(368)
(454)
(5)
تفسير فضيلة العلامة الحبيب عمر بن محمد بن حفيظ للآيات الكريمة من سورة المؤمنون:
بسم الله الرحمن الرحيم
{ قَدْ أَفْلَحَ الْمُؤْمِنُونَ (1) الَّذِينَ هُمْ فِي صَلاتِهِمْ خَاشِعُونَ (2) وَالَّذِينَ هُمْ عَنِ اللَّغْوِ مُعْرِضُونَ (3) وَالَّذِينَ هُمْ لِلزَّكَاةِ فَاعِلُونَ (4) وَالَّذِينَ هُمْ لِفُرُوجِهِمْ حَافِظُونَ (5) إِلَّا عَلَى أَزْوَاجِهِمْ أَوْ مَا مَلَكَتْ أَيْمَانُهُمْ فَإِنَّهُمْ غَيْرُ مَلُومِينَ (6) فَمَنِ ابْتَغَى وَرَاءَ ذَلِكَ فَأُولَئِكَ هُمُ الْعَادُونَ (7) وَالَّذِينَ هُمْ لِأَمَانَاتِهِمْ وَعَهْدِهِمْ رَاعُونَ (8) وَالَّذِينَ هُمْ عَلَى صَلَوَاتِهِمْ يُحَافِظُونَ (9) أُولَٰئِكَ هُمُ الْوَارِثُونَ (10) الَّذِينَ يَرِثُونَ الْفِرْدَوْسَ هُمْ فِيهَا خَالِدُونَ (11) }
في دار المصطفى بتريم، مساء الإثنين 7 محرم 1448هـ
الحمد لله، مكرمنا بالوحي والتنزيل، وبيانه على لسان عبده المختار خير هادٍ وخير دليل، صلى الله عليه وسلم وبارك وكرم عليه وعلى آله وصحبه خير جيل، وعلى مَن والاهم واتّبعهم بإحسانٍ في النية والقصد والفعل والقيل، وعلى آبائه وإخوانه من الأنبياء والمُرسَلين، وآلهم وصحبهم وتابعيهم، وعلى المَلائكة المُقَرّبين، وجميع عباد الله الصالحين، وعلينا معهم وفيهم، إنه أكرم الأكرمين وأرحم الراحمين.
أمَّا بعد؛
فإنّنا في نعمة تأمّلنا لكلام ربنا وتَدَبُّرِنا في خِطاب إلهنا وتعاليمه، وتوجيهاته وتنبيهاته وإخباره وإنبائه على لسان رسوله ﷺ في القُرآن الكريم، انتهينا إلى أول سورة المؤمنون.
يقول الرحمن جلَّ جلاله: بسم الله الرحمن الرحيم (قَدْ أَفْلَحَ الْمُؤْمِنُونَ (1))، وتأتي "قَدْ" في لُغة العَرَب للتحقيق والتأكيد، يقول تعالى؛ مُؤَكَّدٌ ويقين؛ فلاحُ المؤمنين الذين اتّصفوا بهذه الصفات -اللهم اجعلنا منهم-.
(قَدْ أَفْلَحَ الْمُؤْمِنُونَ)؛ أفلح: فازَ وسَعِدَ فَوزًا وسعادةً أبدية بكل المُراد، فالفلاح ترجع معانيه إلى الفوز والسّعادة على البقاء والدّوام والأبد، وليس هذا إلا للمؤمنين الذين تكون مآلاتهم جنة الله يَخلُدونَ فيها ويَتَأَبَّدون.
(قَدْ أَفْلَحَ الْمُؤْمِنُونَ) فازوا وسَعِدوا، أدركوا المُراد والمَرام، ودام لهم نيل ما راموا على الدّوام.
(قَدْ أَفْلَحَ الْمُؤْمِنُونَ) الذين أيقَنوا بوجود ربّهم وأنه الخالق لكل شيء، وآمنوا بصفاته وأسمائه، وآمنوا بملائكته وكتبه ورسله واليوم الآخر والقَدَرِ خيره وشرّه منه سبحانه وتعالى.
(قَدْ أَفْلَحَ الْمُؤْمِنُونَ) حَقِّقنا اللّهمّ بحقائق الإيمان وزِدنا إيماناً في كل لمحة ونَفَسٍ وَآن يارحمن.
