(444)
(628)
(368)
الدرس الثاني من تفسير العلامة عمر بن محمد بن حفيظ للآيات الكريمة من سورة الزمر، ضمن الدروس الصباحية لشهر رمضان المبارك من عام 1447هـ ، تفسير قوله تعالى:
خَلَقَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ بِالْحَقِّ ۖ يُكَوِّرُ اللَّيْلَ عَلَى النَّهَارِ وَيُكَوِّرُ النَّهَارَ عَلَى اللَّيْلِ ۖ وَسَخَّرَ الشَّمْسَ وَالْقَمَرَ ۖ كُلٌّ يَجْرِي لِأَجَلٍ مُّسَمًّى ۗ أَلَا هُوَ الْعَزِيزُ الْغَفَّارُ (5) خَلَقَكُم مِّن نَّفْسٍ وَاحِدَةٍ ثُمَّ جَعَلَ مِنْهَا زَوْجَهَا وَأَنزَلَ لَكُم مِّنَ الْأَنْعَامِ ثَمَانِيَةَ أَزْوَاجٍ ۚ يَخْلُقُكُمْ فِي بُطُونِ أُمَّهَاتِكُمْ خَلْقًا مِّن بَعْدِ خَلْقٍ فِي ظُلُمَاتٍ ثَلَاثٍ ۚ ذَٰلِكُمُ اللَّهُ رَبُّكُمْ لَهُ الْمُلْكُ ۖ لَا إِلَٰهَ إِلَّا هُوَ ۖ فَأَنَّىٰ تُصْرَفُونَ (6) إِن تَكْفُرُوا فَإِنَّ اللَّهَ غَنِيٌّ عَنكُمْ ۖ وَلَا يَرْضَىٰ لِعِبَادِهِ الْكُفْرَ ۖ وَإِن تَشْكُرُوا يَرْضَهُ لَكُمْ ۗ وَلَا تَزِرُ وَازِرَةٌ وِزْرَ أُخْرَىٰ ۗ ثُمَّ إِلَىٰ رَبِّكُم مَّرْجِعُكُمْ فَيُنَبِّئُكُم بِمَا كُنتُمْ تَعْمَلُونَ ۚ إِنَّهُ عَلِيمٌ بِذَاتِ الصُّدُورِ (7)
صباح الإثنين 27 رمضان 1447 هجري.
الحمد لله الحق المبين، الحي القيوم، الواحد الأحد القهار الفرد الصمد الغفار، تكرم علينا بالتبيين وإيضاحِ الهدى والمحجَّة للمهتدين، وأنزل الكتب وأرسل النبيين وختمهم بسيدهم محمدٍ، أكرم الأولين والآخرين على الله رب العالمين، وأنزل عليه القرآن وجعله نوراً وهدى وشفاء ورحمة وفضلاً ومِنّة ونعمة وحُكماً وحكمة؛ فللَّه الحمد والمنة، نسأله أن يُصلِّيَ ويُسلِّمَ على عبده المبين الهادي المرشد سيدنا محمدٍ ﷺ أفضل الصلوات، ويُسلم عليه أزكى التسليمات، وعلى آله وصحبه ومن والاه وسار في دربه، وعلى آبائه وإخوانه من الأنبياء والمرسلين المبشرين به، وعلى آلهم وصحبهم وتابعيهم، وعلى ملائكة الله المقربين، وجميع عباد الله الصالحين وحزبه.
وبعد،،
فإننا في نعمة تأمُّلنا لكلام إلهنا وخالقنا -جل جلاله- وتنزيله ووحيه وما أوحاه إلى عبده ورسوله محمد ﷺ وما بيَّنَ وأرشد سبحانه وتعالى.
ابتدأنا في سورة الزُّمر، جعلنا الله في زُمَر أولي التقوى الذين يُساقون إلى الجنة في خِيارهم وأوائلهم اللهم آمين. (وَسِيقَ الَّذِينَ اتَّقَوْا رَبَّهُمْ إِلَى الْجَنَّةِ زُمَرًا) [الزمر:73].
ابتدأنا في أول السورة، وانتهينا إلى قوله جلَّ جلاله وتعالى في عُلاه: (خَلَقَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ بِالْحَقِّ) فهو المتفرد بخلق هذه السماوات وهذه الأرض التي نحيا عليها ونعيش فيها، لا نحن أوجدناها لأنفسنا، ولا نحن مهَّدناها، ولا نحن أرسينا الجبال عليها، ولا أحد سوانا من جميع بني آدم وجميع الجان وجميع هذه الكائنات!
