(636)
(479)
(368)
تفسير فضيلة العلامة الحبيب عمر بن محمد بن حفيظ للآيات الكريمة من سورة المؤمنون:
{ ثُمَّ أَنْشَأْنَا مِنْ بَعْدِهِمْ قَرْنًا آَخَرِينَ (31) فَأَرْسَلْنَا فِيهِمْ رَسُولًا مِنْهُمْ أَنِ اعْبُدُوا اللَّهَ مَا لَكُمْ مِنْ إِلَهٍ غَيْرُهُ أَفَلَا تَتَّقُونَ (32) وَقَالَ الْمَلَأُ مِنْ قَوْمِهِ الَّذِينَ كَفَرُوا وَكَذَّبُوا بِلِقَاءِ الْآَخِرَةِ وَأَتْرَفْنَاهُمْ فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا مَا هَذَا إِلَّا بَشَرٌ مِثْلُكُمْ يَأْكُلُ مِمَّا تَأْكُلُونَ مِنْهُ وَيَشْرَبُ مِمَّا تَشْرَبُونَ (33) وَلَئِنْ أَطَعْتُمْ بَشَرًا مِثْلَكُمْ إِنَّكُمْ إِذًا لَخَاسِرُونَ (34) أَيَعِدُكُمْ أَنَّكُمْ إِذَا مِتُّمْ وَكُنْتُمْ تُرَابًا وَعِظَامًا أَنَّكُمْ مُخْرَجُونَ (35) هَيْهَاتَ هَيْهَاتَ لِمَا تُوعَدُونَ (36) إِنْ هِيَ إِلَّا حَيَاتُنَا الدُّنْيَا نَمُوتُ وَنَحْيَا وَمَا نَحْنُ بِمَبْعُوثِينَ (37) إِنْ هُوَ إِلَّا رَجُلٌ افْتَرَى عَلَى اللَّهِ كَذِبًا وَمَا نَحْنُ لَهُ بِمُؤْمِنِينَ (38) قَالَ رَبِّ انْصُرْنِي بِمَا كَذَّبُونِ (39) قَالَ عَمَّا قَلِيلٍ لَيُصْبِحُنَّ نَادِمِينَ (40) فَأَخَذَتْهُمُ الصَّيْحَةُ بِالْحَقِّ فَجَعَلْنَاهُمْ غُثَاءً فَبُعْدًا لِلْقَوْمِ الظَّالِمِينَ (41) مَا تَسْبِقُ مِنْ أُمَّةٍ أَجَلَهَا وَمَا يَسْتَأْخِرُونَ (43) ثُمَّ أَرْسَلْنَا رُسُلَنَا تَتْرَى كُلَّ مَا جَاءَ أُمَّةً رَسُولُهَا كَذَّبُوهُ فَأَتْبَعْنَا بَعْضَهُمْ بَعْضًا وَجَعَلْنَاهُمْ أَحَادِيثَ فَبُعْدًا لِقَوْمٍ لَا يُؤْمِنُونَ (44) ثُمَّ أَرْسَلْنَا مُوسَى وَأَخَاهُ هَارُونَ بِآيَاتِنَا وَسُلْطَانٍ مُبِينٍ (45) إِلَى فِرْعَوْنَ وَمَلَئِهِ فَاسْتَكْبَرُوا وَكَانُوا قَوْمًا عَالِينَ (46) فَقَالُوا أَنُؤْمِنُ لِبَشَرَيْنِ مِثْلِنَا وَقَوْمُهُمَا لَنَا عَابِدُونَ (47) فَكَذَّبُوهُمَا فَكَانُوا مِنَ الْمُهْلَكِينَ (48) وَلَقَدْ آتَيْنَا مُوسَى الْكِتَابَ لَعَلَّهُمْ يَهْتَدُونَ (49) وَجَعَلْنَا ابْنَ مَرْيَمَ وَأُمَّهُ آيَةً وَآوَيْنَاهُمَا إِلَى رَبْوَةٍ ذَاتِ قَرَارٍ وَمَعِينٍ (50)}
مساء الاثنين 4 ربيع الأول 1448هـ
الحمد لله مكرمنا بالوحي والتنزيل، وبيان وحْيه على لسان أكرم مبيِّن ودليل، سيدنا محمد صلى الله وسلم وبارك وكرم عليه وعلى آله وصحبه خير جيل، وعلى مَن اتبعهم بإحسان إلى يوم وضع الميزان، وعلى آبائه وإخوانه من الأنبياء والمرسلين سادات أهل العرفان والإحسان، وعلى آلهم وصحبهم وتابعيهم، وعلى ملائكة الله المقربين، وعلى جميع عباد الله الصالحين، وعلينا معهم وفيهم، إنه أكرم الأكرمين وأرحم الراحمين.
