تفسير سورة الحج -08- من قوله تعالى: {وَأَذِّن فِي النَّاسِ بِالْحَجِّ يَأْتُوكَ رِجَالًا...} الآية 27 إلى 28

للاستماع إلى الدرس

تفسير فضيلة العلامة الحبيب عمر بن محمد بن حفيظ للآيات الكريمة من سورة الحج:

{ وَأَذِّن فِي النَّاسِ بِالْحَجِّ يَأْتُوكَ رِجَالًا وَعَلَىٰ كُلِّ ضَامِرٍ يَأْتِينَ مِن كُلِّ فَجٍّ عَمِيقٍ (27) لِّيَشْهَدُوا مَنَافِعَ لَهُمْ وَيَذْكُرُوا اسْمَ اللَّهِ فِي أَيَّامٍ مَّعْلُومَاتٍ عَلَىٰ مَا رَزَقَهُم مِّن بَهِيمَةِ الْأَنْعَامِ ۖ فَكُلُوا مِنْهَا وَأَطْعِمُوا الْبَائِسَ الْفَقِيرَ (28) }

مساء الإثنين 30 رجب الأصب 1447هـ

 

أبرز ما جاء في الدرس:

  •  معنى الأمر الإلهي بالأذان بالحج ونداء الناس إلى يوم القيامة.
  • دلالات وإشارات في قوله تعالى: ﴿يَأْتُوكَ﴾.
  • معنى التلبية وحقيقتها.
  • منافع الحج الدينية والروحية والاجتماعية.
  • فضل الذكر في الأيام المعلومات والمعدودات وأيام ذي الحجة.
  • الأمر بالأكل من الأنعام وإطعام البائس الفقير.
  • معنى قضاء التفث وحقيقته في الانشغال بالله وترك حظوظ النفس.
  • الوفاء بالنذور بعد الحج وتجديد العهد مع الله.
  • سرّ الطواف بالبيت العتيق.
  • فضل الاجتماع في الحج ومجالس الذكر وأثرها في حياة الأمة.

 

نص الدرس:

الحمدلله الذي أكرمنا بالوحي والتنزيل، وبيانه على لسان خير مُبيّن ومعلّمٍ هادٍ ودليل، عبده محمّد الهادي إلى سواء السبيل، صلى الله وسلّم وبارك وكرّم عليه وعلى آله وأصحابه وأهل ولائه ومتابعته في النية والفعل والقيل، وعلى آبائه وإخوانه من الأنبياء والمرسلين أهل التّكريم والتّفخيم والتّعظيم والتّبجيل، وعلى آلهم وصحبهم وتابعيهم، وعلى الملائكة المقربين، وعلى جميع عباد الله الصالحين، وعلينا معهم وفيهم، إنَّه أكرم الأكرمين وأرحم الراحمين.

أمّا بعد،

فإننا في نعمة تأمّلنا لكلام ربنا -جل جلاله وتعالى في علاه-، وصلنا في سورة الحج إلى قول ربنا: (وَإِذْ بَوَّأْنَا لِإِبْرَاهِيمَ مَكَانَ الْبَيْتِ أَن لَّا تُشْرِكْ بِي شَيْئًا وَطَهِّرْ بَيْتِيَ لِلطَّائِفِينَ وَالْقَائِمِينَ وَالرُّكَّعِ السُّجُودِ (26) وَأَذِّن فِي النَّاسِ بِالْحَجِّ (27))؛ جمهور المفسّرين على أنّه أمر من الله لسيّدنا إبراهيم عليه السلام، أن يُؤذّن ويُعْلم الناس في الحج، وأن يُخبرهم أنّ الله بنى بيتًا وطلب منهم وفرض عليهم أن يحجّوه، وأن يُناديهم بذلك.

وقال الحسن البصري: انتهى الأمر هنا، انتهى الكلام هنا (وَأَذِّن فِی ٱلنَّاسِ) خطاب للنبي محمد ﷺ (وَأَذِّن فِي النَّاسِ بِالْحَجِّ يَأْتُوكَ رِجَالًا وَعَلَىٰ كُلِّ ضَامِرٍ يَأْتِينَ مِن كُلِّ فَجٍّ عَمِيقٍ (27)):

  • ومن هنا قال بعضهم: شاهِدوا الزيارة له ﷺ على هذا القول (يَأْتُوكَ).
  • ثم على القول للجمهور أيضًا أنّ الحقّ تبارك وتعالى عبّر بـ (يَأْتُوكَ) ولم يقل يأتوا البيت، لم يقل يأتوا البيت بل قال: يأتوك -الخليل إبراهيم-، فيه إشارة أن المقصود هم رجال البيت، وأصحاب سرّ البيت هم المقصودون في الأصل لا مجرّد البيت.

