(475)
(635)
(368)
تفسير فضيلة العلامة الحبيب عمر بن محمد بن حفيظ للآيات الكريمة من سورة المؤمنون:
( وَأَنزلْنَا مِنَ السَّمَاءِ مَاءً بِقَدَرٍ فَأَسْكَنَّاهُ فِي الأرْضِ وَإِنَّا عَلَى ذَهَابٍ بِهِ لَقَادِرُونَ (18) فَأَنْشَأْنَا لَكُمْ بِهِ جَنَّاتٍ مِنْ نَخِيلٍ وَأَعْنَابٍ لَكُمْ فِيهَا فَوَاكِهُ كَثِيرَةٌ وَمِنْهَا تَأْكُلُونَ (19) وَشَجَرَةً تَخْرُجُ مِنْ طُورِ سَيْنَاءَ تَنْبُتُ بِالدُّهْنِ وَصِبْغٍ لِلْآَكِلِينَ (20) وَإِنَّ لَكُمْ فِي الْأَنْعَامِ لَعِبْرَةً نُسْقِيكُمْ مِمَّا فِي بُطُونِهَا وَلَكُمْ فِيهَا مَنَافِعُ كَثِيرَةٌ وَمِنْهَا تَأْكُلُونَ (21) وَعَلَيْهَا وَعَلَى الْفُلْكِ تُحْمَلُونَ (22) )
مساء الاثنين 13 صفر الخير 1448هـ
السلام عليكم ورحمة الله وبركاته،،
الحمد لله مكرمنا بِوَحيه، إلى قلب عبده وحبيبه ونبيه، سيدنا محمد خاتم النبيين وسيد المرسلين صلى الله وسلم وبارك وكرم عليه وعلى آله وصحبه والتابعين، وعلى ملائكة الله المقربين، وعلى ساداتنا آدم وإدريس ونوح وهود وصالح وإبراهيم وإسماعيل وإسحاق وداود وسليمان وزكريا ويحيى وموسى وهارون وعيسى بن مريم، ومَن بينهم من النبيين والمرسلين وآلهم وصحبهم وتابعيهم، وعلى جميع عباد الله الصالحين، وعلينا معهم وفيهم.
أما بعد،،،
تفسير قوله تعالى: (وَأَنزَلْنَا مِنَ السَّمَاءِ مَاءً بِقَدَرٍ فَأَسْكَنَّاهُ فِي الْأَرْضِ ۖ وَإِنَّا عَلَىٰ ذَهَابٍ بِهِ لَقَادِرُونَ (18))
فإننا في نعمة تأملنا لِكلام إلهنا وربنا وسيدنا ومولانا وخالقنا -جلَّ جلاله-، وتدبُّرنا لتعاليمه وتوجيهاته وإشارات وحيهِ -سبحانه وتعالى- انتهينا في أوائل سورة المؤمنون إلى قوله جلَّ جلاله: (وَأَنزَلْنَا مِنَ السَّمَاءِ مَاءً بِقَدَرٍ فَأَسْكَنَّاهُ فِي الْأَرْضِ)، ولم يزل ربنا يقُص علينا آيات قدرته وعلمه، وإحاطته وتدبيره، وعجائب رزقه إيَّانا وتفضله علينا رحمة منه بنا، لنزداد إيمانًا ويقِينا، ولِنظْفَر في مدة هذه الحياة القصيرة بما ترتفع به درجاتُنا، وتتحقّق به سعادتُنا، ونحُوز به خيرهُ الدائم المؤبد، وفضلَه الواسع المستمر السرمد.
يقول:
وبذلك قد يتحوّل:
(وَأَنزَلْنَا مِنَ السَّمَاءِ مَاءً بِقَدَرٍ)، قال: وفي بديع ترتيبنا وعجائب صُنعنا:
وسواءٌ الجوفِ الذي يسكُن، أو العيون التي تمشي كلها تُمدَّ من خلال هذه الأمطار بإمداداتٍ من مُنزِل الأمطار -جلَّ جلاله-.
