تفسير سورة الحج -01- من قوله تعالى: {يَا أَيُّهَا النَّاسُ اتَّقُوا رَبَّكُمْ إِنَّ زَلْزَلَةَ السَّاعَةِ شَيْءٌ عَظِيمٌ (1)} إلى الآية 4

للاستماع إلى الدرس

 

تفسير فضيلة العلامة الحبيب عمر بن محمد بن حفيظ للآيات الكريمة من سورة الحج:

بسم الله الرحمن الرحيم { يَا أَيُّهَا النَّاسُ اتَّقُوا رَبَّكُمْ إِنَّ زَلْزَلَةَ السَّاعَةِ شَيْءٌ عَظِيمٌ (1) يَوْمَ تَرَوْنَهَا تَذْهَلُ كُلُّ مُرْضِعَةٍ عَمَّا أَرْضَعَتْ وَتَضَعُ كُلُّ ذَاتِ حَمْلٍ حَمْلَهَا وَتَرَى النَّاسَ سُكَارَى وَمَا هُمْ بِسُكَارَى وَلَكِنَّ عَذَابَ اللَّهِ شَدِيدٌ (2) وَمِنَ النَّاسِ مَنْ يُجَادِلُ فِي اللَّهِ بِغَيْرِ عِلْمٍ وَيَتَّبِعُ كُلَّ شَيْطَانٍ مَرِيدٍ (3) كُتِبَ عَلَيْهِ أَنَّهُ مَنْ تَوَلَّاهُ فَأَنَّهُ يُضِلُّهُ وَيَهْدِيهِ إِلَى عَذَابِ السَّعِيرِ (4) }

مساء الإثنين 10 جمادى الآخرة 1447هـ

نص الدرس:

الحمدُ لله، مُكرِمنا بالوحّي والتنزيل، وبيانه على لسان خير هادٍ ومُعلِّم ودليل، سيدنا المختار محمد صلى الله وسلم وبارك وكرَّم عليه وعلى آله وصحبه السائرين في خيرِ سبيل، وعلى من والاهم واتبعهم بإحسان في النية والقصد والفعل والقيل، وعلى آبائه وإخوانه من الأنبياء والمرسلين أهل التكريم والتفضيل والتبجيل، وعلى آلهم وصحبهم وتابعيهم، وعلى ملائكة الله المُقَرَّبين، وعلى جميع عباد الله الصالحين، وعلينا معهم وفيهم برحمتك يا أرحم الراحمين.

أمَّا بعد،

فإنَنا في نعمةِ تَأمُلِنا لكلام ربِّنا -جلَّ جلاله- وتعليمه وتوجيهه وتنزيله، وما أوحى إلى نبيه سيدنا محمد ﷺ، وقفنا عند سورة الحج -رزقنا الله حَج بيته وجعله حجًا مبرورًا وزيارة نبيه على خير الوجوه بطونًا وظهورًا إنه أكرم الأكرمين-، ابتدأ سبحانه وتعالى السورة:

بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ

(يَا أَيُّهَا النَّاسُ (1)) فكان تَفَضُّل الحق بِخطابه للناس، جميع الناس (يَا أَيُّهَا النَّاسُ)؛ وذلك أنَّ رسولَ رَبِّ الناس بل رسول رَبِّ العالمين محمد ﷺ جاء بدلالة وهداية من ربِّ العالَمين للعالَمين ولجميع الناس -والجنُّ معهم-. 

فجاءت خطاباته في القرآن: (يَا أَيُّهَا النَّاسُ)، (يَا بَنِي آدَمَ) [الأعراف:31]، ثم خَصّ الذين آمنوا من بني آدم ومن الجن بالخطاب في قوله: (يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا) [البقرة:104]، ولم يأتِ نداء بـ يا قريش ولا يا عرب قط، النداء في القرآن جاء متناسبًا مع مُهمة محمدٍ الذي بُعث رحمةً للعالمين، وإن كان أُمِرَ بأن يُنذر أم القرى ومن حولها وينذر عشيرته الأقربين، ولكنَّه كان كافة للناس بشيرًا ونذيرًا.

يقول تعالى: (يَا أَيُّهَا النَّاسُ)، ولن يجد الناس كلامًا أعزَّ من كلام رب الناس، ولا أوثَق ولا أحَق، ولا أجمل ولا أكمل، ولا أرفع ولا أشرف، فجميع الناس على ظهر الأرض الذين لم يُصغوا لخطاب الله حَرَموا عقولهم، وحَرَموا أذهانهم، وحَرَموا مشاعرهم ذَوقَ كلام الإله الذي خَلَق، وحُجِبوا وسَقَطوا وامتلأوا بالظلام من خلال إصغائهم لخطاب بعضهم البعض الذي يَرجِعُ الكثير منه إلى أوهامٍ وظنونٍ وإلى خيالاتٍ، وإلى رئاسة إبليس (وَكَذَٰلِكَ جَعَلْنَا لِكُلِّ نَبِيٍّ عَدُوًّا شَيَاطِينَ الْإِنسِ وَالْجِنِّ يُوحِي بَعْضُهُمْ إِلَىٰ بَعْضٍ زُخْرُفَ الْقَوْلِ غُرُورًا) [الأنعام:112] فوحيُ هؤلاء هو البخسُ الذي يُخدَع به من انقطع عن سماع وحي الله وخطابه، فيكون حَظُّهُ وحي شياطين؛ الإنس والجن (يُوحِي بَعْضُهُمْ إِلَىٰ بَعْضٍ زُخْرُفَ الْقَوْلِ غُرُورًا).