(قُلْ أَرَأَيْتُم مَّا تَدْعُونَ مِن دُونِ اللَّهِ أَرُونِي مَاذَا خَلَقُوا مِنَ الْأَرْضِ)، ماذا؟ أين المكان الذي خلقوه؟! (مَاذَا خَلَقُوا مِنَ الْأَرْضِ أَمْ لَهُمْ شِرْكٌ فِي السَّمَاوَاتِ) [الأحقاف:4]، الأولى ولا الثانية والثالثة أين؟
مخلوقون أحدثهم سبحانه وأوجدهم وأعطاهم أسماع وأبصار ليؤمنوا وليعقِلوا؟.. عاندوا وكذبوا وجحدوا واتبعوا الأهواء والشهوات، نعوذ بالله من غضب الله.
(خَلَقَ السَّمَاوَاتِ) السبع التي ما ترى فيها التفاوت، والتي ما ترى لها من فطور، والتي مرت عليها الدهور والقرون بعد القرون، لا لجنة صيانة تصونها، ولا أحد يُحكم ترتيبها ولا يشد أماكنها، لا إله إلا الله، (وَبَنَيْنَا فَوْقَكُمْ سَبْعًا شِدَادًا) [النبأ:12] قوية محكمة الصنع، لا إله إلا الله وهكذا.
ويعتبر الإنسان بما جعل الله للكائنات فيه تدخلاً، بما أقدرهم هو سبحانه وتعالى في شيء مِن تصنيعه، فنرى مثل هذه الوُرش والأجهزة كم تخرب منها وكم هذا! والذي ماشي للإنسان فيه مباشرة، قد يعيش الإنسان سبعين سنة، ثمانين سنة، مئة سنة، والمعدة هي هي، والكبد هي هي، والكليتين هي هي، والعينان هي هي، ولا بدَّلوها ولا صلحوا لها تركيبه ولا غيروها، وهذه الورش كذا كذا، واحد عطلت هذه عطلت وهذه ذهبت..
(خَلَقَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ بِالْحَقِّ) لم يُشركه أحد؛ ولأجل أن تكون شواهد على قدرته وعظمته ودلالة على ألوهيته وربوبيته (بِالْحَقِّ).
(خَلَقَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ بِالْحَقِّ)، وأمامكم هذا الزمن الذي خلقه ليل ونهار، مَن غيره يتصرف فيه؟
يقول: يا جماعة أنتم متقدمين متطورين، النهار أحياناً يقصر كثير عندكم في كثير من دولكم المتقدمة، ويصل إلى ست ساعات في النهار، والليل أحياناً يصل إلى كذا، زيدوا خلوا الليل يطول! وخلوا النهار يقصر! ولا يقدرون بشيء ولا يعملون شيء.
قال: (يُكَوِّرُ اللَّيْلَ عَلَى النَّهَارِ وَيُكَوِّرُ النَّهَارَ عَلَى اللَّيْلِ):
يُدخل الليل في النهار؛ لما كان نهار يرجع ليل، والذي كان ليل يرجع نهار، دخل ذا في ذا، ما هذا التدبير؟!
(يُكَوِّرُ اللَّيْلَ عَلَى النَّهَارِ وَيُكَوِّرُ النَّهَارَ عَلَى اللَّيْلِ)، وقال لنا في آيات:
هذه الشواهد ليل ونهار يمر علينا، ونحن نجحد بهذا الذي كون ورتب ودبر هذا التدبير، نخالفه ونمشي مع أهوائنا ومع أهواء غيرنا.
(خَلَقَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ بِالْحَقِّ ۖ يُكَوِّرُ اللَّيْلَ عَلَى النَّهَارِ وَيُكَوِّرُ النَّهَارَ عَلَى اللَّيْلِ ۖ وَسَخَّرَ الشَّمْسَ وَالْقَمَرَ):
ومن ينظم المرور حق ملايين الكواكب؟!
ما شيء يَدُق الثاني، والأرض من بينها هذا كوكب صغير ما شيء يَدُق فيه ولا يدق في شيء، كل واحد يلزم حده ألوف السنين. ما شيء دَقّة، لمّا يجي الوعد بعدين تشوفه (وَإِذَا الْكَوَاكِبُ انتَثَرَتْ) [الانفطار:2] تقع، لكن مَن هذا الذي يمسكها؟ ألوف ملايين السنين، من؟ وتمشي بسير تمام مضبوط، لا يدق هذا في ذا، ولا هذا يحل محل ذا، ولا يصدم بذا؟ يحتاج كم جندي مرور لها؟ لا إله إلا الله.
