تفسير سورة الحج -06- من قوله تعالى: {هَٰذَانِ خَصْمَانِ اخْتَصَمُوا فِي رَبِّهِمْ...} الآية 19 إلى الآية 24

للاستماع إلى الدرس

تفسير فضيلة العلامة الحبيب عمر بن محمد بن حفيظ للآيات الكريمة من سورة الحج:

{هَٰذَانِ خَصْمَانِ اخْتَصَمُوا فِي رَبِّهِمْ ۖ فَالَّذِينَ كَفَرُوا قُطِّعَتْ لَهُمْ ثِيَابٌ مِّن نَّارٍ يُصَبُّ مِن فَوْقِ رُءُوسِهِمُ الْحَمِيمُ (19) يُصْهَرُ بِهِ مَا فِي بُطُونِهِمْ وَالْجُلُودُ (20) وَلَهُم مَّقَامِعُ مِنْ حَدِيدٍ (21) كُلَّمَا أَرَادُوا أَن يَخْرُجُوا مِنْهَا مِنْ غَمٍّ أُعِيدُوا فِيهَا وَذُوقُوا عَذَابَ الْحَرِيقِ (22) إِنَّ اللَّهَ يُدْخِلُ الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ جَنَّاتٍ تَجْرِي مِن تَحْتِهَا الْأَنْهَارُ يُحَلَّوْنَ فِيهَا مِنْ أَسَاوِرَ مِن ذَهَبٍ وَلُؤْلُؤًا ۖ وَلِبَاسُهُمْ فِيهَا حَرِيرٌ (23) وَهُدُوا إِلَى الطَّيِّبِ مِنَ الْقَوْلِ وَهُدُوا إِلَىٰ صِرَاطِ الْحَمِيدِ (24) }

مساء الإثنين 16 رجب الأصب 1447هـ

 

نص الدرس مكتوب:

الحمدلله، مُكرِمنا بأنوار الوَحي والتّنزيل، وبيانِها على لسانِ خيرِ معلِّم وهادٍ ودليل، سيدنا محمد الهادي إلى سواء السبيل صلّى الله وسلَّم وبارك وكرَّم عليه، وعلى آله وأصحابه وأهل ولائهِ ومُتابعته المُتخلِّقين بأخلاقه والمُتأدِّبين بآدابِه، وعلى آبائه وإخوانه مِن الأنبياء والمرسلين، ساداتِ أهل قُرب الله تعالىٰ وأحبابه، وعلى آلهم وصحبهم وتابعيهم، وعلى الملائكة المُقرَّبين وعلى جميع عبادِ الله الصالحين، وعلينا معهم وفيهم إنه أكرمُ الأكرمين وأرحمُ الراحمين.

أمَّا بعد،

فإنَّنا في نعمة تأمُّلنا لكلام ربنا وتوجيهه لنا وتعليمه لنا، وتنزُّله لنا بالتَّبيين على لِسان رسولِه الأمين، انتهينا في سورة الحج إلى قوله جلَّ جلاله: (إِنَّ اللَّهَ يُدْخِلُ الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ جَنَّاتٍ تَجْرِي مِن تَحْتِهَا الْأَنْهَارُ يُحَلَّوْنَ فِيهَا مِنْ أَسَاوِرَ مِن ذَهَبٍ وَلُؤْلُؤٍ وَلِبَاسُهُمْ فِيهَا حَرِيرٌ (23)) وفي قراءة (وَلُؤْلُؤًا وَلِبَاسُهُمْ فِيهَا حَرِيرٌ) (وَهُدُوا إِلَى الطَّيِّبِ مِنَ الْقَوْلِ وَهُدُوا إِلَىٰ صِرَاطِ الْحَمِيدِ (24)) فكان هذا بيانُ مآلِ وعاقبة الخصم الثاني مِن الخصمين اللذين يختصِمان فيما قال تعالى: (هَٰذَانِ خَصْمَانِ اخْتَصَمُوا فِي رَبِّهِمْ (19)) مُؤمنون به، مُعظِّمون له، مُوَحِّدون له، مُوقنون بما جاء عنه، مُمتثِلون لأمره، مُجتَنِبون عن نهيه؛ هؤلاء اختصمُوا مع الذين جحدوا وُجودَ الله أو أشركوا معه إلهًا آخر، أو كذَّبوا برُسُله، أو خالفوا أوامره -سبحانه وتعالى- وارتكبوا نواهيه؛ فهُما الخصمان.

فذكرنا مِن أعلاهُما ما يكون مِن المؤمنين مِن هذه الأمة، والكفار منهم على مدى القرون، وأنَّ أعظم ذلك ما كان في عهده ﷺ، وأنَّه ما كان بين الذين يُناوِؤن رسول الله ويُضادُّونه ويحارِبُونه مِن المشركين ومِن يهود وممَّن معهم مِن الكفار، ومَن آمن به واتَّبعه مِن المُهاجرين والأنصار -رضي الله عنهم- فكانوا خصمان.

