تفسير سورة المؤمنون - 4- من قوله تعالى: (وَأَنزلْنَا مِنَ السَّمَاءِ مَاءً بِقَدَرٍ ..(18)) إلى الآية 22

للاستماع إلى الدرس

تفسير فضيلة العلامة الحبيب عمر بن محمد بن حفيظ للآيات الكريمة من سورة المؤمنون:

( وَأَنزلْنَا مِنَ السَّمَاءِ مَاءً بِقَدَرٍ فَأَسْكَنَّاهُ فِي الأرْضِ وَإِنَّا عَلَى ذَهَابٍ بِهِ لَقَادِرُونَ (18) فَأَنْشَأْنَا لَكُمْ بِهِ جَنَّاتٍ مِنْ نَخِيلٍ وَأَعْنَابٍ لَكُمْ فِيهَا فَوَاكِهُ كَثِيرَةٌ وَمِنْهَا تَأْكُلُونَ (19) وَشَجَرَةً تَخْرُجُ مِنْ طُورِ سَيْنَاءَ تَنْبُتُ بِالدُّهْنِ وَصِبْغٍ لِلْآَكِلِينَ (20) وَإِنَّ لَكُمْ فِي الْأَنْعَامِ لَعِبْرَةً نُسْقِيكُمْ مِمَّا فِي بُطُونِهَا وَلَكُمْ فِيهَا مَنَافِعُ كَثِيرَةٌ وَمِنْهَا تَأْكُلُونَ (21) وَعَلَيْهَا وَعَلَى الْفُلْكِ تُحْمَلُونَ (22) )

مساء الاثنين 13 صفر الخير 1448هـ 

من أبرز ما جاء في الدرس:

  • دلائل القدرة والنعم في الماء والنبات:
    • نعمة إنزال الماء بقدر وإسكانه في الأرض.
    • قدرة الله على إذهاب النعم.
    • إنشاء الجنات والثمرات والتأمل في النخيل والأعناب وشجرة الزيتون المباركة وتذكير الكائنات.
  • تسخير الأنعام وأحكامها:
    • العبرة والمنافع في الأنعام وأدب وحكمة ذبحها.
    • تسخير الأنعام والفلك للحمل.
  • العبرة التاريخية و الإيمانية:
    • رسالة سيدنا نوح عليه السلام وهلاك المعاندين.
    • وبركة أتباع الأنبياء على الأرض.

نص الدرس:

السلام عليكم ورحمة الله وبركاته،،

الحمد لله مكرمنا بِوَحيه، إلى قلب عبده وحبيبه ونبيه، سيدنا محمد خاتم النبيين وسيد المرسلين صلى الله وسلم وبارك وكرم عليه وعلى آله وصحبه والتابعين، وعلى ملائكة الله المقربين، وعلى ساداتنا آدم وإدريس ونوح وهود وصالح وإبراهيم وإسماعيل وإسحاق وداود وسليمان وزكريا ويحيى وموسى وهارون وعيسى بن مريم، ومَن بينهم من النبيين والمرسلين وآلهم وصحبهم وتابعيهم، وعلى جميع عباد الله الصالحين، وعلينا معهم وفيهم. 

أما بعد،،،

تفسير قوله تعالى: (وَأَنزَلْنَا مِنَ السَّمَاءِ مَاءً بِقَدَرٍ فَأَسْكَنَّاهُ فِي الْأَرْضِ ۖ وَإِنَّا عَلَىٰ ذَهَابٍ بِهِ لَقَادِرُونَ (18))

 فإننا في نعمة تأملنا لِكلام إلهنا وربنا وسيدنا ومولانا وخالقنا -جلَّ جلاله-، وتدبُّرنا لتعاليمه وتوجيهاته وإشارات وحيهِ -سبحانه وتعالى- انتهينا في أوائل سورة المؤمنون إلى قوله جلَّ جلاله: (وَأَنزَلْنَا مِنَ السَّمَاءِ مَاءً بِقَدَرٍ فَأَسْكَنَّاهُ فِي الْأَرْضِ)، ولم يزل ربنا يقُص علينا آيات قدرته وعلمه، وإحاطته وتدبيره، وعجائب رزقه إيَّانا وتفضله علينا رحمة منه بنا، لنزداد إيمانًا ويقِينا، ولِنظْفَر في مدة هذه الحياة القصيرة بما ترتفع به درجاتُنا، وتتحقّق به سعادتُنا، ونحُوز به خيرهُ الدائم المؤبد، وفضلَه الواسع المستمر السرمد.

