(444)
(628)
(368)
الدرس الرابع من تفسير العلامة عمر بن محمد بن حفيظ للآيات الكريمة من سورة الزمر، ضمن الدروس الصباحية لشهر رمضان المبارك من عام 1447هـ ، تفسير قوله تعالى:
أَمَّنْ هُوَ قَانِتٌ آنَاءَ اللَّيْلِ سَاجِدًا وَقَائِمًا يَحْذَرُ الْآخِرَةَ وَيَرْجُو رَحْمَةَ رَبِّهِ ۗ قُلْ هَلْ يَسْتَوِي الَّذِينَ يَعْلَمُونَ وَالَّذِينَ لَا يَعْلَمُونَ ۗ إِنَّمَا يَتَذَكَّرُ أُولُو الْأَلْبَابِ (9) قُلْ يَا عِبَادِ الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا رَبَّكُمْ ۚ لِلَّذِينَ أَحْسَنُوا فِي هَٰذِهِ الدُّنْيَا حَسَنَةٌ ۗ وَأَرْضُ اللَّهِ وَاسِعَةٌ ۗ إِنَّمَا يُوَفَّى الصَّابِرُونَ أَجْرَهُم بِغَيْرِ حِسَابٍ (10)
صباح الأربعاء 29 رمضان 1447 هجري.
الحمدُ للهِ مُكرمِنَا بآياتِه، وما انطوَى فيها من تنزُّلاتِه وتعليمَاتِه وتَوجيهَاتِه وتنبِيهَاتِه وتَعرُّفاتِه. وجعلَ الكلَّ من بابٍ واحدٍ على لسانِ خير بريَّاته، عبدِه المُختار محمدٍ بن عبد الله سيدِ أهل طاعاتِه، وإمامِ أهل عباداتِه سلطانِ أهل حضرتِه، وسيدِ أهلِ قُربِه ومحبَّتِه. أدِم اللَّهمَّ صلواتِك على السِّراجِ المُنيرِ البَشيرِ النَّذير، عبدِكَ المُختارِ محمد، أحمد، وعلى آلهِ الأطهارِ وأصحابِهِ الأخيارِ، ومن والاهم فيك واتَّبع سبيلَه الأرشَد، وعلى آبائِه وإخوانِه من الأنبياءِ والمُرسلين، الذين جعلْتهم سادةَ أهلِ الصِّدقِ معكَ في الغيبِ والمشهَد، وعلى آلهِم وصحبِهِم وتابِعيهم، وملائكتِكَ المُقرَّبين، وجميعِ عبادِكَ الصَّالحين، وعلينا معهم وفيهم برحمَتِكَ يا أرحمَ الرَّاحمين.
أما بعدُ؛
فإننا في نعمةِ تأمُّلنا لكلام إلهنا -جل جلاله- واتصالنا بمعاني الوحي والتنزيل؛ لتتنوّر البصائر، وتتصفّى السرائر، ويحصل التَّطهر مع كل طاهر، والنقاء عن الأكدار، والارتقاء في مراتب القُرب من الملك الغفار -جل جلاله-؛ لنكون على بصيرة ونور من هذا الذكر المنزَل على بدر البدور -صلى الله عليه وعلى آله وصحبه وسلم-.
وصلنا في تأمل أوائل سورة الزمر إلى قوله تبارك وتعالى: (أَمَّنْ هُوَ قَانِتٌ آنَاءَ اللَّيْلِ سَاجِدًا وَقَائِمًا يَحْذَرُ الْآخِرَةَ وَيَرْجُو رَحْمَةَ رَبِّهِ) بعد أن ذكر أحوال المُعرضين عن الله، ومن ارتضوا ما لا يرضاه الله منهم من الكفر والعصيان، وذكر حال الإنسان الذي إذا مسَّه الضر (دَعَا رَبَّهُ مُنِيبًا إِلَيْهِ ثُمَّ إِذَا خَوَّلَهُ نِعْمَةً مِّنْهُ نَسِيَ مَا كَانَ يَدْعُو إِلَيْهِ مِن قَبْلُ وَجَعَلَ لِلَّهِ أَندَادًا لِّيُضِلَّ عَن سَبِيلِهِ قُلْ تَمَتَّعْ بِكُفْرِكَ قَلِيلًا ۖ إِنَّكَ مِنْ أَصْحَابِ النَّارِ (8))
(أَمَّنْ هُوَ قَانِتٌ)؛ يعني: هل يكون حال هذا مثل حال من هو (قَانِتٌ آنَاءَ اللَّيْلِ سَاجِدًا وَقَائِمًا يَحْذَرُ الْآخِرَةَ)؟!
