تفسير سورة نوح -3- تتمة السورة
تفسير الحبيب العلامة عمر بن حفيظ للآيات الكريمة من قوله تعالى: { وَيُمْدِدْكُمْ بِأَمْوَالٍ وَبَنِينَ وَيَجْعَل لَّكُمْ جَنَّاتٍ وَيَجْعَل لَّكُمْ أَنْهَاراً} إلى آخر سورة نوح
نص الدرس مكتوب:
﷽
(وَيُمْدِدْكُم بِأَمْوَالٍ وَبَنِينَ وَيَجْعَل لَّكُمْ جَنَّاتٍ وَيَجْعَل لَّكُمْ أَنْهَارًا (12) مَّا لَكُمْ لَا تَرْجُونَ لِلَّهِ وَقَارًا (13) وَقَدْ خَلَقَكُمْ أَطْوَارًا (14) أَلَمْ تَرَوْا كَيْفَ خَلَقَ اللَّهُ سَبْعَ سَمَاوَاتٍ طِبَاقًا (15) وَجَعَلَ الْقَمَرَ فِيهِنَّ نُورًا وَجَعَلَ الشَّمْسَ سِرَاجًا (16) وَاللَّهُ أَنبَتَكُم مِّنَ الْأَرْضِ نَبَاتًا (17) ثُمَّ يُعِيدُكُمْ فِيهَا وَيُخْرِجُكُمْ إِخْرَاجًا (18) وَاللَّهُ جَعَلَ لَكُمُ الْأَرْضَ بِسَاطًا (19) لِّتَسْلُكُوا مِنْهَا سُبُلًا فِجَاجًا (20) قَالَ نُوحٌ رَّبِّ إِنَّهُمْ عَصَوْنِي وَاتَّبَعُوا مَن لَّمْ يَزِدْهُ مَالُهُ وَوَلَدُهُ إِلَّا خَسَارًا (21) وَمَكَرُوا مَكْرًا كُبَّارًا (22) وَقَالُوا لَا تَذَرُنَّ آلِهَتَكُمْ وَلَا تَذَرُنَّ وَدًّا وَلَا سُوَاعًا وَلَا يَغُوثَ وَيَعُوقَ وَنَسْرًا (23) وَقَدْ أَضَلُّوا كَثِيرًا ۖ وَلَا تَزِدِ الظَّالِمِينَ إِلَّا ضَلَالًا (24) مِّمَّا خَطِيئَاتِهِمْ أُغْرِقُوا فَأُدْخِلُوا نَارًا فَلَمْ يَجِدُوا لَهُم مِّن دُونِ اللَّهِ أَنصَارًا (25) وَقَالَ نُوحٌ رَّبِّ لَا تَذَرْ عَلَى الْأَرْضِ مِنَ الْكَافِرِينَ دَيَّارًا (26) إِنَّكَ إِن تَذَرْهُمْ يُضِلُّوا عِبَادَكَ وَلَا يَلِدُوا إِلَّا فَاجِرًا كَفَّارًا (27) رَّبِّ اغْفِرْ لِي وَلِوَالِدَيَّ وَلِمَن دَخَلَ بَيْتِيَ مُؤْمِنًا وَلِلْمُؤْمِنِينَ وَالْمُؤْمِنَاتِ وَلَا تَزِدِ الظَّالِمِينَ إِلَّا تَبَارًا (28))
السلام عليكم ورحمة الله وبركاتة،
الحمدلله مُكرمنا بالذكر الحكيم والقرآن الكريم، والدين القويم المبيَّن بلسان النبي العظيم ذو الخُلق العظيم، الهادي إلى الصراط المستقيم، اللهم أدم منك الصلوات والتسليمات عنا على رسولك المجتبى المصطفى سيدنا محمد ﷺ وعلى آله أهل الطهارة، وأصحابه النجوم الزاهرة، وعلى مَن تبعهم بصدقٍ في الشؤون الباطنة والظاهرة، وعلى آبائه وإخوانه من الأنبياء والمرسلين وآلهم وصحبهم أجمعين، وعلى ملائكتكَ المقربين وجميع عبادك الصالحين، وعلينا معهم وفيهم برحمتك يا أرحم الراحمين.
وبعدُ،،،
فإننا في مواصلة نعمة الله علينا في تأمل كلامه وخطابه وتعليمه وتوجيهه وتنزيله ووحيه الذي أوحاهُ إلى رسوله سيدنا محمد ﷺ في غدواتِ هذا الشهر الكريم الذي أزمع على الرحيل والتحويل، والله لا يجعلهُ آخر العهد بهذا الشهر الكريم، ويعيدنا إلى أمثاله في خير عظيم.
انتهينا إلى تأمل آيات في سورة سيدنا نوح -على نبينا وعليه أفضل الصلاة والسلام-، حتى وصلنا إلى:
- خِطابهِ لقومهِ وهو يدعوهم إلى استغفار ربهم؛ ليغفر لهم، وذكر لهم أن الله غفَّار، كثير المغفرة، يغفر كثيرًا -جلَّ جلاله وتعالى في علاه- ولولا ذلك لما نجا من العذاب أحد قال: (فَقُلْتُ اسْتَغْفِرُوا رَبَّكُمْ إِنَّهُ كَانَ غَفَّارًا(10))؛ وذكر نتيجة الإستغفار: (يُرْسِلِ السَّمَاءَ عَلَيْكُم مِّدْرَارًا (11) وَيُمْدِدْكُم بِأَمْوَٰلٍۢ وَبَنِينَ وَيَجْعَل لَّكُمْ جَنَّٰتٍۢ وَيَجْعَل لَّكُمْ أَنْهَٰرًۭا(12)).
- وقد علِمنا أن الله -تبارك وتعالى- كتب أن لن يولد وأن لاتحمل أحد من نسائهم قبل العذاب بأربعين سنة، فلما جاء وقت نزول العذاب، كان كلُ الكفار رجال بالغين ليس فيهم صبيان، لوكان فيهم صبيان لربما رحمهم الله بهم، فما بَقِي فيهم إلاَّ كبار، وأُخْبِرَ النبيُّ نوحٌ: أَنَّهُ لَن يُؤْمِنَ مِن قَوْمِه إِلاَّ مَن قَدْ آمَن.
يقول لهم: (مَّا لَكُمْ لَا تَرْجُونَ لِلَّهِ وَقَارًۭا(13))، ما لكم تذهبون في أفكاركُم ومدارككُم وشعوركُم إلى توقير مآكلكم، أو مشاربكم، أو مساكنكُم، أو أسلحتكُم، أو ما بينكُم! وتنسون الخلَّاق الذي خلقكم.
- (مَّا لَكُمْ لَا تَرْجُونَ لِلَّهِ وَقَارًۭا) عظمةً وجلالاً وهيبةً لهذا الإله الذي خلقكم -سبحانه وتعالى-.
- (مَّا لَكُمْ لَا تَرْجُونَ لِلَّهِ وَقَارًۭا) فتطمعون فيه وتخافون منه.
- (مَّا لَكُمْ لَا تَرْجُونَ لِلَّهِ وَقَارًۭا) إثباتًا لألوهيته وثباتًا على العبودية له.
- (مَّا لَكُمْ لَا تَرْجُونَ لِلَّهِ وَقَارًۭا) ما تُؤملون أن تطيعوه فيوقركُم ويعظمكُم ويُعظِّم الأجر والجزاء لكم.
- (مَّا لَكُمْ لَا تَرْجُونَ لِلَّهِ وَقَارًۭا) وكلُ ما أنتم فيه داعٍ أن توقروا ربكُم.
(وَقَدْ خَلَقَكُمْ أَطْوَارًا(14)) خلقكم أطوارًا:
- الواحد منكم كوَّنه من نطفة.
- ثمَّ علقة؛ فهذا طور ثاني.
- ثمَّ مضغة؛ طور ثالث.
- ثمَّ عظام؛ طور رابع.