(وَأَذِّن فِي النَّاسِ بِالْحَجِّ) ما قال يأتوا البيت، قال: يأتوك، (يَأْتُوكَ رِجَالًا) وإذا كان سيدنا الخليل إبراهيم عليه السلام يحق أن يُؤتى في قصد الناس للبيت، فمحمد ﷺ أحق بذلك.

قال: (وَأَذِّن فِي النَّاسِ بِالْحَجِّ) وجاء لمّا أمرَ الله الخليل إبراهيم أن يُنادي في النّاس بالحجّ، مَن النّاس الذين عنده؟ هاجر وولدها إسماعيل، يكلّم هؤلاء الناس؟ النَّاسِ؛ مَن يُخلق إلى يوم القيامة.

(وَأَذِّن فِي النَّاسِ بِالْحَجِّ) في رواية: صعد على جبل أبي قُبَيْس.

وفي رواية: أنّ الله رفع له المقام الذي كان يقوم عليه لبناء البيت حتى صار فوق جبال مكّة كلها، ونادى، قال: كيف يا ربّ أُكلّم النّاس وأنادي النّاس؟ قال: عليك النداء وعلينا البلاغ، فنادى: يا أيها الناس إنّ الله سبحانه وتعالى قد بنى لكم بيتًا فحجّوه، فأوصل الله صوته إلى جميع مَن في الأصلاب والأرحام إلى يوم القيامة، فمَن كتب الله له الحج لبّى، ومَن لبّى مرة حج مرة، ومَن لبّى مرتين حج مرتين، ومن لبّى ثلاثًا حج ثلاثًا وهكذا.

فإذا جاءوا إلى عند البيت يقولون: لبّيك اللّهمّ، يعني وجّهتنا بالنّداء على لسان خليلك إبراهيم، قلت لنا نحن أن نجيء إلى هذا المكان فجئنا، ونحن مستمرّون على تلبية نِدائك، لبينا نِدائك وجئنا إلى عند البيت، وشأننا في الحياة أن نُلبّي نداءك فيما أمرتنا في قلوبنا وأعيننا وجميع أعضائنا وحركاتنا، نحن مقيمون مستمرّون دائمون على تلبيتك، أي إجابة ندائك.

لبّيك اللّهمّ لبّيك؛ عند العرب إذا ثنّوها هكذا يقصدون بها الدّوام والاستمرار، إذا قالوا لواحد: حَنَانَيْك؛ يعني استدامة حنانك علينا، دائم في كلّ وقت خلّك متحنّن علينا، حَنَانَيْك.

وإذا أرادوا الاستمرار في النّسق، قالوا: على هذا دَوَالَيك؛ دواليك يعني مستمرّ دائما على هذا النّمط وعلى هذا الحال.

ولبّيك: يعني مستمرون مستقيمون ملازمون لإجابة ندائك لأنّنا عبيدك وأنت ربنا، والناس في ذلك على درجات ومراتب، جعلنا الله ممَّن يُمكّنهم في حسن إجابة نِدائه وتلبيته، اللّهمّ آمين.

(وَأَذِّن فِي النَّاسِ بِالْحَجِّ يَأْتُوكَ رِجَالًا)، رجالاً يعني راجِلين، يمشون على أرجلهم، جمع راجِل، كما يُقال: صائِم صائِم صائِم صِيَام، قائِم قائِم قائِم قِيام، راجِل راجِل راجِل رِجَال يعني مُشاة على أرجلهم، ابتدأ بهم.

(وَعَلَىٰ كُلِّ ضَامِرٍ) يعني الجِمال التي من طول المسافة تجيء من مكان بعيد تَضْمُرْ، تصل ضامرة إلى الرّحاب الطّاهرة.

(وَعَلَىٰ كُلِّ ضَامِرٍ يَأْتِينَ) يعني النُّوق والجمال.

(مِن كُلِّ فَجٍّ عَمِيقٖ) بعيد الطريق؛ عميق.

  • وعميق هذا أيضًا إشارة إلى تباعد الأرض أو عمقها.
  • أو يَستأنس به بعض مَن يقول بكرويّة الأرض أنّ كل ما بَعُد، يجيء من عمق، لأنه يجيء من تحت، ظهوره هكذا في الأرض، (يَأْتِينَ مِن كُلِّ فَجٍّ عَمِيق) -لا إله إلا الله-.

(وَأَذِّن فِي النَّاسِ بِالْحَجِّ يَأْتُوكَ رِجَالًا وَعَلَىٰ كُلِّ ضَامِرٍ يَأْتِينَ مِن كُلِّ فَجٍّ عَمِيقٍ (27))؛ الطريق البعيد الطويل.

