تفسير سورة الحج -10- من قوله تعالى {وَلِكُلِّ أُمَّةٍ جَعَلْنَا مَنسَكًا لِّيَذْكُرُوا اسْمَ اللهِ..} الآية 34 إلى 37
تفسير فضيلة العلامة الحبيب عمر بن محمد بن حفيظ للآيات الكريمة من سورة الحج:
{ وَلِكُلِّ أُمَّةٍ جَعَلْنَا مَنسَكًا لِّيَذْكُرُوا اسْمَ اللَّهِ عَلَىٰ مَا رَزَقَهُم مِّن بَهِيمَةِ الْأَنْعَامِ ۗ فَإِلَٰهُكُمْ إِلَٰهٌ وَاحِدٌ فَلَهُ أَسْلِمُوا ۗ وَبَشِّرِ الْمُخْبِتِينَ (34) الَّذِينَ إِذَا ذُكِرَ اللَّهُ وَجِلَتْ قُلُوبُهُمْ وَالصَّابِرِينَ عَلَىٰ مَا أَصَابَهُمْ وَالْمُقِيمِي الصَّلَاةِ وَمِمَّا رَزَقْنَاهُمْ يُنفِقُونَ (35) وَالْبُدْنَ جَعَلْنَاهَا لَكُم مِّن شَعَائِرِ اللَّهِ لَكُمْ فِيهَا خَيْرٌ ۖ فَاذْكُرُوا اسْمَ اللَّهِ عَلَيْهَا صَوَافَّ ۖ فَإِذَا وَجَبَتْ جُنُوبُهَا فَكُلُوا مِنْهَا وَأَطْعِمُوا الْقَانِعَ وَالْمُعْتَرَّ ۚ كَذَٰلِكَ سَخَّرْنَاهَا لَكُمْ لَعَلَّكُمْ تَشْكُرُونَ (36) لَن يَنَالَ اللَّهَ لُحُومُهَا وَلَا دِمَاؤُهَا وَلَٰكِن يَنَالُهُ التَّقْوَىٰ مِنكُمْ ۚ كَذَٰلِكَ سَخَّرَهَا لَكُمْ لِتُكَبِّرُوا اللَّهَ عَلَىٰ مَا هَدَاكُمْ ۗ وَبَشِّرِ الْمُحْسِنِينَ (37) }
مساء الإثنين 28 شعبان 1447هـ
من أبرز ما جاء في الدرس:
- - بيان أن الله جعل لكل أمة منسكًا وشريعة.
- توضيح أحكام بهيمة الأنعام.
- التأكيد على أن الإسلام هو الانقياد لله ظاهرًا وباطنًا.
- شرح معنى المخبتين وأنهم:
- إذا ذُكر الله وجلت قلوبهم
- يصبرون على البلاء
- يقيمون الصلاة
- وينفقون مما رزقهم الله
- بيان منزلة البدن والهدي وأنها من شعائر الله.
- المقصود من النسك ليس مجرد اللحم والدم، بل التقوى والإخلاص.
- الحث على الشكر والتكبير عند القيام بالشعائر.
نص الدرس:
الحمدلله مُكرِمِنا بالوحي والتنزيل وبيانه على لسان رسوله خير هادٍ ودليل، سيدنا محمد صلى الله وسلم وبارك وكرَّم عليه وعلى آله وصحبه ومن سار في دربه، وعلى آبائه وإخوانه من الأنبياء والمُرسَلين سادات أهل معرفة الله وقُربه، وعلى آلهم وصحبهم وتابعيهم، وعلى الملائكة المُقَرَبين، وعلى جميع عباد الله الصالحين، وعلينا معهم وفيهم إنَّه أكرم الأكرمين وأرحم الراحمين.
أمَّا بعد،
فإنَّنا في نعمة تأمُّلنا لكلام إلهنا وخالقنا، وتَذكُّرنا لما به ذكّرنا وأوحاه على نبينا، وتَنَزَّلَ وعَلَّم ودَلّ وأرشد وبَيَّن -جَلَّ جَلاله-، انتهينا في سورة الحج إلى قوله -جَلَّ جَلاله-: (وَلِكُلِّ أُمَّةٍ جَعَلْنَا مَنسَكًا لِّيَذكروا اسْمَ اللَّهِ عَلَىٰ مَا رَزَقَهُم مِّن بَهِيمَةِ الْأَنْعَامِ ۗ فَإِلَٰهُكُمْ إِلَٰهٌ وَاحِدٌ فَلَهُ أَسْلِمُوا (34)) وقد ذكّرنا سبحانه وتعالى بتعظيم شَعائِرِه، وما جعل لنا من المنافع في الشعائر وتعظيمها، ومِن الهَدي إلى البيت الحرام.