أما بعد،،
فإننا في نعمة تأملنا لخطاب ربنا وتوجيهه وتعليمه -سبحانه وتعالى- في كتابه المُنْزل على قلب المصطفى محمد صلى الله عليه وصحبه وسلم. انتهينا في سورة المؤمنون إلى ما ذكر الحق -جلَّ جلاله وتعالى في علاه- من قصص إرسال الرسل، فقصّ قصة النبي نوح، ثم الرسول الذي جاء من بعده وهو نبي الله هود على نبينا وعليهم أفضل الصلاة والسلام، وقال سبحانه:
(وَأَتْرَفْنَاهُمْ فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا)، فسحْنا لهم فيها مجالات، ومظاهر وأُبَّهات، وكل ذلك لو كان فيه شيء من حقيقة الشرف والكرامة ما أعطاه الفجار والكفار، بل قال نبينا: "لو كانت الدنيا تزن عند الله جناح بعوضة ما سقى كافرًا منها شربة ماء".
ولكن الأمر كما ذكر -سبحانه وتعالى-، ويأتي معنا في الآيات:
قال تعالى: (وَأَتْرَفْنَاهُمْ فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا مَا هَٰذَا إِلَّا بَشَرٌ مِّثْلُكُمْ)، أي النبي هود -عليه السلام- (يَأْكُلُ مِمَّا تَأْكُلُونَ مِنْهُ وَيَشْرَبُ مِمَّا تَشْرَبُونَ (33))، ورأينا أن هذا المتكرر، أنهم ينكرون على الرسل أنهم بشر.
وهل جعل الله تعالى المزايا والخصائص إلَّا بين البشر وبين بني آدم؟
فيهم الرسل، وفيهم المقربون، وفيهم الصِّدِّيقون، وفيهم العارفون، فما معنى التنكر لوجود البشرية! ولا داعي لأن تكون شُبهة من الشُبه، وما أُرسل من قبل من آدم إلى خاتم النبيين إلَّا آدميين، إلَّا بشَر من البشر، وناس من الناس أرسلهم -جلَّ جلاله- إلى الخلق، وفي هذا أنه عندما يغلُب علينا النظر إلى البشرية بدافع ضيق صدرٍ أو حسدٍ أو غير ذلك، فإننا نُحرم الانتفاع ببعضنا البعض، ولكن إذا أقمنا ميزان الخصوصية مع البشرية انتفعنا بالخصائص المبثوثة في البشرية بأصنافها، وأعلى الخصائص الموجودة والمبثوثة من الله في البشرية:
ولكن قد يمنع الانتفاع بالخصائص:
(قَالَتْ لَهُمْ رُسُلُهُمْ إِن نَّحْنُ إِلَّا بَشَرٌ مِّثْلُكُمْ وَلَٰكِنَّ اللَّهَ يَمُنُّ عَلَىٰ مَن يَشَاءُ مِنْ عِبَادِهِ) [إبراهيم:11]، جلَّ جلاله وتعالى في علاه.
قالوا: (وَلَئِنْ أَطَعْتُم بَشَرًا مِّثْلَكُمْ إِنَّكُمْ إِذًا لَّخَاسِرُونَ (34))، وبعد ذلك، هذا البشر الذي دعاهم لموجب السعادة، قالوا كيف نطيع بشر؟ -وبينكم البين تطيعون مَن-؟! أنتم بعضكم يطيع بعض، وعندكم معظَّمين ومقدَّمين، أليسوا بشر؟ فقط هذا بشر!!