وكان مِن أعظم ما كان مِن الخُصومة يومَ بدر، وبرزَ مِن جيش الكفار عُتبة بن ربيعة وشيبة بن ربيعة والوليد بن عُتبة، كانوا أول مَن طلب البِرَازَ يوم بدر والمُبارزة، فأخرج إليهم ﷺ ثلاثة من الأنصار، فقالوا: نُريد مِن أصحابِنا، فأخرج لهم سيدنا عُبيدةَ بن الحارث بن عبد المطلب وحمزةَ بن عبد المطلب وعليَّ بن أبي طالب، وتقابلوا (هَٰذَانِ خَصْمَانِ اخْتَصَمُوا فِي رَبِّهِمْ (19)).

وبيانُ هذا أنَّه لا ينبغي اعتبارُ الفوارِق والخُصومة على وجهٍ في الحياة إلا بين الإيمان والكفر، والدِّين دينان: إيمانٌ وإشراك.

  • فلا ينبغي أن يتخاصمَ المؤمنون.
  • ولا أنْ يتنازعوا بينهم.
  • وأن يجعلوا خصمهم عدوَّ الله إبليس.

ومَن تصدَّى لإيذاء المسلمين ومُضادَّةِ الدين مِن أصناف الكفار، فهذه الخصومة التي لها الاعتبار؛

  • ويحِقُّ لأهلها هؤلاء بإخلاصهم وصدقهم أنْ ينالوا: الدَّرجات العُلا والفردوس الأعلى ورضا الربِّ جلَّ وعلا.
  • وأولئك بإصرارهم وخُبثهم وعِنادِهم أنْ يُؤذُوا وأن يصدُّوا عن سبيل الله، فينالون الغضبَ والعِقابَ والبُعدَ والطَّردَ والعذاب الشديد في الدارِ الآخرة. 

فينبغي أن يترفَّع المؤمنون عن خصوماتٍ غيرِ هذا، وقد قال ﷺ "اللهم اجعلْنا هادِينَ مُهْتَدِينَ، غيرَ ضالِّينَ ولا مُضِلِّينَ، حَربًا لأعدائِك، وسِلْمًا لأوليائِكَ، نُحِبُّ بحُبِّكَ الناس، ونُعَادِي بعَدَاوتِكَ مَن خالفك من خلقك".

(هَٰذَانِ خَصْمَانِ اخْتَصَمُوا فِي رَبِّهِمْ) مضى معنا المصير للكفَّار: (فَالَّذِينَ كَفَرُوا قُطِّعَتْ لَهُمْ ثِيَابٌ مِّن نَّارٍ يُصَبُّ مِن فَوْقِ رُءُوسِهِمُ الْحَمِيمُ (19) يُصْهَرُ بِهِ مَا فِي بُطُونِهِمْ وَالْجُلُودُ (20) وَلَهُم مَّقَامِعُ مِنْ حَدِيدٍ (21)) والمَقمَع ما يُضرَبُ به الرأس، وتلك المَقامِع الشديدة التي عظمت وجاء بعضُ وصفها فيما تقدَّم معنا في الجلسة الماضية، وأنهم يودُّون الخروج من النار، وكلمَّا أرادوا الخُروج أُعِيدُوا وضُرِبُوا بتلك المَقامِع على أيدي الملائكة -والعِياذ بالله- (كُلَّمَا أَرَادُوا أَن يَخْرُجُوا مِنْهَا مِنْ غَمٍّ أُعِيدُوا فِيهَا وَذُوقُوا عَذَابَ الْحَرِيقِ (22)) -اللهم أجِرنا من عذابك-.

ذكر مآل القسم الثاني -جعلنا الله منهم وأدخلنا فيهم-: (إِنَّ اللَّهَ يُدْخِلُ الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ جَنَّاتٍ تَجْرِي مِن تَحْتِهَا الْأَنْهَارُ (23)) بساتين عبَّر عنها -سبحانه وتعالىٰ- بهذا التعبير، لأننا في عالم هذه الدنيا بالأصلِ لا نعلمُ شيئًا، (وَاللَّهُ أَخْرَجَكُم مِّن بُطُونِ أُمَّهَاتِكُمْ لَا تَعْلَمُونَ شَيْئًا) [النحل:78]

 ثم سبحانه وتعالى لِما أرادَ أن يُعلِّمَنا شيئًا مِن علمه سبحانه جعلَ لنا أسبابًا لنتعلَّم، وفوارِق بين صحَّةٍ ومرض، وبين لذَّة وألم، وبين رِفعة وخَفض، وبين لذيذٍ وحُلو ومُر، وبين رفيعٍ وفاخرٍ وغالي ورخيص، وبين مُرتفِع وبين مُنحَط.. جعل لنا أمامنا في هذه الدنيا مُقابَلات وأمور مُتقابِلات ومُتَضادَّات بها نُدرِكُ معاني مِن الجيد وغيرِ الجيد، والحَسن وغيرِ الحسن، والرفيع والمنخفض إلى غير ذلك.. فهذا على قَدرِ ما تعلَّمناه.