(يُكَوِّرُ اللَّيْلَ عَلَى النَّهَارِ وَيُكَوِّرُ النَّهَارَ عَلَى اللَّيْلِ ۖ وَسَخَّرَ الشَّمْسَ وَالْقَمَرَ ۖ كُلٌّ يَجْرِي لِأَجَلٍ مُّسَمًّى)، يجري بمجرى محدد معيَّن مُنضبط وإلى وقت مسمَّى:
قال: أنا جعلت لها مدة من حين خلقها إلى وقت أن أن آمُر بالنفخ في الصُّور، وأُنهيها بعد ذلك، وتُكوَّر الشمس ويُخسف القمر (لِأَجَلٍ مُّسَمًّى)، قبل هذا الأجل سنة سنتين، مئة مئتين، ألف ألفين، عشرة آلاف مئة ألف، مليون سنة تمشي مضبوطة، ما هذه القدرة؟!
أنت جئت من قبل متى؟ كم؟ وتروح بسرعة وتصلح لنا مشاكل! وهذه كلها ساجدة لربها وخاضعة للمولى. أنت جيت قبل ما أدري كم سنين؟
هذا الإنسان، الآن مثلك أنت بني آدم قد مروا أُلوف أُلوف، ملايين ملايين، كلهم أعمار قصيرة، شوف الشمس فوقك عمرها كم؟ والقمر تطلع لك عمره كم؟ والأرض التي أنت عليها عمرها كم؟ استَحِ على نفسك! أنت متى جيت ومعك، أنت مار من المارين، وهذه ثابتة ملايين السنين إلى الأجل المسمى:
يقول: (كُلٌّ يَجْرِي لِأَجَلٍ مُّسَمًّى)؛ فليست الديمومية لشيء، وإنما قضى -سبحانه وتعالى- بالإبقاء للجنة وإبقاء النار والعرش والكرسي، وتأبيدها بقضائه سبحانه وتعالى، وهي قابلة أن يُفنيها لو أراد أن يُفنيها متى شاء، لكن أراد أن يُبقيها، فليست باقية بذاتها كما لم تُخلق بذاتها، وليست باقية إلا بإبقائه؛ فالوجود الحقيقي له لا لها.
(أَلَا هُوَ الْعَزِيزُ) وتقدم معنا معاني (الْعَزِيزُ)؛ ويؤكد سبحانه وتعالى: (أَلَا هُوَ الْعَزِيزُ) ما له مثيل، ما له نظير أصلاً، هذه العزة، نهاية العزة لا يوجد له مثيل، أو يَعِزّ وجود مثله، قال: هذا عزيز، حتى العوام أي شي نادر، يقولوا: هذا عزيز هذا؛ لأنه نادر ما يوجد ما يتوفر بكثرة. لكن العزة المطلقة له هو، هو ما لا يوجد أصلاً له نظير ولا مثيل، لا إله إلا هو. ومع ذلك منافع الكائنات كلها مِن عنده، خلقه وبفعله جل جلاله، الله الله الله، لا إله إلا الله. ثم لا يُحيط به غيره، لا يُحيط به غيره.
قال: (أَلَا هُوَ الْعَزِيزُ الْغَفَّارُ (5)):
حتى كان يقولون العرب من قديم:
إِن تَغفِرِ اللَهُمَّ تَغفِر جَمّا *** وَأَيُّ عَبدٍ لَكَ ما أَلَمّا
لا إله إلا الله، وهكذا..
يقول: (خَلَقَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ بِالْحَقِّ)، لم يشاركه فيها أحد، تفرد بخلقها، وخلق آيات ودلالات وعلامات على عظمته وألوهيته وربوبيته، (بِالْحَقِّ) خلقها.
(يُكَوِّرُ اللَّيْلَ عَلَى النَّهَارِ وَيُكَوِّرُ النَّهَارَ عَلَى اللَّيْلِ)، فالمكان خلقه، والزمان خلقه، والمصالح التي تجري في حياتنا من عنده: (وَسَخَّرَ الشَّمْسَ وَالْقَمَرَ) فَلِمَ نعبد غيره؟ لِمَ نعصي أمره؟ مكانك من عنده، زمانك من عنده، مصالحك من عنده، وتذهب تطيع غيره وتعصيه! تطيع هواك وتعصيه!
