تفسير سورة الحج -16- من قوله تعالى {ذلِكَ وَمَنْ عَاقَبَ بِمِثْلِ مَا عُوقِبَ بِهِ ثُمَّ بُغِيَ عَلَيْهِ لَيَنصُرَنَّهُ اللَّهُ.. (60)} إلى الآية 65

للاستماع إلى الدرس

تفسير فضيلة العلامة الحبيب عمر بن محمد بن حفيظ للآيات الكريمة من سورة الحج:

{ َٰذلِكَ وَمَنْ عَاقَبَ بِمِثْلِ مَا عُوقِبَ بِهِ ثُمَّ بُغِيَ عَلَيْهِ لَيَنصُرَنَّهُ اللَّهُ ۗ إِنَّ اللَّهَ لَعَفُوٌّ غَفُورٌ (60) ذَٰلِكَ بِأَنَّ اللَّهَ يُولِجُ اللَّيْلَ فِي النَّهَارِ وَيُولِجُ النَّهَارَ فِي اللَّيْلِ وَأَنَّ اللَّهَ سَمِيعٌ بَصِيرٌ (61) ذَٰلِكَ بِأَنَّ اللَّهَ هُوَ الْحَقُّ وَأَنَّ مَا يَدْعُونَ مِن دُونِهِ هُوَ الْبَاطِلُ وَأَنَّ اللَّهَ هُوَ الْعَلِيُّ الْكَبِيرُ (62) أَلَمْ تَرَ أَنَّ اللَّهَ أَنزَلَ مِنَ السَّمَاءِ مَاءً فَتُصْبِحُ الْأَرْضُ مُخْضَرَّةً ۗ إِنَّ اللَّهَ لَطِيفٌ خَبِيرٌ (63) لَّهُ مَا فِي السَّمَاوَاتِ وَمَا فِي الْأَرْضِ ۗ وَإِنَّ اللَّهَ لَهُوَ الْغَنِيُّ الْحَمِيدُ (64) أَلَمْ تَرَ أَنَّ اللَّهَ سَخَّرَ لَكُم مَّا فِي الْأَرْضِ وَالْفُلْكَ تَجْرِي فِي الْبَحْرِ بِأَمْرِهِ وَيُمْسِكُ السَّمَاءَ أَن تَقَعَ عَلَى الْأَرْضِ إِلَّا بِإِذْنِهِ ۗ إِنَّ اللَّهَ بِالنَّاسِ لَرَءُوفٌ رَّحِيمٌ (65) }

الإثنين 24 ذو القعدة 1447هـ

من أبرز ما جاء في الدرس:

  • بيان العدل في ردّ الاعتداء بمثله دون تجاوز، وأن العفو أعلى وأشرف.

  • وعد الله بنصرة من ظُلِم وبُغي عليه.

  • شرح معنى اسمي الله: العلي الكبير.

  • تأمل في إنزال المطر وإحياء الأرض بعد موتها.

  • تذكير بأن الله هو الذي أحيا الإنسان ثم يميته ثم يحييه للبعث.

  • تحذير من كفران الإنسان وجحوده للنعم مع كثرة فضل الله عليه.

نص الدرس مكتوب:

الحمد لله مُكرمنا بالوحي والتنزيل، وبيانه على لسان عبده الهادي الدليل، سيدنا محمد صلى الله وسلم وبارك وكرَّم عليه وعلى آله الأطهار وأصحابه الأخيار، ومن والاه واتبعه في سواء السبيل، وعلى آبائه وإخوانه من الأنبياء والمرسلين أهل التكريم والتفضيل والإجلال والتعظيم، وعلى آلهم وصحبهم وتابعيهم، وعلى ملائكة الله المقربين وجميع عباد الله الصالحين، وعلينا معهم وفيهم إنَّه أكرم الأكرمين وأرحم الراحمين.

وبعدُ؛

فإنَّنا في نعمة تأملنا لكلام ربنا وإلهنا جلَّ جلاله، وتعليماته وتوجيهاته فيما أنزله على خير برياته عبده المختار محمد ﷺ، قد وصلنا في سورة الحج إلى قوله جلَّ جلاله: (ذَٰلِكَ وَمَنْ عَاقَبَ بِمِثْلِ مَا عُوقِبَ بِهِ ثُمَّ بُغِيَ عَلَيْهِ لَيَنصُرَنَّهُ اللَّهُ إِنَّ اللَّهَ لَعَفُوٌّ غَفُورٌ (60))؛ ويقول مَن كان يَحتاط في أمره خشيةً من الله فلا يتجاوز الحَدّ، وإذا عاقب بمعنى جازى من اعتدى عليه أو آذاه لم يتجاوز حدّهُ في أن لا يَعتدي إلا بمثل ما اعتُدي به عليه.

