(25)
(475)
(635)
تفسير فضيلة العلامة الحبيب عمر بن محمد بن حفيظ للآيات الكريمة من سورة المؤمنون:
( وَلَقَدْ أَرْسَلْنَا نُوحًا إِلَى قَوْمِهِ فَقَالَ يَا قَوْمِ اعْبُدُوا اللَّهَ مَا لَكُمْ مِنْ إِلَهٍ غَيْرُهُ أَفَلا تَتَّقُونَ (23) فَقَالَ الْمَلأ الَّذِينَ كَفَرُوا مِنْ قَوْمِهِ مَا هَذَا إِلا بَشَرٌ مِثْلُكُمْ يُرِيدُ أَنْ يَتَفَضَّلَ عَلَيْكُمْ وَلَوْ شَاءَ اللَّهُ لأنزلَ مَلائِكَةً مَا سَمِعْنَا بِهَذَا فِي آبَائِنَا الأوَّلِينَ (24) إِنْ هُوَ إِلا رَجُلٌ بِهِ جِنَّةٌ فَتَرَبَّصُوا بِهِ حَتَّى حِينٍ (25) قَالَ رَبِّ انْصُرْنِي بِمَا كَذَّبُونِ (26) فَأَوْحَيْنَا إِلَيْهِ أَنِ اصْنَعِ الْفُلْكَ بِأَعْيُنِنَا وَوَحْيِنَا فَإِذَا جَاءَ أَمْرُنَا وَفَارَ التَّنُّورُ فَاسْلُكْ فِيهَا مِنْ كُلٍّ زَوْجَيْنِ اثْنَيْنِ وَأَهْلَكَ إِلَّا مَنْ سَبَقَ عَلَيْهِ الْقَوْلُ مِنْهُمْ وَلَا تُخَاطِبْنِي فِي الَّذِينَ ظَلَمُوا إِنَّهُمْ مُغْرَقُونَ (27) فَإِذَا اسْتَوَيْتَ أَنْتَ وَمَنْ مَعَكَ عَلَى الْفُلْكِ فَقُلِ الْحَمْدُ لِلَّهِ الَّذِي نَجَّانَا مِنَ الْقَوْمِ الظَّالِمِينَ (28) وَقُلْ رَبِّ أَنْزِلْنِي مُنْزَلًا مُبَارَكًا وَأَنْتَ خَيْرُ الْمُنْزِلِينَ (29) إِنَّ فِي ذَلِكَ لَآَيَاتٍ وَإِنْ كُنَّا لَمُبْتَلِينَ (30) )
مساء الاثنين 20 صفر الخير 1448هـ
الحمد لله على مِننه الكبيرة وأياديه الوفيرة، وعلى نعمة استِماعنا لكلام الله تبارك وتعالى وتأمّل معانيه، وبقائه بيننا كما أنزله المولى على قلب حبيبه محمد صلى الله عليه وآله وصحبه وسلم، مُستودَعًا بعده كل قلب يرتضيه وينتخِبه ويصطفيه، (بَلْ هُوَ آيَاتٌ بَيِّنَاتٌ فِي صُدُورِ الَّذِينَ أُوتُوا الْعِلْمَ) [العنكبوت:49] نفعنا الله بهم.
اللهم صلِّ وسلم على من أنزلت عليه الآيات البينات، وأحسن بيانها لنا، وتركنا على محجّة بيضاء ليلها كنهارها ساطِعة الإضاءات، صلِّ معه على آله المُطهّرين وأصحابه الغُرِّ الميامين، وعلى من والاهم فيك واتبّعهم بإحسان إلى يوم الدين.
وبعد،
تفسير قوله تعالى: (وَلَقَدْ أَرْسَلْنَا نُوحًا إِلَىٰ قَوْمِهِ فَقَالَ يَا قَوْمِ اعْبُدُوا اللَّهَ مَا لَكُم مِّنْ إِلَٰهٍ غَيْرُهُ ۖ أَفَلَا تَتَّقُونَ (23))
فإنّا في نِعمة تأمُّلنا لكلام ربّنا، انتهينا في أوائل سورة المؤمنين إلى قوله جلّ جلاله: (وَلَقَدْ أَرْسَلْنَا نُوحًا إِلَىٰ قَوْمِهِ فَقَالَ يَا قَوْمِ اعْبُدُوا اللَّهَ مَا لَكُم مِّنْ إِلَٰهٍ غَيْرُهُ أَفَلَا تَتَّقُونَ (23)) وكان -نوح- أول من أُرسل بالتوحيد؛ فإن الناس من عهد آدم إلى ما قبل زمن نوح، كان ليس فيهم أحد يشرك بالله شيئًا، وليس فيهم أحد يدّعي أنَّ مع الله إلهًا آخر، ولكن كان فيهم العِصيان والذنوب والآثام وكان الله يؤاخِذهم بها، وإذا أرسل فيهم الرسول فلم يؤمنوا ولم يستجيبوا ولم يرعووا عن غيّهم؛ أهلكهم.