ثم كذلك أنّ قوله: (وَعَلَىٰ كُلِّ ضَامِرٍ) يتعلّق بمسألة الجِمال.

و(يَأْتِينَ) أي يختصّ بالنّوق، أو بكلّ ما حمل النّاس بعد ذلك ممّا يُحدثه الله ممّا لم يكن من السفن ومن السّيارات ومن الطّائرات (يَأْتِينَ مِن كُلِّ فَجٍّ عَمِيقٍ).

ويحتمل الشّمول لكلّ ذلك: (يَأْتِينَ مِن كُلِّ فَجٍّ عَمِيقٍ) سفُنًا، سيّارات، طائرات، (يَأْتِينَ مِن كُلِّ فَجٍّ عَمِيقٍ) -لا إله إلا الله- قاصدين هذا البيت.

فما أعظم هذا البيت وما أجلّ هذا البيت (جَعَلَ اللَّهُ الْكَعْبَةَ الْبَيْتَ الْحَرَامَ قِيَامًا لِّلنَّاسِ وَالشَّهْرَ الْحَرَامَ) [المائدة:97] عندما يريد الله تبارك وتعالى أن يُطوى الخير عن العباد ومَن على ظهر الأرض، يُكسّر هذا البيت ويُهدّم ويُرمى حجارهُ في البحر ولا يُعمر بعد ذلك، وذلك بعد سيدنا عيسى بن مريم على نبيّنا وعليه أفضل الصلاة والسلام؛ في أواخر الزمان عند قرب الساعة.

وذكر النّبيّ وصف الرّجل الذي يُكسّر البيت حجرًا حجرًا ويُقلّعه -والعياذ بالله تبارك وتعالى- فلا يبقى قيام للناس، فلا يقوم أمر الناس على خير قطّ، بعد تهديم البيت العتيق.

قال سبحانه وتعالى: (لِّيَشْهَدُوا مَنَافِعَ لَهُمْ (28))، يأتون من مختلف الجهات والأماكن (لِّيَشْهَدُوا)، يحضروا وينظروا ويحصّلوا (مَنَافِعَ لَهُمْ):

  • منافِع مغفرة، ومنافع قرب، ومنافع رضوان.
  • ومنافِع تجارة لأهل الأموال.
  • ومنافِع تعارف وتآلف وتآخٍ، ومنافع تواصٍ بالحقّ والصبر.
  • ومنافع معارف بالله -تبارك وتعالى- تتّسع مجالاتها للمُقبلين، ومنافع زيادة في تحقيق العبودية.

وذلك بالطواف بالبيت، أو بالمسعى بين الصفا والمروة، وبالخروج إلى عرفة، وبرمي الجمار؛ يعني يشهدون منافع في تحقّقهم بالعبوديّة لتتولّاهم الربوبيّة.

فالمؤمن إذا تحقّق بالعُبودية تولّته الربوبيّة، فتتلاشت عبوديّته في ربوبيّة ربّه -جلّ جلاله وتعالى في علاه- فيكون عبدًا ربّانيًّا، كما أنّه إذا تحقّق بالعَبْديّة نال مرتبة العِنْديّة فكان عند الربّ، فتتلاشى عَبْديّته في العِنديّة، وقال الحق عنهم:

  • "أنا عندَ المُنكسرةِ قلوبُهمْ مِنْ أجلِي".
  • (إِنَّ الَّذِينَ عِندَ رَبِّكَ لَا يَسْتَكْبِرُونَ عَنْ عِبَادَتِهِ وَيُسَبِّحُونَهُ وَلَهُ يَسْجُدُونَ) [الأعراف:206].
  • ويقول سبحانه وتعالى: (وَلَهُ مَن فِي السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ ۚ وَمَنْ عِندَهُ لَا يَسْتَكْبِرُونَ عَنْ عِبَادَتِهِ) [الأنبياء:19]، كيف قالوا لا يستكبرون أبدًا؟ لأنهم لا يشهدون لأنفسهم وجودًا مستقلًا قط، لأنّ شهود الوجود مع الوجود كِبْر (لا يَسْتَكْبِرُونَ عَنْ عِبَادَتِهِ ولا يستحسرون* يسبحون الليل والنهار لا يفترون) هؤلاء عِندَهُ -جلّ جلاله، الله أكبر-.
  • ثم يجتمع، جمْعهم الكريم: (إِنَّ الْمُتَّقِينَ فِي جَنَّاتٍ وَنَهَرٍ * فِي مَقْعَدِ صِدْقٍ عِندَ مَلِيكٍ مُّقْتَدِرٍ (55)) [القمر:54-55] -الله أكبر-.