كَيفَ تَعصي الَّذي مِن نُطفَةٍ جَلَّ سَوّاك ** ثُمَّ غَذّاكَ بِإِحسانِهِ وَنَمّى وَرَبّاك
جل جلاله؟ ما حقه أن يُعصى، لا إله إلا الله. (كُلٌّ يَجْرِي لِأَجَلٍ مُّسَمًّى ۗ أَلَا هُوَ الْعَزِيزُ الْغَفَّارُ (5)).
وأنتم في أنفسكم (خَلَقَكُم مِّن نَّفْسٍ وَاحِدَةٍ)، كم عددكم؟ كم عدد الذين في زمانكم؟ وكم عدد الأجيال التي مرت قبلكم؟ القرون والطوائف؟ ومن نفس واحدة بثَّ هذه الأعداد كلها! جل جلاله.
(خَلَقَكُم مِّن نَّفْسٍ وَاحِدَةٍ)، (يَا أَيُّهَا النَّاسُ اتَّقُوا رَبَّكُمُ الَّذِي خَلَقَكُم مِّن نَّفْسٍ وَاحِدَةٍ وَخَلَقَ مِنْهَا زَوْجَهَا وَبَثَّ مِنْهُمَا رِجَالًا كَثِيرًا وَنِسَاءً) [النساء:1]، كثير -سبحان الله-. وأنتم من أنفسكم ما تقدرون تحصون عدهم، وتعيشون في أزمان يقدّرون سكان العالم بالأربع مليار خمسة مليار، وهؤلاء الموجودين، وكم مضوا؟ ومن نفس واحدة! ما هذه القدرة؟ آدم عليه السلام، والذي كان يقوله بعض العارفين: لو أن الله شفعني في الخلق كلهم في القيامة ما استكثرته عليه؛ قال: لأنه شفعني في حفنة طين، حفنة من تراب، كلهم هؤلاء يرجعوا منها. الذي كوّن منها جسد ابن آدم، كلهم تكونوا من نفس واحدة.
(خَلَقَكُم مِّن نَّفْسٍ وَاحِدَةٍ ثُمَّ جَعَلَ مِنْهَا زَوْجَهَا): حواء، خلق حواء من ضلع آدم، أخرج حواء؛ الحق يخرج ما يشاء:
وبعدين هل شيء يعجزه؟ ضروري إلا من نطفة؟ هذه السُنّة لحكمة رتبها، لكن يخلقك من أي شيء، يخلقك من حجر، من هواء، من خشب، من حديد، من لا شيء، هو الذي خلق كل شيء، فقدرته واسعة محيطة، يجيء هذا يرى سنة الله وتقديم الأسباب، يظن أن الأسباب هي التي تحكم؛ لا، هي محكومة، محكومة، هو الذي رتبها، هي ما تحكم ولكن رتبها بنظام سبحانه وتعالى لحِكَم عظيمة، كلٌّ يجري مجراه، ويأخذ في مستواه ما يلزمه، ما ينفعه وما يضره مرتب من عنده هو، ويُخرقها متى ما شاء جل جلاله.
قالوا للنبي صالح: هات لنا آية، قال: بسم الله، وخرجت صخرة من الجبل تحولت ناقة، دم ولحم وعظم، وتخرج لبن كثير، سبحانه! كبيرة يوم الشُّرب لحقهم الأنعام كلها، ويوم لها وحدها تشرب: (لَّهَا شِرْبٌ وَلَكُمْ شِرْبُ يَوْمٍ مَّعْلُومٍ) [الشعراء:155]، قالوا احترموا آيته.. والآية قدامهم ظهرت خلاص كان المفروض يؤمنون وتنتهي المسألة، قالوا: لا، ويعاندون إلى أن عقروها؛ (فَدَمْدَمَ عَلَيْهِمْ رَبُّهُم بِذَنبِهِمْ فَسَوَّاهَا) وحلَّت بهم الهلكة (وَلَا يَخَافُ عُقْبَاهَا) [الشمس:14-15]، ما يبالي سبحانه وتعالى، لا إله إلا الله؛ لأنه ما يضره شيء، وكما لا ينفعه شيء.
(خَلَقَكُم مِّن نَّفْسٍ وَاحِدَةٍ) آدم عليه السلام، (ثُمَّ جَعَلَ مِنْهَا زَوْجَهَا) حواء عليها السلام.
