تفسير سورة الحج -05- من قوله تعالى: {أَلَمْ تَرَ أَنَّ اللَّهَ يَسْجُدُ لَهُ مَن فِي السَّمَاوَاتِ...} الآية 18 إلى الآية 21
تفسير فضيلة العلامة الحبيب عمر بن محمد بن حفيظ للآيات الكريمة من سورة الحج:
{أَلَمْ تَرَ أَنَّ اللَّهَ يَسْجُدُ لَهُ مَن فِي السَّمَاوَاتِ وَمَن فِي الْأَرْضِ وَالشَّمْسُ وَالْقَمَرُ وَالنُّجُومُ وَالْجِبَالُ وَالشَّجَرُ وَالدَّوَابُّ وَكَثِيرٌ مِّنَ النَّاسِ ۖ وَكَثِيرٌ حَقَّ عَلَيْهِ الْعَذَابُ وَمَن يُهِنِ اللَّهُ فَمَا لَهُ مِن مُّكْرِمٍ إِنَّ اللَّهَ يَفْعَلُ مَا يَشَاءُ ۩ (18) هَٰذَانِ خَصْمَانِ اخْتَصَمُوا فِي رَبِّهِمْ فَالَّذِينَ كَفَرُوا قُطِّعَتْ لَهُمْ ثِيَابٌ مِّن نَّارٍ يُصَبُّ مِن فَوْقِ رُءُوسِهِمُ الْحَمِيمُ (19) يُصْهَرُ بِهِ مَا فِي بُطُونِهِمْ وَالْجُلُودُ (20) وَلَهُم مَّقَامِعُ مِنْ حَدِيدٍ (21) }
مساء الإثنين 9 رجب الأصب 1447هـ
يتضمن الدرس:
- سجود الكون كله لله تعالى.
- مراتب اليقين وشهود السجود بالقلب والبصيرة.
- الغفلة سبب السقوط في المعاصي.
- خصوصية الإنسان بالاختيار بين السجود طوعًا أو الإباء.
- معنى العز والكرامة، والهون والإهانة.
- الخصومة الحقيقية بين الإيمان والكفر.
- مآل الفريقين يوم القيامة بين الجنة والنار.
نص الدرس مكتوب:
الحمدلله رب العالمين مكرمنا بالوحي والتنزيل، وبيانه على لسان خير معلم وهادٍ ودليل، عبده الهادي إلى سواء السبيل، سيدنا محمد صلى الله وسلم وبارك وكرم عليه وعلى آله وصحبه وأهل ولائه ومحبته ومتابعته في النية والقصد والفعل والقيل، وعلى آبائه وإخوانه من الأنبياء والمرسلين أهل التكريم والتمجيد والتفضيل، وعلى آلهم وصحبهم وتابعيهم، وعلى ملائكة الله المقربين، وعلى جميع عباد الله الصالحين وعلينا معهم وفيهم، إنه أكرم الأكرمين وأرحم الراحمين.
أمَّا بعد،
فإننا في نعمة تأملنا لِكلام إلهنا وربنا وخالقنا، يُعلِّمنا ويهدينا ويُبين لنا ويدُلنا ويرشدنا -سبحانه وتعالى- انتهينا في تأمُّل أوائل سورة الحج حتى وصلنا إلى قوله -جلَّ جلاله وتعالى في علاه-: (أَلَمْ تَرَ أَنَّ اللَّهَ يَسْجُدُ لَهُ مَن فِي السَّمَاوَاتِ وَمَن فِي الْأَرْضِ).
يُخاطب نبيه المصطفى (أَلَمْ تَرَ) رؤية العلم والإدراك بما أشهدناك، وبما أعلمناكَ وأخبرناك، وتجلّينا عليك أن الكائنات بجميع ما فيها خاضعة لجلالِنا، مُصرَّفة بتدبِيرنا وأمرنا تحت قهرنا، لا يعزبُ عن ذلك شيء منها ولا ذرة من ذراتها؛ في حسٍّ ولا معنى، ولا ظاهر ولا باطن.
(أَلَمْ تَرَ) يا نبينا رؤية العلم، ورؤية القلب، ورؤية البصيرة في مشاهدتك لما أشهدْناك مِن سجود ما في السماوات وما في الأرض لجلالِنا وعظمتِنا.
(أَلَمْ تَرَ أَنَّ اللَّهَ يَسْجُدُ لَهُ مَن فِي السَّمَاوَاتِ) من الملائكة، والأرواح المطهرة للنبيين ومَن سواهم، (أَلَمْ تَرَ أَنَّ اللَّهَ يَسْجُدُ لَهُ مَن فِي السَّمَاوَاتِ وَمَن فِي الْأَرْضِ) من إنسٍ وجنٍ، وحيوانٍ ونباتٍ وشجر.
قال تعالى: (النَّجْمُ) يعني الذي يسْبح في الأرض من النبات (وَالشَّجَرُ) كل ما يقوم على ساق؛ (وَالنَّجْمُ وَالشَّجَرُ يَسْجُدَانِ * وَالسَّمَاءَ رَفَعَهَا وَوَضَعَ الْمِيزَانَ) [الرحمن:6-7]، كل شيء يُسبِّح بحمد ربه ساجدًا لعظمة الإله، وإن خَفي ذلك على أهل الغفلات.
