تفسير سورة الحج -07- من قوله تعالى: {إِنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا وَيَصُدُّونَ عَن سَبِيلِ اللَّهِ...} الآية 25 إلى 26

للاستماع إلى الدرس

تفسير فضيلة العلامة الحبيب عمر بن محمد بن حفيظ للآيات الكريمة من سورة الحج:

{ إِنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا وَيَصُدُّونَ عَن سَبِيلِ اللَّهِ وَالْمَسْجِدِ الْحَرَامِ الَّذِي جَعَلْنَاهُ لِلنَّاسِ سَوَاءً الْعَاكِفُ فِيهِ وَالْبَادِ ۚ وَمَن يُرِدْ فِيهِ بِإِلْحَادٍ بِظُلْمٍ نُّذِقْهُ مِنْ عَذَابٍ أَلِيمٍ (25) وَإِذْ بَوَّأْنَا لِإِبْرَاهِيمَ مَكَانَ الْبَيْتِ أَن لَّا تُشْرِكْ بِي شَيْئًا وَطَهِّرْ بَيْتِيَ لِلطَّائِفِينَ وَالْقَائِمِينَ وَالرُّكَّعِ السُّجُودِ (26) }

مساء الإثنين 23 رجب الأصب 1447هـ

 

أبرز ما جاء في الدرس:

  • صفات الذين يصدّون عن سبيل الله ودعوتهم إلى الكفر والفساد.
  • تعظيم شأن المسجد الحرام وكونه قيامًا للناس وأمنًا للعاكف والباد.
  • معنى الإلحاد في الحرم وخطر الظلم فيه ولو بالإرادة قبل الفعل.
  • مضاعفة الحسنات والسيئات في الحرم وخصوصية المكان عند الله.
  • قصة إبراهيم عليه السلام وبناء البيت.
  • معنى تطهير البيت للطائفين والقائمين والركع السجود، وفضل الركوع والسجود.

نص المحاضرة:

 

الحمدُلله مُكرِمنا بالوحي والتنزيل، وبيانه على لسان عبده المُصطفى خير هادٍ ودليل، سيدنا محمد صلى الله وسلم وبارك وكَرَّم عليه وعلى آله وأصحابه وتابعيه السالكين في خير سبيل، وعلى آبائه وإخوانه من الأنبياء والمرسلين أهل التكريم والتفضيل، المخصوصين من الرحمن بأسنى عطائه الجزيل، وعلى آله وأصحابهم وعلى تابعيهم، وعلى ملائكة الله المقربين وجميع عباد الله الصالحين، وعلينا معهم وفيهم، إنَّه أكرم الأكرمين وأرحم الراحمين.

وبعد،

فإنَّنا في نعمة تأمّلنا لكلام إلهنا وخالِقنا وبارِئنا ومُنشئنا، مكون الأكوان الحق الرحمن -جلَّ جَلاله-، وتعاليمه وإرشاداته وبياناته، مُتَنَزِلًا لنا بالفضل والإحسان لهذا التوضيح والبيان، انتهينا في سورة الحج إلى قوله جلَّ جَلاله: (إِنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا وَيَصُدُّونَ عَن سَبِيلِ اللَّهِ وَالْمَسْجِدِ الْحَرَامِ الَّذِي جَعَلْنَاهُ لِلنَّاسِ سَوَاءً الْعَاكِفُ فِيهِ وَالْبَادِ وَمَن يُرِدْ فِيهِ بِإِلْحَادٍ بِظُلْمٍ نُّذِقْهُ مِنْ عَذَابٍ أَلِيمٍ (25)) وفي قراءة (سَوَاءٌ).

يقول جلَّ جَلاله: (إِنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا) وكذَّبوا بالله أو برسله أو باليوم الآخر، وشأنهم في هذه الحياة (يَصُدُّونَ)، (وَيَصُدُّونَ عَن سَبِيلِ اللَّهِ) يَقطَعون السبيل ويَصُدُّونَ الناس عن السلوك في سبيل ربهم -جلَّ جَلاله- بدعوتهم إلى الكفر والمعصية، فشرارُ الكفار: من يصدُّ عن سبيل الله، ومَن يدعُ إلى الكُفر، ويدعُ إلى المعصية بمختلف الوسائل.