ثم جعل زوجها يعني خلقنا نحن أول وبعدين خلق زوجها ولا كيف؟ (خَلَقَكُم مِّن نَّفْسٍ وَاحِدَةٍ ثُمَّ جَعَلَ مِنْهَا زَوْجَهَا)؛ هذا الترتيب الذِّكْري، ذكري. يقول:
فلما رأت الملائكة النسمات هذه كلها، قالوا: يا رب، هؤلاء لما تكوّنهم ما تسعهم الأرض، كثرة هائلة، قال لهم الحق تعالى: إني لم أجمعهم في وقت واحد إلا جاء الموت. قالوا: هم يموتون أمام بعضهم البعض! فكيف يهنأ لهم العيش؟ إذا الموت قدامهم، كيف يعيشون؟
قال: (ثُمَّ جَعَلَ مِنْهَا زَوْجَهَا) فخلق زوجها، وخلقنا النسمات من هذه النفس، ثم لما طلع آدم إلى الجنة أسكنه الله الجنة، وخلق له حواء من ضلعه: (اسْكُنْ أَنتَ وَزَوْجُكَ الْجَنَّةَ) [البقرة:35].
قال: (ثُمَّ جَعَلَ مِنْهَا زَوْجَهَا وَأَنزَلَ لَكُم مِّنَ الْأَنْعَامِ ثَمَانِيَةَ أَزْوَاجٍ):
كما بينها في سورة الأنعام: (ثَمَانِيَةَ أَزْوَاجٍ ۖمِّنَ الضَّأْنِ اثْنَيْنِ وَمِنَ الْمَعْزِ اثْنَيْنِ قُلْ آلذَّكَرَيْنِ حَرَّمَ أَمِ الْأُنثَيَيْنِ أَمَّا اشْتَمَلَتْ عَلَيْهِ أَرْحَامُ الْأُنثَيَيْنِ ۖ نَبِّئُونِي بِعِلْمٍ إِن كُنتُمْ صَادِقِينَ * وَمِنَ الْإِبِلِ اثْنَيْنِ وَمِنَ الْبَقَرِ اثْنَيْنِ قُلْ آلذَّكَرَيْنِ حَرَّمَ أَمِ الْأُنثَيَيْنِ أَمَّا اشْتَمَلَتْ عَلَيْهِ أَرْحَامُ الْأُنثَيَيْنِ) [الأنعام:143-144].
(وَأَنزَلَ لَكُم مِّنَ الْأَنْعَامِ ثَمَانِيَةَ أَزْوَاجٍ) سبحانه عز وجل. قال: والعقل هذا الذي ما يتصور معنى إنزال الثمانية الأزواج، هل في واحد شاف إبل تنزل كذا من السماء؟ لكن إرادته لتكوينها وقيامها إنزال؛ فإذا كان هذا الإنزال في حق الأنعام لا يتعلق بالمسافة ولا بالمكان ولا بالجسمانية، فيأتي لك الناس يقولوا عندما يسمعون ينزل ربنا سبحانه وتعالى بيصلحون..!! عقلك ما يعقل إنزال الأنعام الثمانية، بيتعقل إنزال الحق سبحانه وتعالى؟ هذا المعنى اللائق به-جل جلاله-.
(وَأَنزَلَ لَكُم مِّنَ الْأَنْعَامِ ثَمَانِيَةَ أَزْوَاجٍ ۚ يَخْلُقُكُمْ فِي بُطُونِ أُمَّهَاتِكُمْ) -كلنا جئنا من بطون الأمهات- (خَلْقًا مِّن بَعْدِ خَلْقٍ): نطفة، علقة، مضغة، عظام تُكسى لحم، عروق، خلايا، أجهزة، روح تُنفخ، (خَلْقًا مِّن بَعْدِ خَلْقٍ). كل هذا وسط بطن الأم.
(فِي ظُلُمَاتٍ ثَلَاثٍ):
(فِي ظُلُمَاتٍ ثَلَاثٍ) داخل ما شيء ضوء، ما شيء ضوء، ما حد يمد سلك ولا كهرباء، ما شيء ضوء -لا إله إلا الله- يستوي في علمه ونظره النور والظلمة؛ كله سواء (خَلْقٍ فِي ظُلُمَاتٍ ثَلَاثٍ)، لا إله إلا الله.