(وَمَنْ عَاقَبَ بِمِثْلِ مَا عُوقِبَ بِهِ) لا يتجاوز الحدَّ ولا يظلم، صاحب البُعد عن الظلم وأخْذ حق الغير، المُتعرِّض لأن يُظلَم ويُؤذَى من قِبَلِ ذا وذاك تكون له نُصرة من قِبَل مَلِك الأملاك.

(ذَٰلِكَ وَمَنْ عَاقَبَ بِمِثْلِ مَا عُوقِبَ بِهِ ثُمَّ بُغِيَ عَلَيْهِ) اعتُدي عليه (الَّذِينَ أُخْرِجُوا مِن دِيَارِهِم بِغَيْرِ حَقٍّ إِلَّا أَن يَقُولُوا رَبُّنَا اللَّهُ) [الحج:40]، (لَيَنصُرَنَّهُ اللَّهُ) والمعنى: احفظ إيمانك وأدبك معي، ولا تتجاوز الحد فيما تأتي وتترك، لا تظلم أحدًا، فإن ظُلِمتَ فأنا معك وأنا الذي أنتقم لك، ألا تكتفي بي وأنا القادر على نُصرة مَن أردت أن أنصر؟ بل لا منصور إلا من نصرته، ولا مخذول إلا من خذلته، (إِن يَنصُرْكُمُ اللَّهُ فَلَا غَالِبَ لَكُمْ وَإِن يَخْذُلْكُمْ فَمَن ذَا الَّذِي يَنصُرُكُم مِّن بَعْدِهِ) [ال عمران:160].

يقول جلَّ جلاله: (ثُمَّ بُغِيَ عَلَيْهِ لَيَنصُرَنَّهُ اللَّهُ إِنَّ اللَّهَ لَعَفُوٌّ غَفُورٌ)، وفيه إرشاد لأنَّ الذي يُعاقِب بمثل ما عُوقِب به أو يعتدي بمثل ما اعتُدي عليه؛ أمامه وراء هذا الوقوف في حدّ العدل فضلٌ بالعفو والغفران، فيتَّصِف بأوصاف شريفة وصفَ الرحمن بها نفسه بالعفو والمغفرة: (إِنَّ اللَّهَ لَعَفُوٌّ غَفُورٌ). 

كما قال جلَّ جلاله: (وَإِنْ عَاقَبْتُمْ فَعَاقِبُوا بِمِثْلِ مَا عُوقِبْتُم بِهِ وَلَئِن صَبَرْتُمْ لَهُوَ خَيْرٌ لِّلصَّابِرِينَ) [النحل:126]، وقال: (فَمَنِ اعْتَدَىٰ عَلَيْكُمْ فَاعْتَدُوا عَلَيْهِ بِمِثْلِ مَا اعْتَدَىٰ عَلَيْكُمْ وَاتَّقُوا اللَّهَ) لا تتجاوز حدك! (وَاعْلَمُوا أَنَّ اللَّهَ مَعَ الْمُتَّقِينَ) [البقرة:194] (وَاتَّقُوا اللَّهَ وَاعْلَمُوا أَنَّ اللَّهَ مَعَ الْمُتَّقِينَ * وَأَنفِقُوا فِي سَبِيلِ اللَّهِ) [البقرة:194-195] أحسِنوا، ففيه إرشاد إلى الإحسان والفضل والتجاوز والعفو: (إِنَّ اللَّهَ لَعَفُوٌّ غَفُورٌ).

ومع ذلك فإنَّما ينالُ عدله وانتقامه مَن ظَلَم، ولو كان يستحِقُّ عفوًا ومغفرةً لوجدها عند الله، ولكنَّه بتعدِّيه لحقِّ الغير أخرجَ نفسه عن دائرة العفو والغفران والعياذ بالله تبارك وتعالى، حتى يُذكر أن الحق يقول في حديثه القدسي: "أنا الظالم إن لم أنتقم من الظالم لمن ظلم"، -إن لم أنتقم للمظلوم من الظالم أنا الظالم- وحاشاه، وما هو بظالم جلَّ جلاله، "يا عبادي إنِّي حرَّمتُ الظُّلمَ على نفسي وجعلتُهُ بينَكم محرَّمًا فلا تَظالموا" يقول جلَّ جلاله. 