ثم بدأ الشرك، وهو اعتِقاد أن مع الله إلهًا آخر، فكان أول من أُرسِل بالتوحيد، ونفي الشرك هو سيدنا نوح على نبينا وعليه أفضل الصلاة وأزكى التسليم، ولم تكن فِطرة الآدمية وعقولها تقبل الشريك مع الإله أصلًا، كما لم تكُن تقبل أنَّ الكون كُوِّن بغير مُكوِّن، وبغير إله، وبغير خالق، ذلك لا يقبله العقل، ولا تقبله الفِطرة الإنسانية وفِطرة الآدمي.
وبعد طول العهد وإرادة الشيطان الإغواء؛
وكل ذلك مُتأخر عن الزمن الأول الذي أنزل الله فيه آدم إلى الأرض، فما كانت العقول قابِلة لمثل هذا من أيّ آدمي قط؛ لقُربها من عهد الفِطرة والتكْوين الأول، فما كانت أصلًا تقبل أن يكون كون بغير إله، ولا إله ثاني مع الإله.. أمر لا يُقبل، حتى استطاع إبليس أن يُوصِل العقول إلى هذا الترذُّل، ولم يزل يسترسِل في ترذيل بني آدم حتى يُحوِّلهم إلى مسلوبي العقول، بل أحيانًا يُصرِّحون بذلك.
وكانوا أنواع أهل الزيغ والضلال في القرن الماضي وأوائل هذا القرن لا يستطيعون أن ينكروا العقل، حتى بعض العُلوم التجريبية والتجارب، وظهر في وقتكم وزمنكم من ينكِرها من أصلها، ومن لا يجعل للعقل مكانة لأنه فقدَ حقيقة عقله، وهكذا.
وشأنهم، كما نَطق الطفل -الصبي في فصل من الفصول الإبتدائية دخل إليهم مُلحِد يقول: يا طلاب لا تُصدِّقوا بشيء لا ترونه، هذا كله الكلام يجيئون به لكم أهل الدين وغيره -كلام فارغ- فلا تُصدِّقوا إلا بشيء ترونه، أي شيء تراه بعينك هو موجود، والذي لا تراه بعينك غير موجود.
فكان الأمر كذلك، هو غير موجود! لو كان يتكلّم بعقل لن يقُول هذا الكلام، كيف لا نصدّق إلا بالذي نراه؟! كلنا يُصدِّق بالألم، ولا يوم من الأيام بأعيننا رأيناه، تفهم؟! يأتيك ألم، أين هو؟ هل رأيته مرة بعينك؟ وإذا جاء أحد يقول: عندي ألم هنا، يأتي واحد ينظر، يقول: ما رأيت ألم، يوجد شَعر، يوجد بَشَر، ولكن لا أرى ألمًا!
يا مجنون، كثير أشياء موجودة لا تُبصِرُها العين عندك، ماذا تُبصِر؟! كم بصر العين؟! وكم تقدر؟ فالمعنويات كلها من وراء العين، وما وراء ذلك شؤون كثيرة، سبحان الخالق البارئ الموجِد.
فابتدأ الانحراف، ووصل بهم الآن إلى أنَّ ما كان تأنف منه الفِطرة، وتنفر عنه أشد النفرة -حتى من الفُسّاق وشرِّ شِرار أهل الأرض-، جاء لكم زمان أرادوا أن يُقننِّوا له، ويجعلوا له قانون، ويُقنِّنوا الشُذوذ، الشذوذ عند الإنسان الذي يتسامى عنه ويشمئز حتى أعداد الحيوانات، يعملون له قانون في دولهم! يعني انحِطاط إلى أبعد المعاني، (إِنْ هُمْ إِلَّا كَالْأَنْعَامِ بَلْ هُمْ أَضَلُّ) [الفرقان:44] كما قال عز وجل، -والعياذ بالله تبارك وتعالى-.
وهل أهل هذا الانحطاط يَصلُح أن يقودوا الناس؟! هم القُدوة لعباد الله؟! هم الذين سيجلبون للبشر الخير أو يسلِكون بهم مسلكًا حسنًا؟! ولكن إذا أراد الله أمرًا سلب أهل العقول عقولهم، فيا ربِّ ثبِّتنا على الحق والهدى.
ابتدأ إبليس وحرف الناس عن عبادة الله إلى عبادة غيره، وادَّعى أنَّ مع الله تعالى شريك، حتى توطّن الأمر في زمن نوح عليه السلام: (وَدًّا وَلَا سُوَاعًا وَلَا يَغُوثَ وَيَعُوقَ وَنَسْرًا) [نوح:23] وكانوا يعبُدونها ويعتقدون أنَّها آلهة من دون الله؛ تُقدِّم وتؤخِّر، وتنفع وتضر، وترفع وتخفض، إلى غير ذلك من الأوهام الباطِلة.
فجاء سيدنا نوح (وَلَقَدْ أَرْسَلْنَا)؛ سبحانك وما أعظم إرسالك، لك الحمد على نعمة الإرسال، وعلى نعمة خَتم الإرسال بنبينا ﷺ الذي أكملت به حقائق النبوة والرسالة وجعلتنا به خير أمة، اللهم لك الحمد.