يقول: (لِّيَشْهَدُوا مَنَافِعَ لَهُمْ) فقُدومهم إلى تلك المواطن والحرم الشريف تنطوي على منافع، الحق تعالى جاء بصيغة منتهى الجموع في اللغة، منتهى الجموع من أكبر جمع، منافع: ما كان على صيغة مفاعل أو مفاعيل، منتهى الجموع لا يوجد جمع فوقه، مَنَافِعَ يعني كبيرة وكثيرة، ليست منفعة ولا منفعتين، (لِّيَشْهَدُوا مَنَافِعَ لَهُمْ) فهؤلاء؛

  • من جهة أصحاب الأموال وأصحاب الأجساد يجدون بواسطة الحجّ حركة ونشاط وصحّة للجسد وشيء من الأرباح في التّجارة وغيرها.
  • ولكن وراء ذلك تجد القلوب منافعها، وتجد الأرواح منافعها، وتجد الأسرار منافعها، ويجد أرباب المعرفة بالله منافعهم؛ في تجمّع وفي تآخٍ وفي تآلف وفي تعارف وفي تواصٍ بالحقّ والصبر
  • وفي تعلّم وفي تعليم، وفي ربط حبال المودة في الله، وفي انفتاح أبواب المعرفة بالله سبحانه وتعالى، وفي زيادة الوعي لأسرار الوحي المنزل على رسول الله ﷺ، إلى غير ذلك ممّا يهبهم الكريم المنّان.

(لِّيَشْهَدُوا مَنَافِعَ لَهُمْ وَيَذْكُرُوا اسْمَ اللَّهِ فِي أَيَّامٍ مَّعْلُومَاتٍ (28)) خصّصها، والذّكر مطلوب في كلّ الأيّام، في كلّ الليالي، ولكن في الأيام المعلومات والأيام المعدودات على وجه الخصوص، كما قال في الأيّام المعدودة: (وَاذْكُرُوا اللَّهَ فِي أَيَّامٍ مَّعْدُودَاتٍ) [البقرة:203].

وقال: (وَيَذْكُرُوا اسْمَ اللَّهِ فِي أَيَّامٍ مَّعْلُومَاتٍ) أكثر المفسّرين أنّها العشر الأول من ذي الحجة هي الأيام المعلومات، والمعدودات أيام التشريق؛

  • فمِن أول يوم في شهر ذي الحجة إلى العاشر أيام معلومات
  • والحادي عشر والثاني عشر والثالث عشر أيّام معدودات. 

(وَاذْكُرُوا اللَّهَ فِي أَيَّامٍ مَّعْدُودَاتٍ ۚ فَمَن تَعَجَّلَ فِي يَوْمَيْنِ فَلَا إِثْمَ عَلَيْهِ وَمَن تَأَخَّرَ فَلَا إِثْمَ عَلَيْهِ ۚ لِمَنِ اتَّقَىٰ) [البقرة:203] هذه الأيام المعدودات أيام التشريق.

(وَيَذْكُرُوا اسْمَ اللَّهِ فِي أَيَّامٍ مَّعْلُومَاتٍ عَلَىٰ مَا رَزَقَهُم مِّن بَهِيمَةِ الْأَنْعَامِ (28)) وقد أُمِرنا بالإكثار من الذّكر ومن التسبيح والتهليل والتحميد والتكبير في أيام العشر من ذي الحجة، "ما من أيّام العَمَل الصّالح أحبّ إلى الله فيهنّ من أيام العشر" يعني من ذي الحجة، قالوا: ولا الجهاد في سبيل الله؟ قال: "ولا الجهاد في سبيل الله إلا رجلٌ خرج، خاطَرَ بماله ونفسه ثم لم يرجع من ذلك بشيء".

(وَيَذْكُرُوا اسْمَ اللَّهِ فِي أَيَّامٍ مَّعْلُومَاتٍ) ومن هنا كان سيدنا عبدالله بن عمر وأبو هريرة يخرجان في أيام العشر إلى السّوق، وحيث توجد الأنعام، ويكبّرون ويكبّرون ويرجعون، لا يخرجهم للسّوق إلا ذلك في أيام معلومات.

ومن هنا قال الفقهاء: يُسنّ لمن رأى إبلًا أو بقرًا أو غنمًا في أيام العشر أن يكبر، فإذا وقع نظره على شيء من الإبل أو البقر أو الغنم، يقول: الله أكبر الله أكبر الله أكبر لا إله إلا الله، والله أكبر ولله الحمد، يُسنّ التكبير عند رؤية الأنعام في أيّام العشر.

