تفسير سورة الحج -17- من قوله تعالى {وَهُوَ الَّذِي أَحْيَاكُمْ ثُمَّ يُمِيتُكُمْ ثُمَّ يُحْيِيكُمْ.. (66)} إلى الآية 72

للاستماع إلى الدرس

تفسير فضيلة العلامة الحبيب عمر بن محمد بن حفيظ للآيات الكريمة من سورة الحج:

{وَهُوَ الَّذِي أَحْيَاكُمْ ثُمَّ يُمِيتُكُمْ ثُمَّ يُحْيِيكُمْ ۗ إِنَّ الْإِنسَانَ لَكَفُورٌ (66) لِّكُلِّ أُمَّةٍ جَعَلْنَا مَنسَكًا هُمْ نَاسِكُوهُ ۖ فَلَا يُنَازِعُنَّكَ فِي الْأَمْرِ ۚ وَادْعُ إِلَىٰ رَبِّكَ ۖ إِنَّكَ لَعَلَىٰ هُدًى مُّسْتَقِيمٍ (67) وَإِن جَادَلُوكَ فَقُلِ اللَّهُ أَعْلَمُ بِمَا تَعْمَلُونَ (68) اللَّهُ يَحْكُمُ بَيْنَكُمْ يَوْمَ الْقِيَامَةِ فِيمَا كُنتُمْ فِيهِ تَخْتَلِفُونَ (69) أَلَمْ تَعْلَمْ أَنَّ اللَّهَ يَعْلَمُ مَا فِي السَّمَاءِ وَالْأَرْضِ ۗ إِنَّ ذَٰلِكَ فِي كِتَابٍ ۚ إِنَّ ذَٰلِكَ عَلَى اللَّهِ يَسِيرٌ (70) وَيَعْبُدُونَ مِن دُونِ اللَّهِ مَا لَمْ يُنَزِّلْ بِهِ سُلْطَانًا وَمَا لَيْسَ لَهُم بِهِ عِلْمٌ ۗ وَمَا لِلظَّالِمِينَ مِن نَّصِيرٍ (71) وَإِذَا تُتْلَىٰ عَلَيْهِمْ آيَاتُنَا بَيِّنَاتٍ تَعْرِفُ فِي وُجُوهِ الَّذِينَ كَفَرُوا الْمُنكَرَ ۖ يَكَادُونَ يَسْطُونَ بِالَّذِينَ يَتْلُونَ عَلَيْهِمْ آيَاتِنَا ۗ قُلْ أَفَأُنَبِّئُكُم بِشَرٍّ مِّن ذَٰلِكُمُ النَّارُ وَعَدَهَا اللَّهُ الَّذِينَ كَفَرُوا وَبِئْسَ الْمَصِيرُ (72)}

الإثنين 1 ذو الحجة 1447هـ

من أبرز ما جاء في الدرس:

  • تحذير من جحود الإنسان ونسيانه نِعَم الله وبدايته ونهايته.
  • لكل أمة جعل الله شريعة ومناسك تعبُّدية تهتدي بها إلى النجاة.
  • توجيه النبي ﷺ إلى عدم الالتفات لمنازعة المكذبين والجدال العقيم.
  • رد على المجادلين بأن الله أعلم بأعمالهم وسيحكم بينهم يوم القيامة.
  • بطلان عبادة غير الله من أصنام أو أهواء أو شهوات.
  • حال الكفار إذا تُتلى عليهم الآيات.

نص الدرس:

الحمدلله مُكرمنا بأنوار الوحي والتنزيل، والبيان على لسان عبده المصطفى الهادي إلى سواء السبيل، سيدنا محمد صلى الله وسلم وبارَك وكرَّم عليه، وعلى آله وصحبه وأهل ولائه واتِّباعه في النية والفعل والقيل، وعلى آبائه وإخوانه من الأنبياء والمرسلين وآلهم وصحبهم وتابعيهم، وعلى جميع ملائكة الله المُقَرَبين وجميع عباد الله الصالحين، وعلينا معهم وفيهم إنه أكرم الأكرمين وأرحم الراحمين.