- وأول درجة في الإيمان أن نوقِن بأننا؛ والوجود والكائنات عُلوِيها وسُفليها مسبِّحةً بحمد هذا الإله خاضعة لجلالِه؛ (وَعَنَتِ الْوُجُوهُ لِلْحَيِّ الْقَيُّومِ) [طه:111]، (تُسَبِّحُ لَهُ السَّمَاوَاتُ السَّبْعُ وَالْأَرْضُ وَمَن فِيهِنَّ وَإِن مِّن شَيْءٍ إِلَّا يُسَبِّحُ بِحَمْدِهِ) [الإسراء:44].
- وبعد ذلك على حسب نور البصيرة والقلب نُوقن بذلك، ونرتفع من الإيمان إلى علم اليقين.
- ومن علم اليقين إلى عين اليقين.
- ومن أُكرِم منا فأُلحق بالصديقين وهم خواص ورثة الأنبياء، صار في سجوده هو، ورؤيته لسجود ما في السماوات والأرض للحق في درجة حق اليقين.
(أَلَمْ تَرَ أَنَّ اللَّهَ يَسْجُدُ لَهُ مَن فِي السَّمَاوَاتِ وَمَن فِي الْأَرْضِ) وغفلة المؤمنين عما آمنوا به هو الذي بسببه يسقطون في الذنوب والمعاصي والمخالفات؛ غفلتهم عمَّا آمنوا به، ولو تصوَّروا حقيقة هذا السجود ما قدروا أن يعصوا الله بِعضوٍ من الأعضاء ولا بقلب؛ ولكنها غفلة (اقْتَرَبَ لِلنَّاسِ حِسَابُهُمْ وَهُمْ فِي غَفْلَةٍ مُّعْرِضُونَ * مَا يَأْتِيهِم مِّن ذِكْرٍ مِّن رَّبِّهِم مُّحْدَثٍ إِلَّا اسْتَمَعُوهُ وَهُمْ يَلْعَبُونَ) [الأنبياء:1-2] يكون استماع مع اللعب، (نَّحْنُ أَعْلَمُ بِمَا يَسْتَمِعُونَ بِهِ إِذْ يَسْتَمِعُونَ إِلَيْكَ وَإِذْ هُمْ نَجْوَىٰ) [الإسراء: 47] يتكلمون بينهم البين، ليس لهم إقبال (وَمِنْهُم مَّن يَسْتَمِعُ إِلَيْكَ حَتَّىٰ إِذَا خَرَجُوا مِنْ عِندِكَ قَالُوا لِلَّذِينَ أُوتُوا الْعِلْمَ مَاذَا قَالَ آنِفًا) -ماذا قال؟- (أُولَٰئِكَ الَّذِينَ طَبَعَ اللَّهُ عَلَىٰ قُلُوبِهِمْ وَاتَّبَعُوا أَهْوَاءَهُمْ) [محمد: 16]، (لَاهِيَةً قُلُوبُهُمْ)، (لَاهِيَةً قُلُوبُهُمْ وَأَسَرُّوا النَّجْوَى الَّذِينَ ظَلَمُوا هَلْ هَٰذَا إِلَّا بَشَرٌ مِّثْلُكُمْ) [الأنبياء:3] إلى ما ذكر الله لنا من أنحاء وجهة الكفار والغافلين عن الله وعن رسوله صلى الله عليه وآله وصحبه وسلم.
يقول: (أَلَمْ تَرَ أَنَّ اللَّهَ يَسْجُدُ لَهُ مَن فِي السَّمَاوَاتِ وَمَن فِي الْأَرْضِ) -جلَّ جلاله وتعالى في علاه- ثم بيَّن -سبحانه وتعالى- بعد ذلك سجود نفس الكائنات، ثم عاد للذين في الأرض وخصوصًا منهم أهم مَن في الأرض وهم بنو آدم؛ الناس: خلق له قدْرٌ إذا قبِل، إذا استقبل تقدير الله له وتكريم الله له بما ينبغي، وإلَّا فالمُعاند منهم والجاحد والمضاد الرَّاد لإكرام الله له يصير أضل من الأنعام -والعياذ بالله تبارك وتعالى- ويحلّ عليه العقاب.
ذكر تعالى بعد أن ذكر مَن في السماوات ومَن في الأرض، قال: (وَالشَّمْسُ) نصَّ عليها من بين الكواكب -الشمس والقمر- ثم ذكر النجوم؛ والشمس ساجدة للحق، خلقها وكَوَّنها، وتجري لمُستقر لها، من الذي أقرَّها في ذاك المستقر؟ وهل تستطيع أن تقول لا أطلع اليوم، لا أغرب اليوم، أتقدّم أو أتأخر؟ أبدًا، (لَا الشَّمْسُ يَنبَغِي لَهَا أَن تُدْرِكَ الْقَمَرَ وَلَا اللَّيْلُ سَابِقُ النَّهَارِ وَكُلٌّ فِي فَلَكٍ) مُرتب مُنظم من قِبل خالق (يَسْبَحُونَ) [يس:40] لا هذا يضرُّ هذا، ولا ذاك يضرُّ ذاك، ولا هذا يأخذ محل ذاك، كل واحد في محله، ترتيب وتقدير إله، فهي ساجدة لهذا الإله خاضعة خاشعة، ولِمعنى الشمس في كل طلوع لها وغروب سجدات، مسْتقبلة بها عرش الرحمن -جلَّ جلاله وتعالى في علاه- كما جاءنا في الأحاديث، الشمس ساجدة والقمر كذلك.