وهم أصنافٌ مِن هؤلاء الكفار يكونون في كل زمان:

  • يَدعون إلى الكفر.
  • ويضادون منهج الله ودِينه الحَق.
  • ويخالفون أنبياءهُ -صلوات الله وسلامه عليهم-.
  • ويقطعون السبيل عن السير إلى الله تعالى:
  • بما يَدعون إليه من الكفر.
  • وبما ينشرونه من أنواع الفساد والغي والضلال والذنوب والمعاصي.

ويُسَمونها بأسماء ويلقبونها بألقاب ويزينونها للناس وهي من سيئات الأعمال، إلى حد أن يَتبَجَّحُوا بها، ثم أن يصل بهم الحال إلى أن يُقَنِّنوا في قوانينهم، ولو لأَفجر الفُجور وأشد المخالفة للفطرة الإنسانية كما يُشاهدُ ذلك ويُسمَع ويُرى فيهم.

(إِنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا وَيَصُدُّونَ عَن سَبِيلِ اللَّهِ) جلَّ جلاله وتعالى في علاه، ومِن عُتاتِهم الذين يَقتلون المؤمنين بغير حَق، ويَعتدون على الأرواح وعلى الأعراض وعلى الأموال والمُمتلكات، وفيهم الذين يَصدُّون عن المسجد الحرام (وَيَصُدُّونَ عَن سَبِيلِ اللَّهِ وَالْمَسْجِدِ الْحَرَامِ الَّذِي جَعَلْنَاهُ لِلنَّاسِ (25)) أي:

  • عن الحج إليه.
  • وعن تَعظيمه.
  • والطواف به.

يصدون عن المسجد الحرام: وهو الكعبة المُشَرَفة، ثم ما حواليها من المسجد، وإلى مكة وإلى حدود الحرم الذي حَرَّمَهُ الله تبارك وتعالى على لِسان الخليل إبراهيم -على نبينا وعليه أفضل الصلاة وأزكى التسليم-.

وهؤلاء الكُفار في تَنَوع صَدِهم عن سبيل الله تبارك وتعالى:

  • منهم أولئك المُحارِبون المُقاتِلون.
  • ومنهم الناشرون للفساد والضُّر، الذين يُطلِقون ألسنتهم بانتقاص الكتاب العزيز، أو النبي المُرسل، أو الدين الحق دين الهدى، إلى غير ذلك.
  • والناشرين لأنواع الضر والفساد بين الأمة.
  • وأنواع الصدِّ كذلك عن المسجد الحرام الذي له خصوصيات.

وتقدَّم معنا من سورة آل عمران قوله: (إِنَّ أَوَّلَ بَيْتٍ وُضِعَ لِلنَّاسِ لَلَّذِي بِبَكَّةَ) [آل عمران:96]، وقوله: (وَإِذْ جَعَلْنَا الْبَيْتَ مَثَابَةً لِّلنَّاسِ وَأَمْنًا وَاتَّخِذُوا مِن مَّقَامِ إِبْرَاهِيمَ مُصَلًّى وَعَهِدْنَا إِلَىٰ إِبْرَاهِيمَ وَإِسْمَاعِيلَ أَن طَهِّرَا بَيْتِيَ لِلطَّائِفِينَ وَالْعَاكِفِينَ وَالرُّكَّعِ السُّجُودِ) [البقرة:125]، (وَإِذْ يَرْفَعُ إِبْرَاهِيمُ الْقَوَاعِدَ مِنَ الْبَيْتِ وَإِسْمَاعِيلُ رَبَّنَا تَقَبَّلْ مِنَّا) [البقرة:127] إلى غير ذلك مِن خصوصيات هذا البيت الذي قال عنه سبحانه وتعالى في سورة المائدة: (جَعَلَ اللَّهُ الْكَعْبَةَ الْبَيْتَ الْحَرَامَ قِيَامًا لِّلنَّاسِ وَالشَّهْرَ الْحَرَامَ وَالْهَدْيَ وَالْقَلَائِدَ) [المائدة:97]، (قِيَامًا لِّلنَّاسِ) يَقوم بِه أمرهم وشأنهم ودينهم ويَصلُح به حالُهم.