وهذا الأمر اليقين المقطوع به، في نصرته للمخلصين والصادقين والذين لم يتجاوزوا حدودهم خشيةً منه، يقول: (ذَٰلِكَ بِأَنَّ اللَّهَ يُولِجُ اللَّيْلَ فِي النَّهَارِ وَيُولِجُ النَّهَارَ فِي اللَّيْلِ (61)) لا يفعل ذلك غيره فهو صاحب القدرة، ألا يقدر على نُصرة من وَعده بالنصر؟ ألا يقدر على نُصرة المظلوم مِمن ظلمه؟

(يُولِجُ اللَّيْلَ فِي النَّهَارِ وَيُولِجُ النَّهَارَ فِي اللَّيْلِ) صاحب القُدرة المُطلقة التي تبصرونها بأعينكم، ليل ونهار على ظهر الأرض يأتي في كل يوم وليلة، من الذي رتَّبه؟ وكيف يولج، يُدخل الليل في النهار ويُدخل النهار في الليل؟!

  • المكان الذي كان نهارًا مُشرقًا بالنور يدخل عليه الظلمة؛ فيصير ليلًا.
  • والمكان الذي كان مُظلمًا ليلًا يدخل عليه نور الشمس؛ فيصير نهارًا.

(يُولِجُ اللَّيْلَ فِي النَّهَارِ وَيُولِجُ النَّهَارَ فِي اللَّيْلِ) تزيد الساعات في الليل وتنقص من النهار، تزيد أيام ساعات في النهار تنقص من الليل، يدخل الليل (يُولِجُ اللَّيْلَ فِي النَّهَارِ وَيُولِجُ النَّهَارَ فِي اللَّيْلِ) -جلَّ جلاله وتعالى في علاه-.

وهل هناك أجهزة معهم تُرتِّب لنا الليل والنهار؟! أو شيء من حكوماتهم تعمل هكذا؟! -لا إله إلا الله- فإذا كانت هذه القدرة أمامكم كيف تشكُّون في أنَّه ينصر من نصره، ينصر من ظُلِم بغير حق؟ (وَإِنَّ اللَّهَ عَلَىٰ نَصْرِهِمْ لَقَدِيرٌ) كما قرأنا في هذه الآية: (أُذِنَ لِلَّذِينَ يُقَاتَلُونَ بِأَنَّهُمْ ظُلِمُوا وَإِنَّ اللَّهَ عَلَىٰ نَصْرِهِمْ لَقَدِيرٌ) [الحج:39] -جلَّ جلاله-.

اللهم انصرنا والمؤمنين وأهل الحق والهدى في مشارق الأرض ومغربها، يا سميع يا بصير، يا قوي يا متين يا قدير.

قال تعالى: (وَأَنَّ اللَّهَ سَمِيعٌ بَصِيرٌ) سميع لجميع الأقوال ولكل ما يُسمَع، السمع المطلق، والبصير بجميع أفعال العباد بل وبما يسرُّون وما يعلنون، فالسميع المُطلق هو الله وحده، يسمع كل شيء.

  • حتى يسمع وقوع الخاطر.
  • ويسمع حركة الجناح الطائر في الهواء.
  • ويسمع سبحانه وتعالى دبيب النمل وهذا ليس لغيره -جلَّ جلاله وتعالى في علاه-.
  • ويسمع كل شيء.

وجميع من نُسِب إلى السمع من الخلق يسمعون أشياء وتغيب عنهم أشياء وتَدِقّ عن أسماعهم أشياء، وإن سمع الشيء القريب منه لن يسمع البعيد منه؛ لكن الله يسمع كل شيء، فهو السميع البصير -جلَّ جلاله-، فيَحسُن الاعتماد عليه، ويَحسُن الثقة به، ويَحسُن التوكل عليه -جلَّ جلاله-.

(ذَٰلِكَ بِأَنَّ اللَّهَ يُولِجُ اللَّيْلَ فِي النَّهَارِ وَيُولِجُ النَّهَارَ فِي اللَّيْلِ وَأَنَّ اللَّهَ سَمِيعٌ بَصِيرٌ (61)) فكيف تشكّ في قدرته أو في نصرته لك إن أطعته وصَدقت معه جلَّ جلاله؟ (إِن تَنصُرُوا اللَّهَ يَنصُرْكُمْ وَيُثَبِّتْ أَقْدَامَكُمْ) [محمد:7] اللهم اجعلنا والحاضرين والسامعين والمشاهدين ممن ينصرك حقيقة؛ فتنصره يا من بيده الأمر كله.

(ذَٰلِكَ بِأَنَّ اللَّهَ هُوَ الْحَقُّ (62)) الواجب الوجود، الحق المُطلق هو الله، واجب الوجود، وليس هذا لغيره.