(وَلَقَدْ أَرْسَلْنَا نُوحًا إِلَىٰ قَوْمِهِ فَقَالَ يَا قَوْمِ اعْبُدُوا اللَّهَ مَا لَكُم مِّنْ إِلَٰهٍ غَيْرُهُ ۖ أَفَلَا تَتَّقُونَ (23)) وعلى هذا الحال مضى الرسل، يقولون لكم: لا تقولوا للناس للكون إله؛ هذا أمر مُسلّم به كلٌ يعرفه -للكون وللخلق إله موجِد- لا أحد ينكر هذا على مدى القرون، حتى بعد نوح بقرون، ومرَّ الرسل كلهم فهم لا يقولون لكم إله، بل يقولون: لا إله إلا الله، ما في إله غيره، فوصلوا الآن بعد تطور إبليس -الشيطان- في الإضلال والإنزال للعقل حتى قالوا: لا يوجد إله! فلا حول ولا قوة إلا بالله.
وهكذا يتناقض الإنسان مع ما آتاه الله من نِعمة العقل ونعمة الفطرة بغلبة الشهوة والهوى وتسلُّط عدوِّه عليه -والعياذ بالله تبارك وتعالى- (أَفَرَأَيْتَ مَنِ اتَّخَذَ إِلَٰهَهُ هَوَاهُ وَأَضَلَّهُ اللَّهُ عَلَىٰ عِلْمٍ وَخَتَمَ عَلَىٰ سَمْعِهِ وَقَلْبِهِ وَجَعَلَ عَلَىٰ بَصَرِهِ غِشَاوَةً فَمَن يَهْدِيهِ مِن بَعْدِ اللَّهِ ۚ أَفَلَا تَذَكَّرُونَ) [الجاثية:23]، اللهم اهدنا فيمن هديت، وهو القائل في الحديث القدسي: "يا عبادي كلُّكم ضالٌّ إلَّا من هديتُه، فاستهدوني أهدِكُم"، اللهم اهدنا، اللهم اهدنا، اللهم اهدنا فيمن هديت.
يقول: (فَقَالَ يَا قَوْمِ اعْبُدُوا اللَّهَ مَا لَكُم مِّنْ إِلَٰهٍ غَيْرُهُ أَفَلَا تَتَّقُونَ)، أفلا تخافون أن يُصيبكم بطشهِ إذا عبدتم غيره، وادَّعيتم إلهًا معه؟ أفلا تتقون غضبه وبطشه ونِقمته وعذابه؟
(فَقَالَ الْمَلَأُ الَّذِينَ كَفَرُوا مِن قَوْمِهِ)؛ وهذه مُشكلات البشرية فيمن يتعالون فيهم، ويحتلُّون المنزلة بين أقوامهم في الأماكن المُختلفة والأوقات المُختلفة، وقومٌ غالِبَهم مُصابون بلوثة في الفِكر واستعمال العقل، فيخرجون عن حُسن استعمال العقل، فتأتي هذه الشُبه، وقد تكررت -سواء في قوم نوح أومن بعده-.
وبذا يتشبثون بشبهة وَهِم سواسية الناس، وسواسية الناس لا تأتي بمعناها الصحيح إلا أنَّهم:
أما أنَّهم يتساوون في:
وكل الذين يدّعون السواسية مِن خلال هذا الوَهم يتناقضون بذلك في واقعهم، وعندهم المدير ليس مثل الموظف، والوزير ليس مثل المدير، ورئيس الوزراء ليس مثل الوزير، عجيب! ورئيس الجمهورية ليس مثل رئيس الوزراء، وبعد ذلك!! ألا تقول أنَّ الناس سواسية؟! سواء سواء، لا يوجد فرق؟! يُصدِر الرئيس أمر، يُصدِر الجندي أمر، ويُصدِر الموظف أمر ويصدر..، كلها سواء؟! وكيف يعيش الناس، ولا الوحوش تعيش بمثل هذا! حتى الوحوش تُرَتِب نفسها بالترتيب.
ما معنى السواسية هذه التي يتحدّثون عنها؟
لا يتأتى أن يكون لها معنى صحيح؛ إلا أنهم في أحكام الله وأمام الأوامر والنواهي سواء، وأن خلْقهم وتكوينهم سواء ثم مرجعهم إلى الله -سبحانه وتعالى- سواء، هذا صحيح، وهذا الذي جاء به الأنبياء والرسل، وهذا الذي دعا إليه جميع أهل وحي الله -تبارك وتعالى- وأتباعهم من الصالحين.
وأمَّا أن يكون الصالح مثل الطالح، والصغير مثل الكبير، والذكر مثل الأنثى، والطويل مثل القصير، سواء سواء!! حتى ميزانهم جعلوه سواء كلهم! هذا عقل هذا؟! لا يتأتى، لا في أجسامهم ولا في صفاتهم أن يكونوا سواء.
أصل التكوين؛ مِن ماء وطين ثم (مِن سُلَالَةٍ مِّن مَّاءٍ مَّهِينٍ) [السجدة:8] هذا سواء، هذا الناس فيه سواء، ولهذا فإنَّ الجماعة هذه؛ المناصب الذين يُسمّوهم الأخيار -النخبة فيهم- عندهم مشكلة بشرية، لماذا عندهم مشكلة بشرية؟ هم يحتلون في المجتمع مَحل رفيع راقي ولا يريدون لأحد أن ينافسهم في الأول، وكيف يتبعون أحد وهم أَلِفوا أنَّ الناس يتبعونهم؟! فإذا صَدَّقوا برسالة هذا فواجب عليهم أن يتبعوه، فلهذا يقولون: هم بشر مثلنا! ويُكررون هذا الكلام وإلى اليوم يتكرر، حتى إذا ظهر صاحب خصوصية مِن صالح أو ولي أو غيره، يقولون: بشر، وإذا كان بشر يعني لا يوجد خصوصية؟! ما عاد له اعتبار بمزاياه التي يخصه الله تعالى بها؟!