وقد أعدَّ لنا دارًا أُخرى إليها مصيرُنا وفيها أنواع وعجائب، كيف نعرفُها؟ كيف نُدرِكُها؟ كيف نتصوّرُها؟

مما علَّمَنا في البداية في عالم الدنيا، جعل لنا أسماء تُشابِه هذه الأسماء كي نعرفَ شيئًا مِن الفَوارِق، وإلا فحقيقتُها أمامنا وأمرها أعظم مِن كل ما تحملُ الظُّنون والأوهام، سواءً نعيمها أو عذابها، فهو فوق كلِّ عذاب، ونعيمها فوقَ كلِّ نعيم، ولكن جعل لنا -سبحانه- يضرِبُ الأمثلة بما تعلَّمنا في هذه الحياة الدنيا مِن أن هذا حَسَن وهذا حلو وهذا لذيذ وهذا طازج، فوضع لنا أسماء مُشابِهَة من أجل أن نقيسَ عليها حتى نُدرك، 

  • أما الحقيقة أمام (فَلَا تَعْلَمُ نَفْسٌ مَّا أُخْفِيَ لَهُم مِّن قُرَّةِ أَعْيُنٍ) [السجدة:17] 
  • وقال: (فَيَوْمَئِذٍ لَّا يُعَذِّبُ عَذَابَهُ أَحَدٌ * وَلَا يُوثِقُ وَثَاقَهُ أَحَدٌ) [الفجر:25-26] 

فهي أكبر مِن كل ما يُتصوَّر، ولكن يكفينا من الإيمان ما نتصوَّرُه من الفرق بين النعيم والعذاب على قَدْرِ ما عرفنا مِن نعيم الدنيا وعذابِ الدنيا، وإلا فالأمرُ أكبر.

فيكفينا من إيمان التصوُّر بأنَّ هذا فاخر ممتاز جيد، وأن هذا حقير دنيء على حسب ما رأينا في الدنيا من لباسٍ فاخر، مِن ذهب، مِن جواهر، مِن لؤلؤ.. في الجنة لؤلؤ وحرير لكنه ليس مِثل هذا، فأنت تعرف فخرَه ومكانتَهُ وعُلوَّهُ وغلاهُ في الدنيا، فسمّى تلك بهذه الأسماء وجعلها أسماء مُقابلة مِن أجل أن نقيس عليها شيء ونُؤمن بالأمر الكبير الذي لم نعلمهُ بعد، وهو أجلّ وأكبر مما نتصوَّر -الله أكبر-.

يقول سبحانه وتعالى: (إِنَّ اللَّهَ يُدْخِلُ الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ جَنَّاتٍ تَجْرِي مِن تَحْتِهَا الْأَنْهَارُ) جَنَّاتٍ: بساتين، وهذا خير ما يوجد في عالم الدنيا؛ بساتين مُثمِرة زاهرة والأنهار تجري من تحتها، تسمع خرير النهر في الهواء النَّقي، والأشجار كل واحدة مُحمَّلة بالثِّمار، هذا أحسن شيء عندك في الدنيا! قال لك هي جنات لكن لا هذه مثل هذه، ولا ريحها مثل ريحها، ولا طعمها مثل طعمها، أجْود وأنفَس وأعلى؛ لكن كيف نُعلِّمك؟ كيف نُفِّهمَك؟ كيف نوصّلك لتلك؟ هذا الذي فهمته ورتّبناه لك في الدنيا، ابنِ عليه القياس، ولكن الأمر أكبر هناك حتى تُعاينَهُ وحتى تُشاهدَهُ.

ثم إنه بإفضاله يمُنُّ على المُخلصين الصادقين في عالم الدنيا بأن تتذوَّق أرواحُهم آثار شيءٍ مِن ذلك النعيم وهم في الدنيا، وهم أهل عين اليقين وأهل حق اليقين، كما أخبرنا ﷺ عن مسائل إيمانِه بما أُمرنا أن نؤمن بالغيب؛

  • وأنهُ يُشاهدُها مُشاهَدة ويُعاينُها مُعايَنة ﷺ، وأنه حتى ليَعرف منازِل أمته في الجنة؛ منزل منزل -صلَّى الله عليه وآله وصحبه وسلَّم-.
  • وأنه لما خَطَب يوماً وقال على منبَرهِ الشريف وذكر الحوض المُنيف، قال: "وإني أنظُر إليه الآن"، إني أنظُر إليه الآن، صلى الله عليه وعلى آله وصحبه وسلم.
  • وكما قال: "عُرضَت علي الجنة والنار في عرضِ هذا الحائط، وإن رأيتموني تقدّمتُ وهممتُ أن أقطفَ قَطْف عنب لقطفتُه لأكلتم منه إلى يوم القيامة، وإنه عُرِضتْ علي النار فخشيت أن يقشبني لهيبُها" يعني ليست مُجرد صورة، لهيب!، انكشفَ الحجاب له بهذا الحال وشاهد النار مشاهدةً.

فهو سيد أهل حقِّ اليقين صلى الله عليه وعلى آله وصحبه وسلم، ومع ذلك كله فإن الله يُبادِئهم ويُفاجئهم في الآخرة بأنواع من النعيم ما لم يكن يخطر على بالهم وهكذا على الدوام، والمُفاجآت الخبيثة هناك لأهل النار -والعياذ بالله تعالى-، اللهم إنا نسألك من فجاءة الخير ونعوذ بك من فجاءة الشر.

(جَنَّاتٍ تَجْرِي مِن تَحْتِهَا الْأَنْهَارُ يُحَلَّوْنَ فِيهَا) يُزيَّنُون (مِنْ أَسَاوِرَ) قلوب من ذهب (مِن ذَهَبٍ) ما هو المعيار؟ كل ذهب الدنيا لو جمعته مِن أول ما خُلِق الذهب إلى أن تقوم الساعة، لا يساوي مقدار أنْملة الأصبع من ذهب الآخرة، الله أكبر! ذهب الآخرة.