يقول:  

  • (وَأَنزَلْنَا مِنَ السَّمَاءِ مَاءً بِقَدَرٍ)، وهو ما يُنْزله -سبحانه وتعالى- على مَن على ظهر الأرض من هذه الأمطار المُقدَّرة بمقدار.
  • (وَأَنزَلْنَا مِنَ السَّمَاءِ مَاءً بِقَدَرٍ)، بقدر حاجاتِكم، وما يُصْلِحكم، ويُصْلح أراضيكم، وما يكون سببًا لسقْيكم ولِطعامِكم، وطعام أنعامِكم، ولو قلَّ عن ذلك لتعِبتم، ولو زاد وكثُر لأغرَقكم، ولَهلكتم.
  • ولكن (وَأَنزَلْنَا مِنَ السَّمَاءِ مَاءً بِقَدَرٍ)، بقطرات محدودات، معلومات، معدودات، وكميةٍ من الماء مُبيَّنةٍ في عِلمنا وإرادتنا لا تزيد ولا تنقص.

وبذلك قد يتحوّل: 

  • عقابًا على بعض الناس؛ إذ يشتدَُ نزوله ويترتبُ عليه خراب، وفساد وهلاك؛ لأشجارٍ وديارٍ، وأرواحٍ من الإنس، ومن الدواب إلى غير ذلك. 
  • ويكون في غالب الأحوال على مدى القرون من حين خُلِق آدم -عليه السلام- وأُنزل إلى الأرض إلى أيامنا هذه وما بعد أيامنا، يكون غالبهُ وأكثرهُ رحمة بالعباد ومِنَّةً من المعبود جلَّ جلاله.. 
    • يصلح أرضهم، وأحوالِهم وشؤونهم. 
    • ويترتب عليه صلاح زِراعاتهم، وحدائِقهم وثِمارهم، وما يحيَون به وما يستفيدون من الفوائد الكثيرة. 

(وَأَنزَلْنَا مِنَ السَّمَاءِ مَاءً بِقَدَرٍ)، قال: وفي بديع ترتيبنا وعجائب صُنعنا:

  • (فَأَسْكَنَّاهُ فِي الْأَرْضِ)،جعلنا في الأرض قابليةً لتتشرَّبه، ثم يمضي منه ما يمضي إلى:
    • ما فيها من زُروعٍ، وأشجارٍ ليسقيها.
    • ومنها أماكن مُخصصّة لتخْزُن من هذا الماء ما يُستفاد.
    • ومنها مواضع تسيرُ أنهارًا.
    • ومواضع فيها عيون من الأرض.

وسواءٌ الجوفِ الذي يسكُن، أو العيون التي تمشي كلها تُمدَّ من خلال هذه الأمطار بإمداداتٍ من مُنزِل الأمطار -جلَّ جلاله-.

(وَأَنزَلْنَا مِنَ السَّمَاءِ مَاءً بِقَدَرٍ فَأَسْكَنَّاهُ فِي الْأَرْضِ وَإِنَّا عَلَىٰ ذَهَابٍ بِهِ لَقَادِرُونَ (18))..

فقادِرون..

  • أن لا ينزل شيء،.
  • ولا يصيبكم شيء.
  • ولا تنالون أي أثر من ذلك.

فكما قدرنا على إنزاله نقدر على إذْهابه، وعدم وجوده بينكم.

(وَإِنَّا عَلَىٰ ذَهَابٍ بِهِ لَقَادِرُونَ)، و(ذَهَابٍ بِهِ):

  • إما عدم نزوله من الأصل.
  • وإما تحويله إلى مؤذٍ وضار.
  • وإما سلب منافعه فيبقى ملح أُجاج لا يسقيكم ولا يُنبت لكم شجر ولا ثمر.