ومن استبدل وحيَ الله الذي خَلَق بوحي شياطين الإنس والجن، أين يُرفَع؟ هل يكون متقدمًا؟ هل يكون متطورًا؟ هل يكون متحضرًا؟ هل يكون متنورًا؟ هذا ساقطٌ هابط، ضالٌّ مُضِلٌّ، لا يزال في الحضيض، والأمر أشد من ذلك بسوء المصير -والعياذ بالله-؛ لإعراضه عن آيات الله (كَذَٰلِكَ أَتَتْكَ آيَاتُنَا فَنَسِيتَهَا وَكَذَٰلِكَ الْيَوْمَ تُنسَىٰ) [طه:126] -والعياذ بالله-، فالحمدلله الذي شرفنا بخطابه على لسان سيد أحبابه، رزقنا الله حُسن استماعه ووعيه وفهمه والعمل به والقيام بحقه ونشره، اللهم آمين.

يقول رب العالمين، سبحان رب الإنس والجن والملائكة ورب السماوات والأرض: (يَا أَيُّهَا النَّاسُ اتَّقُوا رَبَّكُمْ (1)) تَوَقَّوا واحذروا غضبه وعقابه، فإنَّه لا طاقة لكم على شيء من ذلك.

(يَا أَيُّهَا النَّاسُ اتَّقُوا رَبَّكُمْ) الذي رباكم وكَوَّنَكم:

  • ابتدأكم من طين وجعل فيها الماء فصارت حمأ مسنون،
  • ثم يبست فصار صلصالًا كالفخار،
  • ثم نُفِخَ فيها الروح،
  • ثم جَعل النسل من سُلالة من ماءٍ مهين -جلَّ جلاله وتعالى-،
  • وخلق العلقة مضغة،
  • فخلق المضغة عظامًا،
  • فكسا العظام لحمًا،
  • ثم أنشأه خلقًا آخر.

(وَاللَّهُ أَخْرَجَكُم مِّن بُطُونِ أُمَّهَاتِكُمْ) [النحل:78]، (مِنْ أَيِّ شَيْءٍ خَلَقَهُ * مِن نُّطْفَةٍ خَلَقَهُ فَقَدَّرَهُ * ثُمَّ السَّبِيلَ يَسَّرَهُ) [عبس:18-20] ثم زَوَّده بكل ما يحتاج إليه وبكل ما تقوم به حياته، فهو المُرَبي، هذا ربكم الذي خَلَقَكُم وخَلَق السماوات والأرض.

اتَقوه: احذروا غضبه وسخطه وعقابه؛ الذي لا يكون إلا:

  • بِتَرك أوامره أو ارتكاب نواهيه.
  • بترك الواجبات وفعل المحرمات.

فاتقوه:

  • بامتثال الأمر واجتناب النهي.

امتثال ما أمركم به واجتناب ما نهاكم عنه، فلا يغضب عليكم ولا يعذبكم ولا يعاقبكم، إنَّما يعاقب ويعذب من ترك الواجبات وفَعَل المحرمات.

فـ (يَا أَيُّهَا النَّاسُ اتَّقُوا رَبَّكُمْ)، تعيشون في أرض هو خَلَقها لكم وجعل لكم سقفًا من السماء فوقكم، وزوَّدكم بما تحتاجون إليه، ففي خلال أيامكم على ظهر الأرض اتقوه، لا تُخالِفوا أمره، نفِّذوا منهجه -سبحانه وتعالى- ونِظامه الذي أوحاه إلى أنبيائه، ونفِّذوا ذلك في خلال عملكم في الحياة.

(يَا أَيُّهَا النَّاسُ اتَّقُوا رَبَّكُمْ) فهو الأحقُّ بالتقوى، ولا أرجى لكم منه، ولا أخوف عليكم منه؛ لأنَّه لا يُمكن أن يُوصِلَ غيره إليكم أدنى ذرةٍ من خيرٍ إلا بأمره وترتيبه وخَلقِه وإذنِه، ولا يمكن لِغَيره كائن من كان من أهل السماوات أو من أهل الأرض أن يُوصِل إليكم شرًا أو ضُرًا إلا بأمره، وإلا بإذن منه وقدرته (وَمَا تَشَاءُونَ إِلا أَنْ يَشَاءَ اللَّهُ رَبُّ الْعَالَمِينَ) [التكوير:29] -جلَّ جلاله-.

فَمِمَّن تخاف؟ ومَن ترجو؟ أي أحد تخافه فهو في قبضته وتحت حكمه، ولايقدر غيره هذا الذي تخافه أنْ يضرك إلا بأمره هو، وأي أحد ترجوه غيره لا يقدر أن ينفعك ولا يعطيك شيئًا ولا يُحسن مقابلتك، إلا إن رضي هو وأمر، فهو أحق أن تخافه، وهو أحق أن ترجوه.

بل إذا تحققت بالإيمان تصبح كما يقول الشيخ أبو بكر في دعائه: حتى لا نرجو ولا نحب ولا نخاف سواك، لا نخاف سواك ولا نرجو سواك (الَّذِينَ يُبَلِّغُونَ رِسَالَاتِ اللَّهِ وَيَخْشَوْنَهُ وَلَا يَخْشَوْنَ أَحَدًا إِلَّا اللَّهَ وَكَفَىٰ بِاللَّهِ حَسِيبًا) [الأحزاب:39]، مع قول سيدنا هارون لموسى: (إِنِّي خَشِيتُ أَن تَقُولَ فَرَّقْتَ بَيْنَ بَنِي إِسْرَائِيلَ) [طه:94] هذا مِن خَشيَته لله تبارك وتعالى لا يعتقد استقلالًا لسيدنا موسى ولا لبني إسرائيل.