يقول: (وَالشَّمْسُ وَالْقَمَرُ) والقمر مكانه الذي خلقه فيه، ثم تسْييره الذي يسيِّره فيه، وإذا أراد في يوم من الأيام -جلَّ جلاله- أوقف الشمس، وعكس دورة الكرة الأرضية وطلعت الشمس من مغربها، فهي خاضعة، (يَوْمَ يَأْتِي بَعْضُ آيَاتِ رَبِّكَ) يوم تطلع الشمس من مغربها يُقفل باب التوبة (لَا يَنفَعُ نَفْسًا إِيمَانُهَا لَمْ تَكُنْ آمَنَتْ مِن قَبْلُ أَوْ كَسَبَتْ فِي إِيمَانِهَا خَيْرًا) [الأنعام:158] والقمر كذلك، مُسيَّرٌ مُدبرٌ مُقدًر.
(ما لَكُمْ) يقول سيدنا نوح لقومه، ونفس الأذهان وما يطرأ عليها ويتردد من ظلمات الغفلة والإعراض في الأزمنة واحد (مَّا لَكُمْ لَا تَرْجُونَ لِلَّهِ وَقَارًا) ما تعتقدون له هيبة وإجلال؟ (وَقَدْ خَلَقَكُمْ أَطْوَارًا * أَلَمْ تَرَوْا كَيْفَ خَلَقَ اللَّهُ سَبْعَ سَمَاوَاتٍ طِبَاقًا * وَجَعَلَ الْقَمَرَ فِيهِنَّ نُورًا وَجَعَلَ الشَّمْسَ سِرَاجًا) [نوح:13-16] ما تهابونه؟! ما تخافونه؟! آياته أمام أعْيُنكم، تخافون بعضكم البعض وأشياء هي في قبضته (مَّا لَكُمْ لَا تَرْجُونَ لِلَّهِ وَقَارًا * وَقَدْ خَلَقَكُمْ أَطْوَارًا * أَلَمْ تَرَوْا كَيْفَ خَلَقَ اللَّهُ سَبْعَ سَمَاوَاتٍ طِبَاقًا * وَجَعَلَ الْقَمَرَ فِيهِنَّ نُورًا وَجَعَلَ الشَّمْسَ سِرَاجًا) -الله أكبر-.
يقول: (وَالشَّمْسُ وَالْقَمَرُ وَالنُّجُومُ) ما نجمٌ يقدر أن يسقط ولا يتقدم ولا يتأخر إلَّا بأمره، إلَّا بقدرته، وهي تهابه -جلَّ جلاله وتعالى في علاه- وتُعظّمه جميع الكائنات.
يقول: (وَالنُّجُومُ وَالْجِبَالُ) التي ترون فيها صلابة في العالم الحسي المادي أمامكم، وُطِّدت بها الأرض وجُعلت أوتادًا مُسبِّحة، وقد أظهر الله شيئًا من تسبيحها على يد نبيه داود عليه السلام: (يَا جِبَالُ أَوِّبِي مَعَهُ) رددي الذكر معه، إذا سبَّح سبحيني، إذا حمد احمديني (يَا جِبَالُ أَوِّبِي مَعَهُ وَالطَّيْرَ وَأَلَنَّا لَهُ الْحَدِيدَ) [سبأ:10]، فالجبال خاضعة خاشعة، وهو القائل: (لَوْ أَنزَلْنَا هَٰذَا الْقُرْآنَ عَلَىٰ جَبَلٍ لَّرَأَيْتَهُ خَاشِعًا مُّتَصَدِّعًا مِّنْ خَشْيَةِ اللَّهِ) [الحشر:21].
يقول: (وَالْجِبَالُ وَالشَّجَرُ) بأصنافها وأنواعها، (وَالدَّوَابُّ) كل ما يدُبّ على ظهر الأرض، (وَكَثِيرٌ مِنَ النَّاسِ وَكَثِيرٌ حَقَّ عَلَيْهِ الْعَذَابُ) كيف؟ إمَّا كُرْهًا فالجميع ساجد؛ الملحد والمعاند والذي يسبّ والذي تنكَّر للدين؛ تحته سماء وفوقه أرض ومحكوم بِحُكم الله؛ في دورته الدموية، وفي تكوين أعضائه، وفي اختيار أمه وأبيه، ومحتاج لهذه الشمس ولهذا القمر، مُستنشق للهواء الذي خلقه الجبار -جلَّ جلاله وتعالى في علاه- لا يستغني عن شيء من هذا، خاضع مسكين ساجد في باطنه؛ ولكنه بإرادته هذه والاختيار الذي ابتلى الله به الإنس والجن المكلفين، هذا الاختيار ينحرفون فيه وينصرفون، أمَّا باقي الأشياء كلها خاضعة لله، كلها ساجدة لله، بقي فقط هذا الاختيار الموجود في قلب الإنسِ والجنِ، هذا الذي:
- إمَّا ينسجم مع الوجود والكائنات بالسجود لخالقها اختيارًا كما أنه ساجد إضطرارًا.
- وإما يتأبى ويعاند، ويأبى السجود باختياره فقط، فيحل عليه بذلك النقمة واللعنة والغضب والعذاب.
لذلك قال: (وَكَثِيرٌ مِّنَ النَّاسِ)، أمَّا غير الناس لا أحد منهم يتأبى عن السجود، الجميع ساجد من الحيوانات، فبقي كفار ومُشركو الإنس والجن هم الذين فقط يتأبُّون بالجزء الاختياري الذي أوتوه فقط، يتأبون عن السجود لله فتحلَُ عليهم اللعنة والسخط والعذاب -والعياذ بالله تبارك وتعالى-.