وإما... وإما... يعني: 

  • (عَلَىٰ ذَهَابٍ) مُنَكَّرة، على أي طريقة من طرق الذهاب نستطيع، قدرتنا واسعة لا حدود لها. 
  • ونستطيع أن نُذهِب عنكم منفعة من كذا، أو من كذا أو من كذا. 
  • فالأمر بين أيدينا مبسوطٌ ونفعل ما نشاء.

ولكننا.. 

  • نرأف بِكم ونرحمكم ونلطُف بكم ونحلم عنكم، ونُمهلكم ونُعطيكم من عندنا الإمدادات الواسعة.
  • ونستنظِرُكم بِإمهالكم إلى أن تتذكّروا وأن ترجعوا، حتى إذا حلَّ الغضب على المعاندين المنكرين هَلكوا.

(وَإِنَّا عَلَىٰ ذَهَابٍ بِهِ لَقَادِرُونَ)، واحد من أوجه الإذْهاب:

  • يقول: (قُلْ أَرَأَيْتُمْ إِنْ أَصْبَحَ مَاؤُكُمْ غَوْرًا فَمَن يَأْتِيكُم بِمَاءٍ مَّعِينٍ) [الملك:30].
  • شركة مَن؟ حكومة مَن؟ دائرة مَن؟ مَن يأتي لنا بالماء المعين؟ من أين يأتي؟ 

 لا إله إلَّا الله، ياربِّ يا رزّاقنا، ارزقنا الفهم عنك وحُسن عبادتك وشكرك.

قال الله تعالى: ولما رتبنا الأرض بهذا الترتيب، ورتبنا حياتكم على هذه الحياة، مَن رتَّب ذلك غيره؟ عِلم أحد؟ قدرة أحد؟ حكومة أحد؟ شركة أحد؟ 

  • رتَّبت هكذا التكوين للأجساد وللأرض!، ما هو إلَّا هو.

تفسير قوله تعالى: (فَأَنشَأْنَا لَكُم بِهِ جَنَّاتٍ مِّن نَّخِيلٍ وَأَعْنَابٍ لَّكُمْ فِيهَا فَوَاكِهُ كَثِيرَةٌ وَمِنْهَا تَأْكُلُونَ (19)) 

(فَأَنشَأْنَا لَكُم بِهِ جَنَّاتٍ مِّن نَّخِيلٍ وَأَعْنَابٍ)، بواسطة هذا الماء الذي أنزلناه من السماء، وما جعلنا في الأرض من قابلية وإمكانية لأن تقبَل منكم البذور تبذُرونها فيها ونسقيها بهذا الماء، ونحوِّل تلك البذور إلى أشجار، وإلى ثمار تطلع على ظهر الأرض من مختلف هذه الأشجار والحدائق..

  • (أَمَّن جَعَلَ الْأَرْضَ قَرَارًا وَجَعَلَ خِلَالَهَا أَنْهَارًا وَجَعَلَ لَهَا رَوَاسِيَ وَجَعَلَ بَيْنَ الْبَحْرَيْنِ حَاجِزًا ۗ أَإِلَٰهٌ مَّعَ اللَّهِ ۚ بَلْ أَكْثَرُهُمْ لَا يَعْلَمُونَ) [النمل:61]
  • (أَمَّنْ خَلَقَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ وَأَنزَلَ لَكُم مِّنَ السَّمَاءِ مَاءً فَأَنبَتْنَا بِهِ حَدَائِقَ ذَاتَ بَهْجَةٍ مَّا كَانَ لَكُمْ أَن تُنبِتُوا شَجَرَهَا أَإِلَٰهٌ مَّعَ اللَّهِ) [النمل:60]

والأشجار تنادينا؛ لا إله إلَّا الله، والأحجار تنادينا؛ لا إله إلَّا الله، والهواء ينادينا؛ لا إله إلَّا الله، والسماء تنادينا؛ لا إله إلَّا الله، والأرض تنادينا؛ لا إله إلَّا الله: 

  • وأنفسنا بتكوينها تنادينا: (وَفِي أَنفُسِكُمْ ۚ أَفَلَا تُبْصِرُونَ) [الذاريات:21]. 
  • ونحن نتخاذل، نتغافل، نتجاهل؛ نذهب وراء الأهواء، وراء الشهوات. 
  • ننسى عظمة هذا الإله وقيُّومِيته وقدرته وتدبيره. 