وأنتم والحكام، والرؤساء ليسوا بشر؟ وزُعماؤكم ليسوا بشر؟! إلَّا هذا بشر، ونحن يجب أن لا نتَّبعه؟! وأولئك البشر نتبعهم تماما يعني؟! أين الميزان هذا؟ لتعلم أنه إنما هي دوافع ضيق الأفق؛ وعيًا، وحساسية، وعنادًا، وحسدًا وما إلى ذلك. كما قال الله عن اليهود والنصارى الذين يُوقنون بنبوة نبينا محمد ويكذبونه؛ قال: (بِئْسَمَا اشْتَرَوْا بِهِ أَنفُسَهُمْ أَن يَكْفُرُوا بِمَا أَنزَلَ اللَّهُ بَغْيًا أَن يُنَزِّلَ اللَّهُ مِن فَضْلِهِ عَلَىٰ مَن يَشَاءُ مِنْ عِبَادِهِ ۖ فَبَاءُوا بِغَضَبٍ عَلَىٰ غَضَبٍ ۚ وَلِلْكَافِرِينَ عَذَابٌ مُّهِينٌ) [البقرة:90].
يقولون:
فإذًا فتقول لك الحياة التي أنت فيها؛ إنَّ مُحييك وخالقها قادر على أن يُعيدكم: (كَمَا بَدَأْنَا أَوَّلَ خَلْقٍ نُّعِيدُهُ) [الأنبياء:104]، جلَّ جلاله وتعالى في علاه.
تفسير قوله تعالى: (إِنْ هُوَ إِلَّا رَجُلٌ افْتَرَىٰ عَلَى اللَّهِ كَذِبًا وَمَا نَحْنُ لَهُ بِمُؤْمِنِينَ (38) قَالَ رَبِّ انصُرْنِي بِمَا كَذَّبُونِ (39))
(إِنْ هُوَ) -يعنون النبي هود- (إِلَّا رَجُلٌ افْتَرَىٰ عَلَى اللَّهِ كَذِبًا) -نعوذ بالله- (وَمَا نَحْنُ لَهُ بِمُؤْمِنِينَ (38) قَالَ رَبِّ انصُرْنِي بِمَا كَذَّبُونِ (39)).
تفسير قوله تعالى: (فَأَخَذَتْهُمُ الصَّيْحَةُ بِالْحَقِّ فَجَعَلْنَاهُمْ غُثَاءً ۚ فَبُعْدًا لِّلْقَوْمِ الظَّالِمِينَ (41) ثُمَّ أَنشَأْنَا مِن بَعْدِهِمْ قُرُونًا آخَرِينَ (42))
قال تعالى: (عَمَّا قَلِيلٍ لَّيُصْبِحُنَّ نَادِمِينَ (40))، ينزل عليهم ما يندمون به على كفرهم وعنادهم، ولا يستطيعون بعد ذلك أن يتخلصوا ولا أن يتداركوا أنفسهم.
(فَأَخَذَتْهُمُ الصَّيْحَةُ بِالْحَقِّ)، بالعدل -بالقِسط-.
(فَأَخَذَتْهُمُ الصَّيْحَةُ بِالْحَقِّ) صاح بهم جبريل مع هبوب الريح الشديدة التي هبت عليهم فهَلكوا،
كما قال في الآية الأخرى: (كَأَنَّهُمْ أَعْجَازُ نَخْلٍ خَاوِيَةٍ) [الحاقة: 7]،
وهنا يقول: (غُثَاءً)، فَجَعلْهم غُثَاءً، صارت أجسادهم رمَّاء في الأرض كأنها غثاء، غُثاء السيل الذي يحمله أمامه، والغثاء الأمر أيضًا الحقير والمرمي.
قال: (فَجَعَلْنَاهُمْ غُثَاءً ۚ فَبُعْدًا لِّلْقَوْمِ الظَّالِمِينَ (41))، أي ظلموا أنفسهم، جاءهم الرسول بالحجة والهدى، وبالدليل والبرهان فأبَوْا.
قال تعالى: (ثُمَّ أَنشَأْنَا مِن بَعْدِهِمْ قُرُونًا آخَرِينَ (42))، قرونًا كثيرة، جاء النبي صالح، وبعده قرون كثيرة إلى أن بُعث إبراهيم عليه السلام، لكن ما بين صالح وإبراهيم قرون كم، سمّاها الله كثير في القرآن.
قال سبحانه وتعالى: (أَلَمْ يَأْتِكُمْ نَبَأُ الَّذِينَ مِن قَبْلِكُمْ قَوْمِ نُوحٍ وَعَادٍ وَثَمُودَ ۛ وَالَّذِينَ مِن بَعْدِهِمْ ۛ لَا يَعْلَمُهُمْ إِلَّا اللَّهُ) [إبراهيم: 9]، من بعد ثمود؛ قوم وقوم، وقوم وأُمة.. وأُمة.. وأُمة، ونبي.. ونبي ..ونبي، وكل الأنبياء فيهم من كُذب به، وفيهم وهكذا.