(وَيَذْكُرُوا اسْمَ اللَّهِ فِي أَيَّامٍ مَّعْلُومَاتٍ عَلَىٰ مَا رَزَقَهُم مِّن بَهِيمَةِ الْأَنْعَامِ) الإبل والبقر والغنم.

قال: (فَكُلُوا مِنْهَا) أمر إباحة، أُحلّ لكم أن تأكلوا منها، وما تُهدونه إلى الحرم وما تذبحون به وما تتقرّبون به، (فَكُلُوا مِنْهَا وَأَطْعِمُوا الْبَائِسَ الْفَقِيرَ (28)) تفقّدوا ذوي البؤس والفقر فيكم، من الذين أصابتهم الضّرّاء ومن الذين لا يجدون ما يكفيهم، (وَأَطْعِمُوا الْبَائِسَ الْفَقِيرَ).

  • وهكذا كما أمر الله أهل الوُجد الحسّيّ من الأموال والثروات أن يطعموا البؤساء الفقراء.
  • فكذلك أمر أهل الوُجد المعنوي، أهل المعارف واللّطف؛ إذا وجدوا المفتقرين المنكسرين يطعموهم. 

وكم من عارف يريد أن يفيض بنور معرفة على أحد يجد قلبه غير منكسر غير مفتقر، ما يقدر يصبّ شيء فيه، ولكن إذا صحّ افتقاره أشرقت أنواره وصار غيث المعرفة صبّابًا على فؤاده، "أنا عندَ المُنكسرةِ قلوبُهمْ مِنْ أجلِي" يقول الله سبحانه وتعالى.

(وَأَطْعِمُوا الْبَائِسَ الْفَقِيرَ) ومَن شهد نفسه مفتقرًا متذلّلًا خاضعًا خاشعًا، يحقّ أن تنهال إليه عطايا الرّحمن على أيدي ملائكته والمقرّبين من عباده.

(فَكُلُوا مِنْهَا وَأَطْعِمُوا الْبَائِسَ الْفَقِيرَ (28) ثُمَّ لْيَقْضُوا تَفَثَهُمْ (29)) يُكمِلوا بقية أعمال الحج.

(لْيَقْضُوا تَفَثَهُمْ) ومِنه ما يكون مِن النَّحر، ومن حلق شعر الرؤوس، ومِن قَلم الأظافر، ومن استعمال الطيب -بعد أن نُهوا عنه- فإن الحاج أشعث أغبر، لم؟ ليقوم دليلٌ على صِدقه مع الله وانشغاله بالله، فيترك الإعتناء بنفسه ولا يجد مجالًا للإعتناء بنفسه ويترك شعوره وأظافره ولا يستعمل طيّب، مشغولًا بالرب، فيقوم دليل على صدقه مع الله -تبارك وتعالى-، وأن شُغلُه بالله شَغَلَهُ عن نفسه وعن حاله المخصوص به، والمنتمي إلى ذاته وإلى جسمانيته، فيكون أدعى علامة لصِدقه مع الرب -جلَّ جَلاله وتعالى في علاه-.

(ثُمَّ لْيَقْضُوا تَفَثَهُمْ) مِن رمي الجِمار ومن نحر الأنعام ومِن حلق الرؤوس ومِن استعمال الطيب وقص الأظافر وما إلى ذلك، ومِن الطواف بالبيت ومِن المبيت بمنى ورمي الجمار إلى غير ذلك.

(ثُمَّ لْيَقْضُوا تَفَثَهُمْ وَلْيُوفُوا نُذُورَهُمْ (29)) فإنه جَمَعَهُم -جلَّ جَلاله- خارج الحرم قريبًا من محل العهد والميثاق، ذلك أنَّه لمَّا كنَّا ذرات في ظهر أبينا آدم، أخرجنا من ظهر أبينا آدم في نَعْمان -وادي نَعْمان الأراك: وادي قريب من عَرَفَة جهة الطائف- فرأت الملائكة هذه الذرات من بني آدم، قالوا: يا ربنا لا تسعهم الأرض، أنت ستجعلهم يعيشون في الأرض، قال: إني جاعل موتًا -هؤلاء لا يعيشون كلهم مع بعض، هذا يعيش وهذا يموت، قالوا: والموت بينهم؟! فكيف يهنأ لهم العيش؟ قال: إني جاعل أملًا؛ يدفنون الميت ويرجعون إلى عملهم و أشغالهم، ماكأنهم… - لا إله إلا الله- خلق لهم آمال سبحانه وتعالى.