(قَالُوا إِنْ أَنتُمْ إِلَّا بَشَرٌ مِّثْلُنَا تُرِيدُونَ أَن تَصُدُّونَا عَمَّا كَانَ يَعْبُدُ آبَاؤُنَا فَأْتُونَا بِسُلْطَانٍ مُّبِينٍ * قَالَتْ لَهُمْ رُسُلُهُمْ إِن نَّحْنُ إِلَّا بَشَرٌ مِّثْلُكُمْ وَلَٰكِنَّ اللَّهَ يَمُنُّ عَلَىٰ مَن يَشَاءُ مِنْ عِبَادِهِ) [إبراهيم:10-11] هم بشر ويجعل فيهم مرسلين، ويجعل فيهم أنبياء، ويجعل فيهم صالحين، ويجعل فيهم أتقياء، ويجعل فيهم أغنياء، ويجعل فيهم فقراء، وبعد ذلك؟! والبشر كلهم ما عاد لأحد فضيلة، ولا لأحد كرامة ولا رِفعة، أو يستوون في الفضل والكرامة عند الله؟!
ولا يمكن أبدًا، إلى الحد أن الباقي عند المغّفلين والمغرورين مِن العقل، أن يقولوا: اجعل أهل دارك وأهل المجتمع عندك؛ الذين يضرون والذين ينفعون سواء! والذين يأتون لك بالفلوس التي تحبها، وحسَّك غالب عليها، والذين يسرقون عليك الفلوس سواء! ليسوا سواء، لا ترضى عقلية تقول سواء! وبعد ذلك، ماذا أردت أن نحن سواء في ماذا ياهذا؟ أحضر عَقلك، تكلم بِرَويِّة وتَفَهَّم ماذا تقول وما وراء القول هذا؟!
ولكن إذا جاءت الأهواء ما عاد يبقى الإنسان، (وَلَوْ فَتَحْنَا عَلَيْهِم بَابًا مِّنَ السَّمَاءِ فَظَلُّوا فِيهِ يَعْرُجُونَ * لَقَالُوا إِنَّمَا سُكِّرَتْ أَبْصَارُنَا بَلْ نَحْنُ قَوْمٌ مَّسْحُورُونَ) [الحجر:14-15]، قالوا: يا محمد إن كنت صادق حقّ، شُقَّ القمر؟! أمر غريب، كواكب ربّي خلقها وآيات كيف يشقها؟ وهل الرسل يأتون ليشققوا الكواكب هم؟ هذه مهمتهم؟! ولكن تحدَّوا الحبيب ﷺ بهذا.
ودعا ربه فاجتمعوا ليلة النصف من شعبان، والسماء مُصحية، طلع القمر فانفلق فلقتين، وبعد ذلك لم يؤمنوا، لم يصدِّقوا! قال: (اقْتَرَبَتِ السَّاعَةُ وَانشَقَّ * وَإِن يَرَوْا آيَةً يُعْرِضُوا وَيَقُولُوا سِحْرٌ مُّسْتَمِرٌّ * وَكَذَّبُوا وَاتَّبَعُوا أَهْوَاءَهُمْ ۚ وَكُلُّ أَمْرٍ مُّسْتَقِرٌّ) [:1-3]
وهكذا يقولون لموسى: (قَالُوا يَا مُوسَى ادْعُ لَنَا رَبَّكَ بِمَا عَهِدَ عِندَكَ ۖ لَئِن كَشَفْتَ عَنَّا الرِّجْزَ لَنُؤْمِنَنَّ لَكَ وَلَنُرْسِلَنَّ مَعَكَ بَنِي إِسْرَائِيلَ * فَلَمَّا كَشَفْنَا عَنْهُمُ الرِّجْزَ إِلَىٰ أَجَلٍ هُم بَالِغُوهُ إِذَا هُمْ يَنكُثُونَ) [الأعراف:134-135] ولا شيء.
يا موسى (يَا مُوسَى ادْعُ لَنَا رَبَّكَ)، (لَئِن كَشَفْتَ عَنَّا الرِّجْزَ لَنُؤْمِنَنَّ لَكَ وَلَنُرْسِلَنَّ مَعَكَ بَنِي إِسْرَائِيلَ) ولما كشفنا عنهم الرجز رجعوا، لا حول ولا قوة إلا بالله العلي العظيم، بل قالوا: لو أعِدناهم من الآخرة، وعاينوا وشاهدوا أمامهم ما أخبر به الرسل من الجنة والنار والنعيم والعذاب، ورجعوا إلى الدنيا لقالوا: ذاك مرائي، سحَرنا ونحن مكذبون، (وَلَوْ رُدُّوا لَعَادُوا لِمَا نُهُوا عَنْهُ وَإِنَّهُمْ لَكَاذِبُونَ) [الأنعام:28]
فيا ربِّ ثبِّتنا واهدِ قلوبنا، لا هادي إلا هو -سبحانه وتعالى-، إِنَّ اللَّهَ يَهْدِي مَنْ يَشَاءُ، (مَا لَكُم مِّنْ إِلَٰهٍ غَيْرُهُ أَفَلَا تَتَّقُونَ) [الأعراف:65].