- ثمَّ كسا العظام لحمًا، طور خامس
ثمَّ بعد ذلك نفخ الروح فـ(أَنشَأْنَاهُ خَلْقًا آخَرَ ۚ فَتَبَارَكَ اللَّهُ أَحْسَنُ الْخَالِقِينَ) [المؤمنون:14]، ثمَّ خَلقكُم بهذه الصور، منكُم الأعداد الكثيرة، ما في واحد يشبه الثاني وكلٌّ مميز؛ أطوارا.
- (وَقَدْ خَلَقَكُمْ أَطْوَارًا)، واحد قصير، وواحد طويل، وواحد متوسط، وواحد أبيض، وواحد أسود، وواحد أحمر، وواحد أسمر.
- وهكذا (وَقَدْ خَلَقَكُمْ أَطْوَارًا) -جلَّ جلالهُ وتعالىٰ في علاه-، على أنحى في الأفكار والتصورات.
- (خَلَقَكُمْ أَطْوَارًا(14))، على مراتب مختلفة في الأخلاق والمعاملات.
كيف تمّ هذا كله؟! هذا يدعوكم لأن تُوقروا الخالق. أنت تعرف الآن صنعة تصنعها شركة، تقول:عجيب هذا الجهاز الصغير تنظر به أشياء كثيرة!، هذا الجهاز الصغير ترى به أشياء كثيرة! كُلّكم -أنت والكائنات والصانعين الذين معك كُلهم -صنعته وخلقه.
(مَّا لَكُمْ لَا تَرْجُونَ لِلَّهِ وَقَارًۭا (13) وَقَدْ خَلَقَكُمْ أَطْوَارًا(14)):
- خلقكم في أطوارٍ مختلفة من بدايةِ الخلق والتكوين.
- ثمَّ في أنحاءِ ضعفكُم وقوتكُم، ومرضِكُم وصحتكُم، وطولِ عمركُم وقِصرِهِ.
وأنتم أطوار أطوار أطوار أطوار، في ألوانكُم في أفكاركم، في أخلاقكُم، ما هذه العظمة؟!
(مَّا لَكُمْ لَا تَرْجُونَ لِلَّهِ وَقَارًۭا (13) وَقَدْ خَلَقَكُمْ أَطْوَارًا (14) أَلَمْ تَرَوْا كَيْفَ خَلَقَ اللَّهُ سَبْعَ سَمَاوَاتٍ طِبَاقًا (15)) كل سماءٍ ِمنها تُطبِّق الأخرى، بمعنى تغطيها من كل جانب، تدور عليها من كل جانب..
- وهذه الأرض وهذه الكواكب بين السماء والأرض.
- ثمَّ السماء الأولى -الدنيا- وتغطي كل هذا من كل الجوانب.
- ثمَّ السماء فوقها تغطيها من كل الجوانب.
- ثمَّ الثانية ثمَّ إلى سبع سماوات.
وبعد ذلك هذه الكواكب والأرض تمشي تمشي تمشي تمشي وإلى أين؟ وتدور ويقول سبحانه وتعالى : (وَكُلٌّۭ فِى فَلَكٍۢ يَسْبَحُونَ)، (لَا ٱلشَّمْسُ يَنۢبَغِى لَهَآ أَن تُدْرِكَ ٱلْقَمَرَ وَلَا ٱلَّيْلُ سَابِقُ ٱلنَّهَارِ ۚ وَكُلٌّۭ فِى فَلَكٍۢ يَسْبَحُونَ) [يس:40]؛
وانتهى المتأملون لمسار الأرض والمجموعة الشمسية؛ إلى أن سيرها أشبه شيء بسير السابح في البحر، وما يدرون إلى أين تمشي؟!، لا يدرون! وإلى أين تصل، لا يدرون؟! وأنَّ لهم أن يدرون! (مَّآ أَشْهَدتُّهُمْ خَلْقَ ٱلسَّمَٰوَٰتِ وَٱلْأَرْضِ وَلَا خَلْقَ أَنفُسِهِمْ وَمَا كُنتُ مُتَّخِذَ ٱلْمُضِلِّينَ عَضُدًۭا) [الكهف:15]؛ لكنها آيات بدائع عظيمات.
يقول -جلَّ جلاله وتعالى في علاه- على لسان سيدنا النبي نوح: (أَلَمْ تَرَوْا۟ كَيْفَ خَلَقَ ٱللَّهُ سَبْعَ سَمَٰوَٰتٍۢ طِبَاقًۭا(15))،
- ويقول سبحانه وتعالى: (وَبَنَيْنَا فَوْقَكُمْ سَبْعًۭا شِدَادًۭا) [النبأ:12].
- (اللَّهُ الَّذِي خَلَقَ سَبْعَ سَمَاوَاتٍ وَمِنَ الْأَرْضِ مِثْلَهُنَّ) [الطلاق:12].
وشرح لنا النبي أنه عرج من سماء إلى سماء، وفي كل سماء بوَّابها يستقبل جبريل ويقول: مَن معك؟ يقول: محمد ﷺ، يقول: مرحبا به، فنعم المجيء جاء، ومن سماء إلى سماء، وفي السماء هذه من الملائكة، وفيها من أرواح الأنبياء مَن ذكرهم -صلى الله عليه وعلى آله وصحبه وسلم، ..لا إله إلاَّ الله..
(أَلَمْ تَرَوْا۟ كَيْفَ خَلَقَ ٱللَّهُ سَبْعَ سَمَٰوَٰتٍۢ طِبَاقًۭا(15))، وكم يعتنون الآن بمباني قديمة تراثية؟ كم لها؟ وكم يُرَمِّمُونَهَا؟ وكم يقومون بالصيانة لجدرانها ولسقوفها؟ والسبع السماوات هذه أين ترميمها؟! والصيانة عند أي شركة؟! لا يقدرون أن يصلوا إليها، ولا يمتدون إليها، كيف؟! وكم سنين مرَّت من حين خُلقت؟ (وَبَنَيْنَا فَوْقَكُمْ سَبْعًۭا شِدَادًۭا) [النبأ:12]؛ قوية محكمة الصنع لا أحد يصلِّح لها كذا ولا كذا، ترى أجهزتنا هذه -وصيانتها- التي يتسبب الإنسان في تصنيعها، وهو مخلوق؛ ولكن كم صيانات؟ وكم ورش لها؟ وكم إصلاحات؟.
والإنسان -هو بنفسه- وسطه أجهزة يعيش عليها منذ خُلق، هذا جهازك التنفسي -من يوم خُلقتَ إلى الآن- كم أجريت صيانات فيه؟ وكم صار فيه ترميم وتبديل؟! والجهاز الهضمي مازال يهضم أنواع الطعام، كم له؟! أنواع المكائن؛ مدة قليلة وتعطلت، تبقى قليل وتبدلت، وبعضها انتهت صلاحيتها، بدِّلها نهائيًا، وبعضها احترق أصلُ المكينة، وقُم بدلّها بواحدة ثانية؛ ولكن أنت قاعد طول عمرك وهي تطبخ لك، على طول شغالة! ..لا إله إلاَّ الله..
وهكذا أجهزة أعطاك الله -سبحانه وتعالى- في عمرك القصير لكن: (لَخَلْقُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ أَكْبَرُ مِنْ خَلْقِ النَّاسِ) [غافر:57]، ناس كثير جاءوا تمتعوا بهذه الأجهزة؛ نحن أبناء الستين والسبعين الغالب، وقليل مَن يجاوز ذلك، وقَبْلَنا أرباب الأربعمائة، وأرباب الستمائة سنة، وأرباب الألف سنة؛ ذهبوا كلهم وهذه السماوات محلها، وهذه الأرض مكانها، كم أمم وطوائف رحلوا؟!! ما العظمة هذه في الخلق والإيجاد؟! -سبحان-.
(أَلَمْ تَرَوْا۟ كَيْفَ خَلَقَ ٱللَّهُ سَبْعَ سَمَٰوَٰتٍۢ طِبَاقًۭا(15))، كل واحدة منها مغطية للأخرى ومطبقة عليها من جميع الجوانب، و(يَا مَعْشَرَ الْجِنِّ وَالْإِنسِ إِنِ اسْتَطَعْتُمْ أَن تَنفُذُوا مِنْ أَقْطَارِ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ فَانفُذُوا) [الرحمن:33]، هيا اخرجوا، إلى أين يخرجون؟! ونحن وهذه الكواكب التي في الفضاء، والتي بعضها الآن يكتشفون أن:
- بيننا وبينها سنة ضوئية، مئة سنة ضوئية!! بيننا وبين الشمس؛ الواحد وتسعين مليون ميل تقريبا.