أمَّا بعد؛

فإنَّنا في نعمة تأمُّلنا لخطاب ربنا وكلامه، وتوجيهه وتعليمه ووحيه وتنزيله الذي نَزَّله على قلب حبيبه صلى الله عليه وعلى آله وصحبه وسلم، وصلنا في سورة الحج إلى قوله جلَّ جلاله: (وَهُوَ الَّذِي أَحْيَاكُمْ ثُمَّ يُمِيتُكُمْ ثُمَّ يُحْيِيكُمْ إِنَّ الْإِنسَانَ لَكَفُورٌ (66)) لقد كُنا عدمًا، ثم كوَّن لنا سبحانه أصل أجسادنا من طين، (ثُمَّ جَعَلَ نَسْلَهُ مِن سُلَالَةٍ مِّن مَّاءٍ مَّهِينٍ) [السجدة:8] نطفة وعلقة ومُضغة وعظامًا تُكسى لحمًا ثم يُنفخ فيها الروح.

(وَهُوَ الَّذِي أَحْيَاكُمْ) ولم تكونوا شيء! (ثُمَّ يُمِيتُكُمْ) وأنتم تشهدون ذلك، فإذا كان هو الذي أحيا وأمات، فما الذي يمنعه يحيي مُرة ثانية؟!

(ثُمَّ يُحْيِيكُمْ) من أين وجه الاستشكال هذا؟ ما هو إلّا مِن قصور نظر الإنسان، بل من تناقضه مع عقله ومنطق العقل، فإنَّ الذي أوجدَ أول مرة لا يصعب عليه أن يوجد مرة ثانية، بل يكون أسهل: (وَهُوَ الَّذِي يَبْدَأُ الْخَلْقَ ثُمَّ يُعِيدُهُ وَهُوَ أَهْوَنُ عَلَيْهِ) [الروم:27] -جلَّ جلاله وتعالى في علاه-. 

(قَالَ مَن يُحْيِي الْعِظَامَ وَهِيَ رَمِيمٌ * قُلْ يُحْيِيهَا الَّذِي أَنشَأَهَا أَوَّلَ مَرَّةٍ) [يس:78-79] هل أول مرة استعان بك؟! أم طلب من حكومتك تصنعها؟! مَن صنعها؟ قل لي أين محل العظم في النطفة؟ ابحث أين العظم في النطفة، وكيف تتحول هذه النطفة المَذِرة إلى عظم قوي صلب مثل الحجر، مثل الجبل؟ كيف هذا؟ وأطوال وأصناف؛ شيء أصابع، وشيء أعضاد، وشيء سواعد، وشيء أقدام، وشيء سيقان، وشيء فخوذ! ما هذا! ما هذا! ومنه ما هو مُركّب تركيب آخر في نواحي البطن، ومنه ما هو مستقيم في الظهر، أين هذا وسط النطفة؟ (قُلْ يُحْيِيهَا الَّذِي أَنشَأَهَا أَوَّلَ مَرَّةٍ) [يس:79].

(وهو الذي أحياكم) أما تَشهَدون؟! (ثم يميتكم) أما تُشاهِدون؟! (ثُمَّ يُحْيِيكُمْ) فأين المشكلة؟ كيف تكذِّبون الأنبياء بما يُبلّغونكم عنَّا من إحيائنا لكم بعد مماتكم؟ وبعْثنا إياكم ومخاطبتنا ومحاسبتنا؟

(إِنَّ الْإِنسَانَ لَكَفُورٌ) مُناكِر جاحد، ينسى البداية ويُنكر النهاية، ينسى ما أُنعِم عليه به من تكوين بديع وإتمام خَلق وتسخير للكائنات، وينسى كل هذا ويكفر -والعياذ بالله تعالى- ويُكَذِّب المرسلين (إِنَّ الْإِنسَانَ لَكَفُورٌ) جحود يجحد مِنَنَ الله ونِعَمَه.

فبقي تخلُّص الناس من هذه النقائص هو الكمال الإنساني، الكمال الآدمي، الكمال البشري، أن تتخلى من النقائص هذه التي تحتوشك، فإذا:

  • آمنت بالله وبنِعَمه.
  • وقوي الإيمان به.
  • وصِرتَ على حال الأدب معه في حُسن الامتثال لأمره، والاجتناب لزجره.
  • وترقّيتَ بذلك في مراقي الشهود؛

انتفى عنك كل نقائص الكفر والجحود بالنعم، وصرت مع المُنعِم فيما خصّ وفيما عم، وحينئذٍ تنال نسبتك من الكمال الآدمي والكمال الإنساني، الذي لم تجتمع معانيه في بشرٍ كما اجتمعت في محمدٍ خير البشر، فهو الإنسان الكامل ﷺ، الذي هو في ذُرى الكمال الإنساني صلوات ربي وسلامه عليه، وذُرى الكمال الخلقي والكَون كله صلوات ربي وسلامه عليه.