ولم يأتِ إيمان أُمة كاملة إلَّا ما كان لسيدنا يونس بعد أن كذًَبوه وآذوه وأخرجوه، لما رجع إليهم وكانوا أكثر من مئة ألف آمنوا كلهم، الذين أُرسل إليهم هم مائة ألف، أو يزيدون على المائة الألف: (فَآمَنُوا فَمَتَّعْنَاهُمْ إِلَىٰ حِينٍ)، ولهذا قال: (فَلَوْلَا كَانَتْ قَرْيَةٌ آمَنَتْ فَنَفَعَهَا إِيمَانُهَا إِلَّا قَوْمَ يُونُسَ) [يونس:98]، هؤلاء فقط، وأما باقي الأمم منهم مَن يؤمنوا، ومنهم مَن يُضاد ويُعاند، ويُكفر..هؤلاء آمنوا كلهم بعدما تَعِبوه، وكذَّبوه وخَرَج بعدها، لما رجع إليهم آمنوا كلهم: (فَآمَنُوا فَمَتَّعْنَاهُمْ إِلَىٰ حِينٍ) [الصافات: 148].
تفسير قوله تعالى: (مَا تَسْبِقُ مِنْ أُمَّةٍ أَجَلَهَا وَمَا يَسْتَأْخِرُونَ (43))
يقول -جلَّ جلاله-: (مَا تَسْبِقُ مِنْ أُمَّةٍ أَجَلَهَا وَمَا يَسْتَأْخِرُونَ (43))، قرون كثيرة، وبعد إبراهيم إلى يومنا هذا أيضًا قرون، وإن كان يمكن تكون تلك أكثر؛ من جهة العدد والمُدد، لأنهم كانوا يُعَمَّرون، فأعمارهم ليست مثل أعمارنا، نحن أقل الأمم أعمارا، وأكثرنا ما بين الستين والسبعين، وأقلنا من يجاوز ذلك.
كم نسبة الذين يتجاوزون السبعين والستين من أمة محمد؟ أقل من عُشرهم، ولا رُبع عُشرهم ممن يتجاوزون السبعين، والأكثر يموتون قبل ذلك، -لا إله إلَّا الله-.
قال: ومع كوننا آخر الأمم وأقصرها أعمارًا، فلنا بالفضل الرَّباني؛ السبَق في القيامة لأجل إمامنا ونبينا وشافِعنا -صلى الله عليه وصحبه وسلم- المكرم، "نحن الآخرون السابقون يوم القيامة" صلى الله عليه وآله وسلم؛
قال الله: (ثُمَّ أَنشَأْنَا مِن بَعْدِهِمْ قُرُونًا آخَرِينَ (42) مَا تَسْبِقُ مِنْ أُمَّةٍ أَجَلَهَا وَمَا يَسْتَأْخِرُونَ (43))، لا أحد منهم يموت قبل وقته، ولا أحد منهم يتأخر عند الساعة المعينة المحددة المرسومة في قدر الله -تبارك وتعالى-
والأمر كذلك..الأمم والطوائف والجماعات والأحزاب والهيئات؛ (مَا تَسْبِقُ مِنْ أُمَّةٍ أَجَلَهَا وَمَا يَسْتَأْخِرُونَ)..
(مَا تَسْبِقُ مِنْ أُمَّةٍ أَجَلَهَا)، ما يمكن أن يتقدَموا على الساعات التي حددها الله ورتبها لهم، ولا يتأخرون عنها، لا يتقدمون ولا يتأخرون، بل كل واحد في أجله ووقته وينتهي: (مَا تَسْبِقُ مِنْ أُمَّةٍ أَجَلَهَا وَمَا يَسْتَأْخِرُونَ (43)).