وإذا أراد جمعهم في القيامة (وَإِذَا الْأَرْضُ مُدَّتْ * وَأَلْقَتْ مَا فِيهَا وَتَخَلَّتْ) [الإنشقاق:3-4]، (يَوْمَ تُبَدَّلُ الْأَرْضُ غَيْرَ الْأَرْضِ) [ابراهيم:48] والجِبال كلها والبحار كلها تقع صف واحد، تمتد و تَسَع الأولين والآخرين، وتَسَع مِن ورائهم الجن ومِن ورائهم حيوانات البر والبحر، ومِن ورائهم الملائكة، كَلهم يَجتَمِعون في صعيد واحد -لا إله إلا الله-.

قال: (وَلْيُوفُوا نُذُورَهُمْ) هم اجتَمَعوا في عَرَفة بجانب نَعْمان الأراك حيث العَهد والميثاق، فيتذكرون عَهدَهم وميثاقهم؛

  • فمنهم مَن يُنذِرُ تَرك المعاصي بعد هذه الوقفة الكريمة.
  • ومنهم مَن ينذر فعل الطاعات.
  • ومنهم مَن ينذر ما ينذر.

فكل بما ينذر يوفي بنذره بعد هذه الوقفة وبعد هذه الحجة (وَلْيُوفُوا نُذُورَهُمْ)؛

  • مَن نذر ذبح شاة من الأنعام يذبحها.
  • ومَن نَذَر ترك المعاصي يتجنبها.
  • ومَن نَذَر فعل الصالحات لا يتكاسل عنها ولا يغفل عنها.
  • ومَن نَذَر أي شيء مِن الخِصال الحميدة والأحوال التي بَينَه وبين ربه المجيدة، فليوفِ بنذره باقي العمر.

يستعد للقاء بعد الحَج، لا يرجع إلى غفلته ولا إلى خطيئته ولا إلى إعراضه عَن ربه، ويكون موفيًا بالنذر وموفيًا بالعهد إلى أن يلقى الله.

(ثُمَّ لْيَقْضُوا تَفَثَهُمْ وَلْيُوفُوا نُذُورَهُمْ وَلْيَطَّوَّفُوا بِالْبَيْتِ الْعَتِيقِ (29)) البيت العتيق؛

  • أعتقه الله تبارك وتعالى من الطوفان ولَم يَمَسَهُ عندما فُجرت الأرض وصُبَت السماء في عهد نوح، (فَفَتَحْنَا أَبْوَابَ السَّمَاءِ بِمَاءٍ مُّنْهَمِرٍ * وَفَجَّرْنَا الْأَرْضَ عُيُونًا فَالْتَقَى الْمَاءُ عَلَىٰ أَمْرٍ قَدْ قُدِرَ) [القمر:11-12] لَم تَمَس البيت.
  • وهو عَتيق؛ فهو عتيق من الجبابرة، حتى قيل في بَلَدِهِ بكة أنَّها تَبُكُ أعناق الجبابرة.
  • وهو عَتيقٌ لم يُمَلِّكهُ أحد، هذه البقعة من حين خلقها الله الأرض، ما مَلَكها أي مخلوق؛ فهو عتيق.
  • وهو عتيق لأنَّ من حَجَّهُ أُعتق.
  • وهو عتيق يكون سببًا لِعتق الخلائق من النار ومن العذاب، البيت العتيق.
  • وهو عتيق قديم، يعني عتيق القديم لأنَّه أول بيت وُضع للناس، (إِنَّ أَوَّلَ بَيْتٍ وُضِعَ لِلنَّاسِ لَلَّذِي بِبَكَّةَ) [آل عمران:96].

(وَلْيَطَّوَّفُوا بِالْبَيْتِ الْعَتِيقِ (29))، وهذا سِرٌ أناطه الله بهذه البقعة، ثم كل ما بُني عليها، نازله هذا السر وهذه الخصوصية والمزايا من الله تعالى.

  • فأول بناء على أيدي الملائكة.
  • ويقال إن آدم جدد بناء البيت.
  • ثم مَن بعدهم مِن النبيين إلى ما ذُكِر لنا في القرآن مِن تجديد الخليل إبراهيم.

كان تجديد الخليل إبراهيم تجديدًا بعد أن تصدع البيت كله وانهدامه كله من السيول قبل ذلك، حتى هُيئ له المكان وعُيّن وبُيّن له المكان ليبني فيه (وَإِذْ بَوَّأْنَا لِإِبْرَاهِيمَ مَكَانَ الْبَيْتِ (26)) 

وإن كانت المنطقة معروفة أن هذا محل البيت لكن تحديده بالضبط حدده الله لسيدنا الخليل إبراهيم وأعاد بناءه، ثم ما بني إلى زمن قريش في عهده صلى الله عليه وسلم وهو ابن خمسه وثلاثين سنة، ثم ما كان بعد ذلك من تجرؤ القوم عليه بالرمي بالمنجنيق وبناء عبد الله بن الزبير له.