قال: (إِنَّ الْإِنسَانَ لَكَفُورٌ (66) لِّكُلِّ أُمَّةٍ جَعَلْنَا مَنسَكًا هُمْ نَاسِكُوهُ (67)) يقول الله تعالى: (وَإِن مِّنْ أُمَّةٍ إِلَّا خَلَا فِيهَا نَذِيرٌ) [فاطر:24]، (لِكُلٍّ جَعَلْنَا مِنكُمْ شِرْعَةً وَمِنْهَاجًا) [المائدة:48].

(لِّكُلِّ أُمَّةٍ جَعَلْنَا مَنسَكًا) شريعةً، أو تتضمَّن أماكن عبادة يعتادونها، وتتضمن ذبائح يذبحونها تقربًا إلى الله، كَمِثل الأضاحي والهدايا التي تُهدى إلى الحرم، ومكانًا يحجّونه كالكعبة المشرفة وضعت للناس كلهم.

(لِّكُلِّ أُمَّةٍ جَعَلْنَا مَنسَكًا) شريعة تتضمّن المكان الذي يُقصد للعبادة، وتتضمن الذبائح التي تذبَح لأجل الله سبحانه وتعالى، وتتضمن الحج إلى بيته وما إلى ذلك.

(لِّكُلِّ أُمَّةٍ جَعَلْنَا مَنسَكًا هُمْ نَاسِكُوهُ) أي نَجاتُهم وفوزهم باتباع هذا الأمر الذي شرعناه لهم، إذًا: (وَلِكُلِّ قَوْمٍ هَادٍ) [الرعد:7]، (وَإِن مِّنْ أُمَّةٍ إِلَّا خَلَا فِيهَا نَذِيرٌ) [فاطر:24] وأنت جئت خاتمًا للأنبياء والمرسلين.

(فَلَا يُنَازِعُنَّكَ فِي الْأَمْرِ (67)) ما معنى (فَلَا يُنَازِعُنَّكَ فِي الْأَمْرِ)؟ لا تقبل نزاعهم ولا محاولة تشويشهم، ولا تحزن من تكذيبهم.

(فَلَا يُنَازِعُنَّكَ فِي الْأَمْرِ) بمعنى لا تنازعهم، فالأمر واضح بيِّن، أنت على هدى، وأنت على حق، وأنت في ختم النبيين ولإتمام معاني النبوة بكلا الخَلق والهدى كله معك والحق كله معك، وكل ما خالفك فهو الباطل.

(فَلَا يُنَازِعُنَّكَ فِي الْأَمْرِ) كما تقول: لا يخاصمك فلان، يعني؛ لا تخاصمه، لا تباريه، أعرِض عنه، تقول: لا يضربنك فلان ما معناه؟ معناه لا تضربه، أبعد منه، اتركه.

(فَلَا يُنَازِعُنَّكَ فِي الْأَمْرِ) يعني لا تنازعهم، اتركهم وجميع تقوّلاتهم وادعاءاتهم، أقِم الحجة ليقبلها كل منصف عاقل، ولا عليك من كثرة كلامهم (فَلَا يَحْزُنكَ قَوْلُهُمْ إِنَّا نَعْلَمُ مَا يُسِرُّونَ وَمَا يُعْلِنُونَ) [يس:76].

فالأصفياء الأتقياء لا يضرهم هذه التشويشات والكلام، وإن كانت تتخطف من بين المسلمين ضعفاء الإيمان وضعفاء العقول وضعفاء الوجهة، يتأثرون مِن أقاويل، كل ساعة يأتون لهم بشُبهة، كل ساعة يأتون لهم بفكرة، كل ساعة يأتون لهم بصورة، كل ساعة يأتون لهم بشيء مخالف في الفكر، كل ساعة يأتون لهم بشيء مخالف في السلوك والخُلق وهم يقولون آه آه آه، أوه أوه أوه! 

الأمر واضح والطريق بيِّن؛ خُذ لا إله إلا الله بحقها، وأنك استضأت المسلك كله، خذ لا إله إلا الله محمد رسول الله بحقها، والأقاويل هذه كلها باطلة لا شيء وراءها، ولا تحتها شيء.