 

اللهم أيقِظ قلوبنا وأحْيها حياة أهل اليقين الذين لا يزالون معك حاضرين، وبِعين عنايتك منظورين في كل شأن وحال وحين، يا أرحم الراحمين.

(فَأَنشَأْنَا لَكُم بِهِ جَنَّاتٍ مِّن نَّخِيلٍ وَأَعْنَابٍ)، على وجه الخصوص؛ جميع نُظرائها من بقية الأشجار، لكن هذه قوية التأثير على مصلحتِكم وحياتِكم ومنافِعكم: 

  • النخيل التي تُثمر لكم من الرطب والتمر. 

  • والأعناب، (لَّكُمْ فِيهَا فَوَاكِهُ كَثِيرَةٌ).

(فَوَاكِهُ كَثِيرَةٌ) أي أن تكون رُطبًا وعنبًا، ثم منها تأكلون تمرًا وزبيبًا: 

  • يتحول الرُطب إلى تمر. 
  • والعنب إلى زبيب. 

كلوا تفكَّهوا، وكلوا فاكهة؛ أكل، كله من شجرة واحدة يتطور أطوار ويتغير تغيرات، بترتيب مَن؟! مَن وضع هذا؟ إنسي أو جني؟ أو مفكرين أو عبقريين، أو تكنولوجيا رتبّت هذا؟ 

  • كلها مصنوعة، كلها محكومة، كلها مقهورة، كلها مُرتبة من فوق، الرَّب الذي رتب، الإله الذي قدَّر ونظَّم -سبحانه وتعالى- هذه الكائنات.
  • هكذا، وما يقدر أحد أن يغيرها من عهد آدم إلى اليوم، وإلى أن تقوم الساعة، ولا من قبل ومن بعد، (لِلَّهِ الْأَمْرُ مِن قَبْلُ وَمِن بَعْدُ) [الروم:4].

(فَأَنشَأْنَا لَكُم بِهِ جَنَّاتٍ مِّن نَّخِيلٍ وَأَعْنَابٍ لَّكُمْ فِيهَا فَوَاكِهُ كَثِيرَةٌ):

  • متلوّنة بألوان مختلفة، وأذواق عجيبة، كل ذوق يختلف عن الثاني يصعُب حتى تعبيركم عنه! 
  • كذا كذا أنواع من الرُّطب والتمور، وكذا كذا أنواع من العنب والزبيب. 
  • هذا أخضر، وهذا أسود، وهذا أحمر، وهذا أصفر، خُذ لك.

وحتى التلوين من أين جاء؟ ومن أين اللون؟ 

  • أنت تضع البذرة فيها، موجود الصباغة والألوان موجودة فيها! 
    • من أين جاء هذا التلوين؟ -الله أكبر، سبحان الخلاق-.
  • ذرات الكائنات تقول لنا:
    • اتقوا الله.
    • اعبدوا الله.
    • أطيعوا الله.

نحن نتصامَم، ونتعامَى، ونتغافل يا ربِّ ذكر قلوبنا.

تفسير قوله تعالى: (وَشَجَرَةً تَخْرُجُ مِن طُورِ سَيْنَاءَ تَنبُتُ بِالدُّهْنِ وَصِبْغٍ لِّلْآكِلِينَ (20))

 قال: (لَّكُمْ فِيهَا فَوَاكِهُ كَثِيرَةٌ وَمِنْهَا تَأْكُلُونَ (19) وَشَجَرَةً تَخْرُجُ مِن طُورِ سَيْنَاءَ)

  • على وجه الخصوص من بين الفواكه التي قال فيها شجرة طيبة- شجرة الزيتون تخرج من طور سيناء.
  • (مِن طُورِ سَيْنَاءَ): أي جبل سيناء، والمكان الذي يُسمّى سيناء فيه هذا الطور، -الجبل الذي كلم الله فيه سيدنا موسى -على نبينا وعليه أفضل الصلاة والسلام-. 
  • (وَشَجَرَةً تَخْرُجُ مِن طُورِ سَيْنَاءَ)؛ فيها بركة، وفيها حُسن، وفيها جمال.

فخير الزيتون ما كان من تلك البقاع، ومن طور سيناء، ومن الأرض المقدسة وما حواليها. 