ثم أساور لهم من ذهب، وبيوت من ذهب ومن فضة، حتى البيوت لبِنَة من فضة ولبِنَة من ذهب، من الذهب الغالي العظيم، ومِلاطُها المِسك الأذفر؛ نحن نعرف في الدنيا المسك يأتي من دم الغزال، لكن هناك المِسك ليس مِن مسك دم الغزال، مسك مسك!! لكن هذا أعلى ما وصلتم إليه في الدنيا فيُضرَب بهِ المَثَل، ويؤتى بالاسم نفسُه تنزُّلًا مِن الله لعباده ليتعلَّموا وليفهموا على قدْر ما يستطيعون، وإلَّا فالأمر أكبر مما يتوهَّمون -لا إله إلا الله-.

يقول: (يُحَلَّوْنَ فِيهَا مِنْ أَسَاوِرَ مِن ذَهَبٍ وَلُؤْلُؤًا)، أي من لؤلؤ، وفي القراءة الأخرى: (وَلُؤْلُؤٍ)، أي: ويُحلَّون لؤلؤاً. واللؤلؤ هذا جاء من أي بحر؟! إذا عرفت اللؤلؤ ذلك بعدها ستَحتقِر اللؤلؤ هذا كُلُّه، إذا عرفت الذهب الذي هناك ستَحتقِر الذهب هذا كله في عالم الدنيا -لا إله إلا الله-.

ليس ذهب ولؤلؤ فقط؛ لَمناديل سعد في الجنة يقول ﷺ: "لَمَندِيلُ سَعْدٍ في الجَنَّةِ خير من الدنيا وما فيها" أغلى من هذا كله، منديله ليس ذهبه! المنديل الذي يمسح به وجهه، وما الذي يمسحه من وجهه؟ العرق الذي هو أطيَب من ريح المسك، هذا الذي في الجنة عرَق أطيَب من ريح المسك، لا بول فيها، ولا روائح كريهة، ولا وسخ، لكن عرق أطيب من ريح المسك، الذي يمسح به وجهه سيدنا سعد -قال- منديله خير من الدنيا وما فيها -لا إله إلا الله-

"وَلَنَصيفُ إحداهنَّ على رأسها" يعني خمارها "خيْرٌ مِنَ الدُّنيا وما فيها" هذا خمارها فكيف بذهبها؟ والفضة التي لديها كيف؟ واللؤلؤ الذي لديها كيف؟! الخمار فقط خير من الدنيا وما فيها، فما أحقر الدنيا عند الآخرة، ومن يفقهُ ذلك؟

قال: (جَنَّاتٍ تَجْرِي مِن تَحْتِهَا الْأَنْهَارُ يُحَلَّوْنَ فِيهَا مِنْ أَسَاوِرَ مِن ذَهَبٍ وَلُؤْلُؤًا وَلِبَاسُهُمْ فِيهَا حَرِيرٌ) هذا أغلى شيء عندكم في الدنيا؛ لباس الحرير، أقول لكم لباس الحرير، تسُمِّي ذلك حرير!! لكن هذا ليس من دودة القز ولا من لُعابها، ذاك حرير في صناعة ربّانية خالصة -الله أكبر!- لو جئنا منه بقطعة بقدر شبر وجمعنا حرير الدنيا، ما ساواه في القيمة ولا في النفاسة ولا في الملاسة ولا في الليونة، شيء عجيب!

يقول: (وَلِبَاسُهُمْ فِيهَا حَرِيرٌ (23)) وهو الذي حُرِّم على الرجال في الدنيا، وأبيح للنساء؛ لباس الحرير، وأن من لبسهُ في الدنيا لم يلبسه في الآخرة،

  • إنما يجوز لضَرورة كمَن به جَرَب.
  • أو كان في درع عند الحرب، إذا كان يحتاج إليه ليمسك به السيف، كي لا يخترقه السيف.
  • وغير ذلك لا يجوز للرجل أن يستعمل الحرير. 

وأخذ ﷺ مرة قطعةً من ذهب وقطعةً من حرير، وصعد المنبر وقال: "إنَّ هذَينِ حرامٌ علَى ذُكورِ أُمَّتي، حِلٌّ لإناثِهِم"، وهكذا جاء حكمُ الله تعالى لِحكْمة، وجميع أحكامِهِ لحكمة، وسمعوه الصحابة، ولا أحد منهم بليد ولا أبَلَهٌ وقال أرَدْنا مساواة بين الرجل والمرأة، لماذا حلالٌ لهم وحرامٌ علينا؟ نحن نريد مساواة بين الرجل والمرأة! هات حقوق الرجل!! كلام فارغ لا معنى له.