- ولكنها بينها وبين الكرة الأرضية ثمان دقائق ضوئية، حيث تصل الأشعة في مدة ثمان دقائق، ثماني دقائق ضوئية بينك وبين الشمس.
- هناك كواكب بينك وبينها سنة ضوئية، وليس ثمان دقائق بل سنة ضوئية، كم مسافة هذا؟ شيء عظيم! يقول سبحانه وتعالى: (وَإِنَّا لَمُوسِعُونَ) [الذاريات:47] -جلَّ جلاله-.
ومازال فوقها مغطاة بالسماء، إلى أين ستخرج؟ والسماء الأولى مغطاة بالسماء الثانية، والثانية بالثالثة، وأنت ماذا تساوي من ذرة في العالم هذا؟ لا تساوي شيء، أنت والكرة الأرضية كلها، ومع ذلك لك فِجاج في الكرة الأرضية، ولك سعة، ورُبع الكرة الأرضية عندنا خالي، -الربع الخالي-، والثلاثة الأرباع أكثرها ماء، نحو ثلاثة أرباع الكرة الأرضية ماء، والربع هذا الباقي فيه ربع خالي
وبعد ذلك كله هذه الباقية، كم من دولة فوقها، وكم من حكومة، وكم من حاكم ومتنازعين على بعض الأراضي، وأراضي -طويلة عريضة- الملوك والرؤساء ما قط دخلوا إليها، ولا جاءوا إليها؛ ما هذه العظمة؟!
(مَّا لَكُمْ لَا تَرْجُونَ لِلَّهِ وَقَارًا(13))؛ وكل شيء يدلكم على عظمته وعلى جلاله.
يقولُ: (أَلَمْ تَرَوْا كَيْفَ خَلَقَ اللَّهُ سَبْعَ سَمَاوَاتٍ طِبَاقًا(15))، وبعد السموات، سدرة المنتهى -يا الله!- وفوق سدرة المنتهى، الكرسي فوقها، والعرش: (وَسِعَ كُرْسِيُّهُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ) [البقرة:255]؛
- مثَّلَ لنا النبي؛ صِغر الكواكب هذه بالنسبة للسماوات.
- والسماوات والأرض كلها بالنسبة للعرش والكرسي.
يقول: "لو أن الأرضين السبع والسماوات السبع وُضِعْنَ في الكرسي، لَكُنَّ كسبعة دَراهِم أُلقيت في فَلاة واسعة" -يا الله- "ولو أن السماوات السبع والأرضين مع الكرسي وضعن في العرش لكُنَّ كسبعة دراهم ملقاة في فلاة"؛ تعرف العظمة؟!
وهذه الكرة الأرضية؛ نريدك أن تقطعها مرة واحدة حتى بالوسائل هذه الحديثة من طرفها لطرفها؛ دُور دورة، لن تدُور عليها …! وإذا كان الجهات الأربع وليس من جهة واحدة فقط، دُور على الكرة الأرضية نفسها؛ وهذا أمر كبير وعظيم لك! متى يتم لك؟! وأنَّى؟ قال لي بعض الطيارين أنه مشى عشرين ساعة من سنغافورة إلى بعض ولايات أمريكا ما وقف في الطريق كلها في الفضاء، وأكملت كم من الأرض؟ ومازال من شرق الأرض، مازال باقي في الكرة الأرضية مواطن كثيرة لا يقدر أن يلف عليها كلها، ..لا إله إلاَّ الله..
(وَجَعَلَ الْقَمَرَ فِيهِنَّ نُورًا(16))، -جَعَلَ الْقَمَرَ فِيهِنَّ نُورًا- في جهة السماوات التي خلقها الله فوقكم.
السماء هو؛ كلّ ما علا، فجهة السماوات السبع العالية فيها أنواع من الكواكب والنجوم، ومنها القمر:
- (وَجَعَلَ الْقَمَرَ فِيهِنَّ نُورًا)، أي في جهتهنً، (فِيهِنَّ): يعني في جهة السماء.
- (وَجَعَلَ الْقَمَرَ فِيهِنَّ نُورًا)، لكم على ظهر الأرض تتنورون به في لياليكم على حسب الترتيب من بين أن يبدأ هلال إلى أن يصير قمر، بدر، إلى أن يرجع مرة ثانية، وهكذا.
(وَجَعَلَ الْقَمَرَ فِيهِنَّ نُورًا(16))، مَن رتب هذا؟ كيف قام هذا؟ وبأي إمكانيات؟ وهل يمكن في إمكانيات البشر على ظهر الأرض أن يغيّروا ترتيب القمر هذا؟ أن يغيروا ماذا؟! اتركوه فقط على طول الشهر مُضيء إضاءة واحدة، ماذا عملوا بك؟ ماذا صلّحوا فيك؟ ماذا يعملون في الأرض؟ لا يقدرون!! -طيب- فمن الذي جعل هذا؟! قوَّتنا ما جعلت ذلك! دولنا ما جعلوا ذلك! أصنامهم ما جعلت ذلك! إذن من الذي جعل هذا؟! لماذا هذا؟ وهم لما كانوا كلهم مقهورين تحت هذا الجعل؟! هذا الجعل والترتيب كلهم مقهورين تحته، حتى الذين يدَّعون نَفْسهم أرباب؛ هم مقهورين تحت هذا، ما يقدرون، لايقدمون، ولا يؤخرون فيه، هو هكذا.
(وَجَعَلَ الْقَمَرَ فِيهِنَّ نُورًا وَجَعَلَ الشَّمْسَ سِرَاجًا(16)) مضيء؛ يستمد القمر منها نوره ويرسله على الأرض، (وَجَعَلَ الْقَمَرَ فِيهِنَّ نُورًاوَجَعَلَ الشَّمْسَ سِرَاجًا)؛ وارجعوا إلى أنفسكم مرة ثانية (وَاللَّهُ أَنبَتَكُم مِّنَ الْأَرْضِ نَبَاتًا(17))، (أَنبَتَكُم مِّنَ الْأَرْضِ):
- بدايةً كوَّن جسد أبيكم آدم من ذرات الأرض، من أجزاء الأرض، من التراب، فتكُون ذرات جسد كل واحد منكم يوم القيامة متفرع عن هذا، فالنبات أصله من الأرض.
- تربة كوَّنها الله تعالى، جعل فيها الماء صارت حمأ مسنون، يبست صارت صلصال كالفخار، نفخ فيها الروح، كوَّن الأعضاء هذه كلها.
- بعد ذلك جعل الارتباط بالنبات من الأرض، أن الله كوَّن بني آدم -هذه الأجساد كلها- فيها ذرات من ذاك التراب.
- وبعد ذلك تتغذى من نبات الأرض، تأكل وتتكون منها النطف ويأتون الجديدين، مكوَّنين منها؛ كله راجع إلى الأرض.
(وَاللَّهُ أَنبَتَكُم مِّنَ الْأَرْضِ نَبَاتًا(17))، وقال: أَنبَتَكُم فنبتم "نَبَاتا"، ما قال: انبتكم: "إنباتا"، لكان الأمر يرجع إليه في المباشرة -سبحانه وتعالى- فيكون إنبات عظيم جليل، يقول: أَنبَتَكُم من الأرض نبات، فصِرتم تنبتون نباتًا كما قدَّر جيلاً بعد جيل، وطائفة بعد طائفة، وقرنًا بعد قرن.
- (وَاللَّهُ أَنبَتَكُم مِّنَ الْأَرْضِ نَبَاتًا(17) ثُمَّ يُعِيدُكُمْ فِيهَا) إلى القُبور، يردكُم إلى الأرض، إلى القُبور، (وَيُخْرِجُكُمْ إِخْرَاجًا(18)) كما أنبتكم أول مرة، ويُعِيدُكُمْ: (كَمَا بَدَأْنَا أَوَّلَ خَلْقٍ نُّعِيدُهُ) [الأنبياء:104].