(قَدْ أَفْلَحَ الْمُؤْمِنُونَ (1) الَّذِينَ هُمْ فِي صَلَاتِهِمْ خَاشِعُونَ (2))؛ فأوّل وصفٍ من الأوصاف التي يترتّب عليها حقيقة الفلاح للمؤمنين؛ انتباههم واهتمامهم من فريضة الصلاة وما يَتبَعها من الرّواتب والنّوافل والسُّنَن، وكيفيّة حالهم فيها، أن يؤدّوها بالخشوع.
(الَّذِينَ هُمْ فِي صَلَاتِهِمْ) المَفروضة أولًا، ثم ما تقرّبوا به من نوافل الصلوات (خَاشِعُونَ)
فيأتي التّعبير عن الخشوع في الصلاة فيما عبّر به كثير من أهل العلم والفقه أنَّه حضور القلب وسكون الأعضاء، مع التّدبر في القراءة وتَفَهُمّها.
هذا الخُشوع يَجمَعُ معانيه:
فمن جمع ذلك فقد جَمَع الخشوع باتفاق، وعلى كل الأقوال أن يكون حاضر القلب، لا غافلًا ولا بعيدًا عما هو بصدده، ولقد جاء: "إنما المُصَلي مُناجٍ ربه"، ولا تَصِحّ المُناجاة من دون حضور قلب، واستشعار المُناجى الذي تناجيه أمامك، ما تكون مناجاة بغير هذا.
حتى قالوا:
فكيف يكون مناجيًا لله مَن لا يَحضُر مع الله تبارك وتعالى؟
ولذلك قال سيدنا الحسن البصري: كل صلاة لا يحضر فيها القلب فهي إلى العقوبة أسرع -لا إله إلا الله-، وورد أيضًا "أن الرَّجُل لَيُصَلي الصلاة فلا يُكتَب له ثُلثها ولا رُبعها ولا خُمسها ولا عُشرها، وإنما يكتب للعبد من صلاته بقدر ما حَضَر فيها".
(قَدْ أَفْلَحَ الْمُؤْمِنُونَ (1) الَّذِينَ هُمْ فِي صَلَاتِهِمْ خَاشِعُونَ (2)):
معاني الأفعال: انتصابك بين يديه، وقيامك له تعظيمًا وإجلالًا وخضوعًا، هذا معنى يتعلّق بالقيام، ومعنى التكبير، ومعنى الدعاء بعد التكبير، ومعنى الفاتحة من أوّلها إلى آخرها، ومعنى السورة التي تقرأها، ومعنى التكبير عند الانتقال، ومعنى التسبيح، وأنت في الركوع معاني، يكون قلبك حاضرًا، تتدبّر المعاني.
ومع تدبُّر المعنى يكون عندك تعظيم، فقد يحضر قلب الإنسان ويتفهّم المَعنى بلا تعظيم، فمَن يحضر قلبه مع صبي ويتفهم كلامه وماذا يقول ويرد عليه؛ ما هو بتعظيم، ولكن مع حضور القلب وتَفَهُّم المعنى؛ تعظيم وإجلال.
ومع التعظيم والإجلال لابُدَّ مِن هيبة، والهيبة فوق التعظيم هو خَشية، -خشية الرَّدّ وخَشية أن لا تُقبَل.
وهو أن تُؤمِّل إحسانه وامتنانه وفضله، كما وفّقك وأقامك بين يديه أن يَقبَلَك، أن يَجود عَليك، وفي الخبر "أن الله يُقبِلُ على العبد إذا صَلى حتى يلتفت، فإذا التفت أعرضَ عنه"
ولما رأى ﷺ مَن يَعبث بلحيته في الصلاة قال: "لو خشع قلب هذا لخشعت جوارحه"، وجاء عن السيدة عائشة كما جاء في البخاري وغيره، تقول: سألته عن الالتفات في الصلاة قال: "ذلك اختلاس يختلسه الشيطان من صلاة ابن آدم"، سرقة يسرقها الشيطان من صلاة ابن آدم.
وهكذا يُقبِلُ الله عليك حتى إذا التفتَّ أعرض عنك، فلا تلتفت يمنة ولا يسرى، حتى قالوا في معنى الخشوع: إثبات البصر في محل السجود، هذا من مستلزماته، الخشوع هذا هو جمع لهذه المعاني التي ذكرناها، -الله، لا إله إلا الله-.