يقول: (وَالْجِبَالُ وَالشَّجَرُ وَالدَّوَابُّ وَكَثِيرٌ مِّنَ النَّاسِ) المؤمنون والناس من الأنبياء والصديقين والشهداء والصالحين وأهل الإيمان يسجدون لله طَوعًا، كما هم سجّود له كرهًا.
سجود الكرْهِ يشترك فيه جميع الكائنات، خاضعة لجلال الله -تبارك وتعالى-، (فَقَالَ لَهَا وَلِلْأَرْضِ ائْتِيَا طَوْعًا أَوْ كَرْهًا قَالَتَا أَتَيْنَا طَائِعِينَ) [فصلت:11]، (وَالسَّمَاوَاتُ مَطْوِيَّاتٌ بِيَمِينِهِ) [الزمر:67]، (وَالْأَرْضُ جَمِيعًا قَبْضَتُهُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ) [الزمر:67] فكلها تحت قهر الله وجلاله، وكلها خاضعة ومُسبحة بحمده، بقي فقط جزء الاختيار الموجود عند الإنسان والجن، وبه يتوجّه عليهم التكليف بالأوامر والنواهي، فتبيَّن مَن يؤمن ومَن يكفر، ومَن يصدق ومَن يكذب.
فيقول: (وَكَثِيرٌ مِّنَ النَّاسِ وَكَثِيرٌ حَقَّ عَلَيْهِ الْعَذَابُ) بعض أهل التفسير جعلوا أن الكثير من الناس، والكثير الذين حق عليهم العذاب كلهم ساجِدون بالنسبة للسجود المعنوي والسجود القهري، ولكن هؤلاء بِإبائهم حقَّ عليهم العذاب بكفرهم، بجحْدهم، بمعصيتهم، بتوليهم عن الله وإِبائهم السجود للحق -جلَّ جلاله وتعالى في علاه- حقَّ عليهم العذاب.
وهكذا نقرأ الآية لنسجُد طالبين سجود القلب طوعًا واختيارًا للرَّب، مقْتدين بسيِّد الساجدين، المُتقلِّب في الساجدين، الذي قال له ربه: (وَتَوَكَّلْ عَلَى الْعَزِيزِ الرَّحِيمِ * الَّذِي يَرَاكَ حِينَ تَقُومُ * وَتَقَلُّبَكَ فِي السَّاجِدِينَ) [الشعراء:217-219] -صلى الله عليه وآله وصحبه وسلم-، وفي الخبر: أنهُ إذا مرَّ ابن آدم بآية سجدة في القرآن فسجد، اعتزل الشيطان يبكي يقول: أُمر ابن آدم بالسجود فسجد فله الجنة، وأمرت بالسجود فلم أسجد فلي النار، ومع ذلك مُصِر على كفره وعلى إضلاله -والعياذ بالله تبارك وتعالى- والنار مأواه.
فنعمة السجود لله تعالى، إلا أنَّ المؤمن يطلب الرُّقي في معنى سجوده الاختياري الطوعي الذوقي الوجداني، الذي به يسجدُ وينتشر سرُّ السجود طوعًا وذوقًا إلى الوجه والقلب والعظم واللحم والدم، "سجد وجهي للذي خلقه وصوَّره وشقَّ سمعه وبصره" -جلَّ جلاله- فيسجد الكل سجودًا يرتفع به شأن العبد؛ "أقربُ ما يكونُ العبدُ من ربِّه وهو ساجدٌ" فنسمع الآية ونسجد ونُكمِل تأمل باقي معانيها.
قال جلَّ جلاله: (أَلَمْ تَرَ أَنَّ اللَّهَ يَسْجُدُ لَهُ مَن فِي السَّمَاوَاتِ وَمَن فِي الْأَرْضِ وَالشَّمْسُ وَالْقَمَرُ وَالنُّجُومُ وَالْجِبَالُ وَالشَّجَرُ وَالدَّوَابُّ وَكَثِيرٌ مِّنَ النَّاسِ وَكَثِيرٌ حَقَّ عَلَيْهِ الْعَذَابُ وَمَن يُهِنِ اللَّهُ فَمَا لَهُ مِن مُّكْرِمٍ إِنَّ اللَّهَ يَفْعَلُ مَا يَشَاءُ ۩ (18)) جعلنا الله من الساجدين المتحققين بحقائق السجود، اللهم آمين، وألحقنا بخواص الكثير من الناس الساجدين الذين قادتهم وسادتهم في السجود الأنبياء، وسيد الكل سيد الساجدين للحق عبد الله محمد بن عبد الله صلى الله وسلم وبارك عليه وعلى آله وصحبه ومَن والاه، اللهم حققنا بحقائق السجود لك ظاهرًا وباطنًا، وإن للقلب سجودًا إذا سجدهُ لم يقدر على الرفع أبدًا، يدوم سجوده لله -جلَّ جلاله-، ويزداد في ارتفاعه في معاني السجود كلما سجد ظاهره مع سجود قلبه.