فعلِمنا أنَّهم لا يخشون إلا الله على الحقيقة، ويَعلمون أنَّه لا يُسلِّط الله عليهم مَن سواه إلا بإذنه وبأمره (ما مِن دَابَّةٍ إِلَّا هُوَ آخِذٌ بِنَاصِيَتِهَا) [هود:56]، لذلك قال سيدنا هود لقومه لمَّا قالوا له: (إِن نَّقُولُ إِلَّا اعْتَرَاكَ بَعْضُ آلِهَتِنَا بِسُوءٍ قَالَ إِنِّي أُشْهِدُ اللَّهَ وَاشْهَدُوا أَنِّي بَرِيءٌ مِّمَّا تُشْرِكُونَ * مِن دُونِهِ ۖ فَكِيدُونِي جَمِيعًا ثُمَّ لَا تُنظِرُونِ) أنتم وشركاؤكم احضروا ماعندكم (فَكِيدُونِي جَمِيعًا ثُمَّ لَا تُنظِرُونِ) ولا تُؤخِّروني لحظة واحدة!!، لماذا؟ قال: (إِنِّي تَوَكَّلْتُ عَلَى اللَّهِ رَبِّي وَرَبِّكُم مَّا مِن دَابَّةٍ إِلَّا هُوَ آخِذٌ بِنَاصِيَتِهَا إِنَّ رَبِّي عَلَىٰ صِرَاطٍ مُّسْتَقِيمٍ * فَإِن تَوَلَّوْا فَقَدْ أَبْلَغْتُكُم مَّا أُرْسِلْتُ بِهِ إِلَيْكُمْ ۚ وَيَسْتَخْلِفُ رَبِّي قَوْمًا غَيْرَكُمْ وَلَا تَضُرُّونَهُ شَيْئًا ۚ إِنَّ رَبِّي عَلَىٰ كُلِّ شَيْءٍ حَفِيظٌ * وَلَمَّا جَاءَ أَمْرُنَا نَجَّيْنَا هُودًا وَالَّذِينَ آمَنُوا مَعَهُ بِرَحْمَةٍ مِّنَّا وَنَجَّيْنَاهُم مِّنْ عَذَابٍ غَلِيظٍ * وَتِلْكَ عَادٌ جَحَدُوا بِآيَاتِ رَبِّهِمْ وَعَصَوْا رُسُلَهُ وَاتَّبَعُوا أَمْرَ كُلِّ جَبَّارٍ عَنِيدٍ * وَأُتْبِعُوا فِي هَٰذِهِ الدُّنْيَا لَعْنَةً وَيَوْمَ الْقِيَامَةِ أَلَا إِنَّ عَادًا كَفَرُوا رَبَّهُمْ أَلَا بُعْدًا لِّعَادٍ قَوْمِ هُودٍ) [هود:54-60]، وهذا بالضبط حال ومآل ومصير كل من كفر بالرسل من جميع الأمم، وحال من يُكَذِّب بنبينا ويكفر به في وقتنا، فهذا حالهم وهذه نهاياتهم لا بدَّ منها -والعياذ بالله تبارك وتعالى-.

ولمَّا قال: (إِنِّي تَوَكَّلْتُ عَلَى اللَّهِ رَبِّي وَرَبِّكُم)، قال إن سيدنا عبد الله بن سلام وسيدنا سلمان الفارسي تآخوا في الله، يقول أحدهما للآخر: إن مُتَّ قبلي، فاظهر علي في النوم واخبرني، وإن مُت قبلك..، فمات سيدنا سَلمان فرأَه سيدنا عبد الله بن سلام، فسأله: ما الخبر؟ قال له: بخير، ماذا وجدتم عندكم؟ قال: ما رأيت أعجب من التوكل على الله! (إِنِّي تَوَكَّلْتُ عَلَى اللَّهِ رَبِّي وَرَبِّكُم). 

وصلى الله على سيد المتوكلين محمد وهو في وسط الغار والكفار أمامه وأبو بكر يقول: لو نظر أحدهم موضع قدمه لرأٓنا، وإن أَهلَك أنا فإنَّما أنا إلا ابن أبي قحافة، لكن إن هَلَكتَ أنت يا رسول الله، تَهلَك الأُمة من ورائك، قال له: "أبَا بَكْرٍ، لا تحزن إنَّ الله معنا، ما ظَنُّكَ باثْنَيْنِ اللَّهُ ثَالِثُهُمَا؟!" صلى الله عليه وعلى آله وصحبه وسلم.

واجتمع العَشرة من الشبان وقت الهجرة تحت داره وهو وسط الدار، وعَلِم بهم ونام سيدنا علي في مكانه وجاء أمر الخروج، فخرج وهم موجودون خارج الدار، في اللحظة التي تحرَّك فيها لِيَخرُج أُلقي النوم عليهم، وجد أنهم قد ناموا كلهم، ولمَّا فتح الباب ورآهم، ما قال: فرصة سأذهب، بل وقف ينظر إليهم ويقرأ سورة يس إلى قوله: (وَجَعَلْنَا مِن بَيْنِ أَيْدِيهِمْ سَدًّا وَمِنْ خَلْفِهِمْ سَدًّا فَأَغْشَيْنَاهُمْ فَهُمْ لَا يُبْصِرُونَ) [يس:9] فأخذ حفنة من التراب ووضعها على رأس هذا، وعلى رأس هذا  ودار عليهم يضع الحفنات من التراب، لو أنّه لا يوجد توكل لكان يقول أنجِ بنفسك قبل أن يقوم واحد منهم فيمسكونك الآن! اخرج اذهب، بالطمأنينة الكاملة كمَّل.