هؤلاء حالة اتِّخاذ الأنداد لله -تبارك وتعالى-؛ وإن كانوا عند مسِّ الضُّر يرجعون إلى الله -سبحانه-، ورضاهم لأنفسهم بالكفر ولا يرضاه لعباده، وبُعدهم عن الشكر؛ هذا مسالكهم.
هل يستوي هؤلاء هم ومن مسلكه القنوت والطاعة والانقياد والتعظيم والمحبة لله تبارك وتعالى؟!
ثمَّ ختم الآية بقوله: (قُلْ هَلْ يَسْتَوِي الَّذِينَ يَعْلَمُونَ وَالَّذِينَ لَا يَعْلَمُونَ)، مُشيرًا إلى أنَّ الذين يعلمون هم الذين انتهجوا هذا المنهج الطيب الأزكى، فكانوا:
(أَمَّنْ هُوَ قَانِتٌ آنَاءَ اللَّيْلِ سَاجِدًا وَقَائِمًا)؛ وفي قراءة: (أمَنْ هُوَ قَانِتٌ)؛
في مقابل ما قال لأهل الكفر: (تَمَتَّعْ بِكُفْرِكَ قَلِيلًا ۖ إِنَّكَ مِنْ أَصْحَابِ النَّارِ (8) أَمَّنْ هُوَ)؛ يا من (هُوَ قَانِتٌ آنَاءَ اللَّيْلِ) أنت غير هذا! وأنت غايتك ونهايتك عكس؛ إن لهذا النار فأنت الجنة، وإنَّ لهذا الذلَّة فأنت العزة.. وهكذا؛ لأنك في غير سبيله.
(أَمَّنْ هُوَ قَانِتٌ آنَاءَ اللَّيْلِ سَاجِدًا وَقَائِمًا يَحْذَرُ الْآخِرَةَ)؛ (أَمَّنْ هُوَ قَانِتٌ)
يقول تعالى في وصف هؤلاء المُشابهين لنبيِّه -عليه الصلاة والسلام- الذي قام حتى تورَّمت قدماه -اللهم صلِّ عليه وعلى آله- وقال: "أفلا أكونُ عَبدًا شَكورًا؟"؛ يا ربي صلِّ على سيد الشاكرين عبدك المصطفى محمد.
يقول: (أَمَّنْ هُوَ قَانِتٌ)؛ يشبِه المصطفى محمد والنبيين والمُقرَّبين (قَانِتٌ آنَاءَ اللَّيْلِ). وفي ذلك أيضًا إشارة إلى إثبات أنًَ الطاعة في الليل تتميَّز، وأنًَ أصحابها أعزُّ، وأن الليل محلُّ طاعات للمقبلين الخاشعين، يجدون فيها ما لا يجدونه في النهار.