يقول: (الَّذِي جَعَلْنَاهُ لِلنَّاسِ) كما قال: (إِنَّ أَوَّلَ بَيْتٍ وُضِعَ لِلنَّاسِ لَلَّذِي بِبَكَّةَ) [آل عمران:96]؛

  • فكانت بِنايته الأولى على أيدي الملائكة.
  • ثم تجدَّد البناء، ومِن أعظمها كان على يد الخليل إبراهيم.
  • ثم ما جُدِدَّ مِن قِبل قريش قبل نزول الوحي على رسول الله بخمس سنين، وعمره إذ ذاك خمس وثلاثون سنة صلى الله عليه وعلى آله وصحبه وسلم.
  • ثم ما تَعَرَضَ له من تهديم ومن بناء أولًا وثانيًا بعد ذلك على ماهو عليه الآن.

قال: (جَعَلْنَاهُ لِلنَّاسِ) مَثابة وأمن، وجعله للناس كما قال في الآية: (وَمَن دَخَلَهُ كَانَ آمِنًا) [آل عمران:97].

(جَعَلْنَاهُ لِلنَّاسِ) والمُراد: المُؤمنون بالله المُوَحِّدون له.

(سَوَاءً الْعَاكِفُ فِيهِ) أي المُقيمُ فيه والحالُّ فيه، (وَالْبَادِ) الذي يَطرأُ ويَرِد ويَفِد مِن أي بقعة مِن بقاع الأرض، فكلهم سواء في وجوب تعظيم هذا البيت، وفي وجوب تأمينهم وَسَطَ هذا الحَرَم (وَمَن دَخَلَهُ كَانَ آمِنًا)، كلهم سواء، (سَوَاءً الْعَاكِفُ فِيهِ وَالْبَادِ (25))، فكلهم يتوجَّب عليهم:

  • تعظيم هذا البيت ومعرفة حرمته وإدراك عَظَمَتِه، فكلهم في ذلك سواء.
  • وفي الطواف به والصلاة إليه.
  • وما يُجَدِّدون به عَهدهم مع الله من استلام الحَجَر وتقبيله، أو استلام الركن اليماني، إلى غير ذلك.
  • ويَدعون الله سبحانه وتعالى عنده، فيستوي فيه من كان مُقيمًا ومستوطنًا بمكة، ومن جاء من الآفاق من المسلمين أهل لا إله إلا الله.

قال ﷺ: "يا بَنِي عَبْدِ مَنافٍ، لا تَمْنَعُوا أحدًا طَافَ بهِذا البيتِ وصلَّى أَيَّةَ ساعَةٍ شاءَ من لَيْلٍ أوْ نَهارٍ".

وقال بعض أهل العلم والتفسير من الصحابة فمن بعدهم: (سَوَاءً الْعَاكِفُ فِيهِ وَالْبَادِ) يستوون في الحَق في حدود هذا الحرم، فلا يَستأثر أحد منهم دون الآخر، مَن سَبَقَ إلى شَيء فهو أحق به، وهو مُلكُه، وعلى هذا قول بعض الصحابة.

وجاء أيضًا عند الحنفية: حُرمَةُ تأجير بيوت مكة أو بيعها أو شرائها، وأنها سواء للعاكف فيه والباد.

وقال الجمهور: ليس هذا المعنى المراد.