كل من سواه فأصلهُ عدم، باطل،

ألا كل شيء ما خلا الله باطل

ثم بعد ذلك ما كان مُمتنع الوجود فهو الباطل المُطلَق، وما كان مُمكن الوجود فأُوجِد بِموجِد فهو باطل من وجه، وحق من وجه؛ فمن وجه نفسه وذاته باطل، ومن وجه إيجاد الله له تبارك وتعالى، إمداده له بالإيجاد وأنواع الإمداد فهو حق من هذا الوجه، لكن الحق المطلق هو الله؛ قوله الحق، وعبادته حق، وأمره حق، وبيده ملكوت كل شيء، واجب الوجود، أفاض وجوده بإيجاد من أوجدَ من العدم جلَّ جلاله وتعالى في علاه.

(ذَٰلِكَ بِأَنَّ اللَّهَ هُوَ الْحَقُّ وَأَنَّ مَا يَدْعُونَ مِن دُونِهِ هُوَ الْبَاطِلُ) فكلّ ما يستندون عليه ويعتمدون عليه -دون الله، غير الله تبارك وتعالى- باطل، لا وجود له في ذاته ولا في أصله، ولا يُمكن أن يكون لهم العون ولا النصيرة على الحقيقة، إذًا فاز الذين عرفوا الحق، وآمنوا بالحق، وصَدَقوا مع الحق، وأخلَصوا للحق؛ فأفاض عليهم وجودًا حقًا مِنهُ، ونعيمًا حقًا مِنهُ، وفضلًا حقًا مِنهُ سبحانه وتعالى.

(ذَٰلِكَ بِأَنَّ اللَّهَ هُوَ الْحَقُّ) الواجب الوجود والذي لا يوجد شيء سواه إلا بإيجاده، إذًا فهو الذي يجب أن يُعبَد، فعبادته حق وأمره حق، وقضاؤه حق ولقاؤه حق، وكلامه حق ورسله حق وأنبياؤه حق وملائكته حق بإحقاقه لذلك، وهو الحق المُطلَق -جلَّ جلاله-.

يقول -هذا الحق المطلق-: يُطلق هذا الحق المُطلَق على كل ثابت، ولكن لا شيء يَثبت إلا بإثبات هذا المُوجِد الحق -جلَّ جلاله-، فمِمّا أثبته:

  • وأعلى ما أثبته الحق نبوّة أنبيائه ورسالة رُسله، فأعلى مُثبَتٍ من الخلق بالحق فكان حقًا؛ محمد.
  • والمُثبَتات الكبرى بالحق فكانت حقاً؛ الجنة والنار.

أوجدهما وجعلهما الغاية في النعيم والعقاب، والمصير الذي يصير إليه المكلفون فيخلدون فيهما، فالجنة حق والنار حق كما أنَّ الساعة حق.

فهذه ثوابت بإثباته -جل جلاله وتعالى في علاه-، أمَّا الحق المطلق الذي هو واجب الوجود، ويمتنع عليه العدم فهو هو وحده، هو وحده جلَّ جلاله، بل ما سواه كان عدمًا كائنًا ما كان، كل ما سواه كان عدمًا، قال نبينا: "كان اللهُ ولَم يَكُنْ شَيءٌ غَيرُه"، "كان الله ولم يكن شيء معه" -جلَّ جلاله-، كان الله ولا مكان ولا زمان، وهو الآن على ما عليه كان.

(ذَٰلِكَ بِأَنَّ اللَّهَ هُوَ الْحَقُّ وَأَنَّ مَا يَدْعُونَ مِن دُونِهِ هُوَ الْبَاطِلُ وَأَنَّ اللَّهَ هُوَ الْعَلِيُّ الْكَبِيرُ (62))

  • (الْعَلِيُّ) الذي اعتلى فوق كل شيء جلَّ جلاله، فلا شيء سواه إلا وهو مقهور بقهره، محكوم بحكمه، دانٍ وضيع أمام قدرته وإرادته.
  • فهو (الْعَلِيُّ) العلو المُطلَق، سبحانه وتعالى.
  • (الكبير) جلَّ جلاله وتعالى في علاه.
  • (الْعَلِيُّ) باعتبار ذاته.
  • (الكبير) باعتبار صفاته.

وكلّ ما سواه؛ فنسبة الكِبَر إلى شيء منه مجازًا بالنسبة لشيء آخر من نفس الكائنات، أمَّا الكبرياء المُطلَق فللواحد الحق، وعلى هذه الكبرياء الوجود، والوجود الثابت الذاتي له وحدهُ، وما سواه بإيجاده وَجَد، بإيجاده وُجِد ما سواه من الموجودات.

فإذًا الكبير هو -الله أكبر-؛ (أَلَمْ تَرَ أَنَّ اللَّهَ..(63)) تفكَّر في هذه الآيات من حواليك والمرئيات والمشاهدات (أَلَمْ تَرَ أَنَّ اللَّهَ أَنزَلَ مِنَ السَّمَاءِ مَاءً) -جلَّ جلاله- بترتيبه وتقديره سبحانه وتعالى، وتَصَرُّفه وقُدرته.