(وَأَنزَلْنَا مِنَ السَّمَاءِ مَاءً بِقَدَرٍ فَأَسْكَنَّاهُ فِي الْأَرْضِ وَإِنَّا عَلَىٰ ذَهَابٍ بِهِ لَقَادِرُونَ (18))..
فقادِرون..
فكما قدرنا على إنزاله نقدر على إذْهابه، وعدم وجوده بينكم.
(وَإِنَّا عَلَىٰ ذَهَابٍ بِهِ لَقَادِرُونَ)، و(ذَهَابٍ بِهِ):
وإما... وإما... يعني:
ولكننا..
(وَإِنَّا عَلَىٰ ذَهَابٍ بِهِ لَقَادِرُونَ)، واحد من أوجه الإذْهاب:
لا إله إلَّا الله، ياربِّ يا رزّاقنا، ارزقنا الفهم عنك وحُسن عبادتك وشكرك.
قال الله تعالى: ولما رتبنا الأرض بهذا الترتيب، ورتبنا حياتكم على هذه الحياة، مَن رتَّب ذلك غيره؟ عِلم أحد؟ قدرة أحد؟ حكومة أحد؟ شركة أحد؟
تفسير قوله تعالى: (فَأَنشَأْنَا لَكُم بِهِ جَنَّاتٍ مِّن نَّخِيلٍ وَأَعْنَابٍ لَّكُمْ فِيهَا فَوَاكِهُ كَثِيرَةٌ وَمِنْهَا تَأْكُلُونَ (19))
(فَأَنشَأْنَا لَكُم بِهِ جَنَّاتٍ مِّن نَّخِيلٍ وَأَعْنَابٍ)، بواسطة هذا الماء الذي أنزلناه من السماء، وما جعلنا في الأرض من قابلية وإمكانية لأن تقبَل منكم البذور تبذُرونها فيها ونسقيها بهذا الماء، ونحوِّل تلك البذور إلى أشجار، وإلى ثمار تطلع على ظهر الأرض من مختلف هذه الأشجار والحدائق..
والأشجار تنادينا؛ لا إله إلَّا الله، والأحجار تنادينا؛ لا إله إلَّا الله، والهواء ينادينا؛ لا إله إلَّا الله، والسماء تنادينا؛ لا إله إلَّا الله، والأرض تنادينا؛ لا إله إلَّا الله:
اللهم أيقِظ قلوبنا وأحْيها حياة أهل اليقين الذين لا يزالون معك حاضرين، وبِعين عنايتك منظورين في كل شأن وحال وحين، يا أرحم الراحمين.
(فَأَنشَأْنَا لَكُم بِهِ جَنَّاتٍ مِّن نَّخِيلٍ وَأَعْنَابٍ)، على وجه الخصوص؛ جميع نُظرائها من بقية الأشجار، لكن هذه قوية التأثير على مصلحتِكم وحياتِكم ومنافِعكم:
النخيل التي تُثمر لكم من الرطب والتمر.
والأعناب، (لَّكُمْ فِيهَا فَوَاكِهُ كَثِيرَةٌ).
(فَوَاكِهُ كَثِيرَةٌ) أي أن تكون رُطبًا وعنبًا، ثم منها تأكلون تمرًا وزبيبًا:
كلوا تفكَّهوا، وكلوا فاكهة؛ أكل، كله من شجرة واحدة يتطور أطوار ويتغير تغيرات، بترتيب مَن؟! مَن وضع هذا؟ إنسي أو جني؟ أو مفكرين أو عبقريين، أو تكنولوجيا رتبّت هذا؟
(فَأَنشَأْنَا لَكُم بِهِ جَنَّاتٍ مِّن نَّخِيلٍ وَأَعْنَابٍ لَّكُمْ فِيهَا فَوَاكِهُ كَثِيرَةٌ):
وحتى التلوين من أين جاء؟ ومن أين اللون؟
نحن نتصامَم، ونتعامَى، ونتغافل يا ربِّ ذكر قلوبنا.