ثم ذكّرنا بأنَّه جعل لكل أمة مَنسكًا، وقُرِئ (مَنْسِك)؛
- والمَنسِك: المَحَل المُعتاد للذبح أو لغيره.
- والمَنْسَك مَصدَرُ نَسَكَ، يَنسُكُ، منسكًا؛ فيأتي بمعنى الذبح، ويأتي بمعنى العبادة.
ويقول: (وَلِكُلِّ أُمَّةٍ جَعَلْنَا مَنسَكًا لِّيَذكروا اسْمَ اللَّهِ عَلَىٰ مَا رَزَقَهُم مِّن بَهِيمَةِ الْأَنْعَامِ)، يقول الله: أنَّه لمَّا خَلَقَنا وخَلَقَ أنواع الحيوانات، فَجَعَلَ لنا منها (بَهِيمَةِ الْأَنْعَامِ): وهي الإبل والبقر والغنم، فالبهائم كثيرة، كل الحيوانات التي لا تتكلم، ولكن الذي شُرِع هَديُه إلى البيت الحرام وكان منه الأضاحي وغيره هي الإبل والبقر والغنم (بَهِيمَةِ الْأَنْعَامِ)، وأنَّ الله تبارك وتعالى أباح هذا لبني آدم:
- ليأكلوا من لحومها.
- كما يحملوا أثقالهم عليها في حياتها.
- ويشربوا من ألبانها.
فجعل لهم فيها سبحانه وتعالى منافع كثيرة، وأحلّ لهم ذبحها ليأكلوا منها فتنتفع بذلك أجسادهم تَكرِمَةً مِن الله لبني آدم.
ولا يَحِلُ قتل الحيوان من المطعومات لغير إرادة أكله، فلا يجوز ذبحه ورميه، ويُحاسب مَن ذبحه لغير قصد الأكل على أنَّه ارتكب ذنبًا وجريمة، وإنَّما لمصلحة هذا الإنسان وقصدِ الأكل أجاز الحق ذبح الأنعام وما أحلّ لنا من الحيوان، كما نصطاد من صيد البحر فيكون ميّتًا بإخراجه من الماء وأُحِلَّت لنا ميتته، تَكرِمَةً من الله لبني آدم.
(وَلِكُلِّ أُمَّةٍ جَعَلْنَا مَنسَكًا لِّيَذكروا اسْمَ اللَّهِ عَلَىٰ مَا رَزَقَهُم مِّن بَهِيمَةِ الْأَنْعَامِ) يذكر اسم الله على ما رزقهم من بهيمة الأنعام عند ذبحها؛
- وهو مُستحب مُتأكد عند جمهور فقهاء الشرع الحنيف.
- وواجبٌ عند بعضهم.
والقصد أن لا يُذبح تقرُّبًا لغير الله، وإنَّما يُقصد به وجه الله تعالى إقرارًا بإحلاله ما أحلّ لنا؛
- فما ذُبح لغير الله -أي قُصد بذبحه غير الله- فمُحرَّمٌ بالإجماع.
- وما ذُكر اسم الله عليه فحلالٌ بالإجماع.
- وما لم يُذكر اسم الله عليه ولم يُقصد به غير الله وقُصد به التقرب إلى الله فهو أيضًا عند الجمهور حلال يَحلّ أكله، ولكن ينبغي أن لا يُغفل عن التسمية عند الذبح وعن التكبير كذلك.
(لِّيَذكروا اسْمَ اللَّهِ عَلَىٰ مَا رَزَقَهُم مِّن بَهِيمَةِ الْأَنْعَامِ فَإِلَٰهُكُمْ إِلَٰهٌ وَاحِدٌ) قال: أنا الذي شرعتُ هذا للأمم كلها -وإن اختلفت الشرائع في بعض الأحكام رعاية من الخالق أيضًا لمصلحة هذا الإنسان أو لتربيته وتأديبه- فذلك كله راجع لأصل واحد، وهو أنَّ الله هو الذي شَرع على أيدي رُسله صلوات الله وسلامه عليهم، وجعل الختم والتمام على يد محمد بن عبد الله صلى الله عليه وعلى آله وصحبه وسلم، فجاء بشريعة تبقى إلى القيامة، إلى آخر الزمان، لا يُنسخ منها شيء ولا يُبدَّل شيء، فهي الشريعة الخاتمة؛ كلها شرائع الله من آدم ومن بعده من النبيين بجميع أحكامها، إلى أن جاءت الشريعة التامة الكاملة الخاتمة على يد نبينا صلى الله عليه وعلى آله وصحبه وسلم، ولله الحمد والمِنّة.