تفسير قوله تعالى: (فَقَالَ الْمَلَأُ الَّذِينَ كَفَرُوا مِن قَوْمِهِ مَا هَٰذَا إِلَّا بَشَرٌ مِّثْلُكُمْ يُرِيدُ أَن يَتَفَضَّلَ عَلَيْكُمْ وَلَوْ شَاءَ اللَّهُ لَأَنزَلَ مَلَائِكَةً مَّا سَمِعْنَا بِهَٰذَا فِي آبَائِنَا الْأَوَّلِينَ (24))
(فَقَالَ الْمَلَأُ الَّذِينَ كَفَرُوا مِن قَوْمِهِ مَا هَٰذَا إِلَّا بَشَرٌ مِّثْلُكُمْ) نوح ناشئ بينهم، مميز في أخلاقه، مميز في أدبه، مميز في صدقه، طول عمره بينهم ما جرَّبوا عليه كذبة واحدة، ولما نُبِّئ وقد جاوز الأربعين وجاء يُكلِّمهم، قالوا: بشر مثلنا! بعد ذلك فإن الملحظ عندهم، هو هذا مصيبة النفوس، أنَّها تريد السلطة والنفوذ والمكانة بين الناس، (يُرِيدُ أَن يَتَفَضَّلَ عَلَيْكُمْ) هذا شُغلكم أنتم وليس شغل الأنبياء، الأنبياء لا يريدون منزلة عند أحد ولا يتفضّلون؛
لكن مقاصد الجماعة أولئك؟ يتأمرون ويتنمرون ويتعالون بين الناس، يقولون: هذا ينازعنا، يريد أن يأخذ مكانتي!
بل هذا جاء بدعوة حق، لا يريد مكانتك ولا قيمة عنده للمنزلة عند الخلق، إنَّه يخاف ربه، يخاف ربه مِن فوقه ويطلب المنزلة عنده، وهذا يظن أنه مثله؛
إِذا ساءَ فِعلُ المَرءِ ساءَت ظُنونُهُ ** وَصَدَّقَ ما يَعتادُهُ مِن تَوَهُّمِ
مثلهم: (يُرِيدُ أَن يَتَفَضَّلَ عَلَيْكُمْ) هذا نوح يريد أن يصبح رئيسنا، يريد أن يكون أمير فينا لنتبعه وهو المتبوع ونحن تابعين، ولا قصَد نوح هذا! قصْد نوح أن تنقذوا أنفسكم من الكفر والظلمة والشك والفساد إلى الهدى والصلاح، تسعدون في الدنيا وفي الآخرة.
(فَقَالَ الْمَلَأُ الَّذِينَ كَفَرُوا مِن قَوْمِهِ مَا هَٰذَا إِلَّا بَشَرٌ مِّثْلُكُمْ يُرِيدُ أَن يَتَفَضَّلَ عَلَيْكُمْ)، ويبحثون عن حِجج، ولا توجد حِجج: (وَلَوْ شَاءَ اللَّهُ لَأَنزَلَ مَلَائِكَةً) وهل حصل أنَّ الله قد أرسل رسُل إلى الخلق من الملائكة؟ من أيام آدم حتى اليوم، ملائكة رسُل؟! رسل إلى الرسل؛ ملائكة ينزلون، ولكن البشر بينهم البين (قُل لَّوْ كَانَ فِي الْأَرْضِ مَلَائِكَةٌ يَمْشُونَ مُطْمَئِنِّينَ لَنَزَّلْنَا عَلَيْهِم مِّنَ السَّمَاءِ مَلَكًا رَّسُولًا) [الإسراء:95]، ملَك مع ملَك، لكن أنتم بشر، نرسل لكم ملائكة؟ ستقولون إن خلْقهم غير خَلْقنا وتكوينهم غير تكويننا، وكيف يكونون قدوة لنا؟ نرسل واحد منكم (وَمَا أَرْسَلْنَا قَبْلَكَ مِنَ الْمُرْسَلِينَ إِلَّا إِنَّهُمْ لَيَأْكُلُونَ الطَّعَامَ وَيَمْشُونَ فِي الْأَسْوَاقِ) [الفرقان:20]، وهم يقولون بشر.
(وَلَوْ شَاءَ اللَّهُ لَأَنزَلَ مَلَائِكَةً مَّا سَمِعْنَا بِهَٰذَا فِي آبَائِنَا الْأَوَّلِينَ (24)) ما هذه المصيبة الثانية عند العقليات هذه التي يسمَّونهم الملأ؟! الملأ تعني النخبة والُمعتلين بين قومهم والأشراف بين قومهم؛ ملأ، عندهم مشكلة ثانية: أنَّهم يرون أنفسهم أنَّ العِلم كله عندهم، وأنّهم لا يخفى عليهم شيء، (مَّا سَمِعْنَا بِهَٰذَا)! إذا أنتم ماسمعتم! فأنتم جُهال، وحصل واحد واثنين وثلاثة وأربعة قبلكم، كلهم يقولون نحن ما سمعنا! إذا أنتم ما سمعتم، هل انتهى الأمر! قال فرعون: (مَا أُرِيكُمْ إِلَّا مَا أَرَىٰ وَمَا أَهْدِيكُمْ إِلَّا سَبِيلَ الرَّشَادِ) [غافر:29]، لا يوجد إلا رأيه فقط، هذه مصيبتهم إلى اليوم، مصيبتهم إلى اليوم، من القرون الماضية إلى اليوم هذه مصيبتهم، (مَّا سَمِعْنَا بِهَٰذَا فِي آبَائِنَا الْأَوَّلِينَ)، العلم عندنا وحدنا فقط! وأي علم ليس عندنا ما هو بعلم.
