنا في زمرتهم.
(اللَّهُ يَصْطَفِي مِنَ الْمَلَائِكَةِ رُسُلًا وَمِنَ النَّاسِ إِنَّ اللَّهَ سَمِيعٌ بَصير)
(اللَّهُ يَصْطَفِي مِنَ الْمَلَائِكَةِ رُسُلًا وَمِنَ النَّاسِ (75))، (اللَّهُ أَعْلَمُ حَيْثُ يَجْعَلُ رِسَالَتَهُ) [الأنعام:124]، والذين يقولون: (وَقَالُوا لَوْلَا نُزِّلَ هَٰذَا الْقُرْآنُ عَلَىٰ رَجُلٍ مِّنَ الْقَرْيَتَيْنِ عَظِيمٍ ) [الزخرف:31]، وإلى غير ذلك مما يقولون: لماذا أرسلت إلينا فلان أو فلتان؟
قال: (اللَّهُ يَصْطَفِي مِنَ الْمَلَائِكَةِ رُسُلًا وَمِنَ النَّاسِ إِنَّ اللَّهَ سَمِيعٌ بَصِيرٌ (75) يَعْلَمُ مَا بَيْنَ أَيْدِيهِمْ وَمَا خَلْفَهُمْ (76)) يعلم ما بين أيديهم؛ ما أمامهم، وما خلفهم، ما مضى وما يأتي، ما هو مستقبِلهم وما هو وراء ظهورهم، ما هو في حياتهم الأولى، وما هو في حياتهم الآخرة، ما في السماوات وما في الأرض.
(يَعْلَمُ مَا بَيْنَ أَيْدِيهِمْ وَمَا خَلْفَهُمْ) ما بين أيديهم مما فعلوا، وما خلفهم مما سيفعلوا ويقولوا، وبكل المعاني لما بين أيديهم وما خلفهم أحاط بها علمًا، (لِتَعْلَمُوا أَنَّ اللَّهَ عَلَىٰ كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ وَأَنَّ اللَّهَ قَدْ أَحَاطَ بِكُلِّ شَيْءٍ عِلْمًا) [الطلاق:12]، (أَلَا يَعْلَمُ مَنْ خَلَقَ وَهُوَ اللَّطِيفُ الْخَبِيرُ) [الملك:14].
قال تعالى: (يَعْلَمُ مَا بَيْنَ أَيْدِيهِمْ وَمَا خَلْفَهُمْ وَإِلَى اللَّهِ تُرْجَعُ الْأُمُورُ (76))؛ أمور أهل السماوات والأرض والمكلفين من الإنس والجن والملائكة، وغير المكلفين من النباتات والحيوانات والجمادات، مرجعها إلى الله (وَمَا مِن دَابَّةٍ فِي الْأَرْضِ وَلَا طَائِرٍ يَطِيرُ بِجَنَاحَيْهِ إِلَّا أُمَمٌ أَمْثَالُكُم مَّا فَرَّطْنَا فِي الْكِتَابِ مِن شَيْءٍ ثُمَّ إِلَىٰ رَبِّهِمْ يُحْشَرُونَ) [الأنعام:38]، ثم إلى ربهم يُحشرون؛ مرجع الأرض إليه، ومرجع السماء إليه، وما بينهما مرجعها إليه، والحيوانات مرجعها إليه، وكل شيء مرجعه إلى الله.
لا أحد يرجع لحزب ولا لِحكومة ولا دولة ولا تكنولوجيا ولا ذكاء صناعي ولا للجيش والمُلك، والكل يرجعون إليه، (إنَّ إِلَيْنَا إِيَابَهُمْ * ثُمَّ إِنَّ عَلَيْنَا حِسَابَهُم) [الغاشية:26-25]، ويقال لهؤلاء الكفار في النار وهم يُعذّبون: (أَفَحَسِبْتُمْ أَنَّمَا خَلَقْنَاكُمْ عَبَثًا وَأَنَّكُمْ إِلَيْنَا لَا تُرْجَعُونَ) [المؤمنون:115]، فتعالى الله الملك الحق.