يقول: (وَكَثِيرٌ مِّنَ النَّاسِ وَكَثِيرٌ حَقَّ عَلَيْهِ الْعَذَابُ وَمَن يُهِنِ اللَّهُ) يُوقعه في الإهانة، ورأس الإهانة شقاوة الأبد؛ شقاوة الأبد أن يموت على الكفر، فلا أحد أهوَن من الذين يموتون على الكفر من المكلفين، أهوَن خلق الله وأتفه خلق الله وأسوأهم من يموت من المكلفين من الإنس والجن على الكفر، هذا الهُون الشديد -والعياذ بالله تبارك وتعالى- يقول سبحانه وتعالى: (وَيَوْمَ يُعْرَضُ الَّذِينَ كَفَرُوا عَلَى النَّارِ أَذْهَبْتُمْ طَيِّبَاتِكُمْ فِي حَيَاتِكُمُ الدُّنْيَا) ما تهيّأ لكم من ارتقاء المراتب العلى رفضتُموه، وذهبتم وراء الأهواء واللذاذات الحقيرة الزائلة (وَاسْتَمْتَعْتُم بِهَا فَالْيَوْمَ تُجْزَوْنَ عَذَابَ الْهُونِ)، كل ما تتصوَّرُونه عن الهوان واقع عليكم؛
- (بِمَا كُنتُمْ تَسْتَكْبِرُونَ فِي الْأَرْضِ بِغَيْرِ الْحَقِّ) تستكبرون بالأهواء، تستكبرون بالقوة المادية، تستكبرون بالقوة العسكرية، تستكبرون بالأسلحة الفتاكة، تستكبرون بغير الحق.
- (وَبِمَا كُنتُمْ تَفْسُقُونَ) [الأحقاف:20] تشذُّون وتحبون المنكرات والمخدرات والمسكرات والفواحش؛ فسق في الحياة، هذا هو الهون، هذا هو السقوط، وهذا هو الذلّة، وهذا هو الهوان -والعياذ بالله تبارك وتعالى-.
(وَمَن يُهِنِ اللَّهُ فَمَا لَهُ مِن مُّكْرِمٍ) وإن حكم عليه بشيء مَن سيكرمه؟ مَن سيُسْعده؟ مَن يقدر على أن يحوّله إلى مُكرم؟
(وَمَن يُهِنِ اللَّهُ فَمَا لَهُ مِن مُّكْرِمٍ)، كما أن من يعزهُ الله ما له من مُهين، لا يقدر أحد أن يُهينه، (وَلِلَّهِ الْعِزَّةُ وَلِرَسُولِهِ وَلِلْمُؤْمِنِينَ) [المنافقون:8]
- فلهم العزة أبدًا سرمدًا،
- ولهم العزة بالوفاة على الإيمان،
- ولهم العزة بالخُلود في الجنان،
- ولهم العزة برضوان الله العزيز -جلَّ جلاله-.
ولذلك كان يقول بعض العارفين: ما أهانت العباد أنفسها بمثل معصية الله، ولا أعزت أنفسها بمثل طاعة الله؛ أن تؤمن به، ثم تتشبث بأذيال العبادة له والطاعة، تُطيع مَن؟ بيده ملكوت كل شيء فهو يكرمك بماذا؟! هذا هو العز كله، هذا هو الشرف كله.
(وَمَن يُهِنِ اللَّهُ فَمَا لَهُ مِن مُّكْرِمٍ) لك الحمد على ما هديتنا للإسلام، وانشر الإسلام في كثير من خلقك، وأرنا كثيرًا من عبادك ينتقلون من الكفر إلى الإسلام، من الجحود إلى الإذعان، من الشقاء إلى السعادة، من النار إلى الجنة، يا أكرم الأكرمين، يا من بيده ملكوت كل شيء.
ومَن حكم عليه بالموت على الكفر فما له من مُكْرم، اشبعوا كلام ومدح وثناء وتصفيق، والهون أمامكم والذل أمامكم والعار أمامكم والخيبة أمامكم والسوء أمامكم والشر المستطير أمامكم والهوان الأبدي أمامكم! (وَمَن يُهِنِ اللَّهُ فَمَا لَهُ مِن مُّكْرِمٍ)، (إِنَّ أَكْرَمَكُمْ عِندَ اللَّهِ أَتْقَاكُمْ) [الحجرات:13] أهل التقوى هم المكرمون، هم أهل حقائق الكرامة، يا رب حققنا بحقائق التقوى.
(إِنَّ اللَّهَ يَفْعَلُ مَا يَشَاءُ) لأنّه الله الخالق، وهذا من أول ما يوجِب العقل السليم على من عقل وأدركَ أنّه مخلوق والكائنات من حوله مخلوقة وأن لها إله، فيوجِب العقل أن هذا الإله هو الذي له أن يفعل ما يشاء، يترُك ما يشاء، يُسعد من يشاء، ويُشقي من يشاء؛ هذا وصْف الأُلوهية، هذا وصْف الربوبية، (لَا يُسْأَلُ عَمَّا يَفْعَلُ وَهُمْ يُسْأَلُونَ) [الأنبياء:23] هم مخْلوقون، فوقهم قُوّة تأمر وتنهى، وهو ليس فوقه أحد -جلّ جلاله-.
ومع ذلك تكرَّم وتطوَّل وتفضَّل، وفتح أبواب التوبة، وفتح أبواب المغفرة لِمن اسْتغفر، ولا يهلك على الله إلا هالك، والأمر لله من قبل ومِن بعد، والحق له أن يفعل ما يشاء لأنه الخالق، ونحن نرى المخلوق المملوك يُقتطع له مجاز مُلك، ويُقال له: مَلكَ كذا من الأرض، مَلكَ كذا من المال، مَلك كذا من الثياب، مَلك كذا من العقار فإذا تصرّف في مُلكه لا يُقال: أنّه ظلَم؛ لأنّه مُلكَه، وهو والكائنات والسماوات والأرض وما فيها ومن فيها مُلك الله، ويتصرّف في مُلكِه ما يشاء ويفعل ما يشاء.