تفسير قوله تعالى: (ثُمَّ أَرْسَلْنَا رُسُلَنَا تَتْرَىٰ ۖ كُلَّ مَا جَاءَ أُمَّةً رَّسُولُهَا كَذَّبُوهُ ۚ فَأَتْبَعْنَا بَعْضَهُم بَعْضًا وَجَعَلْنَاهُمْ أَحَادِيثَ ۚ فَبُعْدًا لِّقَوْمٍ لَّا يُؤْمِنُونَ (44))
(ثُمَّ أَرْسَلْنَا رُسُلَنَا تَتْرَىٰ)، جاء سيدنا إبراهيم، وسيدنا إسماعيل، وسيدنا إسحاق، وسيدنا يعقوب، وسيدنا يوسف، وسيدنا لوط -علِيهم السلام-، كلهم جاءوا هؤلاء، وأنبياء أُخَرْ قبل موسى -عليه السلام- أن يُبعث إلى قومه.
قال تعالى: (فَأَتْبَعْنَا بَعْضَهُم بَعْضًا)، مكذبين بعد مكذبين.. بعد مكذبين، يَهلك هؤلاء، ويَهلك هؤلاء، ويَهلك هؤلاء، وكل الذي كذَّب الرسل من عهد آدم -عليه السلام- إلى نبينا محمد أهلكهم الله. وأَخَّرَ هذه الأمة لا يعُمها بهلاك من عنده إلى الأجل الذي حتمهُ -سبحانه وتعالى- لقيام الساعة، ولا تُستأصل هذه الأمة بعذاب يسْتأصلها وتُهلك كُلّها، ولكن تُهلك طوائف بعد طوائف، بعد طوائف، بعد طوائف، لا إله إلَّا الله، إلى الأجل المعلوم، (فَأَتْبَعْنَا بَعْضَهُم بَعْضًا وَجَعَلْنَاهُمْ أَحَادِيثَ).
ما معنى أحاديث؟
لا وجود لهم إلَّا ما يُتحدث عنه.. وقد كان، كانوا.. فقالوا.. فعلوا.. ذهبوا.. تركوا،
(وَجَعَلْنَاهُمْ أَحَادِيثَ):
(جَعَلْنَاهُمْ أَحَادِيثَ)، لم يبقَ لهم وجود، ولا قوة، ولا قدرة، ولا أثر إلَّا أحاديث فقط، كلام، كانوا..فعلوا، انتهوا تحولوا إلى كلام، إلى أحاديث.
(وَجَعَلْنَاهُمْ أَحَادِيثَ ۚ فَبُعْدًا لِّقَوْمٍ لَّا يُؤْمِنُونَ)، بسطنا لهم بساط الخير، ودعوناهم إلى موجب السعادة، راحوا وراء الأهواء والشهوات، وتبع بعضهم بعضا على معاداة أنبيائنا ورُسلنا فهلكوا.
(فَبُعْدًا) عن الرحمة، وعن المغفرة، وقال: (فَبُعْدًا لِّقَوْمٍ لَّا يُؤْمِنُونَ (44))، أي هلاكًا لهم بتكذيبهم.
ثُمَّ أَرْسَلْنَا مُوسَىٰ وَأَخَاهُ هَارُونَ بِآيَاتِنَا وَسُلْطَانٍ مُّبِينٍ (45)
(ثُمَّ أَرْسَلْنَا مُوسَىٰ وَأَخَاهُ هَارُونَ) -عليهما السلام- وقالوا: ما تسبب أحد لأخيه بفائدة ومنفعة أعظم مما تسبب موسى لهارون، كيف تسبب له؟ بالنبوة! وقال: أخي هارون أرسله معي، فما أحد نفع أخاه مثلما نفع موسى هارون، وتحول هارون إلى نبي بأمر الله تعالى، ولكن جعل السبب هو سؤال موسى -عليه السلام- فأرْسله، فجاء موسى وهارون (بِآيَاتِنَا)، بالكتاب الذي أوحى إليهم والدين الذي جاء به.
تفسير قوله تعالى: (إِلَىٰ فِرْعَوْنَ وَمَلَئِهِ فَاسْتَكْبَرُوا وَكَانُوا قَوْمًا عَالِينَ (46) فَقَالُوا أَنُؤْمِنُ لِبَشَرَيْنِ مِثْلِنَا وَقَوْمُهُمَا لَنَا عَابِدُونَ (47))
أرسلهم (إِلَىٰ فِرْعَوْنَ وَمَلَئِهِ)، جماعاته المحيطة به (فَاسْتَكْبَرُوا)، -والعياذ بالله تبارك وتعالى- عن قبول الحق (وَكَانُوا قَوْمًا عَالِينَ (46))، أي طاغين ظالمين متكبرين يظلمون الناس (وَكَانُوا قَوْمًا عَالِينَ).