الحكيم حكَمَ بحُكمه؛ جاء بأحكام خاصَّة بالرِّجال وأحكام خاصَّة بالنساء، ولا يصلح للرِّجال ولا للنساء إلا هذه الأحكام، أجلَّ ما يمكن أن يعيشوا عليه وأن يموتوا عليه، ولا أحد ظلمَ أحدًا، ولا أحد أخذ مال أحد، ولا أحد أخذ كرامة أحد، وكلٌّ بكرامتهِ وكلٌّ بشرفِهِ، ولكنها افتعالات يفتعِلُونها يلعبونَ بها على العقول وعلى الأذهان، ولا يرومُون منها إلا فسادَ الأديان وفسادَ المجتمعات وفسادَ القيم فقط، ﻻشيء غير هذا -لا إله إلا الله-.

يقول: (وَلِبَاسُهُمْ فِيهَا حَرِيرٌ (23))، لا أحد من الصّحابة قال يا رسول الله: تبيح للنّساء، ونحن ما لنا؟! لماذا؟! نحن أيضًا نريد أن نلبس حرير ونلبس ذهب. لا أحد قال كذا! عليهم رضوان الله تعالى، لا أحد منهم أبله ولا بليد، ولا أحد ملعوب بفكره من قِبل عدوه، ما قدر الشّيطان عليهم، قِدر على الذين من بَعدهم من المتأخرين، ما قدر على هؤلاء، ما قدر عليهم رضوان الله تعالى عليهم.

والحال كما قال الحقّ تعالى عنهم، وهذا اللّباس العجيب، والّذي يبدِّلون به، والمرأة منهم -سواءً كانت من نساء الدّنيا أو من الحور العين- تلبس إلى سبعين حُلَّة:

  • وكلّ حلّة خير من الدّنيا وما فيها.
  • وكلّ حلّة بلون غير الآخر.
  • وكلّ حلّة لا تمنع رؤية التي وراءها.

حتى يشاهد المنظر الواحد كأنّه يستلذ بالألوان الفاخرة العجيبة! سبعين حلّة يشاهد كل واحدة منهم إلى ساقها إلى مخ ساقها يشاهد، ما هذا التنعيم؟ ما هذا التّلذيذ من الحقّ -سبحانه وتعالى-؟ الأمر أكبر ممّا يتصوّره النّاس، وتُكسى سبعين حلّة وأنّ مُخّها ليُرى من ساقها، من خلال الحلل كلها، سبعين حلة تشاهدها تمامًا وتشاهد الساق ومخ الساق، سبحان الله! 

غاية في الإنعام والإكرام، لِمَ؟ لأنّ كلّ يُضيِّف على قدره، وهذه ضيافة الرّحمن! كلٌّ يضيّف على قدره -الله أكبر!-

  • (وَإِذَا رَأَيْتَ ثَمَّ رَأَيْتَ نَعِيمًا وَمُلْكًا كَبِيرًا) [الإنسان:20]
  • (فَلَا تَعْلَمُ نَفْسٌ مَّا أُخْفِيَ لَهُم مِّن قُرَّةِ أَعْيُنٍ) [السجدة:17] 

كان صلى الله عليه وسلم كلما وصف الجنّة، وكان إذا وصفها عند  الصحابة كأنّهم يشاهدونها رأي العين، إذا مشى في وصفها يقف ويقول وفيها "ما لا عينٌ رأت ولا أذنٌ سمعت ولا خطرَ على قلبِ بشرٍ" اقرؤوا إن شئتم قوله تعالى: (فَلَا تَعْلَمُ نَفْسٌ مَّا أُخْفِيَ لَهُم مِّن قُرَّةِ أَعْيُنٍ جَزَاءً بِمَا كَانُوا يَعْمَلُونَ) [السجدة:17] اللّهم اجعلنا من أهل جنّتك، اللّهم اجعلنا من أهل جنّتك، اللّهم أدخلنا جنّتك بغير حساب ولا عذاب ولا عتاب، يا الله يا أكرم الأكرمين.

قال: (وَلِبَاسُهُمْ فِيهَا حَرِيرٌ) وهكذا، ولهم من سندس ومن إستبرق كما جاء في بقيّة الآيات، فيتنقّلون بين أنواع الألبسة، بين أنواع الثّياب، وكلّها رائحتها زكيّة وطيبة، ومقدارها نفيس وغالي، ولا شي فيها وسخ، ولا يأتيها شيء ولا تحتاج لغسّالة ولا مغسّل ولا شي من هذا، ومتجدّدة دائمًا ومتطوّرة، رائحتها أزكى ممّا قبل، لونها أحسن ممّا قبل، ملاحتها أبهى ممّا قبل، واستمِرْ على هذا الحال دائمًا يزيد؛ 

  • (… وَلَدَيْنَا مَزِيدٌ) [ق:35] يقول جلّ جلاله وتعالى في علاه
  • وكما أنّهم في الدنّيا (وَالَّذِينَ اهْتَدَوْا زَادَهُمْ هُدًى) [محمد:17] يزدادون هداية في كلّ يوم وليلة 

   وبعد ذلك -جزاءً في الآخرة- يزدادون نعيمًا في كلّ ساعة وكلّ يوم في كلّ ليلة من غير حدّ ولا نهاية، يا رب اجعلنا من أهل جنّتك، وأدخلنا جنّتك بغير حساب، اجمعنا وجميع أهل المجمع ومن يسمع، اجمعنا في دار الكرامة ومستقر الرّحمة، كما جمعتنا على تذكّر آياتك في الدّنيا حتى تجمعنا يا ربّنا على سماعها منك في دار الكرامة وأنت راضٍ عنّا، وسماعها من لسان نبيّك محمّد صلى الله عليه وعلى صاحبه وسلم.