وإن كان لهم في النهار مجالات في أنواع الطاعات، كما قال الله لنبيِّه: (إِنَّ لَكَ فِي النَّهَارِ سَبْحًا طَوِيلًا).. (يَا أَيُّهَا الْمُزَّمِّلُ * قُمِ اللَّيْلَ إِلَّا قَلِيلًا * نِّصْفَهُ أَوِ انقُصْ مِنْهُ قَلِيلًا * أَوْ زِدْ عَلَيْهِ وَرَتِّلِ الْقُرْآنَ تَرْتِيلًا * إِنَّا سَنُلْقِي عَلَيْكَ قَوْلًا ثَقِيلًا * إِنَّ نَاشِئَةَ اللَّيْلِ) منشأه وبدايته (هِيَ أَشَدُّ وَطْئًا وَأَقْوَمُ قِيلًا * إِنَّ لَكَ فِي النَّهَارِ سَبْحًا طَوِيلًا) [المزمل:1-7]. معك مهام تقوم بها في النهار، تفصل بين عبادنا وتدلُّهم علينا، وتربِّيهم وتزكِّيهم.. وما إلى ذلك، وكل هذا يحتاج منك عُدّة، وأن تتحمَّل هذا القول الثقيل؛ فقم من الليل فإنه العُدّة لهذه المهمة الكبيرة.
كما يشير إلى ذلك قول سيدنا موسى للرحمن: (وَاجْعَل لِّي وَزِيرًا مِّنْ أَهْلِي * هَارُونَ أَخِي * اشْدُدْ بِهِ أَزْرِي * وَأَشْرِكْهُ فِي أَمْرِي * كَيْ نُسَبِّحَكَ كَثِيرًا * وَنَذْكُرَكَ كَثِيرًا) [طه:29-34]؛ إشارة إلى أنَّ هذا التسبيح والذكر هو العُدّة لهم لأداء الأمانة هذه والقيام.
فكل من يُعلِّم ويدعو إلى الله يجب أن يكون عنده زاد وافر من:
وكان يقول بعض شيوخنا للطلاب: لا يُسمّى طالب علم من ليس له قيام بالليل. فإذا كان ما يُسمّى طالب علم، كيف يُسمّى معلم؟ كيف يُسمّى داعي؟ حتى طالب علم ما يُسمّى إذا ما له قيام في الليل!
(أَمَّنْ هُوَ قَانِتٌ آنَاءَ اللَّيْلِ):
يقول: (آنَاءَ اللَّيْلِ): ساعات الليل، (سَاجِدًا وَقَائِمًا)، كما قال في الآية الأخرى: (وَالَّذِينَ يَبِيتُونَ لِرَبِّهِمْ سُجَّدًا وَقِيَامًا)، (لِرَبِّهِمْ): هنا ميزتهم وشرفهم وكرامتهم (لِرَبِّهِمْ سُجَّدًا وَقِيَامًا)، لربهم سُجّد، لربهم قيام. أنعِم وأكرِم بهم! فأنعِم بسجودهم وقيامهم لله تعالى؛ يُريدون وجهه، (يَبِيتُونَ لِرَبِّهِمْ سُجَّدًا وَقِيَامًا) [الفرقان:64].
فعسى تخرج بنصيب من هذا الخير من رمضان إلى ما بعد رمضان، ويكون لك في الليل مُشابهة لمن أُنزِل الوحي عليه واقتداء به، ويكون لك ساعات من الليل تسجد وتقوم فيها، حذِرًا من الآخرة، وراجِيًا رحمة ربِّ الدنيا والآخرة، وملك الدنيا والآخرة، ومن بيده أمر الدنيا والآخرة، والحاكم في الدنيا والآخرة -جل جلاله-.
(أَمَّنْ هُوَ قَانِتٌ آنَاءَ اللَّيْلِ) -ساعات الليل- (سَاجِدًا وَقَائِمًا).
(سَاجِدًا وَقَائِمًا)، وفيه الاعتناء بالسجود، وقدَّمه بالذكر.. ويقول نبينا سيد الساجدين: "أقرَبُ ما يَكونُ العَبدُ مِن رَبِّه وهو ساجِدٌ".