  • (وَشَجَرَةً تَخْرُجُ مِن طُورِ سَيْنَاءَ) في قراءة: (سِينَآءَ).
  • (تَنبُتُ بِالدُّهْنِ)، وفي قراءة: (تُنبِتُ بِالدُّهنِ)،أي مع الدُهن.
    • يقول جاءني زيد بالسيف يعني مع السيف -معه سيفه-، (تَنبُتُ بِالدُّهْنِ).
  • و(تَنبُتُ بِالدُّهْنِ): تخرج لكم الدهن. 
  • (وَصِبْغٍ لِّلْآكِلِينَ): تدَّهنِون به بزيتها ما يخرج منها. 

(وَصِبْغٍ لِّلْآكِلِينَ): 

  • وتضعُونه في مآكِلكم فتصبَغُه لكم، ويكون إدامًا تأتدمِون به ما تطعمون، وينصبغ به، يصبغُه بلونه.
  •  من الإدام ما هو يُصْبِغ، ومنه ما لا يُصبِغ، أي لا يُغير الصِبغة، ولكن هذا (صِبْغٍ لِّلْآكِلِينَ)

(وَصِبْغٍ لِّلْآكِلِينَ): 

  • يتخذونه إدامًا يصبغ لهم أكلهم، ويُحسِّنَه لهم، ويكون سببًا لتقوية أجسادِهم. 
  • ولإعطائِهم من فضل خالقهم صِحّةً وعافية ودفعًا لكثير من العِلل والأمْراض. 

(وَشَجَرَةً تَخْرُجُ مِن طُورِ سَيْنَاءَ تَنبُتُ بِالدُّهْنِ وَصِبْغٍ لِّلْآكِلِينَ (20)).

تفسير قوله تعالى: (إِنَّ لَكُمْ فِي الْأَنْعَامِ لَعِبْرَةً نُّسْقِيكُم مِّمَّا فِي بُطُونِهَا وَلَكُمْ فِيهَا مَنَافِعُ كَثِيرَةٌ وَمِنْهَا تَأْكُلُونَ (21))

 (وَإِنَّ لَكُمْ فِي الْأَنْعَامِ لَعِبْرَةً)، والحيوانات التي أمامكم هذه، من أين أتيتم بها؟! ظهرت لكم من عند شركة؟! من عند هيئة؟ من عند وزارة؟ من أين أتت؟

والأنعام خلقها؛ إبل، وبقر، وغنم. (وَإِنَّ لَكُمْ فِي الْأَنْعَامِ لَعِبْرَةً نُّسْقِيكُم مِّمَّا فِي بُطُونِهَا)، لبنًا خالصًا سائغًا للشاربين، يخرج من بين فرث ودم، ولا يظهر فَرث، ولا دم، ولا يقرب من رائحته، ولا من لونه؛ لونه طيب ورائحَته طيبة، وطعمُه ومذاقهُ طيّب حَسَن، (لَّبَنًا خَالِصًا سَائِغًا لِّلشَّارِبِينَ) [النحل:66]، وفيه القوة لكم، والفوائد الكثيرة لأجسادكم.

ويقول: (نُّسْقِيكُم مِّمَّا فِي بُطُونِهَا وَلَكُمْ فِيهَا مَنَافِعُ كَثِيرَةٌ):

  • من جلودها، ومن أصوافها، ومن أوبارها، ومن أشعارها، ومن ألبانها. 
  • ومن بعد ذلك ما يكون فيه طعامًا لكم.

(لَكُمْ فِيهَا مَنَافِعُ كَثِيرَةٌ وَمِنْهَا تَأْكُلُونَ):

  • فتأتيكم ببروتينات مهمة للأجساد قوية. 
  • أبحنا لكم أن تذبَحوها، وطيَّبناها لكم، وجعلناها مناسبة لصحتِكم.
  • ومناسبة لفائدة أبدانكم واستقامتها. 

وأبحْنا لكم أن تذْبحوها، وسخَّرناها لكم؛ وإلا، أنت لا تتسلط حتى على بعوضة صغيرة، كم نسْبتها إلى الغنمة؟ كم نسبتها إلى البقرة؟ كم نسبتها إلى الجمل؟؛ ولكن هذه مُسلَّطة، وذاك مُسخر بكبره وتذبح منه.