قال تعالى: (وَهُدُوا إِلَى الطَّيِّبِ مِنَ الْقَوْلِ (24)) هذا:

  • وصف من أوصاف أهل الجنّة.
  • وصف من أوصاف العباد المكرمين المقرّبين.

(وَهُدُوا إِلَى الطَّيِّبِ مِنَ الْقَوْلِ) 

  • فأوّل هداية: شهدوا أن لا إله إلا الله وأنّ محمدًا ﷺ، هذا ما أطيب منه في الأقوال، أطيب قول، هدوا إلى الطيب فشهدوا أن لا إله إلا الله وأن محمدًا رسول الله -صلّى اللّه عليه وعلى آله وصحبه وسلم-، فكانت تلك منّة كبيرة عليهم، ونعمة عظيمة من مولاهم، (إِلَيْهِ يَصْعَدُ الْكَلِمُ الطَّيِّبُ) [فاطر:10] 
  • ثمّ هدوا إلى التسبيح والتحميد والذكر لله؛ سبحان الله والحمد لله ولا إله إلا الله والله أكبر، هي من الطيب من القول، (وَهُدُوا إِلَى الطَّيِّبِ مِنَ الْقَوْلِ) يحبونها، يأتون بها في الصباح، يأتون بها في المساء: سبحان الله والحمد لله ولا إله إلا الله.

 ويقول نبينا: "لأَنْ أَقُولَ: سُبْحَانَ اللهِ، وَالْحَمْدُ لِلَّهِ، وَلَا إِلَهَ إِلَّا اللَّهُ، وَاللَّهُ أَكْبَرُ؛ أَحَبُّ إِلَيَّ ممَّا طَلَعَتْ عليه الشَّمْسُ"، ويقول: "أَحَبُّ الكَلامِ إلى اللهِ أرْبَعٌ: سُبْحانَ اللهِ، والْحَمْدُ لِلَّهِ، ولا إلَهَ إلَّا اللَّهُ، واللَّهُ أكْبَرُ، لا يَضُرُّكَ بأَيِّهِنَّ بَدَأْتَ" أربع كلمات.

ويقول لنا كما جاء في الصحيحين: "كَلِمَتَانِ حَبِيبَتَانِ إلى الرَّحْمَنِ  خَفِيفَتَانِ علَى اللِّسَانِ، ثَقِيلَتَانِ في المِيزَانِ: سُبْحَانَ اللهِ وَبِحَمْدِهِ، سُبْحَانَ اللهِ العَظِيمِ" والصّلاة على النبي محمد صلى الله عليه وسلم، والقرآن من أطيب كلام الله تبارك وتعالى؛ هؤلاء هُدُوا إِلَى الطَّيِّبِ مِنَ الْقَوْلِ:

  • يشهدون أن لا إله إلا الله، يشهدون أن محمدًا رسوله.
  • ويذكرون الله.
  • ويصلون على النبي.
  • ويتلون كتابه -جلَّ جلاله-.

(وَهُدُوا إِلَى الطَّيِّبِ مِنَ الْقَوْلِ) يقول بعض أهل العلم والمعرفة والتفسير: الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، من الطيب من القول.

(وَهُدُوا إِلَى الطَّيِّبِ مِنَ الْقَوْلِ) يرشدون ويدلون، ينهون عمَّا نُهوا عنه ويأمرون بما أمر الله به، هذا هو القول الطيب (وَهُدُوا إِلَى الطَّيِّبِ مِنَ الْقَوْلِ)

وكما قال في الآية الأخرى: (وَمَنْ أَحْسَنُ قَوْلًا مِّمَّن دَعَا إِلَى اللَّهِ وَعَمِلَ صَالِحًا وَقَالَ إِنَّنِي مِنَ الْمُسْلِمِينَ) [فصلت:33] أي لا أحد أحسن قولًا منه، يعني هذا أطيب القول أن تدعو إليه جلّ جلاله (وَمَنْ أَحْسَنُ قَوْلًا مِّمَّن دَعَا إِلَى اللَّهِ وَعَمِلَ صَالِحًا وَقَالَ إِنَّنِي مِنَ الْمُسْلِمِينَ) هذا عنوانه؛ أنا تبعيتي المؤمنين، أحد عنده فكرة؟ أحد عنده نظام؟ أحد عنده ترتيب يخالف منهج الله ورسوله؟ 

أنا من المسلمين، أنا أسلمت لله، أنا لست للبيع لأحد، أنا لست للبيع؛ لا لهيئات ولا لمؤسسات ولا لحكومات ولا لأنظمة، أنا مسلم لله تعالى، خاضع لجلاله، لا أبتاع لأحد ثاني، لا أحد يضحك علي بفكره ولا بعقله ولا برأيه، أنا مسلم أُحلُّ ما أحلَّ وأحرِّم ما حرَّم، وأحب ما أحب وأكره ما يكرهه هو؛ هذا ميزاني، اعملوا لكم ما شئتم من موازين، لا تضحكوا على عقلي، أنا فوق، أنا مُتصل بالخالق العليم بكل شيء -جلَّ جلاله-.