(فَإِلَٰهُكُمْ إِلَٰهٌ وَاحِدٌ) هو الذي أرسل رُسله بالحق، وهو الذي أنزل الشرائع كما أنزل الكتب إليهم، فالمرجع إلى واحد، فلذا جميع الأنبياء مُصَدِّقٌ بعضهم لبعض، مُعظِّم بعضهم لبعض، (تِلْكَ الرُّسُلُ فَضَّلْنَا بَعْضَهُمْ عَلَىٰ بَعْضٍ) [البقرة:253] ويرجعون إلى تحت لواء سيدنا محمد يوم القيامة -جمعنا الله تحت ذاك اللواء-.
(فَإِلَٰهُكُمْ إِلَٰهٌ وَاحِدٌ) وإن اختلفت الشرائع، (فَلَهُ أَسْلِمُوا) ولمّا كانت الشريعة الخاتمة حاوية لجميع المعاني، كان ما تقدم من نسخ الشرائع مُترجمًا في سعة الشريعة، ليقوم المجتهدون المتأهلون المهيئون لذلك باستنباط الأحكام، فتعددت مذاهب الحق والهدى التي تَستنبط من الكتاب والسنة والإجماع والقياس أحكامًا تقوم على ذلك الأساس.
(فَلَهُ أَسْلِمُوا) فلهذا الإله الواحد أسلموا أي: انقادوا واخضعوا واخشعوا، فله حقِّقوا إسلامكم؛ بالامتثال التام، والخضوع والانقياد الكامل للإله في النيات والمقاصد والأقوال والأفعال -اللهم حقِّقنا بحقائق الإسلام-
وكان من مَجلى التحقُّق الظاهر بالإسلام أن يَسلم المسلمون من لسانك ويدك، وبذا جاء التعبير النبوي: "المُسْلِمُ مَن سَلِمَ المُسْلِمُونَ مِن لِسانِهِ ويَدِهِ"، وقد دعانا الله ورسوله لأن نتحقق بذلك، وجعل العبادات والطاعات مُهيِّئة ومُساعدة لنا للوصول إلى التحقُّق بذلك، ومن أعظمها رمضان الذي قال في صيامه نبينا ﷺ: "مَن لَمْ يَدَعْ قَوْلَ الزُّورِ والعَمَلَ به، فليسَ لِلَّهِ حَاجَةٌ في أنْ يَدَعَ طَعَامَهُ وشَرَابَهُ." إنَّما المقصود التقوِّي في التقوى والتحقق بحقائق الإسلام، يترك قول الزور والعمل به، يسلم المسلمون من لسانه، يسلم المسلمون من يده، فرمضان موسم ليرتقي المسلم للتحقق بحقائق الإسلام، ويَطلع إلى هذه الذروة بأن يكون قد سَلِم المسلمون من لسانه ويده؛ فحينئذٍ يكون أتقى وأنقى وأبعد عن أن تَغلِبَه نفسه وهواه وشياطين الإنس والجن، إذ قد استسلم للقوي المتين الذي بيده نواصيهم أجمعين -جلَّ جَلاله-.
(فَلَهُ أَسْلِمُوا) قال الله لحبيبه: وبيني وبين الذين آمنوا بي وصدقوا بالغيب بما تَفضّلتُ عليهم من بيان وهدى وإقامة مؤهلات فيهم لفهم ذلك، ووفقتهم فآمنوا، بيني وبينهم وعدٌ جميل حسن، أن أُكرمهم بما لا عين رأت ولا أذن سمعت ولا خطر على قلب بشر، وما عندي خيرٌ عظيم لا يحيط به أحد (فَلَا تَعْلَمُ نَفْسٌ مَّا أُخْفِيَ لَهُم مِّن قُرَّةِ أَعْيُنٍ) [السجدة:17].
يقول الله لحبيبه: بَشِّر، بَشِّر، بَشِّر... بشائر للمؤمنين عامة، ولخواص المؤمنين خاصة منهم هؤلاء المخبتون المتحققون بحقائق الإسلام والإيمان؛ قال: (وَبَشِّرِ الْمُخْبِتِينَ) وحَمَل البشارة سيد أهل الطهارة، فيا فوز المخبتين، ويا فوز المتحققين بحقائق الإيمان، ويا فوز من اتبع الذّكر وخشي الرحمن بالغيب، فأُمِرَ رسول الله أن يحمل إليه بشارة، (فَبَشِّرْهُ بِمَغْفِرَةٍ وَأَجْرٍ كَرِيمٍ) [يس:11].
يقول له: (وَبَشِّرِ الْمُخْبِتِينَ (34)) أهل الإخبات من أمتك، احمل إليهم بشارة مني؛ أنا الله ربُّ كل شيء، واحمل البشارة يا أصدق خَلقي ويا أكرم خَلقي إلى هؤلاء المخبتين.