فأن تكون راجيًا أن يَقبَلَك ويفيض عليك فائضات جوده وإحسانه تبارك وتعالى، وبكلّ حرف -كما صحّ عن سيدنا علي- تقرأه من القرآن في القيام في الصلاة مائة حسنة بالحرف الواحد.
وهكذا تحمده، فيقول: "حمِدني عبدي"، تثني عليه فيقول: "أثنى عليّ عبدي"، تُمجّده بأنَّه مالك يوم الدين فيقول: "مجَّدني عبدي"، تقول: إياك نعبد وإياك نستعين، فيقول الرحمن جلّ جلاله: "هذا بيني وبين عبدي ولعبدي ما سأل"، فإذا قال: اهدنا الصراط المستقيم صراط الذين أنعمت عليهم، يقول: "هذا لعبدي ولعبدي ما سأل"، ما هذه العطايا في الصلاة!
يقول: وفوق هذا الرّجاء: حياء، وهو أن توقِن أنك مهما أخلصت وصدقت وحضرت فلم تقم بما يلزم لله تعالى وبما يستحقّه، فتخجل وتستحي، فإذا جمعتَ ذلك فأنت الخاشع.
وهذا الخشوع يدوم عليه الخواصّ من المؤمنين الصّادقين المُقربين، وهو الذي يُشير إليه معنى من معاني قوله تعالى: (الَّذِينَ هُمْ عَلَىٰ صَلَاتِهِمْ دَائِمُونَ) [المعارج 23].
يقولون أنّ هذا الوصف من: الحضور وتدبّر المعنى والتّعظيم والهَيبة والرجاء والحياء ملازم لأرباب الصّدق والمعرفة؛ في الصلاة وخارج الصّلاة، فهم دائمًا في حضور وفي تأمّل للمعاني، والمعاني متواردة من كل ما يُشاهد الإنسان، من كل ما يسمع الإنسان، من كل ما يمشي الإنسان، خطابات الوجود تخاطبنا بِعظمة المُوجِد جلّ جلاله، وبهَيبته وكبريائه وبالرجوع إليه.
تمشي على أرض مَن مهَّدها لك؟ تشمّ هواءً من سخّره لك؟ تحت سماء مَن رفع سَمكها فوقك؟ وبينك وبينها كواكب ونجوم وشمس وقمر، مَن الذي زيّنها بذلك؟ ومن الذي كوَّن كل ذلك؟ تُحرّك رجلك بقدرة من؟ ترفع الأخرى وتضع الأخرى بإرادة من وقدرة من؟ تنظر ببصر كيف كُوِّن، ومن أين جاء؟ فهذه خطابات من كل جانب فيها معانٍ، إن أردت أن تتأمّل.
فالعارفون دائما يتفهّمون المعاني،؛ إن سمعوا آية وإن سمعوا حديثا، وإن مشوا وإن قاموا، وإن أكلوا وإن شربوا (أَفَرَأَيْتُمُ الْمَاءَ الَّذِي تَشْرَبُونَ * أَأَنتُمْ أَنزَلْتُمُوهُ مِنَ الْمُزْنِ أَمْ نَحْنُ الْمُنزِلُونَ * لَوْ نَشَاءُ جَعَلْنَاهُ أُجَاجًا فَلَوْلَا تَشْكُرُونَ) [الواقعة:68-70]، فكم خطابات؛ عندما ينظر إلى الماء، عندما يشرب الماء؛ من أين جاء هذا الماء! فهم دائما تتّسِع لهم المعاني في معارفهم ولطائف جود الله عليهم وتعليمه إيّاهم، حاضري القلوب، مُتفهّمي المعاني في تعظيمه للمكوِّن الخالق جلّ جلاله حيثما كانوا وأينما كانوا، وإذا قعدوا وإن قاموا يُعظِّمون الإله.
وهم مع ذلك؛
هكذا، وهكذا ممّا خلق الله ملائكة في السماوات، هذا الصنف من الملائكة:
فإذا جاءت الساعة وحُشِروا قالوا: سبحانك يا ربّ ما عرفناك حق معرفتك ولا عبدناك حقّ عبادتك، -لا إله إلا الله-، مُستحيون يقولون: ما عرفناك ولا عبدناك حق عبادتك، وهم على هذا الحال منذ خلقهم الله إلى أن تقوم الساعة، فمن الذي يقوم بحَقّ الله جلَّ جلاله!