ثم ما كان من التجرؤ الثاني وهدم بناء عبد الله بن الزبير إلى ما بُني بعد ذلك، وكأنه الباقي إلى الآن مع احتمال تغيير شيء منه وأخذ شيء منه وتبدل شيء من حجره، وعلى كل الأحوال فإن السر الإلهي والمَزايا مَنوطة بهذه البقعة، ثم كل ما يبنى عليها ويتصل بها كائنًا ما كان -لا إله إلا الله- (إِنَّ أَوَّلَ بَيْتٍ وُضِعَ لِلنَّاسِ لَلَّذِي بِبَكَّةَ) [آل عمران:96] فهو البيت العتيق.

(وَلْيَطَّوَّفُوا بِالْبَيْتِ الْعَتِيقِ (29)) يُطَوِّفون أنفسهم بهذا البيت، لِتَطوفَ أرواحهم في مَلكوت السماوات، ولتطوف أسرارهم في مَجالات المَلكوت الأعلى وحقائق السر الأصفى (وَلْيَطَّوَّفُوا بِالْبَيْتِ الْعَتِيقِ)

  • فأجسادهم تَطوف بالكعبة المشرفة.
  • وأرواحهم تطوف بحقائق عَظَمة الحق تعالى ومَجلاها في السماوات.
  • وأسرارهم تطوف بِزاهي معاني باهي حقائق الأسماء والصفات.

فما أعجب ما يكون من ذلك الطواف! لذا لمَّا رأت المرأة الصالحة طائفًا طاف، قالت: على ماذا طِفتَ؟ أفبهذه البُنية؟ قالت: جسوم تطوف على جسوم؟! ما عندك معنى للطواف غير هذا؟

لهذا عَبَّر عنه ابن عباس قال: إننا نخوض في رحمة الله، وعبر عنه صلى الله عليه وسلم عن الطائف، فإذا طاف خاض في رحمة الله، وقال ابن عمر: إننا نتراءى لله في الطواف، لما كَلَمَه بعضهم في الطواف، ما كَلَّمه، بعدما خرجوا من الطواف، قال له: ما رددت عليك، أما تعلم أننا نتراءى لربنا في الطواف؟ إذًا فالمقصود هو المقصود -جل جلاله- و القرب منه، و معرفته، وهذه شعائر وعلائم وضعها لنا وتعبدنا بتعظيمها، (ذَٰلِكَ وَمَن يُعَظِّمْ شَعَائِرَ اللَّهِ فَإِنَّهَا مِن تَقْوَى الْقُلُوبِ (32))، (ثُمَّ لْيَقْضُوا تَفَثَهُمْ وَلْيُوفُوا نُذُورَهُمْ وَلْيَطَّوَّفُوا بِالْبَيْتِ الْعَتِيقِ (29))، جعلنا الله من خواص المُطَوِفين بالبيت العتيق ومِن خواص العُتقاء.

وفي هذا أيضًا بيان فضل الاجتماعات، فإنها من جملة المنافع التي يشهدها الناس في الحج -الاجتماع- وأعظمه اجتماع عرفة فإن الكل مجتمعون فيه، ثم اجتماع ليالي التشريق بمنى، فكل الحجاج يجتمعون في تلك الأماكن.

وجئنا في منى في خير كل *** صبيحة لرمي إلى وجه العدو المجاهرِ

وحلق وإهداء الذبائح قُربة *** إلى الله والمرفوع تقوى الضمائرِ

وبتنا بها تلك الليالي فيالها *** ليالي لقد طابت بطيب التزاورِ

ويتزاور أهل المشارق والمغارب، ويتلاقى العارفون والصالحون والمُقَرَبون والأكياس وخيار الناس، عليهم الرضوان، فتلك من أعظم المنافع، وهكذا المجامع على حسب ما تؤسس له وتُنوى ويُنوى فيها يكون لها منافع ويكون فيها خيرات، مِن ذلك الجماعات والصلوات في الجماعة، ومن ذلك الجمعة، ومن ذلك مجالس الذكر ومجالس العلم، الله يوفقنا أجمعين.

وذلك ما نحن بصدده مِن مجامع شِعْب النبي هود، جعله الله من أبرك المجامع، عظيمة المنافع لنا وللأمة أجمعين ظاهرًا وباطنًا، اللهم وفر حظنا من مواهبك للمجتمعين على ذِكرك، ومن المنافع التي تنفعهم بها وتنفع بها الوجود وأهل الوجود، يا بر يا ودود، يا أكرم الأكرمين ويا أرحم الراحمين.