وسيدنا إبراهيم يقول لأبيه: (يَا أَبَتِ إِنِّي قَدْ جَاءَنِي مِنَ الْعِلْمِ مَا لَمْ يَأْتِكَ فَاتَّبِعْنِي أَهْدِكَ صِرَاطًا سَوِيًّا) [مريم:34]، وهؤلاء يقولون: (مَّا سَمِعْنَا بِهَٰذَا فِي آبَائِنَا الْأَوَّلِينَ)، بعد ذلك يقولون: أنَّ العلم مَحصُورٌ عندنا، وكل واحد بحسب تحليلنا، نحن نصنِّفه ونحلَّله.
تفسير قوله تعالى: (إِنْ هُوَ إِلَّا رَجُلٌ بِهِ جِنَّةٌ فَتَرَبَّصُوا بِهِ حَتَّىٰ حِينٍ (25))
(إِنْ هُوَ إِلَّا رَجُلٌ بِهِ جِنَّةٌ)، هذا الرجل مجنون، مجنون! عاش بينكم من أيام صغره؛ عنده الفطنة، والذكاء، والانتظام، والآداب، ثم يقولون إنه مجنون؟ كيف مجنون؟!
(رَجُلٌ بِهِ جِنَّةٌ)، أصابه جنون.
(إِنْ هُوَ إِلَّا رَجُلٌ بِهِ جِنَّةٌ فَتَرَبَّصُوا بِهِ)؛ يعني اتركوه واسكتوا عنه واصبروا عليه، (حَتَّىٰ حِينٍ)، بعد مدة نرى حتى يموت، وإلا نكفاه بأي شيء، لا حول ولا قوة إلا بالله.
(إِنْ هُوَ إِلَّا رَجُلٌ بِهِ جِنَّةٌ فَتَرَبَّصُوا بِهِ حَتَّىٰ حِينٍ (25))، فلبث فيهم كما قال الله: (أَلْفَ سَنَةٍ إِلَّا خَمْسِينَ عَامًا) [العنكبوت:14]، صابر عليهم، وهم بأهوائهم يتواصُون بينهم البين:
وهو صابر؛ ليس سنة، ولا سنتين، ولا ثلاث، ولا أربع، ولا مئة، مائتين، ثلاثمائة سنة، أربع مئة سنة، (كُلَّمَا دَعَوْتُهُمْ لِتَغْفِرَ لَهُمْ جَعَلُوا أَصَابِعَهُمْ فِي آذَانِهِمْ وَاسْتَغْشَوْا ثِيَابَهُمْ وَأَصَرُّوا وَاسْتَكْبَرُوا اسْتِكْبَارًا) [نوح:7]
قال النبي نوح: أنا بذلت جهدي كله، وما استطعت في هدايتهم ودعْوتهم قمت بها (قَالَ رَبِّ إِنِّي دَعَوْتُ قَوْمِي لَيْلًا وَنَهَارًا) [نوح:5]، (ثُمَّ إِنِّي دَعَوْتُهُمْ جِهَارًا * ثُمَّ إِنِّي أَعْلَنتُ لَهُمْ وَأَسْرَرْتُ لَهُمْ إِسْرَارًا)، وأظهرت لهم (فَقُلْتُ اسْتَغْفِرُوا رَبَّكُمْ إِنَّهُ كَانَ غَفَّارًا* يُرْسِلِ السَّمَاءَ عَلَيْكُم مِّدْرَارًا * وَيُمْدِدْكُم بِأَمْوَالٍ وَبَنِينَ وَيَجْعَل لَّكُمْ جَنَّاتٍ وَيَجْعَل لَّكُمْ أَنْهَارًا * مَّا لَكُمْ لَا تَرْجُونَ لِلَّهِ وَقَارًا * وَقَدْ خَلَقَكُمْ أَطْوَارًا * أَلَمْ تَرَوْا كَيْفَ خَلَقَ اللَّهُ سَبْعَ سَمَاوَاتٍ طِبَاقًا * وَجَعَلَ فِيهِنَّ نُورًا وَجَعَلَ الشَّمْسَ سِرَاجًا) [نوح:8-16]، آياته واضحة بين أيديهم.
صبر سيدنا نوح، بعد تسعمائة وخمسين سنة، (وَأُوحِيَ إِلَىٰ نُوحٍ أَنَّهُ لَن يُؤْمِنَ مِن قَوْمِكَ إِلَّا مَن قَدْ آمَنَ) [هود:36]، لا أحد سيدخل في الإسلام بعد ذلك، ولا حتى واحد سيدخل في هذا الدين.