وهذه إن ما استعملت وسائل من بعيد هي التي تذبحك، هي التي تلسعك وتؤذِيك -سبحان الله- وهي صغيرة جدًا، فليس صِغَر ولا كِبَر، ماذا سخَّر، وماذا سلَّط؟! 

  • ما سخره تسخَّر ولو كان كبير. 
  • ما سلطُه تسلَّط ولو كان صغير. 
  • لا الحُكم للصِغَر، ولا للكِبَر؛ ولكن لتسخِيره، وتدبيره -سبحانه وتعالى-. 

يُسلِّط ويُسخِّر -جلَّ جلاله وتعالى في علاه-.

قال: (وَمِنْهَا تَأْكُلُونَ):

  • أبحْناها لكم، وسخَّرناها لكم، وأبحْنا لكم ذبحها؛ لأجل مصلحتكم وفائِدتكم.
  • ولهذا قالوا: لا يجوز بذبح شيء من الأنعام لغير مصلحة الإنسان وفائدته لأكلها. 

حتى أنَّ مَن أراد أن يذبح شاة، أو بقرة؛ لأنها مريضة ومتعبة وقال: يريد يُريِّحَها ولا يأكُلها، نقول: ممنوع حرام اتْركها بروحها:

  • أنت ما أنت مالِكها، ولا خالقها، الذي خلقها ربك، والأمر أباحها، إذا أنت ستأكلها؛ فإكرامًا لك أباح لك أن تذبحها، ولِغير ذلك لا، اتركها. 
  • إن كانت مُلكك أنفِق عليها، وأطعمها، واسقها وانتبه منها، وإلَّا ستخاصُمك في القيامة، ولا لك حق أن تذبحها.. 
  • إلَّا إكرامًا لك تريد أكلها لمصلحتك فاذْبحها.. الخالق أذِنَ بذلك -جلَّ جلاله وتعالى في علاه-

تفسير قوله تعالى: (وَعَلَيْهَا وَعَلَى الْفُلْكِ تُحْمَلُونَ (22))

قال: (وَمِنْهَا تَأْكُلُونَ (21) وَعَلَيْهَا) -منها من جملة الأنعام الإبل- (وَعَلَى الْفُلْكِ) -السفن- (تُحْمَلُونَ) هذه في البر وهذه في البحر، الجمال تحملكم في البر، والسفن في البحر.

(وَعَلَيْهَا وَعَلَى الْفُلْكِ تُحْمَلُونَ (22)):

  • (وَتَحْمِلُ أَثْقَالَكُمْ إِلَىٰ بَلَدٍ لَّمْ تَكُونُوا بَالِغِيهِ إِلَّا بِشِقِّ الْأَنفُسِ إِنَّ رَبَّكُمْ لَرَءُوفٌ رَّحِيمٌ) [النحل:7].
  • (وَحَمَلْنَاهُمْ فِي الْبَرِّ وَالْبَحْرِ وَرَزَقْنَاهُم مِّنَ الطَّيِّبَاتِ وَفَضَّلْنَاهُمْ عَلَىٰ كَثِيرٍ مِّمَّنْ خَلَقْنَا تَفْضِيلًا). 

خصائص أعطاها الله للإنسان ومزايا ميَّزه بها عن النباتات، عن الحيوانات، عن الجمادات: 

  • تمييزات كثير وخصائص كبيرة أعطاها الله إياها: (وَلَقَدْ كَرَّمْنَا بَنِي آدَمَ وَحَمَلْنَاهُمْ فِي الْبَرِّ وَالْبَحْرِ وَرَزَقْنَاهُم مِّنَ الطَّيِّبَاتِ وَفَضَّلْنَاهُمْ عَلَىٰ كَثِيرٍ مِّمَّنْ خَلَقْنَا تَفْضِيلًا)[الإسراء:70].
  • فما يستحق هذا الإله إلَّا..
    • أن نعبده، ونُوحده.
    • ونُطيعه، ونمتَثل أمره.
    • وننفذ شرعهُ ونظامه ومنهجه.