وجمعوا إخوانكم في بنات الإرث دعوة لكثرة الاستغفار في الشهر الكريم المبارك، وقاموا بحملة غير مخصصة لفئة عمرية أو شريحة معينة، إضافة عدد الاستغفار عبر الموقع، الذين ذكروا ما وفقهم الله لهم من الاستغفار عبر الموقع، تنافسًا في الخير وإحياءً لسنة الإكثار من الاستغفار، و "مَن لَزِمَ الاستغفارَ، جعل اللهُ له من كلِّ هَمٍّ فَرَجًا، ومن كلِّ ضِيقٍ مَخْرَجًا"، و"طوبَى لِمَن وجَدَ في صَحيفَتِه استِغفارًا كثيرًا".

يقولوا جُمع أكثر من واحد وسبعين مليون من الاستغفارات تقبلها الله من المستغفرين، اللهم اقبل منهم استغفاراتهم واغفر لنا وللمؤمنين والمؤمنات، نستغفرك عدد ما خلقت وملء ما خلقت، وعدد ما في الأرض والسماء وملء ما في الأرض والسماء، وعدد ما أحصى كتابك وملء ما أحصى كتابك، وعدد كل شيء وملء كل شيء، فاغفر لنا يا خير الغافرين.

نستغفرك لما تعلم ونستغفرك كما تحب، فاغفر لنا يا خير الغافرين بأوسع المغفرة، واجعل استغفارات المؤمنين في المشارق والمغارب سببًا للفرج وكشف الكرب عن المؤمنين، ودفع البلاء عن المؤمنين، ورفع الآفات عن المؤمنين، وجمع شمل المؤمنين في المشارق والمغارب، ودفع جميع المصائب والنوائب والمتاعب والآفات، يا مجيب الدعوات، يا قاضي الحاجات.

ولا تزالون تلحون على الله، وأنا أدعو كل مؤمن بالله من ذكر وأنثى صغير وكبير، يلح على الله تعالى بالفرج للمسلمين والغياث، وجمع شمل المسلمين، وزيادة الإيمان واليقين، ودفع البلاء عن الأمة أجمعين، ألحّوا على الله واطلبوا الله، الله يحفظ علينا وعليكم علوم دين الإسلام والإيمان، ويجعلنا من خواص المتحققين بحقائقها والقائمين بحقها والناشرين، اللهم آمين.

يا من وفق أهل الخير وأعانهم عليه وفقنا للخير وأعنا عليه، فادعوه ليلًا ونهارًا، سرًا وجهارًا، في سجداتكم وفي خلواتكم وجلواتكم، وهو الذي يجيب المضطر إذا دعاه (أَمَّن يُجِيبُ الْمُضْطَرَّ إِذَا دَعَاهُ وَيَكْشِفُ السُّوءَ وَيَجْعَلُكُمْ خُلَفَاءَ الْأَرْضِ ۗ أَإِلَٰهٌ مَّعَ اللَّهِ) [النمل:62] -لا إله إلا الله- تذكروه وادعوه مضطرين يجيبكم ويجعلكم خلفاء الأرض ويكشف السوء عنكم (أَمَّن يُجِيبُ الْمُضْطَرَّ إِذَا دَعَاهُ وَيَكْشِفُ السُّوءَ وَيَجْعَلُكُمْ خُلَفَاءَ الْأَرْضِ ۗ أَإِلَٰهٌ مَّعَ اللَّهِ) -لا إله إلا الله-.

يا من لا إله إلا هو، مضطرون نحن مضطرون، يا راحم المضطرين، يا مجيب دعوة المضطرين، ندعوك دعاء المضطرين أن تنظر إلينا، أن تصلح قلوبنا، أن تكشف كروبنا، أن تجمع شمل المسلمين، أن ترد كيد الكافرين والفاجرين والغاشين والمؤذين والمعتدين والظالمين والمبتدعين والزائغين والفاسقين والساحرين والعائنين والفاجرين والماكرين والمفسدين في ظهر الأرض، رُد كيدهم في نحورهم يا الله، وادفع عن المسلمين جميع شرورهم يا الله، وانصر رايات حبيبك محمد وأظهرها في الوجود، واجعلنا من خواص أنصارها على أحب الوجوه إليك وأرضاها لك وأحمدها عندك، برحمتك يا أرحم الراحمين، والحمد لله رب العالمين.

 بسرِّ الفاتحة

إلى حضرة النبيّ محمد ﷺ

الفاتحة

 

تاريخ النشر الهجري

11 شَعبان 1447

تاريخ النشر الميلادي

30 يناير 2026

اضافة إلى المفضلة

كتابة فائدة متعلقة بالمادة

الأقسام