ولهذا لما يتحدثون عن سمع ربنا الذي ليس كمثله سمع، وبصره الذي ليس كمثله بصر، ويقربون معنى علوه ونزاهته: لو فرضنا أننا جينا بنملة سوداء، فوضعناها وسط صخرة صمّاء، ثم جئنا بها إلى أعماق البحر، وجاءت ظلمات الليل؛ لكان الرحمن تعالى يراها، ويسمع دبيبها، ويرى عروقها، ويرى مخ ساقها وهي وسط صخرة، وهي سوداء من أصلها وسط صخرة، والصخرة في أعماق البحر، وفوق البحر ليل أشد ما يكون في العالم الخَلقي هذا من الظلمات، يراها ويسمع دبيبها -جل جلاله- سبحانه خالق الأسماع والأبصار. الناس كانوا يريدون يقيسوا سمع الحق على سمعهم وبصرهم، وهو أجلّ وأكبر من ذلك جل جلاله.
قال سبحانه: (يَخْلُقُكُمْ فِي بُطُونِ أُمَّهَاتِكُمْ خَلْقًا مِّن بَعْدِ خَلْقٍ فِي ظُلُمَاتٍ ثَلَاثٍ ۚ ذَٰلِكُمُ اللَّهُ رَبُّكُمْ)، أين تصلحون لأنفسكم آلهة غيره؟ لا خلق لا الأرض ولا السماء، ولا الشمس ولا القمر، ولا الزمان، ولا هيّؤوا لكم هذه المصالح، ثم كيف تنصرفون عنه؟
(فَأَنَّىٰ تُصْرَفُونَ (6) إِن تَكْفُرُوا فَإِنَّ اللَّهَ غَنِيٌّ عَنكُمْ ۖ وَلَا يَرْضَىٰ لِعِبَادِهِ الْكُفْرَ ۖ وَإِن تَشْكُرُوا يَرْضَهُ لَكُمْ).
اللهم اجعلنا شاكرين مؤمنين موقنين، وزِدنا إيماناً ويقيناً. قال سبحانه وتعالى: (وَإِذْ تَأَذَّنَ رَبُّكُمْ لَئِن شَكَرْتُمْ لَأَزِيدَنَّكُمْ) [إبراهيم:7]، وهو الغني عنا، وعن عبادتنا، وعن إيماننا، وعن إسلامنا، وعن كل شيء.
لا يحتاج إلى شيء، وكل شيء يحتاج إليه، ونحن مفتقرون إليه، وإلى الإيمان به، وإلى اليقين بما أنزل، وإلى رزقه، وإلى لطفه، وإلى رحمته. نحن المفتقرون: (يَا أَيُّهَا النَّاسُ أَنتُمُ الْفُقَرَاءُ إِلَى اللَّهِ ۖ وَاللَّهُ هُوَ الْغَنِيُّ الْحَمِيدُ) [فاطر:15]..
الله أكبر، لا إله إلا هو (الْغَنِيُّ الْحَمِيدُ) [فاطر:15]، (وَاللَّهُ الْغَنِيُّ وَأَنتُمُ الْفُقَرَاءُ) [محمد:38]
يا رب ارحم فقرنا وضعفنا وعجزنا، وأعنَّا على ذكرك وشكرك وحسن عبادتك، وبارك لنا في خاتمة شهرنا هذا، يا رب اختمه لنا بخير، اختمه لنا بنور، واختمه لنا بنقاء، واختمه لنا بصفاء، واختمه لنا بقُرب، واختمه لنا بقبول، واختمه لنا بنيل غايات السُّول، واختمه لنا بفرج للمسلمين، وصلاح لأحوال أهل الدين ، ودفع للآفات عنا وعن أهل لَا إِلَٰهَ إِلَّا الله أجمعين، ووصولٍ إليك، ورضوانٍ منك أكبر، وجودٍ منك أغمر، تصلح لنا ما بطن وما ظهر، في الدنيا والبرزخ والمحشر، وفي خير مستقر، في دار الكرامة والنظر؛ اللهم آمين. فرِّج كرب الأمة أجمعين، واختم لنا بأكمل الحسنى وأنت راضٍ عنا في لطفٍ وعافية.
بِسِرِّ الْفَاتِحَةِ
إِلَى حَضْرَةِ النَّبِيِّ محمد، اللهمَّ صَلِّ وَسَلِّمْ وَبَارِكْ عَلَيْهِ وَعَلَى آلِهِ وَصَحْبِهِ
الْفَاتِحَة
28 رَمضان 1447