  • وكلهم اتفقوا على أن العاكف والباد:
  • سواء في تعظيم هذا البيت وإجلاله.
  • والاستفادة مِمَّا جعله الله سبحانه وتعالى سببًا فيه من البركات والخيرات (إِنَّ أَوَّلَ بَيْتٍ وُضِعَ لِلنَّاسِ لَلَّذِي بِبَكَّةَ مُبَارَكًا وَهُدًى لِّلْعَالَمِينَ * فِيهِ آيَاتٌ بَيِّنَاتٌ مَّقَامُ إِبْرَاهِيمَ وَمَن دَخَلَهُ كَانَ آمِنًا وَلِلَّهِ عَلَى النَّاسِ حِجُّ الْبَيْتِ مَنِ اسْتَطَاعَ إِلَيْهِ سَبِيلًا) [آل عمران:96-97].
  • ثم أيضًا وجوب حُرمَة هذا الحَرَم، سواء العاكف والباد، لا يُعضَد شَجَرُهُ، ولا يُصطادُ صَيدهُ، ولا يُختَلى خَلاه، (سَوَاءً الْعَاكِفُ فِيهِ وَالْبَادِ) فهذا أمر متفق عليه.
  • والأمر الثاني المختلف فيه من جِهَة المُلك:
  • والشافعية وغيرهم من الجمهور قالوا: تُمَلَك أيضًا أراضي مكة، لأنَّه قال سبحانه وتعالى: (الَّذِينَ أُخْرِجُوا مِن دِيَارِهِم (40)) المهاجرين من مكة؛ نَسَب الديار إليهم -جلّ جلاله- فهي مُلكٌ لهم، وقال ﷺ: "وهلْ تَرَكَ عَقِيلٌ مِن دَار؟"، أي أنَّه باع بيوت بني هاشم هناك فلم يُبقِ لهم دارًا، وهكذا جاء المعنى في قوله (سَوَاءً الْعَاكِفُ فِيهِ وَالْبَادِ)؛ يحتمل هذه المعاني.

يقول تعالى في حُرمَةِ هذا المَكان على وجه الخصوص: (وَمَن يُرِدْ فِيهِ بِإِلْحَادٍ بِظُلْمٍ (25)) أي يريد فيه ميلًا عن الحق والهدى وظلمًا، وأعظمه الشرك -والعياذ بالله تبارك وتعالى-، فإن أعظم الظلم الشرك وهو الظُلم الذي لا يغفره الله، يقول: "الظُّلمُ ثَلاثةٌ: فظُلمٌ لا يَغفِرَهُ الله، وظُلمٌ يَغفِرَهُ وَظُلمٌ لا يَترُكُه؛ فأمَّا الظُّلمُ الذي لا يَغفِرَهُ الله فالشِّركُ،" -والعياذ بالله تعالى- "قال الله: {إِنَّ الشِّرْكَ لَظُلْمٌ عَظِيمٌ}،" 

من يُرِد أن يعيد عبادة الأصنام أو الشرك بالله تعالى في الحرم فهذا أعظم الظلم، "وأمَّا الظُّلمُ الذي يَغفِرَهُ فظُلمُ العِبَادِ أنفُسَهُم فِيمَا بَينَهُم وَبَينَ رَبِّهِم،" من الذنوب والمعاصي "وأمَّا الظُلمُ الذي لا يَترُكُه اللهُ فَظُلمُ العِبَادِ بَعضُهُم بَعضًا حتى يدير لبعضهم من بعض" يعطي كل ذي حق حقه (وإن كَانَ مِثْقَالَ حَبَّةٍ مِّنْ خَرْدَلٍ أَتَيْنَا بِهَا وَكَفَىٰ بِنَا حَاسِبِينَ) [الأنبياء:47]، فهذا ظُلم لا يتركه الله.

(وَمَن يُرِدْ فِيهِ بِإِلْحَادٍ بِظُلْمٍ) كل هذه الأنواع مِن الإلحاد في الحَرَم والظلم، والمُعاقَب مَن يُريدها فيه، سواءً كان حاضرًا فيه، أو يريد أن يفعلها في الحَرَم، أو يقوم بها في حدود هذا الحرم ولو كان هو في أبعد بلاد.

كانوا يُمثّلون بعض المُتقدّمين في القرون الأولى يقول: من أراد أن يَقتُل؛ وهذا أبغض الشرك بالله تعالى:

  • القتل -والعياذ بالله- في مكة.
  • هو والظلم الكبير وهو الإلحاد.

أن تُقتَل نفسٌ بغير حق في مكة المكرمة، فلو أنَّ أراد وهَمَّ أحدٌ وهو بـ -عَدَن أبين- أنْ يقتلَ أحدًا في الحرم قال فهو مِمَّن: (وَمَن يُرِدْ فِيهِ بِإِلْحَادٍ بِظُلْمٍ) ويذيقه الله من العذاب الأليم -والعياذ بالله تعالى- إلا أن يتوب.