(وَهُدُوا إِلَى الطَّيِّبِ مِنَ الْقَوْلِ) حمْدهم للحق خصوصًا عند دخول الجنة

  • (الْحَمْدُ لِلَّهِ الَّذِي هَدَانَا لِهَٰذَا وَمَا كُنَّا لِنَهْتَدِيَ لَوْلَا أَنْ هَدَانَا اللَّهُ) [ٍالأعراف:43] -الله أكبر-
  • (وَقَالُوا الْحَمْدُ لِلَّهِ الَّذِي أَذْهَبَ عَنَّا الْحَزَنَ إِنَّ رَبَّنَا لَغَفُورٌ شَكُورٌ) [فاطر:34] 

وهكذا هدوا إلى الطيب من القول، وإذا وقفوا بين يديه لقنَّهم حجتهم، وأجابوا الرحمن سبحانه وتعالى قولًا طيبًا.

(وَهُدُوا إِلَى الطَّيِّبِ مِنَ الْقَوْلِ) فكل هذه الهدايات للطيب من القول وصف هؤلاء، وهم على درجات، وكل هداية من الطيّب من القول، منهم من وصفهم بالحديث: "ينتقون أطايِبَ الكلامِ كما تنتقون أطايب الثَّمرِ" يختارون أحسن الكلمات وهو الذي أرشد الرحمن إليه (وَقُل لِّعِبَادِي يَقُولُوا الَّتِي هِيَ أَحْسَنُ) [الإسراء:53]، (وَقُولُوا لِلنَّاسِ حُسْنًا) [البقرة:83] يقول سبحانه وتعالى، فهؤلاء من خيار خلق الله تبارك وتعالى؛ (وَهُدُوا إِلَى الطَّيِّبِ مِنَ الْقَوْلِ).

ولذا قال عن وصفهم في الجنة: (لَا يَسْمَعُونَ فِيهَا لَغْوًا وَلَا تَأْثِيمًا) يعني هذا من مفاسد الدنيا ومن أسوائها وشرها وابتلاءكم فيها، تسمعون اللغو وتسمعون التكذيب، ولكن هناك (لَا يَسْمَعُونَ فِيهَا لَغْوًا وَلَا تَأْثِيمًا * إِلَّا قِيلًا سَلَامًا سَلَامًا) [الواقعة:25-26] -الله أكبر- 

وهكذا وتجد من الناس من يحيون في الدنيا، تجالسهم اليوم واليومين والشهر والشهرين لا تجد لغوًا ولا تأثيمًا، لا يتكلمون به ولا يُذكر في مجالسهم، لا لغوًا ولا تأثيًما، لا أحد يغتاب ولا أحد يسب ولا يجهل، وذكر الرحمن وذكر المصطفى صلى الله عليه وسلم وتلاوة القرآن، فكأنهم يعيشون في الدنيا -قبل الآخرة- في الجنة، فلهذا قال: "إذا مررتُم برياضِ الجنَّةِ فارتعوا، قالوا: وما رياضُ الجنَّةِ؟ قال: حِلَقُ الذِّكرِ"، فيا ما أعجب هؤلاء.

(وَهُدُوا إِلَى الطَّيِّبِ مِنَ الْقَوْلِ) وذكر صلى الله عليه وسلم عذابًا شديدًا للذين يتقصّدون أقبح الكلام، ويقولون أخبث الكلمات ويذهبون وراءها -والعياذ بالله تبارك وتعالى- فلهم سوء العذاب -والعياذ بالله تعالى-.

أمَّا هؤلاء: (وَهُدُوا إِلَى الطَّيِّبِ مِنَ الْقَوْلِ وَهُدُوا إِلَىٰ صِرَاطِ الْحَمِيدِ (24)) طريق الحميد الإله الحق عز وجل، طريق الحميد فيه كل المحامد، فيه كل ما تُحمد عقباه.

وكان أيضًا بعض العارفين يقول: (وَهُدُوا إِلَى الطَّيِّبِ مِنَ الْقَوْلِ) 

  • كل قول يشكرك عليه الخلق
  • ويثيبك عليه الخالق فهو من الطيب من القول

الخلق يشكرونك والخالق يثيبك عليه؛ هذا طيب، ماذا أحسن من هذا؟ انطق به، الخلق يشكرونك عليه والحق -الخالق- يثيبك عليه؛ هذا طيب، (وَهُدُوا إِلَى الطَّيِّبِ مِنَ الْقَوْلِ) وربما كلمة رفع الله قدر صاحبها وأعلاه، ويُكتب عليه بها رضوانه إلى أن يلقاه، والعكس بالعكس.

(وَهُدُوا إِلَى الطَّيِّبِ مِنَ الْقَوْلِ وَهُدُوا إِلَىٰ صِرَاطِ الْحَمِيدِ) الطريق القِّيم المستقيم الصالح، المحمود عاقبة من سلك فيه؛ سمَّاه حميد، والمحمود شأن من قام به، ومن مضى فيه.