(إِنَّ اللَّهَ يَفْعَلُ مَا يَشَاءُ) يُقدِّم يُؤخِر، يُشقي يُسعِد، يرفع يخفض، يُعطي يمنع، يشفي يُمرِض، الأمر له، اللهم اجعل مُرادك فينا خيراً وسِر بِنا مسار من ارتضيت واصطفيتَ من عبادك الصالحين.
يقول: (وَمَن يُهِنِ اللَّهُ فَمَا لَهُ مِن مُّكْرِمٍ إِنَّ اللَّهَ يَفْعَلُ مَا يَشَاءُ) ثم انظروا حقيقة هذه الحياة التي خُلِقنا فيها لِنبْلى أَيُّنا أَحْسَنُ عَمَلًا وليكُن لنا موعِد، مرجِع إلى الذي خلق فيحكُم بيننا قائمة على خصمين؛ (هَٰذَانِ خَصْمَانِ اخْتَصَمُوا فِي رَبِّهِمْ (19)) كيف؟ بما أوتوا مِن أسماع وأبصار وعُقول ومدارِك، يختلِفون في الإيمان بهذا الإله والإقرار بإثبات وجودِه وأُلوهيّته وقُدرتِه وأسمائه وصِفاته، وفي الإنكار والجُحود لهذا الإله -جلّ جلاله- أو الإشراك معه؛ فهذان خصمان.
ولهذا عند المرجِع وجمع الأوّلين والآخرين يكونون فريقان (فَرِيقٌ فِي الْجَنَّةِ وَفَرِيقٌ فِي السَّعِيرِ) [الشورى:7]، (فَمِنْهُمْ شَقِيٌّ وَسَعِيدٌ) [هود:105]، وصور الاختلافات هذه كثيرة؛ تجد الكفر كلهم ملة واحدة، والإيمان ملة، فهم خصمان لا أحد غيرهم.
وكان من أجلّ مظهر الخصمين على ظهر الأرض في هذه الأمة؛ مؤمنها وكافرها، كان من أجلّهم: الصحابة الذين كانوا بجانب صاحِب الرِسالة، خاتم النبوّة، وكان من أعظم ما جرى بينهم وأول ما كان فيه المواجهة بالقِتال: بدر، فكان من أعلى مظاهِر الخصمين في هذه الأمة: الذين تبارزوا في بداية المعركة يوم بدر.
لذا يروي الإمام البخاري ومسلم عن أبي ذر، أنه يحلِف: أن الآية نزلت في عبيدة بن الحارث وحمزة بن عبد المطلب وعلي بن أبي طالب، هذا صنف -خصم-، مقابِل خصم: عتبة بن ربيعة وشيبة بن ربيعة والوليد بن عتبة، لأنّه لمّا اصطفّوا في يوم بدر، خرجوا في بداية الحرب مُبارزة؛ خرج ثلاثة: عتبة بن ربيعة وشيبة بن ربيعة والوليد بن عتبة، قالوا: يا محمد، أخرج لنا أكفاءنا من قومك. فأخرج ثلاثة من الأنصار كانوا مدججين مغطّين، قالوا: من أنتم؟ قالوا: فتيان من الأنصار، فلان وفلان. قالوا: نريد من أصحابنا الذين خرجوا من عندنا هؤلاء، يا محمد أخرج لنا أكفاءنا من قومنا وإخواننا. قال النبي لهم: ارجعوا، قم يا عبيدة بن الحارث -ابن عمه-، قم يا حمزة بن عبد المطلب -عمه-، قم يا علي بن أبي طالب، قاموا.
ولمّا أقبلوا عليهم؛ قالوا: من أنتم؟ قال: عبيدة بن الحارث، حمزة بن عبد المطلب، علي بن أبي طالب. قالوا: أكفاء كرام. فقابل عبيدة بن الحارث عتبة بن ربيعة، وقابل سيدنا حمزة بن عبد المطلب شيبة بن ربيعة، وقابل سيدنا علي الوليد بن عتبة.
فلم يلبث سيدنا حمزة أن ضرب شيبة وقتله، ولم يلبث سيدنا علي أن ضرب الوليد وقتله، واختلف عبيدة وعتبة بضربتين، أثخن كل واحد منهما صاحِبه وسقط، فجهز سيدنا علي وسيدنا حمزة على عتبة وقتلوه، وأخذوا عبيدة حملوه إلى الخيمة عند النبي ﷺ، وساقه مقطوعة يخرُج مُخّها ويسيل الدم، وأدخلوه فأجلسه صلى الله عليه وسلم ووضع رأسه على رجله الشريفة، يقول: يا رسول الله أشهيد أنا إذا مت من هذا؟ فقال له: "أشهد أنّك شهيد". قال: يا رسول الله لو رآنا أبو طالب لرأى أنّا أحق بقوله،
ونُسلِمه حتى نُصرّع حوله *** ونذهل عن أبنائنا والحلائل
فبشرّهُ ﷺ ودعا له، ولم يزل يُداوى ويُنظر حتى مشى به صلى الله عليه وسلم بعد ثلاثة أيام لم يمت بعد، في طريقه إلى المدينة -في الصفراء- مات، فهناك قَبَره صلى الله عليه وعلى آله وصحبه وسلم، هؤلاء الخصمان؛ مظاهِر الشرك ومظاهِر الإيمان في بدر.