(فَلَا يُنَازِعُنَّكَ فِي الْأَمْرِ وَادْعُ إِلَىٰ رَبِّكَ إِنَّكَ لَعَلَىٰ هُدًى مُّسْتَقِيمٍ (67)) يا رب صلِّ عليه واجعلنا أتباعه حقيقة على هداه المستقيم.

(إِنَّكَ لَعَلَىٰ هُدًى مُّسْتَقِيمٍ) يا رب صلِّ عليه، (وَإِن تُطِيعُوهُ تَهْتَدُوا) [النور:45] هو على الهدى المستقيم، وأكَّدَ الحق، إنَّ حرف تأكيد، وجاء باللام لام تأكيد، لم يقل له: وأنت على هدى مستقيم، قال: (إِنَّكَ) تأكيد، لم يقل: إنك على هدى، قال: (لَعَلَىٰ هُدًى) -الله أكبر!- فما أجمل مسلك محمد وما أصوَب هديه وسبيله.

(وإِنَّكَ لَعَلَىٰ هُدًى مُّسْتَقِيمٍ).

والكلام الطويل العريض في المنازعة والمحاججة قال: لا تُطَوِّل ولا تُعَرِّض معهم، بيّن الأمر لأهله؛ (وَإِن جَادَلُوكَ فَقُلِ اللَّهُ أَعْلَمُ بِمَا تَعْمَلُونَ (68)).

(فَقُلِ اللَّهُ أَعْلَمُ بِمَا تَعْمَلُونَ) وهو الذي شرع لنا هذا الشرع المتين القوي المصون، الحق الصواب الهدى.

(اللَّهُ أَعْلَمُ بِمَا تَعْمَلُونَ) ما أنتم أعلم، وهو الذي سيحاسب الكل وإليه مرجع الكل، يكفي أن بيَّنَ وأوضح وأقام الحُجة، بعد ذلك كُلّ مَن تأخر وهو معاندًا مكابرًا أو مُستَدرَجًا، رضي لنفسه بالمهانة الاستدراج والخداع، فيتحمل مآله ومسؤوليته وعاقبته، (لِئَلَّا يَكُونَ لِلنَّاسِ عَلَى اللَّهِ حُجَّةٌ بَعْدَ الرُّسُلِ) [النساء:165] صلوات الله عليه.

(وَإِن جَادَلُوكَ فَقُلِ اللَّهُ أَعْلَمُ بِمَا تَعْمَلُونَ) وسيحاسبكم عليه، ولو كان فيما نعمل شيئًا أهدى وأحسن مما شرع لشرعه، فهو أعلم بما نعمل، وأوجب هذا، وحرَّم هذا، وندب هذا، وكَرِه هذا، وأباح هذا، فأيُّ نظام أحسن من نظام العالِم بكل شيء؟ تريدون أن تُضادّوا نظام الله بنظام ترونه أحسن جاء من عندكم؟ (قُلْ أَأَنتُمْ أَعْلَمُ أَمِ اللَّهُ)[البقرة:140]، (وَمَنْ أَحْسَنُ مِنَ اللَّهِ حُكْمًا لِّقَوْمٍ يُوقِنُونَ)[المائدة:50].

يقول تعالى: (اللَّهُ يَحْكُمُ بَيْنَكُمْ يَوْمَ الْقِيَامَةِ فِيمَا كُنتُمْ فِيهِ تَخْتَلِفُونَ (69)) يقول أنتم في زمن اختبار وامتحان في هذه الدنيا، وهي مُنقضِيَة كما تُشاهدون وتوقِنون، حتى ألحدَ الملحدين وأكفرَ الكافرين منكم يوقن أنَّه سيخرج من هذه الحياة، أنه سيموت، هل أحد منهم يقول أنا لن أموت؟ لا أحد منهم، حتى إبليس يَعلم بنفسه أنَّه سيموت! -لا إله إلا الله- إنَّما طلب من ربه: (قَالَ أَنظِرْنِي إِلَىٰ يَوْمِ يُبْعَثُونَ) [الأعراف:14] الموت لابدَّ منه -لا إله إلا الله-. 