والحق -سبحانه وتعالى- يرى كل شيء، ولكن قال لنبيه في آية: (يَرَاكَ) وهذه رؤية خاصَّة في عناية الله بحبيبه، يقول: (وَتَوَكَّلْ عَلَى الْعَزِيزِ الرَّحِيمِ * الَّذِي يَرَاكَ)، يرى دائمًا هو، لكن وقت قيامك يَرَاكَ الرب رؤية خاصة، وعاده يرى ماذا؟ (تَقَلُّبَكَ فِي السَّاجِدِينَ)، (الَّذِي يَرَاكَ حِينَ تَقُومُ * وَتَقَلُّبَكَ فِي السَّاجِدِينَ)، فمدد الساجدين من الرحمن كبير، ويتقلب فيهم البشير النذير صلى الله عليه وعلى آله وصحبه وسلم.
فكان له أنواع من هذه التقلبات ﷺ في الساجدين؛ يعني:
وتقلبه هذا مرئيٌّ من قِبل الله برؤية خاصة؛ وإلَّا الله يرى كل شيء، يرى عبدَه محمد وحده؟! أو يرى تقلّبه في الساجدين؟! (الَّذِي يَرَاكَ حِينَ تَقُومُ) فقيامه ﷺ خير قيام، (وَتَقَلُّبَكَ فِي السَّاجِدِينَ) [الشعراء:217-219].
يقول جلّ جلاله: (أَمَّنْ هُوَ قَانِتٌ آنَاءَ اللَّيْلِ سَاجِدًا وَقَائِمًا)، وقد طال قيامه وطال سُجوده، بل كان في عامة صلواته يكون القيام والركوع والسجود قريبًا من السواء؛ قريبًا من السواء كما جاء في بعض الروايات عنه صلى الله عليه وعلى آله وصحبه وسلّم. فكم طال سجوده وكم طال قيامه بين يدي معبوده -جلً جلاله وتعالى في عُلاه- وهو سيد القائمين وسيد الساجدين.
(سَاجِدًا وَقَائِمًا يَحْذَرُ الْآخِرَةَ)؛ ما معنى يحذر الآخرة؟
لكن هذا يَحذر شيء فوق هذا، أكبر من هذا؛ (يَحْذَرُ الْآخِرَةَ)..
(يَحْذَرُ الْآخِرَةَ)، عنده حذر من هذه المُستقبَلات الخطيرة النكِدة الصعبة، التي هي مُستقبَلات كل من كَفَر وأصرّ على الكُفر والمعصية ومُخالفة الحق ومُخالفة أنبيائه صلوات الله وسلامه عليهم؛ لأن الله أعد الجنات لأتباع هؤلاء الرسل قال سبحانه وتعالى: (سَابِقُوا إِلَىٰ مَغْفِرَةٍ مِّن رَّبِّكُمْ وَجَنَّةٍ عَرْضُهَا كَعَرْضِ السَّمَاءِ وَالْأَرْضِ أُعِدَّتْ لِلَّذِينَ آمَنُوا بِاللَّهِ وَرُسُلِهِ) [الحديد:21]، فأتباع الرسل أُعدت لهم الجنة. اللهم اجعلنا منهم وأدخلنا جنتك بغير حساب وارزقنا الدرجات العُلى في الجنة.
يقول: (أَمَّنْ هُوَ قَانِتٌ آنَاءَ اللَّيْلِ سَاجِدًا وَقَائِمًا). أذِقنا لذّة السجود لك، وحلاوة القيام بين يديك يا ربّ، ولذّة المُناجاة. ولا تحرِمنا خير ذلك، ولا خير ما عندك لشرِّ ما عندنا.
(سَاجِدًا وَقَائِمًا)؛ ففي الركنين هذين من جملة أركان الصلاة.. خصوصية:
فينبغي أن تأخذ نصيبك من خصوصية القيام وخصوصية السجود.
وهكذا، فكان -يصلي بهم التسبيح وغيرها- الحبيب عبد الله بن الشاطري رحمه الله يقول لبعض المشايخ: "إني أحس للسجود حلاوة، لولا المأمومين ورائي ما أقوم من السجود"، لا إله إلا الله!