من المخبتون؟
- يذكرون في معنى الإخبات: التواضع والخشوع.
- ويذكرون في معنى الإخبات: عدم الانتصاف للنفس.
- ويذكرون في معنى الإخبات: كثرة الذكر له -جلَّ جلاله-.
وإلى غير ذلك من الأوصاف، وقد بيَّن الله لنا الأوصاف في الآية بعدها مباشرة، من المخبتون يا رب؟ قال: (الَّذِينَ إِذَا ذُكر اللَّهُ وَجِلَتْ قُلُوبُهُمْ (35)) تعظيمًا وهيبةً، معرفةً بجلالة هذا الإله، وحياءً منه، شوقًا إليه، وأدبًا معه، وإشفاقًا وخوفًا منه.
(إِذَا ذُكر اللَّهُ وَجِلَتْ قُلُوبُهُمْ) لأنهم يعرفون مِن عظمته وجلاله وكبريائه، ويعلمون من نواله وإفضاله وإحسانه أمورًا عُظمى فوق ما يُؤملون، يُشفقون أن يقطعهم عنها ويُبعدهم، ويَرجون أن ينالوها برحمته؛ فإِذَا ذُكر اللَّهُ وَجِلَتْ قُلُوبُهُمْ.
وقال أيضًا عن المتحققين بالإيمان في وصفهم في الآية الأخرى: (إِنَّمَا الْمُؤْمِنُونَ الَّذِينَ إِذَا ذُكر اللَّهُ وَجِلَتْ قُلُوبُهُمْ وَإِذَا تُلِيَتْ عَلَيْهِمْ آيَاتُهُ زَادَتْهُمْ إِيمَانًا وَعَلَىٰ رَبِّهِمْ يَتَوَكَّلُونَ* الَّذِينَ يُقِيمُونَ الصَّلَاةَ وَمِمَّا رَزَقْنَاهُمْ يُنفِقُونَ * أُولَٰئِكَ هُمُ الْمُؤْمِنُونَ حَقًّا) [الأنفال:2-4] -اللهم اجعلنا منهم وألحِقنا بهم-، ولا يَمتلئ قلبك بِعزم صادق أن تصوم رمضان إيمانًا واحتسابًا وأن تقوم رمضان إيمانًا وإحتسابًا إلا رحِمك الرحمن وأدخلك في دوائر هؤلاء المؤمنين حقًا.
يقول في وصف المخبتين: (الَّذِينَ إِذَا ذُكر اللَّهُ وَجِلَتْ قُلُوبُهُمْ وَالصَّابِرِينَ عَلَىٰ مَا أَصَابَهُمْ (35))، يقول سبحانه وتعالى: (وَلَنَبْلُوَنَّكُم بِشَيْءٍ مِّنَ الْخَوْفِ وَالْجُوعِ وَنَقْصٍ مِّنَ الْأَمْوَالِ وَالْأَنفُسِ وَالثَّمَرَاتِ وَبَشِّرِ الصَّابِرِينَ..) [البقرة:155-156]
(وَالصَّابِرِينَ عَلَىٰ مَا أَصَابَهُمْ (35))؛ (أَمْ حَسِبْتُمْ أَن تَدْخُلُوا الْجَنَّةَ وَلَمَّا يَأْتِكُم مَّثَلُ الَّذِينَ خَلَوْا مِن قَبْلِكُم مَّسَّتْهُمُ الْبَأْسَاءُ وَالضَّرَّاءُ وَزُلْزِلُوا حَتَّىٰ يَقُولَ الرَّسُولُ) -يعني الواحد من رسلهم وأنبيائهم- (حَتَّىٰ يَقُولَ الرَّسُولُ وَالَّذِينَ آمَنُوا مَعَهُ مَتَىٰ نَصْرُ اللَّهِ أَلَا إِنَّ نَصْرَ اللَّهِ قَرِيبٌ) [البقرة:214]، (أَحَسِبَ النَّاسُ أَن يُتْرَكُوا أَن يَقُولُوا آمَنَّا وَهُمْ لَا يُفْتَنُونَ* وَلَقَدْ فَتَنَّا الَّذِينَ مِن قَبْلِهِمْ ۖ فَلَيَعْلَمَنَّ اللَّهُ الَّذِينَ صَدَقُوا وَلَيَعْلَمَنَّ الْكَاذِبِينَ * أَمْ حَسِبَ الَّذِينَ يَعْمَلُونَ السَّيِّئَاتِ أَن يَسْبِقُونَا ۚ سَاءَ مَا يَحْكُمُونَ) [العنكبوت:2-4] قال؛ أن الذين يعملون السيئات خُذلوا في الدنيا وتعلَّقوا بالسيئات والمخالفات والوساخات والقباحات؛ قال الله؛ أيظنون أنَّ منهم أحد من أفرادهم وجماعاتهم يفوتونا؟! يعني يُعجزون الله تعالى ويخرجون عن قبضته؟! ماذا معهم؟ أين يريدون؟ لا يزال يفضحهم ويتعبهم في الدنيا، والعذاب منتظرهم في الآخرة (أَمْ حَسِبَ الَّذِينَ يَعْمَلُونَ السَّيِّئَاتِ أَن يَسْبِقُونَا) يفوتون علينا؟! يخرجوا من قبضتنا، أين سيذهبون؟ (سَاءَ مَا يَحْكُمُونَ) -لا إله إلا الله-، (وَمَن جَاهَدَ فَإِنَّمَا يُجَاهِدُ لِنَفْسِهِ إِنَّ اللَّهَ لَغَنِيٌّ عَنِ الْعَالَمِينَ) [العنكبوت:6].