ولكن كأنّهم لا يعلمون أنَّهم يموتون، "ما رأيت يقينًا أشبه بالشّكّ من الموت" يقول سيدنا علي، كلّ النّاس يتَيَقّنونه ولكن لا يستعِدُّون له ولا يتزوّدُون له، ولا ينتبهون، كأنّه لن يأتِ، كأنّهم غير مؤمنين به، هو يقين، "ما رأيت يقينا أشبه بالشّكّ من الموت"، كلّهم يتيقّنونه وكلّهم يغفلون عنه وكلّهم لا يستعدّون له، إلّا القليل النّادر، وهو يقين.. الموت لابدَّ منه -لا إله إلا الله-.

(االلَّهُ يَحْكُمُ بَيْنَكُمْ يَوْمَ الْقِيَامَةِ) وستمرّ هذه الحياة القصيرة، يُخْتَبرون فيها، إن اغْتَرَرْتم بمال أو بسلطة أو بجاه، وأَخَذَتْكم نفوسكم إلى شهوات وآفات وكَابَرْتم عليها، فسيَنْقَضي الأمر والحُكم مُقْبل، وإذا حَكَمَ الحاكم لا مُعقّب لحكمه، ستعلمون حينئذٍ -لا إله إلا الله- (سَيَعْلَمُونَ غَدًا مَّنِ الْكَذَّابُ الْأَشِرُ) [القمر:26]، الله الله!

يقول: (اللَّهُ يَحْكُمُ بَيْنَكُمْ يَوْمَ الْقِيَامَةِ فِيمَا كُنتُمْ فِيهِ تَخْتَلِفُونَ (69) أَلَمْ تَعْلَمْ أَنَّ اللَّهَ يَعْلَمُ مَا فِي السَّمَاءِ وَالْأَرْضِ (70)) مَن هذا الذي سيجيء بمنهج أحسن من منهجه؟! نِظام خير من نِظامه؟! قانون خير من قانونه؟! أوامر ونواهي أحسن ممّا يأمر وينهى هو جلَّ جلاله؟! وهو العالم بكل شيء!

(أَلَمْ تَعْلَمْ أَنَّ اللَّهَ يَعْلَمُ مَا فِي السَّمَاءِ وَالْأَرْضِ)، وأكابر العلماء، أنت في أيِّ شيء عالم؟ أنتَ عالم في الجيولوجيا، أنتَ عالم في البحار، أنتَ عالم في الطّبقات، أنتَ عالم في الهندسة، أنتَ عالم في التكنولوجيا؛ أشياء كثيرة في هذا العلم الذي أنتَ فيه أنتَ ما تعلمها، جاهل فيها، وأقرب من هذا؛ أشياء في نفسك ما أنت عالم بها، أشياء في نفسك وفي تكوينك ما أنتَ تعلم بها، والذي لا تعلمه أكثر ممّا عَلِمت (وَمَا أُوتِيتُم مِّنَ الْعِلْمِ إِلَّا قَلِيلًا) [الإسراء:85].

ستجيء لي بمنهج تقابل به منهج مَن أحاط علمه؛ بِك أنتَ وعِلمك، ولحظاتك وخَطراتك وتصوّراتك وحركاتك من قبل أن يخلقك!، وعلم بحركات وسكنات لِمَن قبلك ومَن يأتِ بعدك؟ وأنت ستجيء لنا بمنهج تُقَابل به منهج هذا العالِمْ بكل شيء؟! 

يا مَن جَهله أكثر من علمه، وما جَهِل أضعاف أضعاف أضعاف آلاف المرات ما علِم! وهذا مَنْ أحاط علمه بكل شيء ستقابل منهجه بمنهجك؟ تعارض تشريعه وترتيبه بعقلك؟ أين العقل عندك؟! لو كان عندك عقل ما جاء منك هذا التّصوّر ولا هذا الكلام، لكنّك ضيَّعت عقلك، وضيَّعت إدراكك الذي أعطاك الحق تعالى وسمْعك وبَصَرك، إنك لا تعلم، وهذا يعلم بكل شيء جلَّ جلاله.

(أَلَمْ تَعْلَمْ أَنَّ اللَّهَ يَعْلَمُ مَا فِي السَّمَاءِ وَالْأَرْضِ) والذي في السماء والأرض عَلِمُهُ في الأزل، ثم قبل أن يخلق السماء والأرض كَتَبه في اللوح، فهو فيه، رُفعت الأقلام وجفّت الصحف.