(وَمَن يُرِدْ فِيهِ) بمجرد الهَمّ قبل الفعل، والحق تعالى تجاوز عن الأمة الهَمّ والإرادة حتى يفعلوا إلا في الحرم.

حتى كان ابن عباس يخرج ويقيم بالطائف، قالوا: ما لك؟

يقول: ما رأيت الله يُؤاخذ بالإرادة إلا في هذا الحرم.

لم يقُل من يظلم، من يلحد، بل (وَمَن يُرِدْ فِيهِ) الإرادة فقط وسط هذا عليها العذاب والعقاب، (وَمَن يُرِدْ فِيهِ بِإِلْحَادٍ بِظُلْمٍ نُّذِقْهُ مِنْ عَذَابٍ أَلِيمٍ (25)) 

ثم يأتي من هذا الظُلم الذي يُلحَدُ به في الحرم كل معصية يَعصى الله تعالى بها وسط هذا الحرم، ومن هنا تضاعف حسنات الحرم إلى مئة ألف، وتتضاعف السيئات كذلك، فحسنة الحرم بمئة ألف، مئة ألف حسنة في غير الحرم، وركعة يكون لها ثواب مئة ألف ركعة، وقراءة آية يكون لها ثواب قراءة مئة ألف آية، وصدقة بدرهم يكون له ثواب مئة ألف درهم، وهكذا تتضاعف الحسنات في الحرم، والسيئات -والعياذ بالله- كذلك أعاذنا الله.

قال: (وَمَن يُرِدْ فِيهِ بِإِلْحَادٍ بِظُلْمٍ نُّذِقْهُ مِنْ عَذَابٍ أَلِيمٍ) قالوا:

  • حتى تساهُل الرجل بالحلف: لا والله، وبلى والله.
  • قالوا ومن الإلحاد بظلمٍ في الحرم؛ الاحتكار للطعام، الاحتكار للطعام وسط الحرم.

إلحاد بظلمٍ في الحرم أي: ميل، إلحاد: ميل عن الجادة وعن الصواب بفعلِ ظُلمٍ من أنواع هذا الظلم، إذا أرادها وعزم عليها وسط حدود هذا الحرم (نُّذِقْهُ مِنْ عَذَابٍ أَلِيمٍ) -والعياذ بالله تبارك وتعالى- أي نُذِقهُ عذابًا أليمًا مؤلمًا شديد الإيلام لا يُطاق، هذا جزاء من يُلحِد في الحرم- نعوذ بالله من غضب الله- وهكذا فيه تعدٍّ للحدود وتحدٍّ للجبَّار -سبحانه وتعالى- أن يُعصى وسط حرمه وبجوار بيته الحرام.

(وَمَن يُرِدْ فِيهِ بِإِلْحَادٍ بِظُلْمٍ نُّذِقْهُ مِنْ عَذَابٍ أَلِيمٍ) وفيه أنَّهُ قد يتضاعف ثواب الطاعة أو إثم المعصية بالمكان، ومعصية تُفعل في أي مسجد ليست كالتي تُفعل في خارج المسجد، وتختلف الأماكن باعتبارات يشير إليها القرآن والسنة الغراء، فيختلف فيها الأثر في مُضاعفة الحسنات أو السيئات.

(وَمَن يُرِدْ فِيهِ بِإِلْحَادٍ بِظُلْمٍ نُّذِقْهُ مِنْ عَذَابٍ أَلِيمٍ) كما قال في حَرَمِهِ ﷺ في المدينة المنورة: "مَن أحْدَثَ فِيهَا حَدَثًا، أوْ آوَى مُحْدِثًا، فَعليه لَعْنَةُ اللَّهِ والمَلَائِكَةِ والنَّاسِ أجْمَعِينَ، لا يُقْبَلُ منه صَرْفٌ ولَا عَدْلٌ" -نعوذ بالله من غضب الله-.