إذا كان يوم القيامة، أول ما يفصُل الله تعالى بين الأُمَم في الدماء، أولهم الأمة هذه، لا يقضي بين الأمم ولا يحكُم إلا لأمة محمد، وأول ما يحكُم بين أمة محمد؛ يفصل في الدماء.
حتى كان سيدنا علي يقول: أنا من أول من يجثُو للخصومة بين يدي الله يوم القيامة، قال: أنا وحمزة وعبيدة، يجيئُ أولئك الذين قاتلونا ونجثو للخُصومة في الدماء التي سالت بيننا، هذا بأمر الله وذاك عِناد لله وبأمر الشيطان، فأنا أول من يجثُو للخُصومة بين يدي الله يوم القيامة.
(هَٰذَانِ خَصْمَانِ اخْتَصَمُوا فِي رَبِّهِمْ) وكان من جملة ذلك ما يقول بعض أهل الكتاب للمسلمين: نبينا قبل نبيكم، كتابنا قبل كتابكم، نحن أولى بالله مِنكم، قال لهم المسلمون: نبيّنا جاء خاتم للنبيين، وآمنا بكلّ من جاء من الأنبياء قبله، آمنا بأنبيائكم وما أنزل الله عليهم، وأنتم كذّبتم وخالفتم ما جئنا به؛ نحن أولى بالله منكم.
(هَٰذَانِ خَصْمَانِ اخْتَصَمُوا فِي رَبِّهِمْ) وجميع فئات المؤمنين من آدم إلى آخر مؤمن يوم القيامة خصمٌ لمن كفر بالله -جلّ جلاله-، هذه حقيقة الخصوم وحقيقة الفارق، الفوارق الأخرى كلها مُخترَعة ومُبتدَعة، ما لها أصل، الفوارق هذه (أَفَمَن كَانَ مُؤْمِنًا كَمَن كَانَ فَاسِقًا لَّا يَسْتَوُونَ) [السجدة:18]، الكرامة والإهانة بهذا: إيمان وكفر.
(هَٰذَانِ خَصْمَانِ اخْتَصَمُوا فِي رَبِّهِمْ) وعند ذكر هذا يذكرون؛ تحاجّ الجنة والنار، وما جاء في الحديث؛
- حيث تقول النار: أنا سيرجع إليّ المُتكبِّرون والفُجّار و كذا
- وقالت الجنة: ما لي لا يدخلني إلا الضعفاء -أكثرهم ضعفاء الناس-؟
فأوحى الله إليهما؛ إلى النار: أنت عذابي؛ أُعذّب بك من أشاء، وإلى الجنة: أنت رحمتي؛ أرحم بك من أشاء، ولكل واحدة مُنكما ملؤها؛ (وَلَٰكِنْ حَقَّ الْقَوْلُ مِنِّي لَأَمْلَأَنَّ جَهَنَّمَ مِنَ الْجِنَّةِ وَالنَّاسِ أَجْمَعِينَ) [السجدة:13] والجنة كذلك يملأها الله -سبحانه وتعالى-، حتى أنه من سِعة الجنّة جاء في الأخبار: أنه يدخل أهل الجنة الجنة، حتى آخرهم يخرج من النار بعد سبعة آلاف سنة ويدخل الجنة، ويكون له مثل الدنيا عشر مرات في الجنة، فتبقى أماكن في الجنة ليست محسوبة لأحد، قال: فيُنشئ الله خلقاً يُسكِنهم إيّاها، لأنّه وعدها بملئها فيملؤها جلّ جلاله، والمُلك مُلكه، يفعل ما يشاء.
يقول: (هَٰذَانِ خَصْمَانِ اخْتَصَمُوا فِي رَبِّهِمْ) والفوارق كبيرة بين الحِزبين والصِنفين والجماعتين والخصمين.
(فَالَّذِينَ كَفَرُوا قُطِّعَتْ لَهُمْ ثِيَابٌ مِّن نَّارٍ) نُحاس مُذاب يصلِّحون منه لهم ثياب؛ فهو أشد شيء يحمل الحرارة ويحرق النحاس، -لا حول ولا قوة إلا بالله العلي العظيم- وثيابهم: قمصان من النحاس من نار، فوق النار التي تحرِقهم من كل جانب.
(قُطِّعَتْ لَهُمْ ثِيَابٌ مِّن نَّارٍ) -اللهم أجرنا- قال في الآية الأخرى، (سَرَابِيلُهُم مِّن قَطِرَانٍ وَتَغْشَىٰ وُجُوهَهُمُ النَّارُ) [إبراهيم:50] ثياب من نار.
(يُصَبُّ مِن فَوْقِ رُءُوسِهِمُ الْحَمِيمُ) الماء المغلي، وقيل: القيح والصديد المغلي، يُصب على رؤوسهم -نعوذ بالله من غضب الله-، الرؤوس التي تأبّت واستكبرت، أبت أن تسجد وتخضع لله تعالى، أُوتي وأُرسل لها الرسل وأنزلت الكتب، وأبوا وأصرّوا إلا على اتِّباع الأهواء والشهوات.