وهكذا قال مرةً: "استحيوا من الله حقّ الحياء"، قالوا: كلنا نَستحيي من الله يا رسول الله. قال: "ليس ذاكم، مَن استحيا من الله حقّ الحياء فليحفظ الرأس وما وعى، والبطن وما حوى، وليذكر الموت والبِلى، ومن أراد الآخرة ترك زينة الحياة الدنيا، فمن فعل ذلك فقد استحيا من الله حق الحياء"؛ فهذه أوصاف تُلازم الصّادقين في الصلاة وخارج الصلاة.
حتى كان الإمام عبد الوهاب الشعراني عليه رحمة الله في مصر، يقول: أجدني على الحالة التي أكون فيها في الصلاة ووقت جلوسي مع أهلي، ومعاشرتي لأهلي، أجد قلبي على الحالة هذه -لا إله إلا الله-!
يقول: (الَّذِينَ هُمْ فِي صَلَاتِهِمْ خَاشِعُونَ (2))، وذلك يفتح أبواب اللّذة في الصلاة، بالإقبال بالكلية على ما أنتَ عليه حاضر القلب، مُتفهمًا للمعاني، بل كم من معاني تنفتح للقلب في الصلاة، لا يحصل في غيرها! وهي التي تنهى عن الفحشاء والمنكر، ما يحصِّله من هذه المعاني تحول بينه وبين الفحشاء والمنكر، (إِنَّ الصَّلَاةَ تَنْهَىٰ عَنِ الْفَحْشَاءِ وَالْمُنكَرِ) [العنكبوت:45] -الله لا إله إلا الله-.
ويُروى أنّه ﷺ قرأ مرّة وهو يصلي بسم الله الرحمن الرحيم فكرّرها عشرين مرة، وجاء عنه صلى الله عليه وسلم أيضًا، وصحّ أنَّه قام في ليلة يردد: (إِن تُعَذِّبْهُمْ فَإِنَّهُمْ عِبَادُكَ وَإِن تَغْفِرْ لَهُمْ فَإِنَّكَ أَنتَ الْعَزِيزُ الْحَكِيمُ) [المائدة:118] وأخذ يكررها ويكررها، صلى الله عليه وعلى آله وصحبه وسلم.
وبذلك جاء عن بعض الصحابة والتابعين من بعدهم يقوم بالآية الواحدة ليلة كاملة يُكرّر الآية، لِما فيها من المعاني والدلالات، لِما يذوق فيها من لطائف المعرفة التي يُوَاصله بها الرحمن جلّ جلاله.
وكان سيدنا ﷺ يقول لسيدنا بلال: "قُم يا بلال فأرحنا بالصلاة". قُمْ أذِّن فأرحنا بالصلاة، في اللفظة: أرحنا بها يا بلال، ثم يقول لنا سيدنا: "وجُعِلَت قرة عيني في الصلاة".
فما أعظم الصلاة، وأعظمُها ما فرض الله علينا من الصلوات الخمس، والتي يجب أن نحافظ عليها حقّ المحافظة ونُربّي عليها أهلينا وأولادنا، ويجب أن تنتشر ويُعظَّم أمرها في أسفار المسلمين وفي إقاماتهم وحيثما كانوا، وهي التي لا عذر في تركها لمَن عَقَل، حتى إن عجز عن الحركة فيُجري الأركان على قلبه، إن لم يستطع أن يُومئ برأسه فيُجري الأركان على قلبه، قال ﷺ: "صلِّ قائماً، فإن لم تستطع فقاعدا، فإن لم تستطع فعلى جنب، فإن لم تستطع فمُستلقيًا"
هذه الصلوات يجب أن تحِلّ محلها من قلوب المسلمين، مكانها عند الله تبارك وتعالى وهي عماد الدّين، أفَتَرى بعد ذلك أنّها تكون بهذه المثابة؛ عماد الدين لمن يصلي غافلاً ولا يدري ماذا فعل؟ هذا عماد الدين؟! كيف يكون هذا؟
إنّما كانت عماد الدّين لما انطوت عليه من أسرار القرب والتّمكين والوصل بالرّحمن -جلّ جلاله-، وإفاضة الجود والخير في معاني القيام والرّكوع والاعتدال والسّجود والجلوس بين السّجدتين والتّشهّد والسّلام؛ حتى يجدون إمدادًا، بل حتى عند الخروج من الصلاة في السلام، في سلامهم على مَن على اليمين ومَن على اليسار؛ من جميع المؤمنين، مؤمني الإنس والجنّ والملائكة المقرّبين، إلى غير ذلك ممّا يكون في الصلاة.