قال تعالى: (وَعَلَيْهَا وَعَلَى الْفُلْكِ تُحْمَلُونَ)، ثم أخذ يذكُر -سبحانه- إرسالية سيدنا نوح:

  • وما فيها من الحِكم والبدائع والعجائب، وما كان لقومه. 
  • وكان من أولي العزم من الرُسل صبر كثيرًا. 
  • وكان أيام بلاغِه فقط قبل ركوب السفينة؛ ألف سنةٍ إلَّا خمسين عامًا! 

ألف سنة.. تعرف ألف سنة؟ إلَّا خمسين عامًا، كما عُمرك وعُمر أبوك وجدك، وأبو جدك وجد جدك، وأبو جد جدك وجد جد جدك، وكلهم لايصل ألف سنة.

كل هذا الوقت وهو مستمر يبلِّغ وينصح ويدعو، وقومه يَسْتَغْشُونَ ثيابهم ويضعون أصابعهم في آذانهم ويقولون له: ساحر ومجنون كما تسمعون، وفي النهاية هلَكوا كلهم وبقي نوح ومَن معه في السفينة: 

  • وما على ظهر الأرض آدمي إلَّا ممن كان على سفينة نوح -على نبينا وعليه أفضل الصلاة والسلام-.
  • هذا من عجائب ما ظهر في الدنيا من هلاك المعاندين الكافرين الفجرة ونصرة الله لعباده المرسلين. 
  • (وَلَقَدْ سَبَقَتْ كَلِمَتُنَا لِعِبَادِنَا الْمُرْسَلِينَ * إِنَّهُمْ لَهُمُ الْمَنصُورُونَ * وَإِنَّ جُندَنَا لَهُمُ الْغَالِبُونَ) [الصافات:171-173].

اللهم آمنّا برسلك فاجعلنا من جُندك، اجعلنا من جندك أنصارك وأنصار رسولك، كل فرد منا من الحاضرين والسامعين اقبله من جندك أنصارك، وأنصار رسولك ظاهرًا وباطنًا بجميع ما أُوتينا فكرًا، وذوقًا، وعملًا، وعِلمًا وقوة، وقدرة، ومالًا ونفسًا يا أرحم الراحمين.. يا أرحم الراحمين.. 

اجعلنا من جندك الغالبين وحزبك المفلحين أنصار النبيين والمرسلين، وأهل الاتباع التام لخير الأنام في كل خاص وعام، ونية وقصد وفعل وكلام -يا ذا الجلال والإكرام يا الله.. يا الله.

ولولا وجود هؤلاء الأتباع لخير الأنبياء بقلوبهم وأرواحهم وأجسادهم على ظهر الأرض لما بقيت هذه النِّعم عندكم، ولكان شأن الأرض غير هذا الشأن مع شدة ما فيها مما ينتاب الناس؛ لكن بقاء هؤلاء على ظهر الأرض مرتَّب من قِبل حِكمة ربَّ الأرض والسماء، مُرتب عليه أن يدوم الخير ويبقى حتى تُنْجز المواعيد كلها لخاتم الرُسل إلى الزمان الذي يُريده الله تبارك وتعالى.

فالحمد لله على وجودهم على ظهر الأرض، وكلما توفروا فهم سبب الخير في الأرض: 

  • وهم سبب الصلاح في الأرض. 
  • وهم سبب الأمِن في الأرض. 
  • وهم سبب الاستقرار والطمأنينة في الأرض. 

-عليهم رضوان الله- والله يجعلنا منهم، الله يجعلنا جميعًا منهم ويدخلنا فيهم ..آمين.. اللهم آمين. 

نسألك ونُلح عليك يا مَن يُحب المُلحين في الدعاء أن لا تخرجنا عن دائرة أولئك المُكرَمين عليك، ولا تخذُلنا بنفسٍ، ولا هوى، ولا شهوة ولا تسليِط شيطان إنس، ولا جنٍ، ولا قاطع يقطعنا عن طريقك يا حي يا قيوم، حتى ندخُل في فريقك من المحبوبين لديك، وحزبك المفلحين عندك برحمتك يا أرحم الراحمين. 

بسر الفاتحة

 إلى حضرة النبي محمد 

الفاتحة

تاريخ النشر الهجري

16 صفَر 1448

تاريخ النشر الميلادي

30 يوليو 2026

اضافة إلى المفضلة

كتابة فائدة متعلقة بالمادة

الأقسام