(فَقَالُوا أَنُؤْمِنُ لِبَشَرَيْنِ مِثْلِنَا)، ولازالوا على قولهم؛ بشر، بشر، بشر، بشر في الأمم كلها، في الأمم كلها وإلى وقتنا، حتى في نظرتهم؛ سواء إلى النبي صلى الله عليه وسلم، عن مجرد بشريته، أو نظرتهم إلى أرباب الخصائص من الأولياء والصالحين يقولون: بشر!"، وبعد ذلك؟ والخصوصية أين هي؟ والبشر بشر، ولكن هل البشر هم سواء؟
(إِن نَّحْنُ إِلَّا بَشَرٌ مِّثْلُكُمْ وَلَٰكِنَّ اللَّهَ يَمُنُّ عَلَىٰ مَن يَشَاءُ مِنْ عِبَادِهِ) [إبراهيم:11]، كما قال -جلَّ جلاله-.
(أَنُؤْمِنُ لِبَشَرَيْنِ مِثْلِنَا وَقَوْمُهُمَا لَنَا عَابِدُونَ)، قالوا تحت قهرنا وأمرنا هؤلاء كلهم يعني، هم تحت الحكم والمملكة، لا يستطيعون أن يعاندوا، ولا يُضادوا فرعون وقومه، فعدُّوها عبادة لهم. (وَقَوْمُهُمَا لَنَا عَابِدُونَ (47))
(فَكَذَّبُوهُمَا)، فرعون وملأه، كذّبوا موسى وهارون (فَكَانُوا مِنَ الْمُهْلَكِينَ (48))، هلكوا -والعياذ بالله تبارك وتعالى- لتكبُرهم، فالمتكبرون الظالمين للناس، الباغون، هم الذين سُمّوا قومًا عالين، يمنعهم كِبرهم عن الهداية.
قال سبحانه وتعالى: (سَأَصْرِفُ عَنْ آيَاتِيَ الَّذِينَ يَتَكَبَّرُونَ فِي الْأَرْضِ بِغَيْرِ الْحَقِّ وَإِن يَرَوْا كُلَّ آيَةٍ لَّا يُؤْمِنُوا بِهَا وَإِن يَرَوْا سَبِيلَ الرُّشْدِ لَا يَتَّخِذُوهُ سَبِيلًا وَإِن يَرَوْا سَبِيلَ الْغَيِّ يَتَّخِذُوهُ سَبِيلًا ۚ ذَٰلِكَ بِأَنَّهُمْ كَذَّبُوا بِآيَاتِنَا وَكَانُوا عَنْهَا غَافِلِينَ) [الأعراف: 146]، -والعياذ بالله تبارك وتعالى-.
تفسير قوله تعالى: (فَكَذَّبُوهُمَا فَكَانُوا مِنَ الْمُهْلَكِينَ (48) وَلَقَدْ آتَيْنَا مُوسَى الْكِتَابَ لَعَلَّهُمْ يَهْتَدُونَ (49))
قال: (فَكَذَّبُوهُمَا فَكَانُوا مِنَ الْمُهْلَكِينَ (48) وَلَقَدْ آتَيْنَا مُوسَى الْكِتَابَ)، التوراة أنزلناها عليهم، فيها البيان لهم (لَعَلَّهُمْ يَهْتَدُونَ (49))، ففيها إيضاح وتبيان، وإقرار للحقِيقة، وتقريب إلى إدراك الحق لعلهم يهتدون. فأبوا إلَّا الكُفور وإلَّا الطغيان، فأهلكهم الله -تبارك وتعالى- وفي ساعة أغرقهم في البحر، فلما أدركه الغرق، أي فرعون قال: (قَالَ آمَنتُ أَنَّهُ لَا إِلَٰهَ إِلَّا الَّذِي آمَنَتْ بِهِ بَنُو إِسْرَائِيلَ وَأَنَا مِنَ الْمُسْلِمِينَ) [يونس: 90].