(وَهُدُوا إِلَىٰ صِرَاطِ الْحَمِيدِ) في أفكارهم واعتقاداتهم ونياتهم، هم في صراط الله، والذي يهدي إليه عبده المصطفى محمدًا، قال له بالنص في القرآن: (وَإِنَّكَ لَتَهْدِي إِلَىٰ صِرَاطٍ مُّسْتَقِيمٍ * صِرَاطِ اللَّهِ الَّذِي لَهُ مَا فِي السَّمَاوَاتِ وَمَا فِي الْأَرْضِ أَلَا إِلَى اللَّهِ تَصِيرُ الْأُمُورُ) [الشورى:53] فنعم الهادي إلى صراط الله؛ عبده محمد بن عبد الله، ارزقنا حسن متابعته يا رب، في جميع أقوالنا وأفعالنا وأحوالنا وأطوارنا وتقلباتنا.

وهذا الذي تحتاجه الأمة في مختلف ظروفها ومختلف أحوالها، تحتاج إلى أن تقتدي بمحمد وتتّبعه في كل ما يقولون ويفعلون، فذلك نجاتهم من الكروبات والفتن بأصنافها وأنواعها، مهما جاءت بأي صورة من الصور؛ متابعة محمد منجية، متابعة محمد مُرقيَّة، متابعة محمد مُسَلِّمة لك من الآفات والعاهات، فالله يرزقنا حسن متابعته.

(وَهُدُوا إِلَىٰ صِرَاطِ الْحَمِيدِ) وصراط الحميد ساداته:

  • أنبياء الله.
  • وبعدهم الصديقون من أتباعهم المقربين.
  • ومن يليهم من العلماء العاملين المخلصين.

فهؤلاء سادات هذا الصراط، ونسبهُ الحق إليهم في سورة الفاتحة، وعلّمك أن تطلب منه أن يهديك له، وعلّمك؛ مَن هم سادة هذا الصراط؟ ويُنسَب إلى من؟ قال لك: (اهْدِنَا الصِّرَاطَ الْمُسْتَقِيمَ * صِرَاطَ الَّذِينَ أَنْعَمْتَ عَلَيْهِمْ) [الفاتحة:6-7]، ومن هؤلاء الذين أنعمت عليهم؟ هم النَّبِيِّون وَالصِّدِّيقِونَ وَالشُّهَدَاءِ وَالصَّالِحِينَ؛

  • ورأسهم الأنبياء
  • ورأسهم أولو العزم من الرسل
  • ورأسهم محمد ﷺ 

فهو إمام أهل الصراط المستقيم صلى الله عليه وعلى آله، يارب ثبتنا على دربه، يا رب احشرنا في زمرته، يا رب ارزقنا حسن متابعته (وَهُدُوا إِلَى الطَّيِّبِ مِنَ الْقَوْلِ وَهُدُوا إِلَىٰ صِرَاطِ الْحَمِيدِ).

ثم كرر الأمر في أحوال الكفار ومن لا يحترم البيت الحرام: (إِنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا وَيَصُدُّونَ عَن سَبِيلِ اللَّهِ وَالْمَسْجِدِ الْحَرَامِ الَّذِي جَعَلْنَاهُ لِلنَّاسِ سَوَاءً الْعَاكِفُ فِيهِ وَالْبَادِ (25)) يأتي معنا إن شاء الله، فيه المعاني في مستقبل الأيام، أطال الله أعمارنا في طاعته، إنه خير مجيب وأكرم مستجيب.

بارك الله لنا وللأمة في رجب وشعبان؛

  • وذكرى معراج نبينا وإسراء نبينا صلى الله عليه وسلم
  • وحمْل أمهِ به صلى الله عليه وسلم
  • وتحويل القبلة إرضاء له من الرب (فَلَنُوَلِّيَنَّكَ قِبْلَةً تَرْضَاهَا) [البقرة:108] 

كل هذا في رجب، وما كان أيضًا من السرايا في شهر رجب.

اللهم في الشهر الحرام، أكرمنا أعظم الإكرام، بالجود والإنعام، والفضل التام، في كل خاص وعام، في الليالي والأيام، بارك لنا في رجب يا ذا الطول والإنعام، وبارك لنا في شعبان وبلغنا جميعًا رمضان، واجعلها أشهر نرى فيها في الشام واليمن والشرق والغرب ما تقرُّ به عين نبيك محمد، ما يسرُّ به قلب نبيك محمد، وما يسر به قلوب الصالحين، أرنا في الأمة وأسمعنا فيها ما به تنسرُّ خواطر الصادقين والمخلصين ويُسَر قلب حبيبك الأمين، اللهم آمين.

يا محوّل الأحوال حوِّل حالنا والمسلمين إلى أحسن حال، إلى خير حال، إلى أحمد حال، إلى أفضل حال، إلى أجمل حال، إلى أكمل حال، إلى أشرف حال، إلى أزين حال، إلى أكرم حال عليك يا الله، وعافنا من أحوال أهل الضّلال وفعل الجهّال، واهدنا إلى الطيّب من القول، واهدنا إلى صراط الحميد، واجعلنا من أهل جنّاتك الفائزين بعجائب منحك وفيوضاتك وعطاياك وبرّك ومننك وإحساناتك، برحمتك ياأرحم الّراحمين.

بسر الفاتحة 

إلى حضرة النبي محمد 

صلى الله عليه وسلم

 

تاريخ النشر الهجري

17 رَجب 1447

تاريخ النشر الميلادي

06 يناير 2026

مشاركة

اضافة إلى المفضلة

كتابة فائدة متعلقة بالمادة

الأقسام