- (وَاللَّهُ أَنبَتَكُم مِّنَ الْأَرْضِ نَبَاتًا (17) ثُمَّ يُعِيدُكُمْ فِيهَا وَيُخْرِجُكُمْ إِخْرَاجًا (18)) -جلَّ جلاله-، فتأمّلوا في أنفُسِكُم كيف لا ترجونَ لله وقارَ؟! كيف لا تخافونَه؟! كيف لا ترجونه؟!.
يقول سبحانه: (وَاللَّهُ جَعَلَ لَكُمُ الْأَرْضَ بِسَاطًا (19)) مبسوطة ممّهدة لكم؛
- (أَلَمْ نَجْعَلِ ٱلْأَرْضَ مِهَٰدًۭا) [النبأ:8].
- (وَٱلْأَرْضَ فَرَشْنَٰهَا فَنِعْمَ ٱلْمَٰهِدُونَ) [الذاريات:48].
هذا فرش تحتنا ممتد؛ لا يضطرب ولا يتزلزل ولا يتحرك؛ وإلاَّ كيف سنعيش؟ يذكّرنا من وقت إلى وقت، كيف؟ الأرض يحصل فيها زلزال هنا لمدة ثواني؛ وتقع مصائب كبيرة وتفقد أشياء كثيرة وخسائر كبيرة، ثواني فقط! ومن يمسك باقي الأرض؟
- (إِنَّ ٱللَّهَ يُمْسِكُ ٱلسَّمَٰوَٰتِ وَٱلْأَرْضَ أَن تَزُولَا ۚ وَلَئِن زَالَتَآ) [فاطر:41].
- (أَنَّ ٱللَّهَ سَخَّرَ لَكُم مَّا فِى ٱلْأَرْضِ وَٱلْفُلْكَ تَجْرِى فِى ٱلْبَحْرِ بِأَمْرِهِۦ وَيُمْسِكُ ٱلسَّمَآءَ أَن تَقَعَ عَلَى ٱلْأَرْضِ إِلَّا بِإِذْنِهِۦٓ ۗ إِنَّ ٱللَّهَ بِٱلنَّاسِ لَرَءُوفٌۭ رَّحِيمٌۭ) [الحج:65].
سيأتي يوم ستتزلزل كلها، لا أحد سيبقى: (إِذَا زُلْزِلَتِ ٱلْأَرْضُ زِلْزَالَهَا) [الزلزله:1]، وإلى الآن -في ثواني- لما يأتي زلزال تحصل مصيبة على الناس، وكل شيء ينتهي، لا يقدرون أن يقاوموا بأي شيء.
يقولُ: (جَعَلَ لَكُمُ الْأَرْضَ بِسَاطًا(19)) مبسوطة، ممّتدة، مهيأة تمشون عليها، تتحرك ولا تحسون بها، تدور ولا تحسون بها؛ ثابتين؛ بساط وفرش عجيب!
(جَعَلَ لَكُمُ الْأَرْضَ بِسَاطًا (19) لِّتَسْلُكُوا مِنْهَا سُبُلًا)، طرقاً.
(فِجَاجًا (20)) واسعات، جمع فج، (يَأْتِينَ مِن كُلِّ فَجٍّ عَمِيقٍۢ) [الحج:27] متسِعات في الأرض؛
- (لِّتَسْلُكُوا مِنْهَا سُبُلًا فِجَاجًا)، واسعات تدورون فيها، (فَٱمْشُوا۟ فِى مَنَاكِبِهَا وَكُلُوا۟ مِن رِّزْقِهِۦ ۖ وَإِلَيْهِ ٱلنُّشُورُ)،[الملك:15].
- (لِّتَسْلُكُوا مِنْهَا سُبُلًا فِجَاجًا)، وكم وكم من سُبل على ظهر الأرض و طرق وأماكن طويلة واسعة.
- (لِّتَسْلُكُوا مِنْهَا سُبُلًا فِجَاجًا)؛ هذا نوع من تذكير سيدنا النبي نوح لِقومِه.
بعد ذلك يقول الله: (قَالَ نُوحٌۭ رَّبِّ إِنَّهُمْ عَصَوْنِى(21))، طول السنين هذه كلها، وقد تقدم معنا أنه قرن بعد قرن وهم يعصون، وأنه يجيء الرجل منهم بإبنه ويقف عند النبي نوح يقول: اسمع، انظر هذا، انتبه لا يغرك، لا تتبعه، أنا لما كنت في سِنَّك أبي حملني وجاء بي إلى عنده وقال لي: لا تتبعهُ، وأنا أقول لك الآن، ويكبر الثاني ويأتي يقول لولده كذلك، يأتي بولده إلى عند النبي نوح ويأتي جيل بعد جيل، بعد جيل؛ كلهم يتواصون بتكذيب النبي نوح عليه السلام.
(قَالَ نُوحٌ رَّبِّ إِنَّهُمْ عَصَوْنِي وَاتَّبَعُوا) طوائف منهم؛ لأن الناس لابد لهم من أتباع، لابد لهم من اتّباع؛ عمومهم لابد لهم من اتّباع؛ إذا لم يتبعوا الأنبياء؛ سيتبعون الساقطين والسافلين، لابد لهم من اتباع.
(وَاتَّبَعُوا) صنف منهم (مَن لَّمْ يَزِدْهُ مَالُهُ وَوَلَدُهُ)، وفي قراءة: (وَوُلُدُهُ إِلَّا خَسَارًا(21)) يعني الذين لا يشكرون النعمة ولا يعرفون الخالق الذي خلقهم، ويزدادون بكثرة المال وكثرة الأولاد؛ بُعدًا عن الله -تبارك وتعالى- وغيًا وطغيانًا بقادتهم، بهذا الشكل وهم يتبعونه.
(وَاتَّبَعُوا مَن لَّمْ يَزِدْهُ مَالُهُ وَوَلَدُهُ إِلَّا خَسَارًا(21))، خسارًا لإنسانيته، خسارًا لِقيمه، خسارًا لمرجعه ومآبه، وجعلوا هؤلاء قادة وهم يتبعونه.
(وَاتَّبَعُوا مَن لَّمْ يَزِدْهُ مَالُهُ وَوَلَدُهُ إِلَّا خَسَارًا) الذين أعدُّوا أنفسهم متقدمين في زمننا ومتطورين، وعندهم وعندهم وعندهم، ما تركوا بقية البلدان في حالها! ماذا عملوا بثروات بقية البلاد؟ وماذا عملوا بالذوات الإنسانية؟!
أنت مادام إنك متطور ومتحضر، وعندك كل شيء، كُف عن خلق الله، أقعد فيما أنتَ فيه ممّا تعده نعيم ومال، أجلس في مالك، دع خلق الله على الله، دع خلق الله على الله، لا تتعرض لهم، لا تتعرض لثرواتهم، لا تتعرض لأموالهم، لا تتعرض لديارهم، لا تفتنهم بينهم البين، لا تجيب أسلحتك إلى عندهم، أنت متطور، إنسان متحضر، خُذ مالك وخُذ ما عندك واترك خلق الله.
(مَن لَّمْ يَزِدْهُ مَالُهُ وَوَلَدُهُ إِلَّا خَسَارًا(21))، مال وولد، وقوة كما يدَّعون وخسران في القيم، وفي الإنسانية، وفي التطاول على الغير، وفي الهلع والجزع وراء جمع الأموال.
الدول التي يسمونها فقيرة يتهافتون، ويتناهشون ثرواتها وأموالها بأنواعها، اتركها دول فقيرة؛ أنت الآن دولة غنية، اترك الفقير هذا هو والذي عنده يبني حياته، كلما بدأ يقوم، يأتي ويهِدّ البنية التحتية بأي وسيلة، يا جماعة! هذا أفادكم وحضارتكم هكذا؟ أملت عليكم حضارتكم وتقدمكم! هكذا تعملون بعبادَ الله؟! (وَاتَّبَعُوا مَن لَّمْ يَزِدْهُ مَالُهُ وَوَلَدُهُ إِلَّا خَسَارًا (21) وَمَكَرُوا مَكْرًا كُبَّارًا(22)) جاءوها بصورٍ. أنصحُكَ لا تتبعْ هذا، هذا سيضرك، ولا يَغُرَّكَ.