(أَنزَلَ مِنَ السَّمَاءِ مَاءً فَتُصْبِحُ الْأَرْضُ مُخْضَرَّةً) كانت بالأمس يابسة قاحلة قَفراء مُقفَرَّهَ، يُنزِل ماء في لحظات فتصبح مُخضرّة، ومن بعض بقاع الأرض لا تصبح الخضرة فيها في صبيحة اليوم الذي يجيء فيه المطر، إذا جاء المطر تخضر الأرض في اليوم الثاني، وأكثر الأراضي تبدأ الخضرة بالبلل، ولكن لا تظهر الخضرة بالأشجار والثمار إلا بعد مرور أيام (فَتُصْبِحُ الْأَرْضُ مُخْضَرَّةً).

وهذا بالرفع (فَتُصْبِحُ الْأَرْضُ مُخْضَرَّةً) لأنَّه يريد إثبات أن الأرض تُصبح مُخضرّة، وأنَّه لو نُصِبَ لتغيَّر المعنى وهذا من دقائق الإعراب في العربية، يقول الرجل للرجل: ألم أُنعِم عليك بكذا وأُعطيك كذا، فتشكُرُني؟ إذا قال -فتشكُرُني- يعني أثبت شُكرَه، يعني أنت قائم بِشكري، أما إذا قال: أُنعم عليك بكذا وكذا فتشكُرَني، يعني لا تَشكرني، أنت غير شكور! وهكذا قال: (فَتُصْبِحُ الْأَرْضُ مُخْضَرَّةً)، ولو قال: تصبحَ الأرضَ مخضرةً كان انعكس المعنى وانعكس المراد.

(فَتُصْبِحُ الْأَرْضُ مُخْضَرَّةً) ذات خضرة (وَتَرَى الْأَرْضَ هَامِدَةً فَإِذَا أَنزَلْنَا عَلَيْهَا الْمَاءَ اهْتَزَّتْ وَرَبَتْ) [الحج:5]، (إِنَّ الَّذِي أَحْيَاهَا لَمُحْيِي الْمَوْتَىٰ ۚ إِنَّهُ عَلَىٰ كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ) [فصلت:39] -جلَّ جلاله-.

(فَتُصْبِحُ الْأَرْضُ مُخْضَرَّةً إِنَّ اللَّهَ لَطِيفٌ خَبِيرٌ) جلَّ جلاله وتعالى في علاه، لطيفٌ؛ يحيط علمه بجميع المصالح والمنافع ثم يُرتِّبها بيُسرٍ ورفق؛ هذا اللطيف، واللطف بهذا المعنى الواسع ليس إلا له، ومن كان مِن خلْقه له شيء مِن المعلومات بالمصالح ثم رَفَق في التوصُّل إليها يقال له لطيف، لكنه لطف محصور وقاصر، أمَّا هو فقد أحاط علمه بجميع المصالح والمنافع لكل شيء، وكل شيء خَلْقُهُ: (أَلَا يَعْلَمُ مَنْ خَلَقَ وَهُوَ اللَّطِيفُ الْخَبِيرُ) [الملك:14] -جلَّ جلاله-، ثم رَفَق بالعباد ورتب هذا الخَلق والإيجاد، يُحَوِّل النطفة إلى علقة بِلُطف.

وهكذا (إِنَّ اللَّهَ لَطِيفٌ خَبِيرٌ (63)) ذو علم وخبرة محيط بكل شيء من جميع الجوانب، نِعمَ اللطيف الخبير، (لَّهُ مَا فِي السَّمَاوَاتِ وَمَا فِي الْأَرْضِ..(64)).

يقول تعالى: (ذَٰلِكَ بِأَنَّ اللَّهَ هُوَ الْحَقُّ وَأَنَّ مَا يَدْعُونَ مِن دُونِهِ هُوَ الْبَاطِلُ وَأَنَّ اللَّهَ هُوَ الْعَلِيُّ الْكَبِيرُ (62) أَلَمْ تَرَ أَنَّ اللَّهَ أَنزَلَ مِنَ السَّمَاءِ مَاءً فَتُصْبِحُ الْأَرْضُ مُخْضَرَّةً ۗ إِنَّ اللَّهَ لَطِيفٌ) يوصل آثار الماء إلى أعماق الأرض، إلى محل النبات ويعطي كل بَذرة ما تستحق، لا يزيد عليها ولا ينقص، تأخذ بمقدار ثم تتحوّل إلى الإنبات وتَشُق الأرض شقًا حتى تبدو إلى ظاهر الأرض، ولا تميل إلى الجانب هذا ولا إلى الجانب هذا ولا إلى الجهات الأربع، ولا تنزل تحت، بل تطلع هكذا -الى الأعلى-، من أين هذه التعليمات؟ هل عندها إشارات مرور؟! جندي مرور عندها؟! سبحانه! وإن قَلَبتَ الحبة كذا وإن قَلبتَها هكذا، لكن في وقت الإنبات تنقلب وتطلع الى الأعلى، ولا تذهب إلى اليمين ولا إلى اليسار ولا إلى الأمام ولا تنزل تحت، من قال لها اطلعي هكذا؟ واظهري على الأرض من هذه الجهة؟