وذهب إلى المكان الذي تواعد فيه مع سيدنا أبي بكر الصديق، خرج هو وإياه، وإذا أبوجهل مُقبِل ويقول: يا أبا بكر أين صاحبك هذا؟ والخبر بسرعة انتشر، حتى وصل إلى عند أبي جهل، أين صاحبك؟ والنبي معه يقول لسيدنا أبو بكر: إنَّه سيراك ولا يراني، فإذا كلّمَك كلمْه، ويمشي النبي أمام سيدنا أبي بكر، وأبو جهل يقول: يا أبا بكر، أين صاحبك هذا؟ أين صاحبك؟ يقول له سيدنا أبو بكر: لا أدري، وبربر وذهب، وما رأى النبي ﷺ، ومشوا.

تعب النبي، كان يذكرها سيدنا عمر كثيرًا في الطلوع في الجبل ومع السير والحصى، فحمله سيدنا أبو بكر بعض الطريق، حتى يقول: ليلة من أبي بكر ويوم خير من عمر وآل عمر؛ ويذكر هذه الليلة، قال: حتى وصل به عند الغار، فقال أبو بكر: مكانك يا رسول الله، أدخل أمامك، إن يكن فيه شيء يصيبني ولا يصيبك، ودخل وسط الغار وتأكد وسدَّ الثقوب التي رآها، بقي ثقب واحد فألقمه رِجله وقال: أدخل يا رسول الله، وضع رجله على الثقب إن كان هناك حيوان؛ شقق رداءه ومزقه، وبقي ثقب بماذا يسدَّه، فوضع عليه رجله، ودخل النبي ﷺ ونام على رجل الصديق -لا إله إلا الله- وإذا بهذا الثقب فيه حيَّة، فخرجت الحية تنهش رجل سيدنا أبي بكر، ثبت في مكانه خشية أن يوقظ النبي، اشتد الألم، فدمعت عيناه، فوقعت قُطرة على وجهه ﷺ ففتح عينيه، فقال: "ما لك يا أبا بكر؟"،  قال: حية تنهشني يا رسول الله، قال: "ناولني رجلك"، فناوله فقرأ عليها كأن لم يكن بها شيء، فقال: أخرجها، فأخرجها -صلى الله عليه وعلى آله وصحبه وسلم-.

(يَا أَيُّهَا النَّاسُ اتَّقُوا رَبَّكُمْ) هذا خيرٌ لكم، لا أحد يعمل لكم مشروعًا في الشرق والغرب أعظم من هذا وأفضل، ولن تكون نتيجة ونهاية لأي مشروع في العالم مثل هذا إلا لمن اتقى، اللهم ارزقنا تقواك، وبُثَّ نور هذه التقوى في قلوب أصحابنا وأحبابنا وقبائلنا وعشائرنا وأهل بلداننا، فإن الأنفس والشياطين يُغوونهم، اللهم ارزقنا تقواك وحققنا بحقائق التقوى لك في السر والنجوى، فإننا إذا اتقيناه تولانا بما هو أهله، ووقانا كل سوء، (وَمَن يَتَّقِ اللَّهَ يَجْعَل لَّهُ مَخْرَجًا * وَيَرْزُقْهُ مِنْ حَيْثُ لَا يَحْتَسِبُ) [الطلاق:1-2].

يقول: (يَا أَيُّهَا النَّاسُ اتَّقُوا رَبَّكُمْ) فهو أحقُّ أن تتقوه، وأمامكم المستقبل الأكبر الذي يُحَدِّثكُم عنه أنبياؤه كلهم، ورأينا أعداؤه يحدثوننا عن المستقبل القصير الحقير الزائل المنتهي لبعض السنين هذه، يقولون مستقبل، مستقبل، مستقبل، هذا المستقبل، لِكم من السنين؟ 

الأنبياء قالوا: مستقبلكم في الأمام؛ 

  • موت 
  • وبرزخ إلى يوم يبعثون
  • وقيامة مقدارها خمسون ألف سنة
  • وخلود في الجنة أو في النار

هذا المستقبل الكبير، الأنبياء قالوا: تعالوا صلِّحوا مستقبلكم هذا وانتبهوا لمستقبلكم، وهؤلاء يقولون: المستقبل، اضمن المستقبل! عش حياتك! ما هذا المستقبل؟! كم سنين! ينْدر من يتجاوز الستين فيها، لو نسبت الذين يتجاوزون الستين والسبعين إلى من يموت قبل، لا يصلون حتى عُشر، نصف العشر الذين يتجاوزون هذا، أمَّا الباقين يموتون قبل ذلك، أحد في الستين، أحد في الخمسين، أحد في الأربعين، أحد في الثلاثين، يخرجون من الدنيا، هذا هو المستقبل، مستقبل! انظروا ما يواجهونه بعد ذلك: (بَرْزَخٌ إِلَىٰ يَوْمِ يُبْعَثُونَ) [المؤمنون:100] وبعدها (تَعْرُجُ الْمَلَائِكَةُ وَالرُّوحُ إِلَيْهِ فِي يَوْمٍ كَانَ مِقْدَارُهُ خَمْسِينَ أَلْفَ سَنَةٍ) [المعارج:4] ثم بعد ذلك: "يَا أَهْلَ الجَنَّةِ خُلُودٌ فَلاَ مَوْتَ، وَيَا أَهْلَ النَّارِ خُلُودٌ فَلاَ مَوْتَ" هذا المستقبل، هذا هو المستقبل (إِنَّ زَلْزَلَةَ السَّاعَةِ شَيْءٌ عَظِيمٌ (1)) انتبهوا لمستقبلكم الكبير.