يقول الله في وصف المخبتين: (وَالصَّابِرِينَ عَلَىٰ مَا أَصَابَهُمْ) من البلايا والرزايا والآفات بأنواعها -الله أكبر-، (وَبَشِّرِ الصَّابِرِينَ) [البقرة:155]، ومِن مَجلاهُم عند المصائب أن يَتَذكّروا رجعتهم إلى القوي القادر، واستنادهم إلى رُكنٍ عظيم، (الَّذِينَ إِذَا أَصَابَتْهُم مُّصِيبَةٌ قَالُوا إِنَّا لِلَّهِ وَإِنَّا إِلَيْهِ رَاجِعُونَ * أُولَٰئِكَ عَلَيْهِمْ صَلَوَاتٌ مِّن رَّبِّهِمْ وَرَحْمَةٌ) [البقرة:156-157].
(وَالصَّابِرِينَ عَلَىٰ مَا أَصَابَهُمْ وَالْمُقِيمِي الصَّلَاةِ (35)) المقيمي الصلاة؛ الذين يؤدونها على التمام والإتقان والإحسان.
(وَالْمُقِيمِي الصَّلَاةِ وَمِمَّا رَزَقْنَاهُمْ يُنفِقُونَ (35)) والذين يبذلون مِن أجلنا من أنواع ما رزقناهم، فتراهم من أجل الله يبذلون ما رزقهم من بصر، ما رزقهم من نعمة السمع؛ بمعنى ينفعون بها خلق الله ويستعملونها في طاعة الله؛
- ما رزقهم من قوة: يساعدون ويعينون بها الخلق
- ما رزقهم من مال: يبذلون وينفقون منه للمحتاجين والأقارب وما إلى ذلك
- ما رزقهم من عِلم: ينفقون منه، يُعلِّمون عباد الله تبارك وتعالى وينشرونه
- ما رزقهم من فِكر وعقل: ينفعون به خلق الله وينصحونهم.
(وَمِمَّا رَزَقْنَاهُمْ يُنفِقُونَ (35)) هؤلاء هم المُخبِتون الذين لهم بشارة من الرحمن محمولة على يد سيد الأكوان، اللهم اجعلنا منهم وألحِقنا بهم في لطف منك وعافية يا أرحم الراحمين.
(وَالْبُدْنَ (36)) هذه الجمال إذا صرفتموها لإرادة وجهنا وأهديتموها إلى البيت الحرام (جَعَلْنَاهَا لَكُم مِّن شَعَائِرِ اللَّهِ).
(وَالْبُدْنَ جَعَلْنَاهَا لَكُم مِّن شَعَائِرِ اللَّهِ لَكُمْ فِيهَا خَيْرٌ (36)) يقول الله: إذا أهديتُم إلى البيت الحرام شيئًا من هذه البُدن ففيها خير لكم، وهذا ترغيب عظيم؛ أن يقول لك الجليل الكبير: لك خير في هذا، وإذا قال لك خير في هذا فهو خير لائق بِعِلمه ولائق بِعَظَمَته، فهو خير عظيم.
(لَكُمْ فِيهَا خَيْرٌ) وإن فَسَّر بعض المُفَسِّرين الخير الذي يكون في الدنيا مِن شُرب ألبانها ومن الحمل عليها عند الحاجة، وكذلك ما يكون من الأجر في الآخرة، ولكن إذا أُريدَ في هذا الترغيب في أن يكون فيها الخير والمكانة والمَنزِلة عند الله والنعيم الذي لا ينفد، هذا هو الخير الذي وعد الله به عباده، وهذا أَدْعى لأن يرغب المؤمن في شيء سماه الرحمن خير.