(لَطِيفٌ خَبِيرٌ)، يضع كل شيء في موضِعه، ويرتب ترتيبًا، ويُقدِر تقديرًا يجلُ عن الوصف، أكبر من عقول أهل السماء وأهل الأرض.

(إِنَّ اللَّهَ لَطِيفٌ خَبِيرٌ (63) لَّهُ مَا فِي السَّمَاوَاتِ وَمَا فِي الْأَرْضِ) مُلكًا وعبِيدًا على الحقيقة، خلقها وخلق ما عليها وكلها ترجِع إليه: (إِنَّا نَحْنُ نَرِثُ الْأَرْضَ وَمَنْ عَلَيْهَا وَإِلَيْنَا يُرْجَعُونَ) [مريم:40]، فإذًا لِمَن؟ (قُل لِّمَن مَّا فِي السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ قُل لِّلَّهِ كَتَبَ عَلَىٰ نَفْسِهِ الرَّحْمَةَ) -جلَّ جلاله- (ليَجْمَعَنَّكُمْ إِلَىٰ يَوْمِ الْقِيَامَةِ لَا رَيْبَ فِيهِ الَّذِينَ خَسِرُوا أَنفُسَهُمْ فَهُمْ لَا يُؤْمِنُونَ) [الأنعام:12]، آمنا بالله وبما جاء به.

(لَّهُ مَا فِي السَّمَاوَاتِ وَمَا فِي الْأَرْضِ) قال سبحانه وتعالى: (لَهُ مَا فِي السَّمَاوَاتِ وَمَا فِي الْأَرْضِ وَمَا بَيْنَهُمَا وَمَا تَحْتَ الثَّرَىٰ) [طه:6] كُلُّه له؛ مُلك وعبيد على الحقيقة.

(وَإِنَّ اللَّهَ لَهُوَ الْغَنِيُّ) الغني عن كل شيء، المُفتقر إليه كل ما عداه، كُلُّ ما سِواه مُفتقر إليه، هُو الذي يخلقه، هو الذي يرزقه هو الذي يُقدِّره، هو الذي يصوِّر، وهو الذي يُطوِّر سبحانه عزَّ وجل؛ فلا يستغني شيءٌ عنه؛ لا إنسان ولا حيوان، ولا نبات ولا جماد، ولا ذرَّة ولا حشرة، ولا كوكب ولا أرض ولا سماء، كلها مُحتاجة إليه، هو الذي يُرتّبها وهو يُقدّرها، وهو يُسيِّرها، وهو الغني عنها كلها، لا يحتاج إلى شيء.

(الْحَمِيدُ) -جل جلاله- الذي يستحق الحمد في جميع تصرُّفاته وتدبيراته، وتقديمه وتأخيره، ورفعِه وخفضِه، وإعطائه ومنعه -لا إله إلا هو- (إِنَّ اللَّهَ لَهُوَ الْغَنِيُّ الْحَمِيدُ (64)) يستحِقّ الحمد على كل حال.

(أَلَمْ تَرَ أَنَّ اللَّهَ سَخَّرَ لَكُم مَّا فِي الْأَرْضِ..(65))؛ هواء وماء وأشجار وأطعمة، وألبسة ومراكِب، وحجر ومَدر وأنواع من الكائنات.

(سَخَّرَ لَكُم مَّا فِي الْأَرْضِ) لو كانت الاحجار مُسلَّطة علينا، ماذا ستعمل أمامها؟ حشرات سُلِّطت عليك ما قدرت فيها، ماذا ستعمل بالأحجار؟ كيف ستعمل مع الجبال لو سُلِّطت عليك؟ هي مسخّرة لك، تطلع فوقها، تدق منها، تنزل منها، تُشُقها، تعمل فيها نفق، مُسَخَّرة، (سَخَّرَ لَكُم مَّا فِي الْأَرْضِ) -له الحمد-.