كما يقول جلَّ جلاله: (وَإِذْ بَوَّأْنَا لِإِبْرَاهِيمَ مَكَانَ الْبَيْتِ (26)) هيّأنا وعَيَّنّا وسهّلنا لإبراهيم مكان البيت، لأنَّه قَد جرت السيول وهَدَّمَت البيت العتيق فما بقي إلا مَحَله، فجعل الله دلالةً للخليل إبراهيم يدله على هذا البيت وعلى حُرمته، ويأمره ببنائه، فأظلَّت سحابة مكان البيت، وأسّس البيت على ظِلها الذي كان مِن أيام بناء الملائكة وأيام آدم ومَن بعده مِن النبيين صلوات الله وسلامه عليهم.

وعامةُ الأنبياء حجُّوا بيت الله سبحانه وتعالى، وجاءوا إلى الحِمى العظيم والبيت الحرام وطافوا به، مِن أولهم آدم عليه السلام، ولما حَجَّ قالت له الملائكة: برَّ حجك يا آدم، لقد حججنا هذا البيت قبلك بألفي عام.

(وَإِذْ بَوَّأْنَا): هيّأنا وعَيَّنا لإبراهيم مكان البيت، المَحل الذي اتخذه الله تعالى بيتًا منسوبًا إليه على وجه التكريم والتشريف له مِن حين خَلق السماوات والأرض، يعني خَلَق الأرض جعل هذه البقعة سُرَّة الأرض ومنها دَحا الأرض، ابتدأ مما في موقع الكعبة ودحا بقية الأرض منها، فصارت هي سُرٌَةُ الأرض، وصارت المحل المخصوص في هذا الكوكب الذي يعيش فيه الناس.

يقول: (وَإِذْ بَوَّأْنَا لِإِبْرَاهِيمَ مَكَانَ الْبَيْتِ أَن لَّا تُشْرِكْ بِي شَيْئًا (26))، وذلك ما بُعِثَ الأنبياء بالتحذير منه وتطهير الخَلق منه، (وَطَهِّرْ بَيْتِيَ) عن الشرك وعن الأوساخ الظاهرة والباطنة، (وَطَهِّرْ بَيْتِيَ لِلطَّائِفِينَ) به (وَالْقَائِمِينَ) إما القائمين في الصلوات أو المقيمين فيه، (وَالرُّكَّعِ السُّجُودِ) أرباب الصلوات، وقال في الآية الأخرى: (أَن طَهِّرَا بَيْتِيَ لِلطَّائِفِينَ وَالْعَاكِفِينَ) [البقرة:125] العاكفين: المقيمين فيه، (وَالرُّكَّعِ السُّجُودِ) [البقرة:125].

فهل معنى القائمين -هنا في سورة الحج- هو معنى العاكفين الذي جاء في سورة البقرة؟ أو معنى القائمين هنا آخر؟

  • الذين قالوا هو بمعنى آخر، هم أهل القيام بالصلوات فيه (وَالرُّكَّعِ السُّجُودِ).
  • والآخرون قالوا؛ هو بمعنى ما في الآية الأخرى أنَّ القائمين هم العاكفين (لِلطَّائِفِينَ وَالْعَاكِفِينَ وَالرُّكَّعِ السُّجُودِ) [البقرة:125] 

(لِلطَّائِفِينَ وَالْقَائِمِينَ وَالرُّكَّعِ السُّجُودِ)، (وَالرُّكَّعِ) الذين يكثرون الركوع، (السُّجُودِ) الذين يكثرون السجود، (وَالرُّكَّعِ السُّجُودِ) وذلك فيه إشارة إلى أنَّ من أعلى وأعظم أفعال عبادات بني آدم؛ الركوع والسجود، الركوع والسجود. 

ولهذا قال الله سبحانه وتعالى لمريم على لسان الملائكة، قال: (يَا مَرْيَمُ اقْنُتِي لِرَبِّكِ وَاسْجُدِي وَارْكَعِي مَعَ الرَّاكِعِينَ) [آل عمران:43] فمن خير عباداتنا الركوع والسجود إذا تم على وجهه، و"أَقْرَبُ ما يَكونُ العَبْدُ مِن رَبِّهِ، وهو ساجِدٌ"، وهو ساجد، (وَالرُّكَّعِ السُّجُودِ):

  • فالركوع انحناء تعظيمًا للحق سبحانه وتعالى وإجلالًا وإكبارًا، يستخرج من القلب كل كِبرٍ وكل عُجبٍ وكل رياء.
  • ثم وضع أشرف أعضاء الإنسان، وضعه له على ممر الأقدام وعلى الأرض تعظيمًا لله وتذللًا لجلاله ولعظمته سبحانه وتعالى.