تفسير قوله تعالى: (قَالَ رَبِّ انصُرْنِي بِمَا كَذَّبُونِ (26))
(قَالَ رَبِّ انصُرْنِي بِمَا كَذَّبُونِ (26))، (وَقَالَ نُوحٌ رَّبِّ لَا تَذَرْ عَلَى الْأَرْضِ مِنَ الْكَافِرِينَ دَيَّارًا) [نوح:26] لكن بعدما جاء له النبأ أنَّه لا أحد منهم يؤمن، قال: (إِنَّكَ إِن تَذَرْهُمْ يُضِلُّوا عِبَادَكَ وَلَا يَلِدُوا إِلَّا فَاجِرًا كَفَّارً) [نوح:27] معه الخبر هذا من السماء، فدعا عليهم، -لا إله إلا الله-.
(قَالَ رَبِّ انصُرْنِي بِمَا كَذَّبُونِ)، تكذيبهم إياي هذا وإصرارهم فانصرني.
تفسير قوله تعالى: (فَأَوْحَيْنَا إِلَيْهِ أَنِ اصْنَعِ الْفُلْكَ بِأَعْيُنِنَا وَوَحْيِنَا فَإِذَا جَاءَ أَمْرُنَا وَفَارَ التَّنُّورُ ۙ فَاسْلُكْ فِيهَا مِن كُلٍّ زَوْجَيْنِ اثْنَيْنِ وَأَهْلَكَ إِلَّا مَن سَبَقَ عَلَيْهِ الْقَوْلُ مِنْهُمْ ۖ وَلَا تُخَاطِبْنِي فِي الَّذِينَ ظَلَمُوا ۖ إِنَّهُم مُّغْرَقُونَ (27))
قال الله: (فَأَوْحَيْنَا إِلَيْهِ أَنِ اصْنَعِ الْفُلْكَ) -السفينة- (بِأَعْيُنِنَا) عنايتنا ورعايتنا لك، وتأييدنا إياك، وحفظنا لك، وتَحَنُّنِنَا عليك.
(بِأَعْيُنِنَا وَوَحْيِنَا)، أمرنا، أمرنا أن نقول لك اعمل كذا، اعمل كذا، رَتِّب كذا، فأخذ يبني السفينة، والجماعة يزيدون في الاستهزاء، يقولون إنَّ النبي هذا الذي أتى ليدّعي النبوة، أصبح نجار! أنظر إلى الرجل النجار! (وَكُلَّمَا مَرَّ عَلَيْهِ مَلَأٌ مِّن قَوْمِهِ سَخِرُوا مِنْهُ قَالَ إِن تَسْخَرُوا مِنَّا فَإِنَّا نَسْخَرُ مِنكُمْ كَمَا تَسْخَرُونَ * فَسَوْفَ تَعْلَمُونَ مَن يَأْتِيهِ عَذَابٌ يُخْزِيهِ وَيَحِلُّ عَلَيْهِ عَذَابٌ مُّقِيمٌ) [هود:38- 39] غاية في البيان، والإنذار والشفقة عليهم، ولكن أصروا.
(أَنِ اصْنَعِ الْفُلْكَ بِأَعْيُنِنَا وَوَحْيِنَا فَإِذَا جَاءَ أَمْرُنَا وَفَارَ التَّنُّورُ فَاسْلُكْ فِيهَا) فجاء الوقت، وجعل الله له علامة؛ التنور، قيل إنَّه باقٍ من عهد آدم عليه السلام، كان عند النبي نوح، يقول: هذا التنور إذا أردتك أن تركب في السفينة وتُركِب معك من أمرتك إركابه فيها، فسيرتفع فيه الماء ويفور، فإذا فار فهذا اليوم الذي تركب فيه السفينة، علامة بينه وبين الله، فجاء اليوم.
(فَإِذَا جَاءَ أَمْرُنَا وَفَارَ التَّنُّورُ) أصبح الفجر وفار التنور، (فَاسْلُكْ فِيهَا) أي ادخل فيها، في السفينة (فَاسْلُكْ فِيهَا) ادخل فيها (مِن كُلٍّ زَوْجَيْنِ اثْنَيْنِ) ذكرًا وأنثى من الحيوانات هذه الموجودة عندك كلها، واركِبها معك، والذين آمنوا معك، (وَأَهْلَكَ إِلَّا مَن سَبَقَ عَلَيْهِ الْقَوْلُ مِنْهُمْ) زوجته وابنه هذا الذي لم يؤمن، بقية أبنائه ركبوا معه، زوجته لم تكن معه، وابنه هذا الذي أصرَّ على الكفر ليس معه.
(وَأَهْلَكَ إِلَّا مَن سَبَقَ عَلَيْهِ الْقَوْلُ مِنْهُمْ)، وسأغرق الجميع (وَلَا تُخَاطِبْنِي فِي الَّذِينَ ظَلَمُوا) سبق الحكم مني عليهم بعد هذا الذي عملوه كله؛ تسعمائة وخمسين سنة وأنت صابر عليهم، الآن أهلكهم واغرقهم ولا تكلمني في أحد، لا تقُل لي، ولا تخاطبني في أحد (وَلَا تُخَاطِبْنِي فِي الَّذِينَ ظَلَمُوا إِنَّهُم مُّغْرَقُونَ (27)) سبق الحكم عليهم مني، أغرقهم ولا أبقي فيهم واحد.