(يُصَبُّ مِن فَوْقِ رُءُوسِهِمُ الْحَمِيمُ) جاء في الحديث أنّه يُصب فوق رؤوسهم حميمًا ينفُذ الجُمجمة ويدخل إلى الرأس ويمر إلى الجوف يسْلته، هذا الصَهر، الصهر: الإذابة.
(يُصَبُّ مِن فَوْقِ رُءُوسِهِمُ الْحَمِيمُ (19) يُصْهَرُ بِهِ مَا فِي بُطُونِهِمْ وَالْجُلُودُ (20)) يُذاب، يُذَوَّب ما في بطونهم والجلود، قالوا: حتى يصير إلى القدمين، ثم يُعاد كما كان، في الفترة التي يُعاد فيها كما كان، ترميهم النار إلى أعلاها لأنّهم يطلعون وينزلون فيها، فيُحاولون أن يخرجوا فتأتيهم الزبانية وملائكة النار بالمقامِع.
(يُصْهَرُ بِهِ مَا فِي بُطُونِهِمْ وَالْجُلُودُ (20) وَلَهُم مَّقَامِعُ مِنْ حَدِيدٍ (21)) جاء في رواية الإمام أحمد والترمذي: لو أن مقمعًا من المقامع وضِع على الأرض فاجتمع عليها الثقلان ما أقلّوه"، لا إنس ولا جن لا يقدرون يرفعونه -اللهم أجرنا من النار- (فَيَوْمَئِذٍ لَّا يُعَذِّبُ عَذَابَهُ أَحَدٌ * وَلَا يُوثِقُ وَثَاقَهُ أَحَدٌ) [الفجر:25-26].
قال: (وَلَهُم مَّقَامِعُ مِنْ حَدِيدٍ (21) كُلَّمَا أَرَادُوا أَن يَخْرُجُوا مِنْهَا) إذا استعيدوا ورفعتهم النار إلى فوق، حاولوا الخُروج، قال الله فترُدهم الزبانية، قال الله: (كُلَّمَا أَرَادُوا أَن يَخْرُجُوا مِنْهَا مِنْ غَمٍّ أُعِيدُوا فِيهَا) من شدّة الغم الذي هم فيه يريدون الفِرار فلا يستطيعون؛ أعيدوا فيها، تقول لهم: (وَذُوقُوا عَذَابَ الْحَرِيقِ (22)) العذاب الحارق الذي يحرقهم، يا مُتجبِّرين يا مُتكبِّرين، يا صادين عن سبيل الله، يا مؤثِرين للتُرّهات والبطالات بعدما حذّركم الله وأنزل الكتب وأرسل الرسل، (وَذُوقُوا عَذَابَ الْحَرِيقِ (22)).
والفريق الثاني: (إِنَّ اللَّهَ يُدْخِلُ الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ جَنَّاتٍ تَجْرِي مِن تَحْتِهَا الْأَنْهَارُ (23)) اللهم اجعلنا منهم واجعلنا من خواصهم في خير ولطف وعافية برحمتك يا أرحم الراحمين.
وما أعظم كلام الله، وهو قوله الحق وله الملك، وهذه الحقائق هي التي تبقى وتدوم، وإليها مرجِع الكل؛ من آمن ومن كفر، وأكثر ما يدور في العالم من الكلام والمؤتمرات والاجتماعات هباءً منثورًا، ولا يأتي لأصحابه بثمرات إلا البوار والنار -والعياذ بالله تبارك وتعالى- إلا ما وافق كلام الله، ووافق كلام رسول الله.
فالله يُسيّرنا في مرضاته، ويجعلنا من أهل محبته وموداته، ومن أهل طاعاته وعباداته، ومن أهل اتّباع خير برياته اللهم آمين.
وألحِقنا بخواص الذين آمنوا وعملوا الصالحات، أكرِمنا بنزلهم، وأكرِمنا بالدخول فيهم، واجعلنا في أوائلهم وخيارهم يا حي يا قيوم، لا تحرمنا خير ما عندك لشر ما عندنا.
وتدارك أمة نبيك محمد، وأغث أمة نبيك محمد، وارزقنا الاستقامة على منهج نبيك محمد، ومِلّة نبيك محمد، وسنة نبيك محمد، ومسلك نبيك محمد، ومِنهاج نبيك محمد، وطريقة نبيك محمد، يا أكرم الأكرمين، في الظاهر والباطن والحِس والمعنى، وتدارك الأمة بغياث من عندك عاجل أصلح بها البلاد والعباد، وأرنا دعوات نبيك محمد ﷺ وأثر استجابتها لأهل الشام ولأهل اليمن، وأرنا اللهم في الحرمين وبيت المقدس ما يسُرّ قلب نبيك، وما تُسرُّ به قلوب الصالحين من عبادك، وأدم لها الحفظ والسلامة والتمكين والخير، وادفع الشر عنَّا وعن أهلها وعن المؤمنين في المشارق والمغارب.
وردّ عنّا كيد عدوّك إبليس وجُنده من شياطين الإنس والجن، ولا تُسلِّطهم علينا ولا على أحد من أولادنا ولا أهالينا ولا أزواجنا ولا ذرياتنا ولا طلابنا ولا أحبابنا، واجعلنا في حِصنك الحصين وحِرزك المتين، من عبادك الذين ليس للشيطان عليهم سُلطان يا أكرم الأكرمين ويا أرحم الراحمين.
بسر الفاتحة
إلى حضرة النبي محمد
صلى الله عليه وسلم
11 رَجب 1447