(إِنَّ ذَٰلِكَ فِي كِتَابٍ (70))، فلا يكون إلّا ما سبق في علمه وما أراده جلَّ جلاله وتعالى في علاه، (وَمَا تَشَاءُونَ إِلَّا أَن يَشَاءَ اللَّهُ رَبُّ الْعَالَمِينَ) [التكوير:29].

(أَلَمْ تَعْلَمْ أَنَّ اللَّهَ يَعْلَمُ مَا فِي السَّمَاءِ وَالْأَرْضِ ۗ إِنَّ ذَٰلِكَ فِي كِتَابٍ) ما شَرَع وما دَعَا، وما هو حاصل بين السّماء والأرض، وما سيؤول الأمر إليه قد كتبه جلَّ جلاله إلى أن تقوم السّاعة.

(إِنَّ ذَٰلِكَ فِي كِتَابٍ ۚ إِنَّ ذَٰلِكَ عَلَى اللَّهِ يَسِيرٌ (70))، يحيي يميت، يُقرّب يُبعّد، يُشقي يُسعد، يَرفع يَخفِض، يُعطي يَمنع، يُعزّ يُذلّ، لا يوجد فرق عنده، كلّه يسير في قدرته، (إِنَّ ذَٰلِكَ عَلَى اللَّهِ يَسِيرٌ) -الله أكبر!-.

(وَيَعْبُدُونَ مِن دُونِ اللَّهِ مَا لَمْ يُنَزِّلْ بِهِ سُلْطَانًا (71)) أهواء وشهوات، وأصنام، وَمنهم من يعبد نجوم، ومنهم يعبد بقر، أو شمس، أو قمر؛ يعبدونها من دون الله! مَن أنتم ومَن بقركم ومَن أصنامكم يا عقلاء؟! هل مازال عقل فيكم؟! يا مَن يعقل! ما عرفت مَن خلقك! والمُنعم عليك المتفضل مُنشِئك من العدم،ك تتركه وتروح تعبد؛ شهوة، هوى، سلطة، دنيا، صنم، قمر، شمس، بقرة؟! يا آدميّ! يا إنسان!

(وَيَعْبُدُونَ مِن دُونِ اللَّهِ مَا لَمْ يُنَزِّلْ بِهِ سُلْطَانًا) ليس له معنى بدعوى الأُلوهية ولا ذرّة من قريب ولا من بعيد، ليس له معنى؛ أي إله هذا؟

  • إن كان إنسان عبدوه من دون الله فهو يحمل العَذِرة، وكان نُطفة وعَلقة ومُضغة، وإذا تألّم من ضرسه دَقّ رأسه، وأين الأُلوهيّة هذه؟ ما لها معنى.
  • وإن كان صنم؛ لا يتكلّم، لا يسمع، لا يُبصر، لايتحكّم، أين الألوهية؟ ماهذا؟
  • وإن كان شمس وإن كان قمر مُتقلّبة تذهب وتجيء ومُتصرَّف فيها، ومُحكومة؛ من أين تجيء الألوهية، وأين الربوبية؟! 

ما يتأتّى لغير الله أن يكون إلهًا ولا ربّ إلا هو سبحانه وتعالى، حقائق الألوهية كلّها له، وهذه كلّها كانت عَدَمَ، هم يوجِدونها.

 وبعضهم كأيام الجاهلية كان يصنع له من الحلوى صنم أو من تمر يصنعه، وبعد ذلك يجوع وما يحصّل شيء يأكله، يأكل منها، وهذا يقول معبوده في بطنه، هو هذا يستحقّ العبادة، معبودك في بطنك، ويتحوّل إلى ماذا؟ ما تفهم؟! قليل أدب وقليل عقل.

هذه الألوهية لواحد اسمه الله، هو إله، هو الإله، لا إله إلا هو، ربّ كل شيء وملك كل شيء جلَّ جلاله، يا فوزنا بهذا الإله، الحمد لله الذي هدانا للإيمان به، زِدْنا إيمانًا، زدْنا يقينًا، زدْنا توحيدًا، لبّيك لا شريك لك لبّيك.