(قَدْ أَفْلَحَ الْمُؤْمِنُونَ (1) الَّذِينَ هُمْ فِي صَلَاتِهِمْ خَاشِعُونَ (2) وَالَّذِينَ هُمْ عَنِ اللَّغْوِ مُعْرِضُونَ (3)) ومَن يُقبِل على اللّغو لا يخشع في الصلاة، إنّما يخشع في الصلاة مَن أعرض عن اللّغو، أمّا مَن كان يحب اللّغو ويشتغل باللّغو ويمضي في اللّغو، فلا يحضر له قلب في الصلاة ولا يخشع، ولكن منهجهم في الحياة؛ يُعرضون عن اللّغو.
ما اللّغو؟ ما لا يُقرِّبهم إلى الحقّ جلّ جلاله، ولا يُفيدهم دفعًا لسوء، ولا تحقيقًا لخير، ما لا يعنيهم.
(عَنِ اللَّغْوِ مُعْرِضُونَ)، أمّا المكروهات وأمّا المُحرمات فمن باب أولى، هذه يجب الإعراض عنها، ولكن يُعرضون عن اللّغو؛ ما لا يفيدهم، ولا يجمعهم على الله، ولا يعينهم، ولا يكون زادًا لهم للآخرة ممّا لا يعنيهم.
وهذا اللغو الذي يشغل به عدوّ الله كل مَن استطاع، وخصوصًا من المؤمنين؛ فأمَّا الكفّار فقد شَغَلهم باللّغو الأكبر، بالإثم الصريح، وشَغَلهم بالكبائر، ولكن يحسد كثير من المؤمنين على ما يحافظون عليه من الصلوات ومن الخيرات فيَشغلهم باللّغو؛
فتجده يحبّ اللّغو ويشتغل باللّغو، وما لا يعنيه من الكلام ومن الأقوال ومن الأفعال ومن الحركات، ما لا يفيده ولا يترتب عليه مصلحة من المصالح، ولكن يشغله بها ويجيء له بأصدقاء من اللاّغين ومن الذين هم على اللّغو مقبلون، ويجلب له أجهزة، مع الأصدقاء أيضًا تشغله باللّغو ليلًا ونهارًا، وفي المكان وهو لاغٍ لاغٍ لاغٍ لاغٍ، في كل ما هو ساقط من عين الله لا اعتبار له عند الله وهذا مشغول به؛ وكان يمكنه أن يشتغل بما يرفعه، بما ينفعه، بما يُصفِّيه، بما يُرقّيه، ولكنه يشتغل بما يقطعه، بما يُضعفه، يُضعف عزمه في الطّاعة والإيمان.
(وَالَّذِينَ هُمْ عَنِ اللَّغْوِ مُعْرِضُونَ (3))، (إِذَا سَمِعُوا اللَّغْوَ أَعْرَضُوا عَنْهُ وَقَالُوا لَنَا أَعْمَالُنَا وَلَكُمْ أَعْمَالُكُمْ سَلَامٌ عَلَيْكُمْ لَا نَبْتَغِي الْجَاهِلِينَ) [القصص:55]، لا يُقابلون سبًّا بسبّ ولا شتمًا بشتم، لأنهم (عَنِ اللَّغْوِ مُعْرِضُونَ)، لا يكذبون ولا يستمعون للكذب، ولا يسبّون ولا يستمعون للسبّ، ولا يغتابون ولا يسمعون للغيبة.
(عَنِ اللَّغْوِ مُعْرِضُونَ)، والكلام فيما لا يعني يتنزّهون عنه، "مَن كان يؤمن بالله واليوم الآخر فلْيَقُلْ خيرًا أو ليصمُت".