(لَكُمْ فِيهَا خَيْرٌ فَاذكروا اسْمَ اللَّهِ عَلَيْهَا صَوَافَّ (36)) أي مَصفوفاتٍ، (فَاذكروا اسْمَ اللَّهِ عَلَيْهَا صَوَافَّ) صُفُّوها إذا وصلتم إلى البيت الحرام وجئتم ليوم النحر في يوم مِنى، فصُفُّوها.
(فَاذكروا اسْمَ اللَّهِ عَلَيْهَا) كبِّروه تعالى (اسْمَ اللَّهِ عَلَيْهَا صَوَافَّ)، ويُقرأ -صوافِن- أي مُعَقَّلة واحدة من الأرجل فتبقى على ثلاث، لأن الصافنات الخيول، (الصَّافِنَاتُ الْجِيَادُ) [ص:31] يقول الله تعالى، إذا رفعت إحدى قوائمها الأربعة وقامت على ثلاث: فهي صافنة (الصَّافِنَاتُ الْجِيَادُ)، وكذلك السُّنّة كما هي مذاهب الجمهور من الفقهاء، أنها تُنحَر الإبل هكذا قائمة معقولة إحدى يديها أو رِجليها، فتقوم على ثلاث وتُنحَر، والجمهور استحبوا ذلك.
(فَاذكروا اسْمَ اللَّهِ عَلَيْهَا صَوَافَّ فَإِذَا وَجَبَتْ جُنُوبُهَا (36)) سقطت جنوبها، يقولون: وَجَبَ الجدار إذا سقط، وجبت الشمس إذا سقطت إلى الغروب؛ وجبت.
يقول: (فَإِذَا وَجَبَتْ جُنُوبُهَا) يعني سقطت على الأرض فطلعت روحها، ماتت بالنحر (فَكُلُوا مِنْهَا)، ومِثلها البقر والغنم، وإن كان الأفصح ما يقال لها بُدن -لا البقر ولا الغنم-، وقيل: يقال للبقر بُدن، وأضعف منه ما يقال للغنم بُدن.
والبُدن إنَّما هو للجِمال، جمع بَدَنة، ويقال -بُدُن- كما جاء في قراءة، كما يقال في الثَمر، جمع ثَمَرة، يقال ثُمرٌ وثَمَر، كذلك يقال بُدُنٌ وبَدَن، والبُدن والبَدَن كالثُّمُر والثَمَر، وبُدُن كالخشبة، يقال خشبة، جمْعها خُشُبٌ وخَشَب، بَدَن، فيقال خُشُب ويقال خَشَبٌ (كَأَنَّهُمْ خُشُبٌ مُّسَنَّدَةٌ) [المنافقون:4] خُشُبٌ وبُدنٌ كذلك، وبَدَنٌ كذلك.
يقول: (وَالْبُدْنَ جَعَلْنَاهَا لَكُم مِّن شَعَائِرِ اللَّهِ لَكُمْ فِيهَا خَيْرٌ فَاذكروا اسْمَ اللَّهِ عَلَيْهَا صَوَافَّ فَإِذَا وَجَبَتْ جُنُوبُهَا فَكُلُوا مِنْهَا (36)) والجمهور قالوا هذا الأكل للاستحباب، فيُستحب أن يأكل مما أهداه إلى بيت الله تعالى ما دام ليس بفرض، إنَّما إذا فرضها.
(فَاذكروا اسْمَ اللَّهِ عَلَيْهَا صَوَافَّ فَإِذَا وَجَبَتْ جُنُوبُهَا فَكُلُوا مِنْهَا) كذلك إذا نحر أو ذبح الشاة أو البقرة فحينما يأتي وقت الحِلّ لأكلها، واستدل من قال بالسنية بأنَّه ﷺ أمر أن يأخذ قطعة من كل الهدي الذي أهدي إلى الحرم ويُطبَخ، وأطعمهُ أهل بيته صلى الله عليه وعلى آله وصحبه وسلم.
كذلك ما كان من الأضاحي يُسَنُّ أن يُطعَم منه إذا كانت لغير منذورة، وذلك كانوا أيضًا في منى، أُدخِل عليهن لحم بقر -أمهات المؤمنين- فقُلن: ما هذا؟ قالوا: إن النبي ﷺ ضحَّى ببقر، وكان قد أهدى مئة بدنة إلى الحرم، ومع ذلك لم يترك الأضحية من البقر صلى الله عليه وعلى آله وصحبه وسلم.