(يَا أَيُّهَا النَّاسُ اتَّقُوا رَبَّكُمْ) استعدادًا للمستقبل، وتهيئة للفوز والسعادة فيما يزجي من الأمر العظيم، (إِنَّ زَلْزَلَةَ السَّاعَةِ) حَركتها الشديدة واضطرابها (شَيْءٌ عَظِيمٌ).

(إِنَّ زَلْزَلَةَ السَّاعَةِ شَيْءٌ عَظِيمٌ (1)) وأَعظِم بعظيم سمَّاه العظيم عظيم! والعظيم لا يسمي شيء عظيم إلا وهو غاية في العظمة، هذا عظيم بميزان الإله العظيم.

(إِنَّ زَلْزَلَةَ السَّاعَةِ شَيْءٌ عَظِيمٌ) زلزلة الساعة، ما يكون يوم الساعة، تسبقها زلزلات (إِذَا زُلْزِلَتِ الْأَرْضُ زِلْزَالَهَا * وَأَخْرَجَتِ الْأَرْضُ أَثْقَالَهَا) [الزلزلة:1-2] ومنها زلازل تكثر في آخر الزمان، تسمعون ببعضها تأتي هنا، وستسمعون ببعضها تحمل عبرًا كثيرة للناس هزات أرضية وزلزلات تأتي، وعند قرب القيامة تقع زلزلة كبيرة، ولكن بعدها بعد النفخ الثانية في الصور زلازل عظمى كبيرة: أولها هول المُطَّلَع عند النفخة الثانية، هول المُطَلَع ما أنت قادم عليه، وماذا تدري؟ (خْرُجُونَ مِنَ الْأَجْدَاثِ كَأَنَّهُمْ جَرَادٌ مُّنتَشِرٌ * مُّهْطِعِينَ إِلَى الدَّاعِ يَقُولُ الْكَافِرُونَ هَٰذَا يَوْمٌ عَسِرٌ) [القمر:7-8]، وهؤلاء تتلقاهم الملائكة وتُطَمئنهم، وهؤلاء يعذبونهم ويسحبونهم -والعياذ بالله تبارك وتعالى- اللهم أجرنا من العذاب والنار والعقاب وزلزلة الساعة.

(إِنَّ زَلْزَلَةَ السَّاعَةِ شَيْءٌ عَظِيمٌ) ثم من عظيم زلازلها ما يُخاطِب الله به آدم: "يا آدمُ ! قم أخْرِجْ بعْثَ النارِ من ذُرِيَتِك"، كُل بني آدم يسمعون، أولهم وآخرهم، والذين كانوا ملحدين، والذين كانوا مشركين، والذين كانوا كافرين، كلهم يسمعون: "قم أخْرِجْ بعْثَ النارِ من ذُرِيَتِك"، فيقول: "ربي كم أُخرِج؟" يقول: "من كلِّ ألْفٍ تِسعَمائةٍ وتِسعةً وتِسعينَ إلى النار وواحد إلى الجنة، فتشيب الوِلدان، وتَضَعُ كُلُّ ذَاتِ حَمْلٍ حَمْلَها" في هذه الساعة، -الله- 

لمَّا حَدَّث النبي الصحابة بهذا عَظُمَ الأمر عليهم وكَبُر وبكوا، كان في الليلة التي نزلت فيها لمَّا رجعوا من غزوة المصطلق، حتى مِن تأثرهم في تلك الليلة، ما أنزلوا أحمالهم ولا نصبوا القدور، في اليوم الثاني رآهم ﷺ متأثرين فقال لهم: "اعملوا وسدِّدوا وقاربوا وأبشروا، فما أنتم في الأمم قبلكم إلا كمثل الشَعْرَةٍ البَيضاءَ في جِلْدِ الثَوْرٍ الأسْوَدَ، وإن تسعمائة وتسعة وتسعين من يأجوج ومأجوج ومن الكفار وواحد منكم، وإنِّي أرْجُو أنْ تكونُوا رُبُعَ أهلِ الجَنَّةِ،" فكبروا قال: "إنِّي لأرْجُو أنْ تكونُوا نِصفَ أهلِ الجَنَّةِ،" فكبروا، جاء في الرواية قال: "وإنِّي لأرجو أن تكونوا ثلثي أهل الجنة، إن أهل الجنة مائة وعشرون صفًا يوم القيامة، ثمانون من أمتي" ثمانون صفًا أمتي وأربعون من باقي الأمم -صلى الله عليه وعلى آله وصحبه وسلم، الله أكبر-.

يقول: (إِنَّ زَلْزَلَةَ السَّاعَةِ شَيْءٌ عَظِيمٌ) ويسبق هذه الزلازل في القيامة النفخة الأولى، وقيل نفختان:

  • نفخة الفَزَع.
  • ونفخة الصَّعق.