تفسير قوله تعالى: (فَإِذَا اسْتَوَيْتَ أَنتَ وَمَن مَّعَكَ عَلَى الْفُلْكِ فَقُلِ الْحَمْدُ لِلَّهِ الَّذِي نَجَّانَا مِنَ الْقَوْمِ الظَّالِمِينَ (28))
(فَإِذَا اسْتَوَيْتَ أَنتَ وَمَن مَّعَكَ عَلَى الْفُلْكِ فَقُلِ الْحَمْدُ لِلَّهِ الَّذِي نَجَّانَا مِنَ الْقَوْمِ الظَّالِمِينَ (28)) وركب في السفينة ومن معه، وقال لولده آمن وأدخل، قال: (قَالَ سَآوِي إِلَىٰ جَبَلٍ يَعْصِمُنِي مِنَ الْمَاءِ) [هود:43]، سأصعد في جبل لن يصلني الماء؛ هذا الذي تخوِّفني به، (قَالَ لَا عَاصِمَ الْيَوْمَ مِنْ أَمْرِ اللَّهِ إِلَّا مَن رَّحِمَ ۚ وَحَالَ بَيْنَهُمَا الْمَوْجُ فَكَانَ مِنَ الْمُغْرَقِينَ)، [هود:43]، والعياذ بالله سبحانه وتعالى.
(فَفَتَحْنَا أَبْوَابَ السَّمَاءِ بِمَاءٍ مُّنْهَمِرٍ * وَفَجَّرْنَا الْأَرْضَ عُيُونًا فَالْتَقَى الْمَاءُ عَلَىٰ أَمْرٍ قَدْ قُدِرَ * وَحَمَلْنَاهُ عَلَىٰ ذَاتِ أَلْوَاحٍ وَدُسُرٍ) يا رب ألواح خشب ودسر -مسامير- كيف ستكون في المياه هذه كلها؟ قال: (تَجْرِي بِأَعْيُنِنَا) رعايتنا وعنايتنا معه، وهل يقدر ماء أو غير ماء أن يضرَّ من دوني؟ -لا إله إلا الله-، (تَجْرِي بِأَعْيُنِنَا جَزَاءً لِّمَن كَانَ كُفِرَ) [القمر:11-14]، عليه سلام الله، تعب وصبر وأنجاه الله تعالى.
ثم من رجب إلى محرم، ركب السفينة في شهر رجب، وطلع رجب وشعبان ورمضان وشوال والقعدة وذي الحجة، ومحرم، (وَقِيلَ يَا أَرْضُ ابْلَعِي مَاءَكِ وَيَا سَمَاءُ أَقْلِعِي وَغِيضَ الْمَاءُ وَقُضِيَ الْأَمْرُ وَاسْتَوَتْ عَلَى الْجُودِيِّ) [هود:44].
تفسير قوله تعالى: (وَقُل رَّبِّ أَنزِلْنِي مُنزَلًا مُّبَارَكًا وَأَنتَ خَيْرُ الْمُنزِلِينَ (29))
قال: (وَقُل رَّبِّ أَنزِلْنِي مُنزَلًا مُّبَارَكًا)، (رَّبِّ أَنزِلْنِي مُنزَلًا): قراءة عامة القراء، وفي قراءة عن عاصم: (مَنزِلًا مُّبَارَكًا)، أي مكانًا مباركًا، (مُنزَلًا): أي إنزالًا، الإنزال المبارك، (وَأَنتَ خَيْرُ الْمُنزِلِينَ (29)) خير من تُكرم عبادك بالنُزل والتهيئة.
تفسير قوله تعالى: (إِنَّ فِي ذَٰلِكَ لَآيَاتٍ وَإِن كُنَّا لَمُبْتَلِينَ (30))
(إِنَّ فِي ذَٰلِكَ لَآيَاتٍ) في هلاكهم، وفي صبر نوح عليهم، وفي ما انتهى أمرهم؛ آيات.
(وَإِن كُنَّا لَمُبْتَلِينَ) نختبر العباد بإرسال الرسل، وإنزال الكتب، وبيان الحجج، وهلاك المُتمردين، ونصر المرسلين (وَإِن كُنَّا لَمُبْتَلِينَ (30))؛ مختبرين للعباد.
اللهم ارزقنا كمال الإيمان واليقين والتوفيق، وأعِذنا من كل سوء أحاط به علمك، وادفع عنا كل تعويق يحول بيننا وبين شهودك الأسنى بمرآة حبيبك الأصفى، في جميع شؤوننا؛ حتى نعيش في الحياة نعبدك وكأننا نراك، ونلقاك وأنت راضٍ عنا، نُحب لقاءك وأنت تُحب لقاءنا يارب العالمين، يا ملك الأملاك.
اللهم ثبتنا على الحق فيما نقول، ثبتنا على الحق فيما نفعل، ثبتنا على الحق فيما نعتقد، واعصمنا من الشرك واغفر لنا ما دون ذلك يا خير الغافرين.
بسر الفاتحة
إلى حضرة النبي محمد ﷺ
الفاتحة
23 صفَر 1448