وهكذا، قال الحبيب علي بن شهاب: مشيت مع الحبيب عبدالرحمن المشهور إلى حارة الخليف، وبيته قد بناه هذا في حارة المحضار، جاء وقال لي: اخرج وقل لولدي علي يعطيك كذا وكذا، قال: جئت ووجدت ابنه ساجد مطوّل السجود؛ كأنه ثوب مُلقَى ماله حركة، ولما طال الوقت وخفت أن يُعاتبني شيخي، فذهبت إليه قلت له: ولدك ساجد ما قام من السجود. قال: ارجع إليه حركه برجله سيحس بك. رجع، قال: أنا دخلت من الباب وهو رفع رأسه من السجدة، فنظرت وإذا -السلقة- الذي تحته الحصير مبلل من الدموع.
(أَمَّنْ هُوَ قَانِتٌ آنَاءَ اللَّيْلِ سَاجِدًا وَقَائِمًا يَحْذَرُ الْآخِرَةَ وَيَرْجُو رَحْمَةَ رَبِّهِ)..
(يَرْجُو رَحْمَةَ رَبِّهِ)؛ فإنه الذي بيده الأمر إذا رُحم ما يستطيع أحد أن يوصل السوء إلى من رحمه الله، ويعلم: (مَّا يَفْتَحِ اللَّهُ لِلنَّاسِ مِن رَّحْمَةٍ فَلَا مُمْسِكَ لَهَا) [فاطر:2].
يرجو رحمة ربه في أحواله المُختلفة في الدنيا، والرحمة الكبرى:
هذا الرجاء في الله سبحانه وتعالى، هذا رجاء الذين وعوا وأدركوا وعرفوا؛ (سَاجِدًا وَقَائِمًا يَحْذَرُ الْآخِرَةَ وَيَرْجُو رَحْمَةَ رَبِّهِ)..
مَن لم يعرف الله؛ هؤلاء (الَّذِينَ لَا يَعْلَمُونَ)، لا يعلمون من جميع معلوماتهم.. ما تُخلّصهم من عذاب الآخرة، ولا من سوء الحساب، وسوء المصير، وسوء العذاب، وأشد العذاب.
فماذا تنفع هذه العلوم؟!
وهكذا.. أما بالمقارنة إلى بعض علوم عندنا في الدنيا؛ يقول واحد لرفيق معه أو خادم معه يمشي في الطريق، يقول: أنت ما تعرف علم النحو؟ قال: لا. قال: فات نصف عمرك، وبعد ذلك هاج الماء عليهم وهم في السفينة كثرت عليهم، قال: ما تعرف السباحة؟ هذا الذي يعرف النحو قال: لا. قال: فاتك عمرك كله! لم يعد هو نصف عمرك، عمرك كله فات الآن!.. وهذا الذي ما يعرف الله فاته عمره كله! فاتته الدنيا وفاتته الآخرة.
صنع تكنولوجيا، صنع صاروخ، وبعد ذلك.. ما أعددت لنفسك؟ وأين مصيرك؟ بعد هذا كله نار موقدة!
أي علم هذا؟
(يَحْذَرُ الْآخِرَةَ وَيَرْجُو رَحْمَةَ رَبِّهِ)، كذلك شأن الرجاء..
كل من عرف الله يرجوه لأنه يعلم كرمه وسخائه، وأنه لا ينقصه شيء، ولا يُبالي بشيء:
ما يضره شيء أصلًا، وكل شيء يسير عليه جلّ جلاله وتعالى في علاه.
فمن عرف الله لا بد أن يخافه ولا بد أن يرجوه على قدر معرِفته؛ ولهذا كان أرجى الخلق للحق عبده محمد، وأخوف الخلق من الحق عبده محمد؛ لأنه أعرفهم به، لأنه أعرفهم به، فلما كان أعرفهم به كان أرجى بلا شك، وكان أخوف بلا شك، صلى الله عليه وعلى آله وصحبه وسلم. ولذا قال: "أما إني أخشاكم لله" -لأنه أعرف بالله- "وأتقاكم له" صلى الله عليه وعلى آله وصحبه وسلم.