والحق يقول في آية: (وَيَوْمَ يُنفَخُ فِي الصُّورِ فَفَزِعَ مَن فِي السَّمَاوَاتِ وَمَن فِي الْأَرْضِ إِلَّا مَن شَاءَ اللَّهُ ۚ وَكُلٌّ أَتَوْهُ دَاخِرِينَ) [النمل:87]، وفي القراءة الأخرى (وَكُلٌّ آتَوْهُ دَاخِرِينَ).

وفي الآية الثانية يقول: (وَنُفِخَ فِي الصُّورِ فَصَعِقَ مَن فِي السَّمَاوَاتِ وَمَن فِي الْأَرْضِ إِلَّا مَن شَاءَ اللَّهُ ثُمَّ نُفِخَ فِيهِ أُخْرَىٰ فَإِذَا هُمْ قِيَامٌ يَنظُرُونَ) [الزمر:68] النفخة هذه الأخيرة هي نفخة القيامة، يُبعث كل واحد من حيث ما هو، ويُجمعون، يُجَمِع الله أجسامهم بين النفختين، ثم يبث أرواحهم فترجع إلى الأجسام فيقومون (كَمَا بَدَأْنَا أَوَّلَ خَلْقٍ نُّعِيدُهُ وَعْدًا عَلَيْنَا إِنَّا كُنَّا فَاعِلِينَ) [الأنبياء:104].

(إِنَّ زَلْزَلَةَ السَّاعَةِ شَيْءٌ عَظِيمٌ)

  • ويسبِقها مَوْرُ السماء: (يَوْمَ تَمُورُ السَّمَاءُ مَوْرًا * وَتَسِيرُ الْجِبَالُ سَيْرًا) [الطور:9-10]، (وَحُمِلَتِ الْأَرْضُ وَالْجِبَالُ فَدُكَّتَا دَكَّةً وَاحِدَةً * فَيَوْمَئِذٍ وَقَعَتِ الْوَاقِعَةُ * وَانشَقَّتِ السَّمَاءُ فَهِيَ يَوْمَئِذٍ وَاهِيَةٌ) [الحاقة:14-16].
  • ثم تأتي زلازل تَطايُر الصُّحف، لا يدري هل  يمسك كتابه بيمينه أو بشماله، من وراء ظهره.
  • وتأتي زلزلة العرض على الله، ليقوم فلان بن فلان للعرض على الله، ليقوم فلان بن فلان للعرض على الله، ينادى باسم كل واحد.
  • ويأتي وضع الميزان، حتى عند الوقوف عليه لم يعد يدري بأحد حواليه، ولا يدري حتى يرى؛ أيرجح ميزانه؟ يَثقُل أم يَخِف؟
  • ثم وضع الصراط على النار.

ومن جملة زلازل القيامة يخرج لها عنق -النار إذا أقبلت- لها سبعون ألف زمام، كل زمام يقوده سبعون ألف ملك، يُسمع زفيرها من مسافة مئة عام، إذا أقبلت ضج الناس، ويأمرها صلى الله عليه وسلم أن تعود إلى أيدي الزبانية لأنها تتفلت من أيدي الزبانية، فتقول: دعني على من عصى ربي، فيأتيها النداء من الجبار: أطيعي كلام حبيبي محمدًا، فترجع إلى أيدي الزبانية، فتستأذن ربها فتخرج عنق منها تقول: يا رب، إئذَن لي في ثلاثة: 

  • فيمن كفر بالرحمن
  • وفيمن كَذَّب بيوم القيامة
  • وفيمن اتخذ معك شريك آخر

كل جبار عنيد، فيؤذن لها فتخطفهم من بين الناس، تنطوي عليهم فتقذفهم في النار-والعياذ بالله تبارك وتعالى-.

هذا من المواقف الشديدة، من زلزلة يوم القيامة -لا إله إلا الله-.

ويجعل الله من شاء في ظل عرشه، ويجعل الله من شاء (تَتَنَزَّلُ عَلَيْهِمُ الْمَلَائِكَةُ أَلَّا تَخَافُوا وَلَا تَحْزَنُوا) [فصلت:30] والأنبياء يطالعون جبروت الحق وغضبه على الفجَّار والكفار حتى يلجأون إلى ربي نفسي نفسي، ربي نفسي نفسي.

يقول: (إِنَّ زَلْزَلَةَ السَّاعَةِ شَيْءٌ عَظِيمٌ (1) يَوْمَ تَرَوْنَهَا تَذْهَلُ كُلُّ مُرْضِعَةٍ عَمَّا أَرْضَعَتْ (2)) الذي تُرضعه لم تعد تدري بالرضيع، ومن أرضعته، ولا بالرَّضاع، يعني أكبر ما يكون عندكم في الحنان والعطف رضاع الأم لولدها عندما يرضع من ثديها، يروح هذا الحنان، ويروح هذا العطف وتذهب هذه الرقة من شدة الهول.

(يَوْمَ تَرَوْنَهَا تَذْهَلُ كُلُّ مُرْضِعَةٍ عَمَّا أَرْضَعَتْ وَتَضَعُ كُلُّ ذَاتِ حَمْلٍ حَمْلَهَا (2)) ذاتُ الحمل إمَّا المرأة الحامل، أو الشجر فيما تحمل عليها (تَضَعُ كُلُّ ذَاتِ حَمْلٍ حَمْلَهَا) يسقط ولا يبقى شيء.