- (وَمَكَرُوا مَكْرًا كُبَّارًا(22))، يقول: لا تترك سُوَاع وَيَغُوثَ وَيَعُوقَ وَنَسْر؛ الأصنام.
- (وَمَكَرُوا مَكْرًا كُبَّارًا)، نسبوا إلى الله الشريك والولد -والعياذ بالله تعالى-.
- (وَمَكَرُوا مَكْرًا كُبَّارًا) أي واسع الكِبَر، فيكون كبير وكُبَر، وكُبَّار، وكما عَجَب وعُجْب وعُجَّاب.
- (وَمَكَرُوا مَكْرًا كُبَّارًا) أنزل -الله تعالى- القرآن بلغةِ العرب؛ وهذه الكلمة عندهم يعني شيء كبير جدًا جدًا! كبير وكُبَر وكُبَّار، غاية ما يُذكر في الكِبَر: كُبَّار.
من اللطائف يذكرون أن واحد من الناس في القرون الأولى قال: جميع ألفاظ القرآن سمعتها من العرب الأقحاح، -هؤلاء الذين ما اختلطوا بأي لغة- إلاَّ ثلاث كلمات؛ ما قد سمعتها منهم مباشرة، ما هي؟ قال (كُبَّار)، و(عُجَاب)، و(قَسْوَرَة)؛ (فَرَّتْ مِن قَسْوَرَةٍ) [المدثر:51]. فهو يرحل إلى البادية وإلى الأماكن عسى يسمع من أحد هذه الكلمات -من دون مايتكلم معه-. فجاء وقصد -من جملةً مساعيه بعد رحلات طويلة- واحد شايب من العرب، الذي نشأ على العربية من أصله، جلس معه يُحَادِثُهُ:
- يميلُ كذا إلى ذكر الأُسُودِ، -يريده يذكر القَسْوَرَة.
- يميلُ إلى ذكر الأمور غريبة، يريده يقول: عُجَاب.
- يميلُ إلى أشياء كبيرة يريده يقول: كُبَّار.
رأى نفسه حاول وما استطاع، ضحك على نفسه، لما ضحك غضب هذا الشايب والتفتَ إليه وقال: أتهزأُ بي يا ابن قَسْوَرَة العرب وأنا شيخٌ كُبَّار إن هذا لشيءٌ عُجَاب! فرح هذا الرجلُ؛ قال: الثلاث الكلمات التي أبحث عنها كلها جمعَها له في عبارة واحدة، وأعطاه إياها.
وقال: الحمدلله، سمعتها، وهو تولع أراد يسمع من العرب، وهو كلام ربُّكَ فوق العرب، وهو أعلمُ بالعربِ وبلغتِهم؛ لكنَّه تولَّع أن يسمع جميع الكلمات في القرآن، سمعها من العرب هؤلاء الأقحاح. قال: هذه الثلاثة، ولما تَعِبَ تَعِبَ، في الأخير جاءت له مرةً دفعةً واحدةً. قال: أتهزأُ بي يا ابن قَسْوَرَة -يعني أسد العرب-، وأنا شيخٌ كُبَّار يعني بلغتُ غايةً في الكِبَرِ-، إن هذا لشيءٌ عُجَاب! -يعني ما يليق منك عجيب عجيب-، تعمل هكذا بي، لما رأى الرجل يضحك، ظنَّ أنَّه يضحك عليه.
(وَمَكَرُوا مَكْرًا كُبَّارًا(22))، في مكرهم كُبَّار (وَقَالُوا لَا تَذَرُنَّ آلِهَتَكُمْ(23))، أيُّ آلهةٍ! تنحتونها أنتم، تصلحونها وترجع آلهة! أيّ مِن إنسانٍ عاقلٍ يقول: إن هذا الأمر المنحوت هو خَلَق أو رَزَق! أنت الذي صنعته بيدك يا أبله!.
وهكذا كان جماعة من المشركين يعمل له بعض الأصنام من حلوى، أو من تمر، ويجيء يعبدها، بعد ذلك يجوع ما يحصّل شيء فيقضمها، إذا أكلها يقول: إن معبوده في بطنه! معبود باطل أصلًا، وما يصلحُ لِلعِبادَة، شيء مادة مُكوَّنة ومُسخَّرة تحت يدك.
ولهذا لما أراد بعضُ الأنصارِ يُنقِذَ والده من الشرك وعبادة الأوثان، يجيء إلى عند الصنم، ويأتي بالوسخ يضعه عليه، يجيءُ ثاني يوم يدخل البيت يجد الوسخ عند الصنم. يقول: مَنْ هذا؟ على إِلَهه! مَنْ هذا على معبوده؟! يُنظِّفُهُ، يُطيِّبُهُ. ثاني يوم، ثالث يوم، يقول: انظر، هذا الفأس. أتى بالفأس عنده ووضعه عند صنمه. وقال له: إذا أحد جاءك، دافعْ عن نفسك! وما نفع فأسُهُ ولا غيرُهُ صنمُ من الأصنام! جاء قال: والله لو كان هذا فيه قوة أو ذا، كان سيمنع نفسه! وعاد أنا كيف أعبده؟ فكانت طريقة صحح بها عقلهِ.
وهكذا، كل ما ادُّعِيَت الألوهيةُ لغير الله تعالى والعبودية، فحالُهُ ووضعُهُ يشهدُ بنقصهِ وضعفه، ظاهر عليه نقص وضعف وحاجة. -يا الله- فكيف يُعبَد؟
إلى آخر شيء، تأتي أعظم الفتن؛ الدجال الأعور الخبيث، يقول للخَلق: أنا إلهكم. قل له: صلِّح عينك، عنده ضعف ظاهر عليه ناقص ما يقدر يُصلِح عينه، "عينُهُ طافئة كأنها عِنَبَة"، ومع ذلك: أنا ربكم! تعالوا، ويعطيهم خبز، وأكل، يقولون: أنت، أنت ربنا، ويمشون وراءه -إنّا لله وإنا إليه راجعون-
يقول النبي ﷺ: "مهما خفي عليكم من شأنه، فلا يخفى عليكم أن ربكم ليس بأعور". قُل له: صلِّح عينَكَ أنتَ إذا أنت ربّ! ما العين هذه المُزْرِيَة! كل ما ادُّعِيَت الألوهية لغير الله، وجد أثر الضعفِ ظاهر عليه، أثر النقصِ فيه، الألوهيةُ لواحد إله خلقنا.
(وَقَالُوا لَا تَذَرُنَّ آلِهَتَكُمْ وَلَا تَذَرُنَّ وَدًّا وَلَا سُوَاعًا وَلَا يَغُوثَ وَيَعُوقَ وَنَسْرًا(23)):
- قيل انها أسماء أبناء لناس كانوا مُعلِّقين بهم ويحبونهم، ثمَّ ماتوا فحزنوا عليهم، ثمَّ صوروهم صُوَر وكانوا يتذكرونهم، ثمَّ جاءت الأجيال فبعث الشيطان فيهم العبادة لهم.
- وقيل إنهم كانت أسماء لأناس، وكانوا من صلحائهم ويعبدون الله، فقام على قدم العبادة جيل من بعدهم، فزُيِّن إليهم، أنّه لو صورتموهم يكون لكم أنشطَ لعبادتكم، فجعلوا لهم تماثيل وصور، فمضى الجيلُ الأولُ، ثم الثاني. بدأ الشيطان يقول لهم: الذين قبلَكم كانوا يعبدون هؤلاء؛ كيف؟!، وزيِّن لهم عبادتهم، وعبدوهم، فكان ذلك قبل بعثة النبي نوح عليه السلام.