هذه حالة الناس عند ظهور الحقيقة، جميع الخلق يؤمنون ويصدقون؛ لكن بعد أن يفوت الأوان. وإلّا لا يوجد أحد في البرزخ يبقى مُلحدا، ولا على دين ضلال، ولا مكذب، كلهم: خلق الله واحد، لا إله إلَّا هو، ربنا ورب كل شيء، والرسل صادقون، والأنبياء على حق، والفلسفات الطويلة العريضة التي كنتم تشمخون بها في الدنيا، أين ذهبت؟ لم يعُد لها شيء
مثل الذين قالوا: (وَالَّذِينَ كَفَرُوا أَعْمَالُهُمْ كَسَرَابٍ بِقِيعَةٍ يَحْسَبُهُ الظَّمْآنُ مَاءً حَتَّىٰ إِذَا جَاءَهُ لَمْ يَجِدْهُ شَيْئًا وَوَجَدَ اللَّهَ عِندَهُ فَوَفَّاهُ حِسَابَهُ ۗ وَاللَّهُ سَرِيعُ الْحِسَابِ)، وهم وثقافاتهم هذه وحَضاراتهم: (أَوْ كَظُلُمَاتٍ فِي بَحْرٍ لُّجِّيٍّ يَغْشَاهُ مَوْجٌ مِّن فَوْقِهِ مَوْجٌ مِّن فَوْقِهِ سَحَابٌ ۚ ظُلُمَاتٌ بَعْضُهَا فَوْقَ بَعْضٍ إِذَا أَخْرَجَ يَدَهُ لَمْ يَكَدْ يَرَاهَا ۗ وَمَن لَّمْ يَجْعَلِ اللَّهُ لَهُ نُورًا فَمَا لَهُ مِن نُّورٍ) [النور:39-40].
فالحمد لله على نعمة الإسلام، والحمد لله على نعمة الإيمان، الحمد لله على نعمة محمدٍ والتصدِيق به صلى الله عليه وسلم. ثبِتنا اللهم على الإسلام وزِدْنا منه، ثبتنا على الإيمان وزِدْنا منه، وبارك لنا في أعمارنا، واختم لنا بالحسنى وأنت راضٍ عنا. ثبّتنا على لا إله إلَّا الله، تحيينا عليها وتتوفانا عليها وتبعثنا مع أهلها برحمتك يا أرحم الراحمين.
تفسير قوله تعالى: (وَجَعَلْنَا ابْنَ مَرْيَمَ وَأُمَّهُ آيَةً وَآوَيْنَاهُمَا إِلَىٰ رَبْوَةٍ ذَاتِ قَرَارٍ وَمَعِينٍ (50))
قال: (وَجَعَلْنَا ابْنَ مَرْيَمَ) -يعني عيسى عليه السلام- (وَأُمَّهُ آيَةً)، هذه تحمِل من دون ذَكر ولا نكاح، وذاك يولد من دون أب، ما هذا؟ (آيَةً).
قلت: أتظنون لما جعلتُ سُنتي في الحياة أن أخلقكم من آباء وأمهات أنهم هم يتصرفون وهم يخلقون؟!
أنا الذي أخلُق، وإن أردتُ أخلق من غير أب أخلق، وإن أردتُ أخلق من غير أب ولا أم أخلق. (إِنَّ مَثَلَ عِيسَىٰ عِندَ اللَّهِ كَمَثَلِ آدَمَ) [ال عمران:59]، وسيدتنا حواء خُلقت من ضلع من أضلع آدم، وأين أمها؟ مافي أم، في أم لحواء؟ وهناك أمهات للباقين! وسيدتنا مريم حملت من دون ذَكر!، بعد ذلك جاء عيسى من دون أب!.
بعد ذلك مَن الذي يخلُق من ليس له أب ولا أم؟ الله هو الذي يخلق، فجعل هذا سبب.
قال تعالى: (وَجَعَلْنَا ابْنَ مَرْيَمَ وَأُمَّهُ آيَةً)، فهذه تحمل حمل كامل، قالت -عليها سلام الله تبارك وتعالى- (أَنَّىٰ يَكُونُ لِي غُلَامٌ وَلَمْ يَمْسَسْنِي بَشَرٌ وَلَمْ أَكُ بَغِيًّا * قَالَ كَذَٰلِكِ قَالَ رَبُّكِ هُوَ عَلَيَّ هَيِّنٌ ۖ وَلِنَجْعَلَهُ آيَةً لِّلنَّاسِ وَرَحْمَةً مِّنَّا ۚ وَكَانَ أَمْرًا مَّقْضِيًّا * ۞ فَحَمَلَتْهُ فَانتَبَذَتْ بِهِ) [مريم: 20- 22].