(وَتَرَى النَّاسَ سُكَارَىٰ (2)) وفي قراءة (سَكْرَى)، وفي قراءة (سَكَارَىٰ).

(وَتَرَى النَّاسَ سُكَارَىٰ) أي من الهول، من الخوف، من الشَّدة، (وَمَا هُم بِسُكَارَىٰ) من الشراب، لم تناولوا مُسكِر، أو مخدرات أو حبوب أو خمر، لكن من شدة الهول ذَهَلت عقولهم، (سُكَارَىٰ وَمَا هُم بِسُكَارَىٰ وَلَٰكِنَّ عَذَابَ اللَّهِ شَدِيدٌ (2)) فمن شدة الخوف تراهم مثل السُّكارى- لا إله إلا الله-.

فيا أيها الناس اتقوا ربكم، وهذا مستقبلكم تنجون من شدائده بتقوى ربكم، ويحوِّله عليكم إلى تطمين وإلى نزول الملائكة: (وَتَتَلَقَّاهُمُ الْمَلَائِكَةُ هَٰذَا يَوْمُكُمُ الَّذِي كُنتُمْ تُوعَدُونَ) [الأنبياء:103] -الله أكبر-

ولا تسلكوا سبيل هذه الغفلة والجهالة والجرأة والتنكر (وَمِنَ النَّاسِ مَن يُجَادِلُ فِي اللَّهِ بِغَيْرِ عِلْمٍ (3)) يجادل في الله بغير علم؛ الأدلة واضحة، والأعلَم بالله أنبياؤه ورسله الذين جاءوا لك بالخبر عن الله، وهذا يجادل في الله، أي علم عندك؟! على أي أساس تبني كلامك؟ لو فن من فنون الحياة، ليس عندك تخصص فيه يقولون لك اسكت، وتأتي تجادل في الله العلي العظيم؟ وأنت لا تدري بربك، وبجهالتك تجادل، كل شيء يدلك على ربك وأنت تتجاهل وتجادل؟!

(وَمِنَ النَّاسِ مَن يُجَادِلُ فِي اللَّهِ بِغَيْرِ عِلْمٍ (3)) كمثل النضر بن الحارث وجماعة ممن نزلت فيهم الآية، وكل من كان على شاكلتهم إلى يوم القيامة، وما الداعي لهذه المجادلة؟! كل شيء في الوجود يدلك على عظمة ربك ووجوده، وكما خلقك قادر أن يرجعك، كما قال أنبياؤه ويُعيدك؛ إن أراد ثاني مرة، وإن أراد ثالث مرة، وإن أراد رابع مرة، الأمر له، ما الذي يعجزه؟ لم يعجزه عنك أول مرة، هل سيعجزه ثاني مرة؟ 

قال سبحانه وتعالى: (أَوَلَمْ يَرَ الْإِنسَانُ أَنَّا خَلَقْنَاهُ مِن نُّطْفَةٍ فَإِذَا هُوَ خَصِيمٌ مُّبِينٌ * وَضَرَبَ لَنَا مَثَلًا وَنَسِيَ خَلْقَهُ قَالَ مَن يُحْيِي الْعِظَامَ وَهِيَ رَمِيمٌ * قُلْ يُحْيِيهَا الَّذِي أَنشَأَهَا أَوَّلَ مَرَّةٍ) وهي جاءت من أين؟ مِن مصنعك أنت؟ أم من أين؟  أم مِن عند مَن؟ هو الذي صنعها أول مرة، ما عاد يقدر أم ماذا ؟ ما الذي حصل؟! (قُلْ يُحْيِيهَا الَّذِي أَنشَأَهَا أَوَّلَ مَرَّةٍ وَهُوَ بِكُلِّ خَلْقٍ عَلِيمٌ) [يس:77-79] -جلَّ جلاله-.

(يُجَادِلُ فِي اللَّهِ بِغَيْرِ عِلْمٍ) فما حالهم هؤلاء في الدنيا؟ قال: (وَيَتَّبِعُ كُلَّ شَيْطَانٍ مَّرِيدٍ (3)) متمرد خارج عن أمر الله هو وإياهم في هذه الأفكار، وحي الشياطين (يُوحِي بَعْضُهُمْ إِلَىٰ بَعْضٍ زُخْرُفَ الْقَوْلِ غُرُورًا) [الأنعام:122].

(وَيَتَّبِعُ كُلَّ شَيْطَانٍ مَّرِيدٍ (3) كُتِبَ عَلَيْهِ (4)) قال قضينا -الحق سبحانه وتعالى- قضينا وفرضنا عليهم: (أَنَّهُ مَن تَوَلَّاهُ) من تولى ذلك الشيطان، من تولى هؤلاء الشياطين واتَّبعهم (فَأَنَّهُ يُضِلُّهُ) عن الحق وعن الهدى (وَيَهْدِيهِ إِلَىٰ عَذَابِ السَّعِيرِ) -والعياذ بالله تبارك وتعالى-، يقول: (لَأَحْتَنِكَنَّ ذُرِّيَّتَهُ إِلَّا قَلِيلًا) [الإسراء:62]، (ثُمَّ لَآتِيَنَّهُم مِّن بَيْنِ أَيْدِيهِمْ وَمِنْ خَلْفِهِمْ وَعَنْ أَيْمَانِهِمْ وَعَن شَمَائِلِهِمْ وَلَا تَجِدُ أَكْثَرَهُمْ شَاكِرِينَ) [الأعراف:17].