وهكذا يقول جلَّ جلاله: (وَالَّذِينَ هُمْ عَنِ اللَّغْوِ مُعْرِضُونَ (3) وَالَّذِينَ هُمْ لِلزَّكَاةِ فَاعِلُونَ (4)) يُنفقون مما حُبِّبَ إليهم مما رزقهم الله من المال، مُؤدّين للزّكاة كما أوجب الله عليهم إخراجه من زكاة مال، وزكاة فطرة -زكاة البدن-.
(وَالَّذِينَ هُمْ لِلزَّكَاةِ) الزكاة: وهي النّماء والتّطهير، فالنّماء والتطهير؛ من معاني الزكاة. فَيَتَنَمَّى بها رزق المؤمن ويتبارك، ويتطهّر عن الشّحّ، ويتطهّر عن البخل، ويتطهّر كذلك عن الشّبهات في المال بواسطة الزّكاة.
(وَالَّذِينَ هُمْ لِلزَّكَاةِ فَاعِلُونَ) فيتطهّر وينمو ماله بواسطة إخراج الزّكاة وصرفها في موضعها، فهذا ركن من أركان دين الله تعالى بعد الصلاة، وكثيرًا ما قَرَن الله الصلاة بالزكاة.
يقول: (وَالَّذِينَ هُمْ لِلزَّكَاةِ فَاعِلُونَ) أي مُؤدّون لها، يُوصلونها إلى مُستحقّها، يُخرجونها في محلّها.
(وَالَّذِينَ هُمْ لِفُرُوجِهِمْ حَافِظُونَ (5) إِلَّا عَلَىٰ أَزْوَاجِهِمْ أَوْ مَا مَلَكَتْ أَيْمَانُهُمْ) يقول الله تبارك وتعالى الذين لا يخضعون لشهوة الفُروج، ولا يسلكون بها في غير ما أحلّ الله تبارك وتعالى، بل يحفظون فروجهم ويَصُونُونها (إِلَّا عَلَىٰ أَزْوَاجِهِمْ أَوْ مَا مَلَكَتْ أَيْمَانُهُمْ) بالنّسبة للرّجال الذين يملكون الجواري، (فَإِنَّهُمْ غَيْرُ مَلُومِينَ (6))، يقول الله أبَحْتُ لهم ذلك فلا لوم عليهم (فَمَنِ ابْتَغَىٰ وَرَاءَ ذَٰلِكَ فَأُولَٰئِكَ هُمُ الْعَادُونَ (7)).
وبَقِيَ في أزواجهم وما ملكت أيمانهم، ما خَصّصتهُ الآيات والأحاديث بأنّ ذلك في غير المَحِيض وأنّه في المَأْتَى من غير الدّبر، وهكذا فيما شرع الله تبارك وتعالى؛ فلا لوم فيما كان من زوجة أو ما ملكت اليمين، واللّوم فيمَن ابتغى وراء ذلك، لوم وفوق اللّوم عدوان، إنّه تعدّى، تجاوز الحدّ وخرج عن حدّ ما أحلّ الله له وأباح، فتعرّضَ للعذاب وتعرّضَ للنّكال -والعياذ بالله تبارك وتعالى-.
قال: (فَأُولَٰئِكَ هُمُ الْعَادُونَ (7) وَالَّذِينَ هُمْ لِأَمَانَاتِهِمْ وَعَهْدِهِمْ رَاعُونَ (8)) يُراعون الأمانة ويُراعون العهد؛ ما اؤْتُمِنُوا عليه: من سرّ، من مال، من معاملة، من أيّ متاع، من أيّ شيء اؤْتُمِنُوا عليه، يُراعون حقّ الأمانة حتّى يُؤدُّونها، وللعهد،؛ ما وعدوا به، ما عاهدوا عليه، ما أعطوهُ من التزام، يُراعون ذلك، بل يقومون به ويُؤدّونه على وجهه.
(لِأَمَانَاتِهِمْ وَعَهْدِهِمْ رَاعُونَ) هذه القيم التي يقوم عليها صلاح العباد والبلاد ونيل الفلاح على الحقيقة، وإذا ذهبتْ من بيننا صار الناس كالأنعام بل هم أضل -والعياذ بالله تبارك وتعالى-، كما يدعو إلى ذلك إبليس وجنده، يريدون أن يعيش الناس كالأنعام بل أضلّ من الأنعام.