يقول: (وَيَعْبُدُونَ مِن دُونِ اللَّهِ مَا لَمْ يُنَزِّلْ بِهِ سُلْطَانًا وَمَا لَيْسَ لَهُم بِهِ عِلْمٌ ۗ وَمَا لِلظَّالِمِينَ مِن نَّصِيرٍ (71)) مهما اغْترّوا وافْترَوْا واجْترأُوا، وعملوا حروب وكروب وطلَعوا ونزلُوا؛ عاقبة محسومة، والنّتيجة نهاية محتومة، رجعة إلى القويّ المتين، (وَلَوْ تَرَىٰ إِذِ الْمُجْرِمُونَ نَاكِسُو رُءُوسِهِمْ عِندَ رَبِّهِمْ) [السجدة:12] -لا إله إلا الله-، (وَيَوْمَ الْقِيَامَةِ تَرَى الَّذِينَ كَذَبُوا عَلَى اللَّهِ وُجُوهُهُم مُّسْوَدَّةٌ ۚ أَلَيْسَ فِي جَهَنَّمَ مَثْوًى لِّلْمُتَكَبِّرِينَ) [الزمر:60].

(وَمَا لِلظَّالِمِينَ مِن نَّصِيرٍ)، بعد ذلك لا أحد يقدر أن ينصُرهم، مَن يُنَجِّيهم من عذاب الله؟ (هَا أَنتُمْ هَٰؤُلَاءِ جَادَلْتُمْ عَنْهُمْ فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا فَمَن يُجَادِلُ اللَّهَ عَنْهُمْ يَوْمَ الْقِيَامَةِ أَم مَّن يَكُونُ عَلَيْهِمْ وَكِيلًا) [النساء:109].

أفلا يوجد بينهم تحالف؟! تحالف ماذا؟ بينهم تلاعن، يلعن بعضهم بعضًا، بينهم معاداة، (الْأَخِلَّاءُ يَوْمَئِذٍ بَعْضُهُمْ لِبَعْضٍ عَدُوٌّ إِلَّا الْمُتَّقِينَ) [الزخرف:67] -اللّهمّ اجعلنا من المتقين-. 

فأيّ حلف لا يقوم على التّقوى لا تعدّه حلف، وكم قد جُرَّبت من أحلاف في الدنيا قامت على غير التقوى، وبعد ذلك ماذا حصل؟! صارت معارك بينهم البين! ألم تراها؟ نماذج كثيرة رأيتها أو لا؟

كلّ ما لا يقوم على التقوى لا تعدّه شيء، عندنا العوام، كان في أمثلتهم يتبادلون، يقول: "التُّقَى فيه البَقَاء"، التُّقَى فيه البَقَاء، تريد شيء تمام يبقى، فهو بالتقوى، من دون تقوى لا تغرّ نفسك ولا تخدع نفسك، ليس بشيء الذي يقوم على غير التقوى، (الْأَخِلَّاءُ يَوْمَئِذٍ بَعْضُهُمْ لِبَعْضٍ عَدُوٌّ إِلَّا الْمُتَّقِينَ) [الزخرف:67] -اللهم اجعلنا منهم-، (وَأُزْلِفَتِ الْجَنَّةُ لِلْمُتَّقِينَ) [ق:31].

يقول: (وَمَا لِلظَّالِمِينَ مِن نَّصِيرٍ)، أنواع الظَّلمة والكَفرة والذين آذوْا النّاس والذين قَتّلوا، والذين من حين الموت والعذاب في البرزخ ثم في يوم القيامة؛ مَن ينصرهم؟ هل سيستغيثون بحزب أو بجماعة أو بهيئة أو جيش أو جند أو شيء؟! (يَوْمَ تَأْتِي كُلُّ نَفْسٍ تُجَادِلُ عَن نَّفْسِهَا) [النحل:111]، يقال: (وَلَقَدْ جِئْتُمُونَا فُرَادَىٰ كَمَا خَلَقْنَاكُمْ أَوَّلَ مَرَّةٍ وَتَرَكْتُم مَّا خَوَّلْنَاكُمْ وَرَاءَ ظُهُورِكُمْ ۖ وَمَا نَرَىٰ مَعَكُمْ شُفَعَاءَكُمُ الَّذِينَ زَعَمْتُمْ أَنَّهُمْ فِيكُمْ شُرَكَاءُ ۚ لَقَد تَّقَطَّعَ بَيْنَكُمْ وَضَلَّ عَنكُم مَّا كُنتُمْ تَزْعُمُونَ) [الأنعام:94]، (إِذْ تَبَرَّأَ الَّذِينَ اتُّبِعُوا مِنَ الَّذِينَ اتَّبَعُوا وَرَأَوُا الْعَذَابَ وَتَقَطَّعَتْ بِهِمُ الْأَسْبَابُ).