يقول: (فَأَنَّهُ يُضِلُّهُ وَيَهْدِيهِ إِلَىٰ عَذَابِ السَّعِيرِ)، قال الحق تعالى في أتباع فرعون: (وَلَقَدْ أَرْسَلْنَا مُوسَىٰ بِآيَاتِنَا وَسُلْطَانٍ مُّبِينٍ) واضح بَيِّن، (إِلَىٰ فِرْعَوْنَ وَمَلَئِهِ فَاتَّبَعُوا أَمْرَ فِرْعَوْنَ وَمَا أَمْرُ فِرْعَوْنَ بِرَشِيدٍ) والنهاية؟ (يَقْدُمُ قَوْمَهُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ فَأَوْرَدَهُمُ النَّارَ وَبِئْسَ الْوِرْدُ الْمَوْرُودُ * وَأُتْبِعُوا فِي هَٰذِهِ لَعْنَةً وَيَوْمَ الْقِيَامَةِ بِئْسَ الرِّفْدُ الْمَرْفُودُ) [هود:96-99].

يقول: (كُتِبَ عَلَيْهِ أَنَّهُ مَن تَوَلَّاهُ فَأَنَّهُ يُضِلُّهُ وَيَهْدِيهِ إِلَىٰ عَذَابِ السَّعِيرِ (4)) أي: النار الموقدة التي تطلع على الأفئدة -اللهم أجرنا من النار- 

وعَلَّمنا ﷺ في كل صباح بعد الفجر قبل أن نتكلم أن نقول: "اللهم أجرني من النار سبع مرات"، وبعد المغرب قبل أن نتكلم، فمن قالها بعد الفجر فمات من يومه أجاره الله من النار، ومن قالها بعد المغرب فمات من ليلته أجاره الله من النار؛ ويأتي بها بعد السلام قبل أن يتكلم، لا يأتي قبلها إلا بِمِثل: لا إله إلا الله وحده لا شريك له، له الملك وله الحمد يحيي ويميت وهو على كل شيء قدير عشر مرات، وهذه سبع مرات: "اللهم أجرني من النار".

نسأل الله أن يجيرنا من النار، ومن أعمال أهل النار، ومن أحوال أهل النار، ومن صفات أهل النار، ويَهب لنا أعمال أهل الجنة وصفات أهل الجنة وأحوال أهل الجنة، ويجعلنا من أهل الجنة، ويدخلنا جنته بغير حساب اللهم آمين.

اللهم قنا شر زلزلة الساعة، واجعلنا في أمن منك وطمأنينة في ذلك اليوم، من الذين سبقت لهم منك الحسنى فهم عن النار مبعدون (لَا يَسْمَعُونَ حَسِيسَهَا وَهُمْ فِي مَا اشْتَهَتْ أَنفُسُهُمْ خَالِدُونَ * لَا يَحْزُنُهُمُ الْفَزَعُ الْأَكْبَرُ وَتَتَلَقَّاهُمُ الْمَلَائِكَةُ هَٰذَا يَوْمُكُمُ الَّذِي كُنتُمْ تُوعَدُونَ) [الأنبياء:102-103]

اللهم يوم تطوي السماء كطي السجل للكتاب اجعلنا فيمن تدخلهم الجنة بغير حساب، وألحقنا بخير الأحباب، ولا تفرق بيننا وبين من أنزلت عليه الكتاب، عبدك محمد وآله والأصحاب، ومن سار على منهجهم على قدم الهدى والصواب، يا رب الأرباب، يا مسبب الأسباب، يا خير من أجاب، يا كريم يا تواب، يا ذا العطاء المنساب والجود السكَّاب، يا حي يا قيوم يا أرحم الراحمين، يا أول الأولين ويا آخر الآخرين ويا ذا القوة المتين، ويا راحم المساكين ويا أرحم الراحمين اجعلنا ممن ترحمهم في ذاك اليوم، وتلحقهم بِخِيار القوم، وتكفيهم شر كل فضيحة ولوم.

اللهم استرنا بسترك الجميل، واجعلنا في مرافقة حبيبك الجليل، وأوردنا حوضه المورود واسقنا منه شربةً لا نظمأ بعدها أبدًا يا برُّ يا ودود.

وأصلح أحوال أهل اليمن وأهل حضرموت، وأهل الشام، وأهل السودان، وأهل الشرق وأهل الغرب، واكشف الكروب والخطوب ودوافعها وآفاتها، وادفع عنا من يَدفع بها، واجعلنا اللهم ممن تلطف بهم وتلاطفهم، وتديم لهم من عندك أمنًا وطمأنينة يدوم إلى الفرج الكبير للأمة أجمع، يا خير من يسمع، بوجاهة الحبيب الـمُشَفَّع، اللهم بجاهه الأوسع اسمعنا يا أكرم مَن استجاب وسَمِع، يا حي يا قيوم يا أرحم الراحمين، والطف بنا وبالأمة فيما تجري به المقادير، وأرنا في أمة البشير النذير ما يُسَر به قلبه وتقرّ به عينه يا لطيف يا خبير، برحمتك يا أرحم الراحمين وجودك يا أجود الأجودين، والحمدلله ربّ العالمين.

 بسر الفاتحة

إلى حضرة النبي محمد ﷺ

تاريخ النشر الهجري

17 جمادى الآخر 1447

تاريخ النشر الميلادي

07 ديسمبر 2025

اضافة إلى المفضلة

كتابة فائدة متعلقة بالمادة

الأقسام