يقول: (وَإِلَى اللَّهِ تُرْجَعُ الْأُمُورُ (76) يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا ارْكَعُوا وَاسْجُدُوا (77))؛ أي صلّوا لله تعالى بإقامة الركوع خضوعًا لله، والسجود تذلُّلًا لعظمة الله تبارك وتعالى، ومن الصلاة إلى بقية العبادات: (وَاعْبُدُوا رَبَّكُمْ)، بكل ما شرع لكم، (وَافْعَلُوا الْخَيْرَ) من كل ما ارتضى ودلّت آياته وبلاغ أنبيائه على أنه يحبه، فهو خير، فالخير كل ما أحبه الله تبارك وتعالى من عباده وصفًا وقولًا وفعلًا، ومعاملة وبذلًا وعطاءًا، كل ما أحبه الحق فهو خير.
إذًا فالأمر بالصلاة، ثم بعموم العبادة، ثم بعموم كل ما دخل تحت الخير من الصفات والأقوال والأفعال والمعاملات والبذل والعطاء، وما إلى ذلك، كل ذلك مأمور به.
إنَّما يجب الابتعاد عما نهى الله عنه، وأما مايدخل تحت دوائر الخير مما دلت النصوص على أنَّه محبوب لله جلَّ جلاله؛ من ذِكر، من صلاة، من تسبيح، من صدقة، من صوم، فالمجال فيه مفسوح ومفتوح، كما بيّن ذلك ﷺ عندما ذكر الثواب المخصوص فيمن قدَّم خيرًا في سبيل الله تبارك وتعالى، وجعلها للجهاد في سبيل الله، فذكر أنَّها؛ ما تتحرك حركة ولا تمضي، إلا كان له أجر، حتى رَوثها، وحتى ما يكون منها، كله يتحول إلى ميزان حسناته في القيامة.
سائل سأل، يا رسول الله: وماذا في الحُمُر؟ أنا سأخرجه في سبيل الله، ليس عندي خيل، لكن حمار سأخرجه في سبيل الله، يساعد المجاهدين يحملون عليه متاعهم، ويركبون عليه يقطع لهم الطريق، قال: ما أُنزِل عليّ في الحُمر شيء، إلا هذه الآية النادرةُ الفاذَّة (فَمَن يَعْمَلْ مِثْقَالَ ذَرَّةٍ خَيْرًا يَرَهُ) [الزلزلة:7]، حمار غير حمار، أي شيء معك سخرته لله في سبيل الله بنية صالحة، خُذ لك أجرك، فهذا أصل الدين، ولا يُنهى عن شيء إلا ما نهى الله عنه ورسوله، وأمَّا من دون ما ينهى الله ورسوله عنه، ما لك حق أن تنهى عن شيء، وما دخل تحت دوائر الخير، (فَمَن يَعْمَلْ مِثْقَالَ ذَرَّةٍ خَيْرًا يَرَهُ) [الزلزلة:7] كما قال الله سبحانه وتعالى.
(يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا ارْكَعُوا وَاسْجُدُوا وَاعْبُدُوا رَبَّكُمْ وَافْعَلُوا الْخَيْرَ لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ (77))؛ أي تحوزون سعادة الأبد، فالفلاح سعادة الأبد على الدوام، السعادة على الدوام وعلى الأبد هي الفلاح، (لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ (77)) -الله أكبر-.
ومواضع السجدات في القرآن:
وهكذا يواصل الحقّ لنا -جلَّ جلاله- ذكر الأوامر الكبيرة، وذكر المنّة في هذا الإسلام والدين، كما سيأتي معنا إن شاء الله في خاتمة هذه السورة، وفّقنا الله ونظر إلينا.
وقبل الله حجاج بيته وزائري نبيه، ويسر عودتهم إلى بلدانهم وأوطانهم وأهاليهم، سالمين غانمين محفوظين ويسَّر لهم السبيل، ووقاهم جميع الأسواء، وجعل من قبولهم فرجًا للأمة، وغياثًا للأمة، وصلاحًا للأمة، وكشفًا للغمة، وكتبنا وإياكم في ديوان من ارتضى، ولطف بنا فيما يجري بالقضاء، وحوَّل الأحوال إلى أحسنها، وختم لنا أجمعين بأكمل الحُسنى وهو راضٍ عنا.
بسر الفاتحة
وإلى حضرة النبي محمد
الفاتحة
21 ذو الحِجّة 1447