وقد ذكرنا أن بني آدم قبل ذلك ما كان فيهم شرك، كانوا كلهم آدمُ وأولادُهُ؛ والجيل الثاني والثالث، والرابع، لا أحد يشرك مع الله شريك آخر أصلًا، ولا يقول أن غير الله شريك، فكان أول من بُعث بالتوحيد وأرسل؛ هو النبي نوح -عليه السلام- لأنهم كانوا موحدين بالفطرة، فكان هو من أرسل أعني بالتوحيد، فصلوات الله عليه وعلى نبينا وعلى جميع الأنبياء والمرسلين.
(لَا تَذَرُنَّ آلِهَتَكُمْ وَلَا تَذَرُنَّ وَدًّا وَلَا سُوَاعًا وَلَا يَغُوثَ وَيَعُوقَ وَنَسْرًا(23)) العجيب هذه الأسماء! بقيت متبادلة، لا شك أن أجرامها قد ذهبت في الطوفان، ولكن بَقت الأجيال بعدما رجع الشرك والكفر.
سيدنا نوح قد وحَّد الأرض، كلهم موحدون، معه ثمانين نفر كلهم يشهدون أن لا إله إلاَّ الله، ويؤمنون بالرسل، توالدوا وبقي سيدنا نوح ستين سنة بعد أن رست السفينة وبقي على ظهر الأرض، حتى ظهرَ جيل من أولادهم وجيل ثاني، وتوفي النبي نوح وهم على الملة، مشوا كم أجيال، ثم رجع بني آدم -والعياذ بالله- إلى الشرك والكفر.
وبعده بعث الله النبي هود والنبي صالح، ولهذا كان النبي هود يقول لقومه (وَاذْكُرُوا إِذْ جَعَلَكُمْ خُلَفَاءَ مِن بَعْدِ قَوْمِ نُوحٍ وَزَادَكُمْ فِي الْخَلْقِ بَسْطَةً) [الأعراف:69]، (جَعَلَكُمْ خُلَفَاءَ مِن بَعْدِ قَوْمِ نُوحٍ)، فكان النبي هود من الأنبياء الأقدمين الذي يقرب زمنه إلى زمن النبي نوح -عليه السلام- ولكن بعد أجيال قد كفروا وقد أشركوا وعبدوا غير الله -تبارك وتعالى-،
فدعاهم النبي هود إلى عبادة الله وحده، وقال تعالى: (وَإِلَىٰ عَادٍ أَخَاهُمْ هُودًا ۗ قَالَ يَا قَوْمِ اعْبُدُوا اللَّهَ مَا لَكُم مِّنْ إِلَٰهٍ غَيْرُهُ ۚ أَفَلَا تَتَّقُونَ * قَالَ الْمَلَأُ الَّذِينَ كَفَرُوا مِن قَوْمِهِ إِنَّا لَنَرَاكَ فِي سَفَاهَةٍ وَإِنَّا لَنَظُنُّكَ مِنَ الْكَاذِبِينَ) -يكلمون الأنبياء هكذا- (قَالَ يَا قَوْمِ لَيْسَ بِي سَفَاهَةٌ وَلَٰكِنِّي رَسُولٌ مِّن رَّبِّ الْعَالَمِينَ * أُبَلِّغُكُمْ رِسَالَاتِ رَبِّي وَأَنَا لَكُمْ نَاصِحٌ أَمِينٌ * أَوَعَجِبْتُمْ أَن جَاءَكُمْ ذِكْرٌ مِّن رَّبِّكُمْ عَلَىٰ رَجُلٍ مِّنكُمْ لِيُنذِرَكُمْ ۚ وَاذْكُرُوا إِذْ جَعَلَكُمْ خُلَفَاءَ مِن بَعْدِ قَوْمِ نُوحٍ وَزَادَكُمْ فِي الْخَلْقِ بَسْطَةً ۖ فَاذْكُرُوا آلَاءَ اللَّهِ لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ) [الأعراف: 65-69].
قالوا: نحن كما سُكروا قوم نوح بالآلهة، نحن وراءهم، (أَجِئْتَنَا لِنَعْبُدَ اللَّهَ وَحْدَهُ وَنَذَرَ مَا كَانَ يَعْبُدُ آبَاؤُنَا ۖ فَأْتِنَا بِمَا تَعِدُنَا إِن كُنتَ مِنَ الصَّادِقِينَ * قَالَ قَدْ وَقَعَ عَلَيْكُم مِّن رَّبِّكُمْ رِجْسٌ وَغَضَبٌ ۖ أَتُجَادِلُونَنِي فِي أَسْمَاءٍ سَمَّيْتُمُوهَا أَنتُمْ وَآبَاؤُكُم مَّا نَزَّلَ اللَّهُ بِهَا مِن سُلْطَانٍ ۚ فَانتَظِرُوا إِنِّي مَعَكُم مِّنَ الْمُنتَظِرِينَ) [الأعراف:70-71]؛ فأنجى الله المؤمنين وأغرق هؤلاء الكفار، أهلكهم بالريح الصرصر العاتية.
يقول: (وَقَدْ أَضَلُّوا كَثِيرًا(24))
- إما كبراؤهم أضلُّوا
- وإما بسبب الأصنام عُبدت من دون الله
أضلوا كثيرا، كما قال سيدنا النبي إبراهيم عن الأصنام: (وَاجْنُبْنِي وَبَنِيَّ أَن نَّعْبُدَ الْأَصْنَامَ * رَبِّ إِنَّهُنَّ أَضْلَلْنَ كَثِيرًا مِّنَ النَّاسِ) [إبراهيم: 35-36]. حتى صدَّقوا شيءٌ ما يدخل في العقل! ما معنى إله؟! هذا أنت تكوُّنه وتصنعه وبعد ذلك يقع إله؟! ما المعنى هذا؟ لا يقبله العقل، (أَضْلَلْنَ كَثِيرًا مِّنَ النَّاسِ)، (وَقَدْ أَضَلُّوا كَثِيرًا) أضلت هذه الأصنام، وكُبراء القوم أضلوا أتباعهم: (وَلَا تَزِدِ الظَّالِمِينَ إِلَّا ضَلَالًا (24)).
قال الله: أنه بعد هذا، بسبب خطاياهم أغرقناهم: (مِّمَّا خَطِيئَاتِهِمْ أُغْرِقُوا)، أي بسبب خطاياهم. وفي القراءة الأخرى: (مِمَّا خَطَايَاهُمْ) بكثرة خطاياهم وإصرارهم على الشرك والكفر والتكذيب بالنبي نوح أُغرقوا؛ (فَأُدْخِلُوا نَارًا)؛ غرق في الدنيا ونار في الآخرة. ما الخسارة الكبيرة هذه! (أُغْرِقُوا فَأُدْخِلُوا نَارًا فَلَمْ يَجِدُوا لَهُم مِّن دُونِ اللَّهِ أَنصَارًا(25)).