وجَفَّفَ من هذا اللحم سيدنا بلال حِصة، وصار يُطعِم منه النبي ﷺ في أيام منى وبعد أيام منى حتى وصل إلى المدينة المنورة، وهو يُطعم منها، صلى الله عليه وعلى آله وصحبه وسلم، وفي هذا نَسخُ تحريم ادِّخار الأضاحي، فإنه في سَنَة كانت هناك أزمة وشدة وجاء الناس من القرى والبوادي إلى المدينة، فأراد النبي أن لا يَدَّخِر الناس الأضاحي في بيوتهم فقال: لا تدّخروا فوق ثلاث؛ من أجل أن يعطوا الناس ولكن وسَّع الله بعد ذلك فرجع إلى إباحة أن يُدَّخَر من الأضاحي إلى وقت طويل.
قال: (فَكُلُوا مِنْهَا وَأَطْعِمُوا الْقَانِعَ وَالْمُعْتَرَّ (36)) (الْقَانِعَ): الذي لا يتعرض للسؤال عند كثير من أهل العلم، (وَالْمُعْتَرَّ): الذي يتعرّض للسؤال أو يسأل، يتعرض للسؤال بأن يَحضُر عند ذبحهم ونحو ذلك عسى أن يُعطوه، أو أن يسأل.
فجاء في تفسير (الْقَانِعَ وَالْمُعْتَرَّ): والقانع إذا أُخذ من معنى قَنِعَ، فهذا معناه أنه قانع بما آتاه الله تعالى لا يسأل أحد، (وَالْمُعْتَرَّ) الذي يتعرض للسؤال أو يسأل.
وأمَّا إذا كانت بمعنى -قَنَعَ- فقَنَعَ يقْنَعُ قنوعًا فهو سؤال، يأتي بمعنى السؤال، وأما قَنِعَ يَقْنَعُ فهذا من القَنَاعَةً، يقنع قناعةً، (وَأَطْعِمُوا الْقَانِعَ وَالْمُعْتَرَّ)، والمعنى: عَمِّموا بإطعامكم أصناف من حواليكم، مَن يسأل ومن لا يسأل.
(وَأَطْعِمُوا الْقَانِعَ وَالْمُعْتَرَّ كَذَٰلِكَ سَخَّرْنَاهَا لَكُمْ (36)) يقول الله: أكبر منكم في الحجم، وأقوى منكم في الأعضاء، لو سلطناها عليكم فإنها ترمح الواحد منكم إلى بعيد، ولا يقدر يقرب منها.
(سَخَّرْنَاهَا لَكُمْ) وأصغر منها السباع وكذا تفرّون منها ما تقدرون عليها، لِتَعلَموا أن الغلبة لا بقوة ولا بِكِبَر ولكن بتقدير العلي الكبير، فالغلبة لله كلها -سبحانه وتعالى-، سَخَّرْهَا لَكُمْ.
(كَذَٰلِكَ سَخَّرْنَاهَا لَكُمْ لَعَلَّكُمْ تَشْكُرُونَ (36))، تَذكرون إنعامَنا وإفضالنا وتطيعوننا وتتركون المعاصي والذنوب، فنعطيكم ما هو أكبر وأجلّ من عظيم النِّعم، يقول لكم: (لَعَلَّكُمْ تَشْكُرُونَ).
((لَن يَنَالَ اللَّهَ لُحُومُهَا وَلَا دِمَاؤُهَا (37))، قال ليس الاعتبار بأجسادها ولا دمائها، ولكن نياتكم، لا اعتبار بعمل بلا نية! نياتكم ومقاصدكم وإرادتكم لوجهي.
(لَن يَنَالَ اللَّهَ لُحُومُهَا وَلَا دِمَاؤُهَا وَلَٰكِن يَنَالُهُ (37)) يعني لن يصل إلى رضوان الله والاعتبار عند الله والمكانة عند الله -تبارك وتعالى- نفس اللحوم و لا نفس الدماء، إلا ما تُكِنّه صدوركم من تعظيم الله وإرادة وجهه هو الذي يصل، وذلك أن المشركين كانوا يذبحون لآلهتهم و يأخذون دم المذبوحات ويلطخون به عند آلهتهم، ويلطخون به الكعبة المشرفة، أراد بعض المسلمين أن يلطخ الدم، فقال: لا لا لا، يحمل دم الهدي إلى الكعبة! قال: لالا.
(لَن يَنَالَ اللَّهَ لُحُومُهَا وَلَا دِمَاؤُهَا) ليس لها اعتبار، (وَلَٰكِن يَنَالُهُ التَّقْوَىٰ مِنكُمْ) يعني يرضى عنكم ويثيبكم ويقبل منكم التقوى التي في القلب (إِنَّمَا يَتَقَبَّلُ اللَّهُ مِنَ الْمُتَّقِينَ) [المائدة:27] ، ولذا قال الإمام الحداد عندما جاء إلى منى:
وجئنا منى في خير كلِّ صبيحةٍ ** لرميٍ إلى وجه العدو المجاهر
وحلقٍ وإهداء الذبائح قُربةً ** إلى الله والمرفوع تقوى الضمائر
والمرفوع تقوى الضمائر ليس اللحم، لا نفس اللحم ولا نفس الدم، لكن إذا قُمت على مُوجب شرع الله، تريد وجه الله؛ هذه التقوى التي تثاب بها عند الله ويرضى بها عنك وترتفع درجتك بها، ليس بنفس اللحم ولا نفس الدم.