ثم يرجعون في القيامة، ماذا يعملون؟ الأتباع هؤلاء المغرّر بهم مساكين، رَضُوا لأنفسهم بالتّبعية؟ (وَقَالَ الَّذِينَ اتَّبَعُوا لَوْ أَنَّ لَنَا كَرَّةً) -لو كان هناك رجعة الى الدنيا- (فَنَتَبَرَّأَ مِنْهُمْ) اتّخذونا وراءهم جنود وعبيد، مشينا وراءهم ووراء أفكارهم، لعبوا علينا وضحكوا علينا، والآن في الناّر وإيّاهم، لو يوجد رجعة لن نَنْقاد لهم ولن نسمع كلامهم، (لَوْ أَنَّ لَنَا كَرَّةً فَنَتَبَرَّأَ مِنْهُمْ كَمَا تَبَرَّءُوا مِنَّا ۗ كَذَٰلِكَ يُرِيهِمُ اللَّهُ أَعْمَالَهُمْ حَسَرَاتٍ عَلَيْهِمْ) والحال كيف؟ (وَمَا هُم بِخَارِجِينَ مِنَ النَّارِ) [البقرة:166-167] العذاب، (هَٰذَا مَا وَعَدَ الرَّحْمَٰنُ وَصَدَقَ الْمُرْسَلُونَ) [يس:52] -لا إله إلا الله-.

قال: (وَإِذَا تُتْلَىٰ عَلَيْهِمْ آيَاتُنَا بَيِّنَاتٍ) -واضحات، جليّات- (تَعْرِفُ فِي وُجُوهِ الَّذِينَ كَفَرُوا الْمُنكَرَ) -تَتَقلّب وُجوههم كأنّهم- (يَكَادُونَ يَسْطُونَ بِالَّذِينَ يَتْلُونَ عَلَيْهِمْ آيَاتِنَا (72)) والحق تبارك وتعالى يُبيِّن غرائب هذه الطّبائع الإنسانيّة وما يجري منهم مع مِنَّته عليهم بالعقل والسّمع والبصر وإنزال الكُتب وإرسال الرّسل والهداية إلى سواء السّبيل، ومع ذلك أكثرهم في جُحود، في كُفر، في عناد، في مُضادّة للأنبياء والرسل. و(يَهْدِي اللَّهُ لِنُورِهِ مَن يَشَاءُ) [النور:53] -اللّهمّ اهْدنا في مَن هَدَيْت-.

ومن المناسك التي اختارها الله لنا في هذه الشريعة، ما فيه الأعداد الذين وَفَدُوا إلى حَرَم الله وحَرَم رسوله ﷺ في هذه الأيّام، نائبين عن بقية الأمّة، الله يُرزقهم الإخلاص والصّدق، ويكتب لهم القبول والتّوفيق، ويحفظهم ويحرسهم، ويُعِيدهم إلى أوطانهم سالمين، غانمين، مقبولين، موفّقين، ويفتح بهم وبدُعائهم وتضرّعهم أبواب الفرج للمسلمين، والغِياث للأمّة أجمعين، ويُشركنا في فضل وخير ونور وبركة دعاء الدّاعين منهم، وطَواف الطَّائفين، ووقوف الواقفين، وعكوف العاكفين، ورُكوع الرّاكعين، وقيام القائمين، وسجود السّاجدين، وزيارة الزّائرين، اللّهمّ آمين.

لا تَحْرِمْنَا خير ما عندك بِشَرّ ما عندنا، وأصلح أحوال هذه الأمّة، واكْشف الغمّة، وعاملنا بمحض الفضل و الجود والرحمة، وارزقنا حسن التّبعية لنبيك الذي قلت له: (إِنَّكَ لَعَلَىٰ هُدًى مُّسْتَقِيمٍ (67))، فثبتنا على طريقه القويم وصراطه المستقيم، واجْعلنا في ذلك وبذلك من أهل الحظّ العظيم في خير ولطف وعافية يا أكرم الأكرمين.

بسرِ الفاتحة 

وإلى حضرةِ النَّبي محمد ﷺ

الفاتحة

 

تاريخ النشر الهجري

02 ذو الحِجّة 1447

تاريخ النشر الميلادي

19 مايو 2026

اضافة إلى المفضلة

كتابة فائدة متعلقة بالمادة

الأقسام