ولَد النبي نوح الكافر -واحد من أولاده كافر- لم يدخل معه ولم يركب معه في السفينة: (وَنَادَىٰ نُوحٌ ابْنَهُ وَكَانَ فِي مَعْزِلٍ يَا بُنَيَّ ارْكَب مَّعَنَا وَلَا تَكُن مَّعَ الْكَافِرِينَ) قَالَ: لماذا السفينة؟ لأن الماء سينزل، أنا سأذهب إلى الجبل، سأطلع الجبل ولن يصلني ماء! (قَالَ سَآوِي إِلَىٰ جَبَلٍ يَعْصِمُنِي مِنَ الْمَاءِ) سيدنا نوح قال له: (لَا عَاصِمَ الْيَوْمَ مِنْ أَمْرِ اللَّهِ إِلَّا مَن رَّحِمَ ۚ وَحَالَ بَيْنَهُمَا الْمَوْجُ فَكَانَ مِنَ الْمُغْرَقِينَ) [هود:42-43] -نعوذ بالله-
وبعد ذلك لما راجع ربه في شأن الولد، قال له الله: هذا ليس من ولدك؛ لأنه كافر وأنت مؤمن لأنه عمل غير صالح (قَالَ رَبِّ إِنِّي أَعُوذُ بِكَ أَنْ أَسْأَلَكَ مَا لَيْسَ لِي بِهِ عِلْمٌ ۖ وَإِلَّا تَغْفِرْ لِي وَتَرْحَمْنِي أَكُن مِّنَ الْخَاسِرِينَ * قِيلَ يَا نُوحُ اهْبِطْ بِسَلَامٍ مِّنَّا وَبَرَكَاتٍ عَلَيْكَ وَعَلَىٰ أُمَمٍ مِّمَّن مَّعَكَ ۚ وَأُمَمٌ سَنُمَتِّعُهُمْ ثُمَّ يَمَسُّهُم مِّنَّا عَذَابٌ أَلِيمٌ) [هود:47-48]. قال: الذين معك، هؤلاء سيأتي لهم ذراري، منهم من يثبت ويصدق على الإيمان، منهم من يكفر، وكل واحد سنعطيه جزاءه، -الله أكبر-
(قِيلَ يَا نُوحُ اهْبِطْ بِسَلَامٍ مِّنَّا وَبَرَكَاتٍ عَلَيْكَ وَعَلَىٰ أُمَمٍ مِّمَّن مَّعَكَ ۚ وَأُمَمٌ سَنُمَتِّعُهُمْ ثُمَّ يَمَسُّهُم مِّنَّا عَذَابٌ أَلِيمٌ)، ..لا إله إلا الله..
قال: (مِّمَّا خَطِيئَاتِهِمْ أُغْرِقُوا فَأُدْخِلُوا نَارًا فَلَمْ يَجِدُوا لَهُم مِّن دُونِ اللَّهِ أَنصَارًا(25))، (فَمَن يَنصُرُنِي مِنَ اللَّهِ إِنْ عَصَيْتُهُ) [هود:63]، (أَمَّنْ هَٰذَا الَّذِي هُوَ جُندٌ لَّكُمْ يَنصُرُكُم مِّن دُونِ الرَّحْمَٰنِ ۚ إِنِ الْكَافِرُونَ إِلَّا فِي غُرُورٍ) [الملك: 20].
(وَقَالَ نُوحٌ رَّبِّ لَا تَذَرْ عَلَى الْأَرْضِ مِنَ الْكَافِرِينَ دَيَّارًا(26))، ولا واحد ساكن دار، لاتبقي منهم أحد، لماذا؟؛ لأن الله أوحى إلى نوح: (وَأُوحِيَ إِلَىٰ نُوحٍ أَنَّهُ لَن يُؤْمِنَ مِن قَوْمِكَ إِلَّا مَن قَدْ آمَنَ) [هود:36].
(إِنَّكَ إِن تَذَرْهُمْ) تتركهم (يُضِلُّوا عِبَادَكَ)، يستمرون (وَلَا يَلِدُوا إِلَّا فَاجِرًا كَفَّارًا(27))
(رَّبِّ اغْفِرْ لِي.(28)):
الأنبياء يسألون الغفران من الرب؛ لأنه يرجون لله وقارا وعظمة لله -وهم معصومون- ومع ذلك يسألون الغفران دائماً لهم وَلِأُمَمهم.
وهكذا مَن عرف الله: (رَّبِّ اغْفِرْ لِي وَلِوَالِدَيَّ)؛ وفيه دليل:
- أن والدا -سيدنا إبراهيم- من المؤمنين، وكذلك آباء وأمهات الأنبياء كلهم على الإيمان.
- وأبو إبراهيم الكافر، هو عمه آزر،-عمه- عمه ويطلق عليه لفظ الأب.
- لكن الأب الذي من صلبه مؤمن؛ لأن (اللَّهُ أَعْلَمُ حَيْثُ يَجْعَلُ رِسَالَتَهُ) [الأنعام:124]، يخرجهم من صلبٍ من صلبٍ من صلبٍ أطهار كلهم.
- وحفظ الله آباء النبي وأمهاته، ليس من الشرك والكفر فقط، حتى من الخيانة، من الزنى: "خرجتُ من نكاحٍ ولم أخرجْ من سفاحٍ".
كلهم محفوظين من عند آدم إلى عبدالله وآمنة بنت وهب. أعراضهم محفوظة، فكيف بقلوبهم وإيمانهم؟
قال: (رَّبِّ اغْفِرْ لِي وَلِوَالِدَيَّ)؛ كذلك الدليل أن آزر هذا -أبوه الكافر- الذي هو عم سيدنا إبراهيم، تبرأ منه: (فَلَمَّا تَبَيَّنَ لَهُ أَنَّهُ عَدُوٌّ لِّلَّهِ تَبَرَّأَ مِنْهُ) [التوبة:114].
و لما جاء بولده إلى مكة المكرمة مع زوجته هاجر وولده إسماعيل، قال: (رَّبَّنَا إِنِّي أَسْكَنتُ مِن ذُرِّيَّتِي بِوَادٍ غَيْرِ ذِي زَرْعٍ عِندَ بَيْتِكَ الْمُحَرَّمِ رَبَّنَا لِيُقِيمُوا الصَّلَاةَ فَاجْعَلْ أَفْئِدَةً مِّنَ النَّاسِ تَهْوِي إِلَيْهِمْ وَارْزُقْهُم مِّنَ الثَّمَرَاتِ لَعَلَّهُمْ يَشْكُرُونَ * رَبَّنَا إِنَّكَ تَعْلَمُ مَا نُخْفِي وَمَا نُعْلِنُ ۗ وَمَا يَخْفَىٰ عَلَى اللَّهِ مِن شَيْءٍ فِي الْأَرْضِ وَلَا فِي السَّمَاءِ * الْحَمْدُ لِلَّهِ الَّذِي وَهَبَ لِي عَلَى الْكِبَرِ إِسْمَاعِيلَ وَإِسْحَاقَ ۚ إِنَّ رَبِّي لَسَمِيعُ الدُّعَاءِ رَّبِّ اغْفِرْ لِي وَلِوَالِدَيَّ) -وَلِوَالِدَيَّ- [إبراهيم:37-39]، لو كان أبوه كافر لن يقول هكذا.
ذاك قد تبرأ منه -آزر-: (فَلَمَّا تَبَيَّنَ لَهُ أَنَّهُ عَدُوٌّ لِّلَّهِ تَبَرَّأَ مِنْهُ) [التوبة:114].
- والآن يقول: (رَبَّنَا اغْفِرْ لِي وَلِوَالِدَيَّ وَلِلْمُؤْمِنِينَ يَوْمَ يَقُومُ الْحِسَابُ) [إبراهيم:41]؛ والديَّ: أبوه وأمه، أبوا الخليل إبراهيم، يسأل المغفرة لهم لأنهم مؤمنون موحدون.
وهكذا النبي نوح قال: (رَّبِّ اغْفِرْ لِي وَلِوَالِدَيَّ وَلِمَن دَخَلَ بَيْتِيَ مُؤْمِنًا(28))،
قال: من دخل بيتي وهو مؤمن، ادخله في المغفرة.
- ففي دخول بيوت الأنبياء سبب للغفران؛ سبب للخير والقرب. تدخل دار واحد خيِّر، تجيء لك الرحمة.
- (رَّبِّ اغْفِرْ لِي وَلِوَالِدَيَّ وَلِمَن دَخَلَ بَيْتِيَ مُؤْمِنًا)، أي واحد مؤمن دخل الدار عندي، إعطه مغفرة.
(رَّبِّ اغْفِرْ لِي وَلِوَالِدَيَّ وَلِمَن دَخَلَ بَيْتِيَ مُؤْمِنًا)، وقيل أن مراد "بيته": مسجده. وقيل: إنها السفينة؛ لكن الآية واضحة: (رَّبِّ اغْفِرْ لِي وَلِوَالِدَيَّ وَلِمَن دَخَلَ بَيْتِيَ مُؤْمِنًا وَلِلْمُؤْمِنِينَ وَالْمُؤْمِنَاتِ):
- الذين دخلوا الدار، والذين ما دخلوا، والذين جاؤوا عندنا، والذين ما جاؤوا.
- المؤمنين والمؤمنات الذين مضوا قبل، والذين سيأتون من بعد.