(لَن يَنَالَ اللَّهَ لُحُومُهَا وَلَا دِمَاؤُهَا وَلَٰكِن يَنَالُهُ التَّقْوَىٰ مِنكُمْ كَذَٰلِكَ سَخَّرَهَا لَكُمْ (37)) جَلَّ جَلاله بفضله، وكما قال سبحانه وتعالى: (وَالْأَنْعَامَ خَلَقَهَا لَكُمْ فِيهَا دِفْءٌ وَمَنَافِعُ وَمِنْهَا تَأْكُلُونَ * وَلَكُمْ فِيهَا جَمَالٌ حِينَ تُرِيحُونَ وَحِينَ تَسْرَحُونَ * وَتَحْمِلُ أَثْقَالَكُمْ إِلَىٰ بَلَدٍ لَّمْ تَكُونُوا بَالِغِيهِ إِلَّا بِشِقِّ الْأَنفُسِ إِنَّ رَبَّكُمْ لَرَءُوفٌ رَّحِيمٌ * وَالْخَيْلَ وَالْبِغَالَ وَالْحَمِيرَ لِتَرْكَبُوهَا وَزِينَةً وَيَخْلُقُ مَا لَا تَعْلَمُونَ) [النحل:5-8] -جَلَّ جَلاله وتعالى في علاه-، ويقول سبحانه وتعالى: (وَذَلَّلْنَاهَا لَهُمْ فَمِنْهَا رَكُوبُهُمْ وَمِنْهَا يَأْكُلُونَ) [يس:72].
(كَذَٰلِكَ سَخَّرَهَا لَكُمْ لِتُكَبِّرُوا اللَّهَ عَلَىٰ مَا هَدَاكُمْ (37)) أيضًا سُنَّ التكبير عند رؤية أي إبل أو بقر في أيام العشر من ذي الحجة، وسُنَّ عند إرادة ذبحها في أي وقت أن يُكبر الحق تعالى على ما هداهم (وَبَشِّرِ الْمُحْسِنِينَ (37)) كما بشَّر المخبتين، فالله يجعلنا من المخبتين ويجعلنا من المحسنين، وكُل مَن حَمَّل الرحمن البشارة لهم على يد رسوله، نسأل الله يُلحقنا بهم ويُثبتنا فيهم آمين، إنَّه أكرم الأكرمين وأرحم الراحمين.
وقد واجهكم شهر الإحسان، ليَلحَق مَن يَلحَق منكم بالمخبتين، وليلحق من يلحق بالمحسنين، فالفرصة سانحة، والأبواب مفتوحة، وجود الرحمن كبير، ومَنّه وفير، والواسطة البشير النذير والسراج المنير، والحمد لله الذي جعلكم منهم.
من أول ليلة من رمضان للرحمن نظرة خاصة لأمة محمد، فكم بها يقرب، وكم بها يهذِّب، وكم بها يرفع، وكم بها يمحو الخطايا، وكم بها يصلح الشأن، وكم بها يطهر البواطن، نظرة في أول ليلة؛ من نظر الرحمن إليه لم يعذبه أبدًا، ولو حصّلت النظرة أول ليلة، وأنت من اليوم الثاني في حال آخر، وكل ليالي رمضان تمر عليك وأنت تطلع تطلع تطلع، الله ينظر إلينا.
ألا يا الله بنظرة من العين الرحيمة *** تداوي كل ما بنا من أمراض سقيمة
يا خير ناظر، يا إلهنا الفاطر، يا أول يا آخر، يا باطن يا ظاهر، يا منور البصائر، يا مطلع على السرائر، اغفر لنا يا خير غافر، وانظر إلينا بما نظرت به إلى المحبوبين والمقربين، بوجاهة عبدك الأمين، وأصلح يمننا وشامنا وشرقنا وغربنا يا مصلح الصالحين، وادفع كل سوء عنا وعن جميع المؤمنين، واجعل رمضان المقبل هذا علينا من أبرك الرمضانات على الأمة أجمعين ظاهرًا وباطنًا برحمتك يا أرحم الراحمين.
بسرِّ الفاتحة
إلى حضرة النبيّ الأمين محمد ﷺ
الفاتحة
11 شوّال 1447