تفسير قوله تعالى: (وَشَجَرَةً تَخْرُجُ مِن طُورِ سَيْنَاءَ تَنبُتُ بِالدُّهْنِ وَصِبْغٍ لِّلْآكِلِينَ (20))
قال: (لَّكُمْ فِيهَا فَوَاكِهُ كَثِيرَةٌ وَمِنْهَا تَأْكُلُونَ (19) وَشَجَرَةً تَخْرُجُ مِن طُورِ سَيْنَاءَ):
فخير الزيتون ما كان من تلك البقاع، ومن طور سيناء، ومن الأرض المقدسة وما حواليها.
(وَصِبْغٍ لِّلْآكِلِينَ):
(وَصِبْغٍ لِّلْآكِلِينَ):
(وَشَجَرَةً تَخْرُجُ مِن طُورِ سَيْنَاءَ تَنبُتُ بِالدُّهْنِ وَصِبْغٍ لِّلْآكِلِينَ (20)).
تفسير قوله تعالى: (إِنَّ لَكُمْ فِي الْأَنْعَامِ لَعِبْرَةً نُّسْقِيكُم مِّمَّا فِي بُطُونِهَا وَلَكُمْ فِيهَا مَنَافِعُ كَثِيرَةٌ وَمِنْهَا تَأْكُلُونَ (21))
(وَإِنَّ لَكُمْ فِي الْأَنْعَامِ لَعِبْرَةً)، والحيوانات التي أمامكم هذه، من أين أتيتم بها؟! ظهرت لكم من عند شركة؟! من عند هيئة؟ من عند وزارة؟ من أين أتت؟
والأنعام خلقها؛ إبل، وبقر، وغنم. (وَإِنَّ لَكُمْ فِي الْأَنْعَامِ لَعِبْرَةً نُّسْقِيكُم مِّمَّا فِي بُطُونِهَا)، لبنًا خالصًا سائغًا للشاربين، يخرج من بين فرث ودم، ولا يظهر فَرث، ولا دم، ولا يقرب من رائحته، ولا من لونه؛ لونه طيب ورائحَته طيبة، وطعمُه ومذاقهُ طيّب حَسَن، (لَّبَنًا خَالِصًا سَائِغًا لِّلشَّارِبِينَ) [النحل:66]، وفيه القوة لكم، والفوائد الكثيرة لأجسادكم.
ويقول: (نُّسْقِيكُم مِّمَّا فِي بُطُونِهَا وَلَكُمْ فِيهَا مَنَافِعُ كَثِيرَةٌ):
(لَكُمْ فِيهَا مَنَافِعُ كَثِيرَةٌ وَمِنْهَا تَأْكُلُونَ):
وأبحْنا لكم أن تذْبحوها، وسخَّرناها لكم؛ وإلا، أنت لا تتسلط حتى على بعوضة صغيرة، كم نسْبتها إلى الغنمة؟ كم نسبتها إلى البقرة؟ كم نسبتها إلى الجمل؟؛ ولكن هذه مُسلَّطة، وذاك مُسخر بكبره وتذبح منه.
وهذه إن ما استعملت وسائل من بعيد هي التي تذبحك، هي التي تلسعك وتؤذِيك -سبحان الله- وهي صغيرة جدًا، فليس صِغَر ولا كِبَر، ماذا سخَّر، وماذا سلَّط؟!
يُسلِّط ويُسخِّر -جلَّ جلاله وتعالى في علاه-.