فكان الأنبياء يستغفرون للمؤمنين والمؤمنات: (وَلِلْمُؤْمِنِينَ وَالْمُؤْمِنَاتِ وَلَا تَزِدِ الظَّالِمِينَ إِلَّا تَبَارًا(28))، هلاكًا؛ فاستجاب الله دعوته، لكن بعد صبر طويل، وبعد تحمُّل شاق.
تحمَّل سيدنا النبي نوح تسعمائة وخمسين سنة، أيُ صبر هذا! تسعمائة وخمسين سنة وهو في هذه المعاناة والمقاساة منهم، وصبر حتى انتهت المدة، وأوحى الله إليه أنه لن يؤمن أحد، فدعا عليهم فاستجاب الله دعاءه: قال ربي (إني مَغْلُوبٌ فَانتَصِرْ) [القمر:10]
فالنتيجة جاءت كبيرة، على قدر كِبَر جهاده وتضحيته وصبره قال: (فَفَتَحْنَا أَبْوَابَ السَّمَاءِ بِمَاءٍ مُّنْهَمِرٍ * وَفَجَّرْنَا الْأَرْضَ عُيُونًا) -الله أكبر- (فَالْتَقَى الْمَاءُ عَلَىٰ أَمْرٍ قَدْ قُدِرَ) ، مرتب من عنده سبحان مقدّر، محدد، معيّن بذراته، بكميته؛ كلها بتقدير إلهي، ترتيب وعِلم رباني: (عَلَىٰ أَمْرٍ قَدْ قُدِرَ * وَحَمَلْنَاهُ عَلَىٰ ذَاتِ أَلْوَاحٍ ودسر) -يارب هذه الألواح وَالدُسُرٍ، أين ستصل عند الأمواج هذه والأمطار هذه؟! قال: (تَجْرِي بِأَعْيُنِنَا) [القمر:11-14]؛ عناية خاصة:
- ماء منهمر يمرّ من هنا، ويمرّ من هناك، وفوق السفينة لا شئ.
- الناس في السفينة سيضرهم المطر، الماء المُنهمر في الجهة هذه وفي الجهة هذه، أما في السفينة لا شئ!
- (تَجْرِي بِأَعْيُنِنَا) فسلِمت من وقوع المطر فوقها، والمياه التي تحتها؟ قال: (بِأَعْيُنِنَا) تجري. لا شيء يهزها ولا يزعزعها.
(أَلْوَاحٍ وَدُسُرٍ) -مسامير- ألواح خشب -ودسر- مسامير صنعها، سيدنا نوح بنفسه عملها! ماذا ستقاوم هذه؟! من المياه هذه؟! -الله أكبر-!
لكن (تَجْرِي بِأَعْيُنِنَا)، انتهت المسألة؛ عناية ربي -جلَّ جلاله- (جَزَاءً لِّمَن كَانَ كُفِرَ * وَلَقَد تَّرَكْنَاهَا آيَةً فَهَلْ مِن مُّدَّكِرٍ) [القمر:14-15].
وسفينته هذه كلنا كنا وسطها؛ (إِنَّا لَمَّا طَغَى الْمَاءُ حَمَلْنَاكُمْ فِي الْجَارِيَةِ) سفينة نوح (لِنَجْعَلَهَا لَكُمْ تَذْكِرَةً وَتَعِيَهَا أُذُنٌ وَاعِيَةٌ) [الحاقة:11-12]:
- كلنا كنا وسط السفينة، حملنا ربي في السفينة هذه، وإلاَّ كيف أتينا إلى الأرض؟
- البقية كلهم غرقوا، لا يوجد أحد إلاَّ الذين في السفينة.
فلهذا قلنا إن الذين في العالم كلهم -حتى الكفار هؤلاء- أجدادهم مسلمين مؤمنين، لكن هم غيّروا وبدّلوا. إلاَّ أنَّ أجدادهم مسلمين كلهم، كلهم أجدادهم مسلمين الذين في سفينة نوح، وإلاَّ من أين بني ادم هؤلاء كلهم الملايين؟! هم من الذين وسط السفينة، كلهم أجدادهم مسلمين، ما لهم غيروا؟! ما ثبتوا على الطريق التي كان عليها الأوائل.
فالحمد لله على نعمة الإسلام، وثبتنا الله عليها، واجعل في رحيل هذا الشهر رحيلًا لذنوبنا وسيئاتنا، ورحيلاً لكروبنا وآفاتنا، ورحيلاً للبلاء عنا وعن ديارنا وعن يَمَنِنَا وَعَنْ شَامِنَا. يا حي يا قيوم، ينسلخ الشهر وتنسلخ ذنوبنا وسيئاتنا، وتنسلخ همومنا وغمومنا، فلا يبقى لنا هم إلاَّ أنت. يا حي يا قيوم، اجعل همنا أنت حتى نلقاك وأنت همنا وحدك، يا ذا الجلال والإكرام، يا ذا الطول والإنعام، يا أرحم الراحمين.
يا رب بلغتنا أول الشهر وأوصلتنا إلى آخره، لك الحمد، لك المنة، ونحن في عافية، ونحن في خير، ونحن في طمأنينة، ونحن في صوم، ونحن في قيام، وكله منك، فلك الحمد ولك الشكر على ذلك.
واقبلنا، واقبلنا واجعل الآثار بعد رمضان في قبولك بارزة علينا؛ في نياتنا وفي مقاصدنا وفي أحوالنا وفي وجهاتنا وفي ديارنا وفي منازلنا وفي معاملاتنا، وفرج عن المسلمين، وادفع البلاء عن المؤمنين، وارفع هذه الكروب الثقيلة والخطوب المُهيلة، فما لها إلَّا أنت، بوجاهة حبيبك محمد وسر القرآن المنزل عليه، يا ربنا، يا ربنا، ولا تجعل فينا وفي ديارنا، وديار الحاضرين والسامعين، إلاَّ مغفورًا لهم، وإلاَّ منظورًا إليهم، رجالًا ونساءً، صغارًا وكبارًا، ومَن في أصلابهم. ياأرحم الراحمين، يا أرحم الراحمين، يا أرحم الراحمين، حقق لنا ذلك وزدنا، ماأنت أهله، يا ملك الممالك.
يا حي يا قيوم، يا واحد يا أحد، يا فرد يا صمد. ثبتنا على الحق فيما نقول، ثبتنا على الحق فيما نفعل، ثبتنا على الحق فيما نعتقد، واعصمنا من الشرك، واغفر لنا ما دون ذلك، واجعل هوانا تبعًا لما جاء به حبيبك محمد، واجعل هوانا تبعًا لما جاء به حبيبك محمد، واجعل هوانا تبعًا لما جاء به حبيبك محمد، واجعلنا عبيدًا خُلَّصًا محضًا لك، لا تستعبدنا الأنفس ولا الأهواء ولا شياطين الإنس، ولا شياطين الجن، ولا الدنيا، ولا يستعبدنا شيء سواك. نكون عبادًا لك خُلَّص، خالصين مخلصين العبادة لوجهك الكريم، مقبلين بكلياتنا عليك، مقبولين بالقبول الحسن لديك، برحمتك ياأرحم الراحمين.
بسرِ الفاتحة
وإلى حضرةِ النَّبي اللَّهم صل عليه وعلى آله وصحبه،
الفاتحة
بيننا وبين نبيك نوح قرون كثيرا؛ ولكن حدثتنا عنه فيما أنزلت على نبيك فواليناه لك ومن أجلك، وأحببناه لك ومن أجلك، اللهم فارفع لهم درجات واجزهم عن أممهم خير الجزاءات واجمعنا وإياهم تحت لواء الحمد الذي يحمله خاتمهم خير البريات، وأرنا وجوههم في البرازخ وفي القيامة وفي دار الكرامة وأنت راضي عنا، واحشرنا مع النبيين والصديقين والشهداء والصالحين، ورافق بنا مع النبيين والصديقين والشهداء والصالحين، وأسكنّا الجنة مع النبيين والصديقين والشهداء والصالحين.
30 رَمضان 1439