والله يوفر حظنا من سرِّ الركوع والسجود ويلحقنا بالرُّكع والسجود.

قال: (وَطَهِّرْ بَيْتِيَ) نَّقِه وصَفّه (لِلطَّائِفِينَ وَالْقَائِمِينَ) هَيِّئهُ لذلك، وأبعد كل ما يلحقه من القاذورات، حتى يتهيأ لهم الطواف بيسر وسهولة وبطمأنينة وانشراح.

(وَطَهِّرْ بَيْتِيَ لِلطَّائِفِينَ وَالْقَائِمِينَ وَالرُّكَّعِ السُّجُودِ (26)) وفي ذلك استخدام هذا النبي لهذا البيت العظيم وشُغله به، فَبُني وجُعلت له القواعد التي لم تزل في أعماق هذا البيت في الأرض؛ قواعد سيدنا الخليل إبراهيم على نبينا وعليه أفضل الصلاة والسلام.

نقَّصَ قريش عند البناء نحو ست أذرع من جهة الحِجر، نقصوها من قواعد إبراهيم من أجل أن النفقة قصُرت بهم، وذلك أنَّهم مع جاهليتهم كانوا لا يرضون أن يضعوا فيما يُتَبرَّع به لبناء الكعبة؛ مال سرقة ولا نهب ولا رِبا، لا يضعونه فيها مع جاهليتهم!، يقولون هذا ما يمكن يَقرُب من البيت الحرام، فيأخذون من الحلال، فلذلك قَصُر عليهم، ما وجدوا ما يكفي، فَنَقَصوا ست أذرع من أجل أن يكملوا البناء، وتركوا هذه الأذرع، ولهذا لما قالت السيدة عائشة لسيدنا ﷺ: أريد أن أصلي في وسط الكعبة، قال لها: صلِّ في الحِجر -حِجر إسماعيل- فإنَّ قومك تركوا أذرُعاً من البيت، هناك هو من البيت، فإن صليتِ فيه كأنك صليتي في الكعبة، فمن لم يدخل وسط الكعبة يُصلي في الحِجر بجوار الكعبة، فيكون وسط الكعبة قد صلّى.

(وَطَهِّرْ بَيْتِيَ لِلطَّائِفِينَ وَالْقَائِمِينَ وَالرُّكَّعِ السُّجُودِ) ثم يأتي ما أَمَرَهُ مِنَ التأذين بالحج، (وَأَذِّن فِي النَّاسِ بِالْحَجِّ (27)).

بلَّغنا الله حج بيته الحرام وزيارة نبيه عليه الصلاة والسلام، في خير الوجوه وأجملها وأفضلها، ويَسَرَّ للمؤمنين الوصول إلى بيت المقدس في يُسر وتيسير وصلاح وفلاح إن شاء الله، إنَّه أكرم الأكرمين.

اللهم بارك لنا في بقية رجب، وذكرى إسراء ومعراج حبيبك الأطيب، وبارك لنا في شعبان، وبلغنا رمضان واجعلنا من خواص أهل رمضان، ووفقنا لحج بيتك الحرام وزيارة نبيك عليه الصلاة والسلام في خير عظيم خاص وعام، وبلغنا المَرام وفوق المرام، وفرِّج كروب أهل الإسلام، يا ذا الجلال والإكرام يا ذا الطول والإنعام، برحمتك يا أرحم الراحمين.

 بسرِّ الفاتحة

إلى حضرة النبيّ الأمين محمد ﷺ

الفاتحة

 

تاريخ النشر الهجري

29 رَجب 1447

تاريخ النشر الميلادي

18 يناير 2026

اضافة إلى المفضلة

كتابة فائدة متعلقة بالمادة

الأقسام