قال جلّ جلاله: (يَرْجُو رَحْمَةَ رَبِّهِ ۗ قُلْ هَلْ يَسْتَوِي الَّذِينَ يَعْلَمُونَ وَالَّذِينَ لَا يَعْلَمُونَ).
هؤلاء (يَعْلَمُونَ)؛ فهل يستوون هم مع من (لَا يَعْلَمُونَ)؟!
الذين (لَا يَعْلَمُونَ):
(فَلَا تَغُرَّنَّكُمُ الْحَيَاةُ الدُّنْيَا وَلَا يَغُرَّنَّكُم بِاللَّهِ الْغَرُورُ) [فاطر:5]، فهذه مظاهر الجهل الحقيقي مرجعها إلى الجهل بالله، ترجع إلى الجهل بالله تعالى. وكل واحد سواء كان في مظهر الإسلام مسلم أو كان كافر ولا يستعد للآخرة ولا يسلك هذا المسلك، هذا جاهل، هذا مظهر الجهل؛ الجهل الحقيقي هو هذا.
فكلما علِم زادت خشيته من الله جلّ جلاله وتعالى في علاه، هذا هو العلم الحقيقي النافع.
والعلوم مع كثرتها كلها في حد ذاتها آلة ويتقنها البَرُّ والفاجر لا شرف في ذاتها:
وسمعنا قوله تعالى: (فَلَمَّا جَاءَتْهُمْ رُسُلُهُم بِالْبَيِّنَاتِ فَرِحُوا بِمَا عِندَهُم مِّنَ الْعِلْمِ)، يعني: اغتروا به وجهلوا؛ وإلا العلم الحقيقي ما شيء عندهم؛ لكن هو ذا الذي يسموه علم.. اغتروا به. ونحن وجدناهم يجيئون إلى بلاد المسلمين يقولون: العلوم مراد بها التطبيقية والطبيعية والبحثية فقط هذه العلوم. هذه مادة العلوم! والباقي ما هذا؟ ما هو علم الثاني هذا؟!
ونحن عندنا العلم الأشرف الأجل: معرفة الله. فلا علم مثل القرآن ولا السنة الغراء، هذه خير العلوم وأشرف العلوم وأعظم العلوم.
وصاروا حتى يستعملون يقول لك: هذا أمر علمي، يقصد بأنه شيء فيه من التحليلات المادية الحسية، هو هذا العلم؟!
يقول تعالى: (سَاجِدًا وَقَائِمًا يَحْذَرُ الْآخِرَةَ وَيَرْجُو رَحْمَةَ رَبِّهِ ۗ قُلْ هَلْ يَسْتَوِي الَّذِينَ يَعْلَمُونَ وَالَّذِينَ لَا يَعْلَمُونَ). اللهم علمنا ما ينفعنا وزدنا علمًا واجعلنا من الذين يعلمون.
فكل مؤمن بالله على قدر إيمانه عالِم؛ ولكن هذا العلم على مراتب وعلى درجات، كلما كثُرت الخشية من الله تعالى فهو المقياس لزيادة العلم.
العلم خشية كله *** يُعرف بذلك أهله.