(وَالْفُلْكَ) سَخَّرَ لَكُم الفلك (وَالْفُلْكَ تَجْرِي فِي الْبَحْرِ بِأَمْرِهِ) سَخَّرَ لَكُم الْفُلْكَ وهو الذي رَتَّبها، فلا تغوص، بل تجري في البحر، تتاجر وتخرج أحمالك وأثقالك واحجارك وحديدك وذهبك ومالَك وفِضَّتك ونفسك وحيواناتك، حَمِّل، طَلِّعها في البحر، الله الله الله!

(وَالْفُلْكَ تَجْرِي فِي الْبَحْرِ بِأَمْرِهِ) -سبحانه وتعالى- ولو شاء أن يغرقوا لغرقوا -سبحانه-.

(وَيُمْسِكُ السَّمَاءَ أَن تَقَعَ عَلَى الْأَرْضِ إِلَّا بِإِذْنِهِ) وإلَّا من يُمسِك السماوات؟ هل عندهم ترتيب بحيث أنهم يُمسِكون السماء؟! لا يقدرون أن يمسكوا أنفسهم، فهل سيمسكون السماوات!؟ -لا إله إلا الله-، (رَفَعَ السَّمَاوَاتِ بِغَيْرِ عَمَدٍ تَرَوْنَهَا) [الرعد:2] هل توجد أعمدة تمسكها؟

قال: (وَيُمْسِكُ السَّمَاءَ أَن تَقَعَ عَلَى الْأَرْضِ) تَسقُط (إِلَّا بِإِذْنِهِ)، إذا شققها وصارت كالمُهل في القيامة انتهت، وقبل ذلك لا تسقط، ولا السماء كلها، لو كوكب واحد لو اندق بالأرض، ماذا سيحصل في الأرض؟ ولو كوكب واحد سقط في الأرض، لن تساويه قنابلهم، ولا ما عندهم يساويه.

ولهذا تجِدهم أحيانًا -من وقت لآخر- يقولون إن هناك كوكب بدأ يقترب من الأرض يمكن أن يُصيب الأرض، ويأتون بعد مُدة يقولون أنه ممكن يُصيب ثم يسكتون، هناك واحد يُمسك الكواكب، إجلس مكانك إلى الوقت الذي يأذن فيه، اقعد مكانك، لا أنت ستمسكها، ولا دولتك ستمسكها، ولا التكنولوجيا التي تملكها ستمسكها، ولا أسلحتك ستمسكها، هو يُمسِكها -جل جلاله-.

(وَيُمْسِكُ السَّمَاءَ أَن تَقَعَ عَلَى الْأَرْضِ إِلَّا بِإِذْنِهِ) إن الله يُمسِك السماوات، وهذه الأرض التي أنت عليها، إن تزلزلت وسقطت كيف ستمسكها؟ هزة مُدة ثواني تُنهِيهُم، وتُنهي قُواتهم، مدة ثواني -بأقل من دقيقة- هزة في الأرض، من الذي يمسك؟ قال تعالى: (إِنَّ اللَّهَ يُمْسِكُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ أَن تَزُولَا وَلَئِن زَالَتَا إِنْ أَمْسَكَهُمَا مِنْ أَحَدٍ مِّن بَعْدِهِ) [فاطر:41]، يقول من يُمسِكهما؟ لا يمسكهما أحدٌ من بعده -لا إله إلا هو-.

يقولُ: (وَالْفُلْكَ تَجْرِي فِي الْبَحْرِ بِأَمْرِهِ) والطير لمَّا يطير في الهواء بأمره، لو أراد أن يسقط يسقط -جلَّ جلاله-، (أَوَلَمْ يَرَوْا إِلَى الطَّيْرِ فَوْقَهُمْ صَافَّاتٍ وَيَقْبِضْنَ ۚ مَا يُمْسِكُهُنَّ إِلَّا الرَّحْمَٰنُ إِنَّهُ بِكُلِّ شَيْءٍ بَصِيرٌ) [المُلك:19].

يقولُ: (وَيُمْسِكُ السَّمَاءَ أَن تَقَعَ عَلَى الْأَرْضِ إِلَّا بِإِذْنِهِ ۗ إِنَّ اللَّهَ بِالنَّاسِ لَرَءُوفٌ رَّحِيمٌ (65)) برأفته ورحمته تحيون وإلا لا تساوون شيئًا ولا تقدرون على شيء، (وَلَوْ يُؤَاخِذُ اللَّهُ النَّاسَ بِظُلْمِهِم مَّا تَرَكَ عَلَيْهَا مِن دَابَّةٍ وَلَٰكِن يُؤَخِّرُهُمْ إِلَىٰ أَجَلٍ مُّسَمًّى) [النحل:61].