يقول تعالى: (وَالَّذِينَ هُمْ لِأَمَانَاتِهِمْ وَعَهْدِهِمْ رَاعُونَ (8) وَالَّذِينَ هُمْ عَلَىٰ صَلَوَاتِهِمْ يُحَافِظُونَ (9)) افتتح بالصّلاة وختم بالصّلاة؛
(عَلَىٰ صَلَوَاتِهِمْ) في أوقاتها، بشروطها وأركانها، (يُحَافِظُونَ): يحافظون على الصلوات، يحافظون على أوقاتها، يحافظون على شروطها وأركانها، يحافظون على إحسانها، لا ينقصون شيئا منها.
"خمس صلوات كتبهنّ الله على العباد في اليوم والليلة، من حافظَ عليهنّ"، يقول ﷺ، "كُنّ له نورًا وبرهاناً ونجاة يوم القيامة"، نور ودليل على صدقه مع الله، وفوز بالنجاة والسلامة من العذاب، "ومن لم يحافظ عليهن لم يكن له نور ولا برهان ولا نجاة يوم القيامة".
قال تعالى: (وَالَّذِينَ هُمْ عَلَىٰ صَلَوَاتِهِمْ يُحَافِظُونَ (9) أُولَٰئِكَ هُمُ الْوَارِثُونَ (10)) الوارثون يعني الذي يُورِّثُهُم الحق تعالى، كما قال سبحانه وتعالى: (تِلْكَ الْجَنَّةُ الَّتِي نُورِثُ مِنْ عِبَادِنَا مَن كَانَ تَقِيًّا) [مريم:63]، يورثهم أي: يجعل نتيجة أعمالهم هذه أن يكون مأواهم ومآلهم الجنّة، (وَتِلْكَ الْجَنَّةُ الَّتِي أُورِثْتُمُوهَا)، أي أُعْطِيتُمُوهَا نتيجة للعمل الذي عمِلتموهُ من الإيمان والصالحات في الدنيا، (وَتِلْكَ الْجَنَّةُ الَّتِي أُورِثْتُمُوهَا بِمَا كُنتُمْ تَعْمَلُونَ) [الزخرف:72].
(أُولَٰئِكَ هُمُ الْوَارِثُونَ (10) الَّذِينَ يَرِثُونَ الْفِرْدَوْسَ)؛ الجنّة على العموم، وأعلى الجنّة على الخصوص سماها الفردوس، (الَّذِينَ يَرِثُونَ الْفِرْدَوْسَ هُمْ فِيهَا خَالِدُونَ (11))، أبدًا سرمدًا.
اللّهمّ اجعلنا من أهل جنّتك واجعلنا من ورثة الفردوس من خيار بريّتك، برحمتك يا أرحم الرّاحمين، يا أرحم الرّاحمين، يا أرحم الرّاحمين.
وما ينتج الشيء يقول يُورِثُ، هذا يُورِثُ كذا، وهذا يُورِثُ كذا، ويعني ينتج، (الْوَارِثُونَ) وهذا الإيمان والعمل أورَثَتْهِم، أنتجت لهم الفردوس، أنتجت لهم الحلول في الفردوس والجنّة، (يَرِثُونَ الْفِرْدَوْسَ هُمْ فِيهَا خَالِدُونَ (11)).
اللّهمّ إنّا نسألك الفردوس الأعلى، نسألك الدّرجات العُلا من الجنّة، أدخلنا جنتك بغير حساب، أدخلنا جنتك بغير حساب، أدخلنا جنتك بغير حساب، وأهلينا وذوينا ومَن يوالينا يا رب الأرباب يا أكرم الأكرمين.
وهذه الأخلاق والصفات والقيم التي أثْنَيْتَ على أهلها، حقِّقنا بها يا مُنزِل الآيات، ثبِّتنا عليها أكمل الثّبات، ورَقِّنَا في مراتبها الرّفيعات، حتى ننال أعلى الفلاح والسّعادات، في الغيب والشّهادات، في الدّنيا والآخرات، يا مُسعِد السّعداء يا ربّ الدنيا والآخرات، يا أكرم الأكرمين وأرحم الرّاحمين، بوجاهة حبيبك الأمين وأهل اليقين والتّمكين.
بسرِّ الفاتحة
وإلى حضرة النبي الأمين محمد ﷺ
الفاتحة
16 مُحرَّم 1448