العلم بالأعمال *** يزكو وبالأحوال
وليس بالأقوال *** وكثرة الجدال
قال تعالى: (وَاتْلُ عَلَيْهِمْ نَبَأَ الَّذِي آتَيْنَاهُ آيَاتِنَا)، أعطاه معلومات في الدين (فَانسَلَخَ مِنْهَا) بماذا انسلخ؟ آثر الدنيا؛ (فَأَتْبَعَهُ الشَّيْطَانُ فَكَانَ مِنَ الْغَاوِينَ * وَلَوْ شِئْنَا لَرَفَعْنَاهُ بِهَا) بهذه الآيات والعلوم رفعنا قوم، (وَلَٰكِنَّهُ أَخْلَدَ إِلَى الْأَرْضِ وَاتَّبَعَ هَوَاهُ ۚ فَمَثَلُهُ كَمَثَلِ الْكَلْبِ إِن تَحْمِلْ عَلَيْهِ يَلْهَثْ أَوْ تَتْرُكْهُ يَلْهَث) [الأعراف:175-176]، إنَّ هذا إنْ ذكَّرته، ما ذكَّرته، إن وعظته، ما وعظته.. حاله هو ذا (كَمَثَلِ الْكَلْبِ إِن تَحْمِلْ عَلَيْهِ يَلْهَثْ أَوْ تَتْرُكْهُ يَلْهَث) فقط على طول يلهث، وهذا سكران وراء الدنيا ما يفيق أصلًا، لاحول ولا قوة إلا بالله، فشبَّهه الحق بالكلب.
وقديمًا الذين حملوا من العلوم النافعة؛ التوراة والإنجيل؛ لكنهم ضيَّعوا العمل بها، بل تجرؤوا عليها وحرَّفوها، قال تعالى: (مَثَلُ الَّذِينَ حُمِّلُوا التَّوْرَاةَ ثُمَّ لَمْ يَحْمِلُوهَا) -ما قاموا بحقها ولا اتبعوا- (كَمَثَلِ الْحِمَارِ يَحْمِلُ أَسْفَارًا) [الجمعة:5]. حمار فوقه كتب كثيرة، بِم يرجع؟ عالم؟! ليس عالم فوقه كتب؟ وإن فوقه كتب هو حمار، لا يزال حمار.
قال: هؤلاء ما نفعهم علم التوراة؛ لأنهم ما طبقوه ولا قاموا بحقه؛ فهم مثل (الْحِمَارِ يَحْمِلُ أَسْفَارًا). انظر كيف ضرب الله المثل لهؤلاء الخارجين عن سواء السبيل! لم يعد تنفعهم علومهم، هذا سماه قال: مثله مثل الكلب، وقال لذاك: مثلك مثل الحمار. وأين الإنسان الشريف الكريم؟ هؤلاء الأنبياء وأتباعهم والذين قاموا بحق العلم كما ينبغي.
قال: (إِنَّمَا يَتَذَكَّرُ أُولُو الْأَلْبَاب(9)):
(إِنَّمَا يَتَذَكَّرُ أُولُو الْأَلْبَابِ(9))؛ أهل العقول الذين لم يخونوا الأمانة في استخدام العقول.
ولذا كل عاقل ما يتناقض مع نفسه ولا يغالط نفسه يشعر بأنه في حاجة إلى دين، يشعر بأنه له إله، بلا استثناء.. كل الناس..
ولكن الذين يغالطون أنفسهم كثير، حتى مع هذا الشعور يتملّص إيثارًا للشهوات والفانيات واغترارًا بالتأثيرات الجانبية من كلام ذا ومن كلام ذاك، وإلّا الحقيقة ظاهرة: "كل مولود يولد على الفطرة"، يقول صلى الله عليه وآله وصحبه وسلم، فالمؤثرات الخارجية الجانبية تحرِف فطرته وعقله، وإلا أعطانا الله العقول لنعرفه:
قال: (إِنَّمَا يَتَذَكَّرُ أُولُو الْأَلْبَابِ (9) قُلْ يَا عِبَادِ الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا رَبَّكُمْ)، ترجموا الإيمان، صححوا الإيمان، حققوا الإيمان الذي عندكم؛ آمنتم، اهتديتم بعقولكم إلى أن:
إن كان هذا؛ فعلامة صدقكم في هذا الإيمان: التقوى، يعني:
الله، لا إله إلا الله.