(إِنَّ اللَّهَ بِالنَّاسِ لَرَءُوفٌ رَّحِيمٌ (65) وَهُوَ الَّذِي أَحْيَاكُمْ) كنتم عدم، وتكوينكم هذا الجسد بنفخ الروح كان جماد؛ من نُطفة، علقة، مُضغة، كلها جماد عِظام، كله جماد، كُسِيَت لحم جماد، نَفخ فيها الروح (أَحْيَاكُمْ) من العدم، (ثُمَّ يُمِيتُكُمْ)؛ للاعتبار والادّكار، كل ساعة يموت واحد فيكم، كل ساعة يموت واحد فيكم.

(ثُمَّ يُحْيِيكُمْ)، كما أحياكم أول مرة يحييكم مرةً أُخرى بالبعث والنشور.

(إِنَّ الْإِنسَانَ لَكَفُورٌ) يُعاند ويُكابر ويجحد القدرة والإرادة والنِعَم المصبوبة عليه؛ وهكذا، ولا يعرف شكر النعم، ويُعِد المصائب وينسى المِنن والمواهب.

(إِنَّ الْإِنسَانَ لَكَفُورٌ (66))، (إِنَّ الْإِنسَانَ لِرَبِّهِ لَكَنُودٌ) [العاديات:6] جحود، وإذا تأمّل وأنصف (وَإِنَّهُ عَلَىٰ ذَٰلِكَ لَشَهِيدٌ) [العاديات:7] هو يدري بنفسه، وإلى إفضاله وإنعامه - جلّ جلاله- علينا، ولو عبدناه بكل قدراتنا، لا يساوي نِعمة بَصَر ولا نِعمة سمع ولا نِعمة…

والذي عَبَدَ الله خمسمائة سنة من بني إسرائيل، إذا جاء يوم القيامة حاسبوه على نِعمة البَصَر ذَهَبَت العبادات كلها، ولا زالت باقي نِعم كثيرة، يقول يا رب فَنِيَتْ عِباداتُه، يقول: أدخلوه النار، يقول: لا يا رب برحمتك أدخلني الجنة برحمتك، أولًا قال بعملي، لمَّا جاءوا للعمل وجدوه لا يساوي شيء، لمََّا قال برحمتك قال: أدخِلوا عبدي الجنة برحمتي، ونعم العبد عبدي -يمدحه-، هو قد طلع ولا شيء؛ صفر، ولكنه يُدخِله الجنة ويمدحه، فضل الله على الخلق، ولكن الإنسان كفور -لا إله إلا الله-، (قُتِلَ الْإِنسَانُ مَا أَكْفَرَهُ * مِنْ أَيِّ شَيْءٍ خَلَقَهُمِن نُّطْفَةٍ خَلَقَهُ فَقَدَّرَهُثُمَّ السَّبِيلَ يَسَّرَهُثُمَّ أَمَاتَهُ فَأَقْبَرَهُثُمَّ إِذَا شَاءَ أَنشَرَهُكَلَّا لَمَّا يَقْضِ مَا أَمَرَهُ) [عبس:17-23]، لا يقوم بأمر الله، ولا يمتثل، ولا يجتنب ما نهاه عنه، كفور جحود، -لا إله إلا الله-.

والله بنا رؤوف رحيم؛ فنسأله أن يتم نِعمته علينا، ويرزقنا الإنابة إليه والاعتراف بفضله وإنعامه، وأن يُتِمَ علينا النِعمة ويجمعنا في الجنة وهو راضٍ عنا.

اللهم اقبلنا على ما فينا، أصلح ظواهرنا وخوافينا، وأقبل بوجهك الكريم علينا، وتولّنا بما أنت أهله ظاهرًا وباطنًا، فَرِّج كُرب أُمة نبيك أجمعين، واقبَل حُجاج بيتك وزائري نبِيك وأعِدْهم إلى أوطانهم سالمين، وارزقهم الإنابة والخشية والاستقامة واتباع نبيك المُصطفى، وأشرِكنا في دعائهم وتضرُّعاتهم وفيما تجود عليهم وتتجلى به عليهم، وتُنزِلُه عليهم وتتفضل به عليهم، يا رحمن، وعجِّل بتفريج كُروب الأمة في المشارق والمغارب، وادفع جميع المصائب والنوائب، وحوِّل الأحوال لأحسنها، وارزقنا نَصرتك ونَصرة رسولك على الوجه الأحب إليك والأرضى لك، برحمتك يا أرحم الراحمين.

 

 بسرِ الفاتحة 

وإلى حضرةِ النَّبي محمد ﷺ

الفاتحة

 

تاريخ النشر الهجري

26 ذو القِعدة 1447

تاريخ النشر الميلادي

13 مايو 2026

اضافة إلى المفضلة

كتابة فائدة متعلقة بالمادة

الأقسام