قال: (وَمِنْهَا تَأْكُلُونَ):
حتى أنَّ مَن أراد أن يذبح شاة، أو بقرة؛ لأنها مريضة ومتعبة وقال: يريد يُريِّحَها ولا يأكُلها، نقول: ممنوع حرام اتْركها بروحها:
تفسير قوله تعالى: (وَعَلَيْهَا وَعَلَى الْفُلْكِ تُحْمَلُونَ (22))
قال: (وَمِنْهَا تَأْكُلُونَ (21) وَعَلَيْهَا) -منها من جملة الأنعام الإبل- (وَعَلَى الْفُلْكِ) -السفن- (تُحْمَلُونَ) هذه في البر وهذه في البحر، الجمال تحملكم في البر، والسفن في البحر.
(وَعَلَيْهَا وَعَلَى الْفُلْكِ تُحْمَلُونَ (22)):
خصائص أعطاها الله للإنسان ومزايا ميَّزه بها عن النباتات، عن الحيوانات، عن الجمادات:
قال تعالى: (وَعَلَيْهَا وَعَلَى الْفُلْكِ تُحْمَلُونَ)، ثم أخذ يذكُر -سبحانه- إرسالية سيدنا نوح:
ألف سنة.. تعرف ألف سنة؟ إلَّا خمسين عامًا، كما عُمرك وعُمر أبوك وجدك، وأبو جدك وجد جدك، وأبو جد جدك وجد جد جدك، وكلهم لايصل ألف سنة.
كل هذا الوقت وهو مستمر يبلِّغ وينصح ويدعو، وقومه يَسْتَغْشُونَ ثيابهم ويضعون أصابعهم في آذانهم ويقولون له: ساحر ومجنون كما تسمعون، وفي النهاية هلَكوا كلهم وبقي نوح ومَن معه في السفينة:
اللهم آمنّا برسلك فاجعلنا من جُندك، اجعلنا من جندك أنصارك وأنصار رسولك، كل فرد منا من الحاضرين والسامعين اقبله من جندك أنصارك، وأنصار رسولك ظاهرًا وباطنًا بجميع ما أُوتينا فكرًا، وذوقًا، وعملًا، وعِلمًا وقوة، وقدرة، ومالًا ونفسًا يا أرحم الراحمين.. يا أرحم الراحمين..
اجعلنا من جندك الغالبين وحزبك المفلحين أنصار النبيين والمرسلين، وأهل الاتباع التام لخير الأنام في كل خاص وعام، ونية وقصد وفعل وكلام -يا ذا الجلال والإكرام يا الله.. يا الله.
ولولا وجود هؤلاء الأتباع لخير الأنبياء بقلوبهم وأرواحهم وأجسادهم على ظهر الأرض لما بقيت هذه النِّعم عندكم، ولكان شأن الأرض غير هذا الشأن مع شدة ما فيها مما ينتاب الناس؛ لكن بقاء هؤلاء على ظهر الأرض مرتَّب من قِبل حِكمة ربَّ الأرض والسماء، مُرتب عليه أن يدوم الخير ويبقى حتى تُنْجز المواعيد كلها لخاتم الرُسل إلى الزمان الذي يُريده الله تبارك وتعالى.
فالحمد لله على وجودهم على ظهر الأرض، وكلما توفروا فهم سبب الخير في الأرض:
-عليهم رضوان الله- والله يجعلنا منهم، الله يجعلنا جميعًا منهم ويدخلنا فيهم ..آمين.. اللهم آمين.
نسألك ونُلح عليك يا مَن يُحب المُلحين في الدعاء أن لا تخرجنا عن دائرة أولئك المُكرَمين عليك، ولا تخذُلنا بنفسٍ، ولا هوى، ولا شهوة ولا تسليِط شيطان إنس، ولا جنٍ، ولا قاطع يقطعنا عن طريقك يا حي يا قيوم، حتى ندخُل في فريقك من المحبوبين لديك، وحزبك المفلحين عندك برحمتك يا أرحم الراحمين.
بسر الفاتحة
إلى حضرة النبي محمد ﷺ
الفاتحة
16 صفَر 1448