قال: (قُلْ يَا عِبَادِ الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا رَبَّكُمْ ۚ لِلَّذِينَ أَحْسَنُوا فِي هَٰذِهِ الدُّنْيَا حَسَنَةٌ):
وما يخلو مؤمن في الدنيا من تيسير وحسن تدبير وملاطفة في أمر كثير.. وهذا يجد له زوجة صالحة، وهذا يجد له العافية، وهذا يجد له الصحة، وهذا يجد له العلم، وهذا يجد له المال الحلال المصروف في الطاعة… أنواع من الحسنة في الدنيا تحصل للمؤمنين، لهم هذه الحسنة، وعاد باقي وراءها ما هو أحسن، وراءها ما هو أحسن.
فلهذا يجب عليهم أن يقوموا بأمر الله كما ينبغي؛ كيف؟ قال: (وَأَرْضُ اللَّهِ وَاسِعَةٌ):
مهما كانت الأوضاع وتقلبت بالناس وكذا وكذا، لا يزال في أماكن على ظهر الأرض يستطيع كثير من المؤمنين الذهاب إليها وإقامة أمر الشعائر والدين كما ينبغي، وهذا من عجائب لطف الله في هذه الأمة المحمدية.
ما يقدر ينهي هذا بينهم، ولو اجتمعت دول الشرق والغرب عليهم ما يستطيعون ينهوا هذا ما دام القرآن موجود، ففي أماكن في الأرض، ولهذا:
الله يلحقنا بهم ويجعلنا فيهم ومنهم، آمين، آمين، آمين.
ويقول: "يحمِلُ هذا العلمَ من كلِّ خلَفٍ عدولُه ينفونَ عنهُ تحريفَ الغالينَ وانتحالَ المبطلينَ وتأويلَ الجاهلينَ". الانحرافات فيما يتعلق بالعلم:
وهكذا، عدول كل خلف؛ أخيار كل خلف من الأمة في كل زمان خلف عدول ينفون عن العلم ؛ "يحمِلُ هذا العلمَ من كلِّ خلَفٍ عدولُه ينفونَ عنهُ تحريفَ الغالينَ وانتحالَ المبطلينَ وتأويلَ الجاهلينَ".
وبذا تجد بعد ذلك من الجاهلين والمحرفين من يحاول أخذ الكلمات المجزأة والمقطعة من كلامهم ليحوله إلى معنى.. مثل الذي يحاول من الآيات يتَّبع ما تشابه من القرآن، (فَأَمَّا الَّذِينَ فِي قُلُوبِهِمْ زَيْغٌ فَيَتَّبِعُونَ مَا تَشَابَهَ مِنْهُ) مع تعلُّقهم بالقرآن هم زائغين؛ ولكن تعلُّقهم بالقرآن ليس من أجل الانقياد للقرآن.. من أجل المتشابهات يخلِّطون بها على أنفسهم وعلى الناس.
ولكن أهل الزيغ يعملون هكذا، ويحاولون من الأحاديث الشريفة، ويحاولون من كلام الصحابة، ومن كلام التابعين، ومن كلام الأخيار في أي زمان يجمعوا له كلمتين من هنا وكلمتين من هنا يصوروها بصورة على غير مراد القائل من أجل غرض، ومن أجل هوى، وإلى غير ذلك..
فالله يحفظ علينا الأدب والأمانة والصدق والخشية في العلم وبالعلم: (إِنَّمَا يَخْشَى اللَّهَ مِنْ عِبَادِهِ الْعُلَمَاءُ) [فاطر:28].
ويُجنبنا الآفات والعاهات، ويجمع شمل المسلمين، ويؤلف ذات بينهم، ويصون ويحقن دماءهم وأعراضهم وأموالهم، ويدفع الفتن والبلايا والآفات عنهم، إنه أكرم الأكرمين وأرحم الراحمين.
بِسِرِّ الْفَاتِحَةِ
إِلَى حَضْرَةِ النَّبِيِّ محمد، اللهمَّ صَلِّ وَسَلِّمْ وَبَارِكْ عَلَيْهِ وَعَلَى آلِهِ وَصَحْبِهِ
الْفَاتِحَة
03 شوّال 1447