وُلِد بلا أب، وجاءت به إلى قومها: (قَالُوا يَا مَرْيَمُ لَقَدْ جِئْتِ شَيْئًا فَرِيًّا * يَا أُخْتَ هَارُونَ مَا كَانَ أَبُوكِ امْرَأَ سَوْءٍ وَمَا كَانَتْ أُمُّكِ بَغِيًّا * فَأَشَارَتْ إِلَيْهِ)، ماذا؟! (قَالُوا كَيْفَ نُكَلِّمُ مَن كَانَ فِي الْمَهْدِ صَبِيًّا)؟ طفل كما هذا تشيرين إليه؟! عمل خطبة، عمل خطبة في المهد؛ سيدنا عيسى! (قَالَ إِنِّي عَبْدُ اللَّهِ آتَانِيَ الْكِتَابَ وَجَعَلَنِي نَبِيًّا)، يسَّمعون متعجبين من كلامه؛ طفل يتكلم في المهد! (وَجَعَلَنِي مُبَارَكًا أَيْنَ مَا كُنتُ)، ما الكلام هذا؟! (وَأَوْصَانِي بِالصَّلَاةِ وَالزَّكَاةِ مَا دُمْتُ حَيًّا * وَبَرًّا بِوَالِدَتِي وَلَمْ يَجْعَلْنِي جَبَّارًا شَقِيًّا * وَالسَّلَامُ عَلَيَّ يَوْمَ وُلِدتُّ وَيَوْمَ أَمُوتُ وَيَوْمَ أُبْعَثُ حَيًّا) [مريم:20-33] -الله أكبر-! عليه السلام وعلى سيدنا يحيى عليه السلام وعلى نبينا محمد وعلى جميع الأنبياء، سلام الله عليهم يوم وُلدوا ويوم ماتوا، ويوم يُبعثون أحياءً، وبعثنا الله في زمرتهم آمين.
قال: (وَجَعَلْنَا ابْنَ مَرْيَمَ وَأُمَّهُ آيَةً وَآوَيْنَاهُمَا إِلَىٰ رَبْوَةٍ)، وفي قراءة: (رِبْوَةٍ ذَاتِ قَرَارٍ وَمَعِينٍ)..
(وَآوَيْنَاهُمَا إِلَىٰ رَبْوَةٍ ذَاتِ قَرَارٍ وَمَعِينٍ)، فقيل بيت المقدس، وقيل دمشق: (إِلَىٰ رَبْوَةٍ ذَاتِ قَرَارٍ وَمَعِينٍ)، وهناك أيضًا في دمشق مكان يُقال.. قيل أنها غوطة دمشق، وقيل أنه في مكان مرتفع وعنده ماء يجري. يُقال إن هذا الذي أوى إليه سيدنا عيسى مع أمه: (وَآوَيْنَاهُمَا إِلَىٰ رَبْوَةٍ ذَاتِ قَرَارٍ وَمَعِينٍ (50)).
ثم أخذ الحق يبين خطابه للرسل وأحوال الأمم، ولقد بين لنا ربنا البيان الكامل الشافي، له الحمد وله المنة. نسأله أن ينفعنا ويرفعنا بكلامه وذكره، إن الله يرفع بهذا الكتاب أقوامًا ويضع به آخرين.
اللهم ارفعنا ولا تضعنا، ارفعنا بالقرآن، واجعلنا من أهل القرآن، ومَن ترفع فلا خافض له، ومَن تخفض لا رافع له، فارفعنا بالقرآن، وانفعنا بالقرآن، وعُمَّنا بالغفران، واجعلنا عندك من أهل القرآن، وأَلِّف بيننا وبين الحرف منه والكلمة والآية والسورة ائتلافا لا يفارقنا طرفة عين، يظهر سره في القلوب والعقول وللأرواح، يوم يجيب الداعي ويغيث المستغيث، وأحيِ بالقرآن قلوب أهالينا وفي ديارنا وأولادنا، وانظر إلى الحاضرين وإلى السامعين وإلى المتابعين نظرة من عندك تُحيينا بها، تُحيي قلوبنا بالقرآن، وسر القرآن، ومَن أنزلت عليه القرآن، وارزقنا حسن متابعته في كل شأن، يا كريم يا منان يا أرحم الراحمين.
بسرِ الفاتحة
وإلى حضرةِ النَّبي اللَّهم صلِّ عليه وعلى آله وصحبه،
الفاتحة
07 ربيع الأول 1448