تفسير سورة الزمر - 5 - من قوله تعالى {قل يا عباد الذين آمنوا اتقوا ربكم للذين أحسنوا في هذه الدنيا حسنة..} الآية 10 إلى الآية 16

للاستماع إلى الدرس

الدرس الخامس من تفسير العلامة عمر بن محمد بن حفيظ للآيات الكريمة من سورة الزمر، ضمن الدروس الصباحية لشهر رمضان المبارك من عام 1447هـ ، تفسير قوله تعالى:

قُلْ يَا عِبَادِ الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا رَبَّكُمْ ۚ لِلَّذِينَ أَحْسَنُوا فِي هَٰذِهِ الدُّنْيَا حَسَنَةٌ ۗ وَأَرْضُ اللَّهِ وَاسِعَةٌ ۗ إِنَّمَا يُوَفَّى الصَّابِرُونَ أَجْرَهُم بِغَيْرِ حِسَابٍ (10) قُلْ إِنِّي أُمِرْتُ أَنْ أَعْبُدَ اللَّهَ مُخْلِصًا لَّهُ الدِّينَ (11) وَأُمِرْتُ لِأَنْ أَكُونَ أَوَّلَ الْمُسْلِمِينَ (12) قُلْ إِنِّي أَخَافُ إِنْ عَصَيْتُ رَبِّي عَذَابَ يَوْمٍ عَظِيمٍ (13) قُلِ اللَّهَ أَعْبُدُ مُخْلِصًا لَّهُ دِينِي (14) فَاعْبُدُوا مَا شِئْتُم مِّن دُونِهِ ۗ قُلْ إِنَّ الْخَاسِرِينَ الَّذِينَ خَسِرُوا أَنفُسَهُمْ وَأَهْلِيهِمْ يَوْمَ الْقِيَامَةِ ۗ أَلَا ذَٰلِكَ هُوَ الْخُسْرَانُ الْمُبِينُ (15) لَهُم مِّن فَوْقِهِمْ ظُلَلٌ مِّنَ النَّارِ وَمِن تَحْتِهِمْ ظُلَلٌ ۚ ذَٰلِكَ يُخَوِّفُ اللَّهُ بِهِ عِبَادَهُ ۚ يَا عِبَادِ فَاتَّقُونِ (16)

صباح الخميس 30 رمضان 1447 هجري.

نص الدرس مكتوب:

 

آخر يوم يمكننا أن نكسَب فيه من حسنات رمضان، والحجة والعمرة أيضًا الموعود بها من رسول الله ﷺ.. 

  • "مَن صلّى الصُّبحَ في جماعةٍ ثمَّ قعدَ -في مصلاه- يذكرُ اللَّهَ حتّى تطلعَ الشَّمسُ، ثمَّ صلّى رَكْعتينِ -أو أربع ثم انقلب إلى بيته- كانت لَهُ كأجرِ حجَّةٍ وعمرةٍ تامَّةٍ تامَّةٍ تامَّةٍ".
  • وفي حديث آخر أيضًا بسند حسن وهذا للذي يحضر ويجيء إلى المسجد والمصلى؛ قال: "من غدا إلى مسجدٍ لا يريدُ إلا أن يتعلَّمَ خيرًا أو يُعلِّمَه، كان له كأجرِ حاجٍّ تامَّة حجَّتُه".

فصار حجة مِن جهتين وعمرة تامة بشهادة سيد الكونين وفي رمضان الذي تُضاعَف فيه الحسنة بألف؛ هذا آخر يوم معنا فيه بقيت الساعات المعدودة.. والآن إلى غروب الشمس في هذا اليوم: التسبيحة بألف، والركعة بألف، والصدقة بألف، وبعد المغرب بترجع إلى العشر؛ ولكن تستقبلنا ليلة الجوائز، بعد آخر ليلة يعتق مثل ما أعتق من أول الشهر إلى آخره، "قيل: يا رسولَ اللهِ أَهِيَ ليلةُ القدرِ؟ قال: لا ولكنَّ العاملَ إنما يُوَفّى أجرَهُ إذا قَضى عملَه" و"الأَجِيرَ إنَّما يُوَفَّى أَجْرَه إذا قَضَى عَمَلَه" -لا إله إلا الله- تأتي ليلة الجوائز، وشعار المسلمين التكبير، وتأتي صلاة العيد العظيمة، وأيضا صادفَت ليلة جمعة؛ فعيد في عيد صارت الحمد لله رب العالمين. 

الله يكرمنا وإياكم بالقبول، ولا يجعله آخر العهد من هذا الشهر العظيم، ويعيدنا الله إلى أمثاله في صلاح قلوبنا وقوالبنا وأحوالنا والمسلمين آمين.

الحمد لله المتفضل المتطول، الذي جعل تلألؤ الأنوار الواسعة بما مِن حضرته أُنزِل على قلب عبده خير من بُعث وأُرسل، صلى الله وسلم وبارك وكرَّم عليه وعلى آله بالهدى ودين الحق رحمة للعالمين، وكان مِن نعمة الله علينا أن نتصل بهذا النور الساطع، المُنزَل على قلب الحبيب الشافع في الشهر الذي ابْتُدِئ فيه إنزال القرآن: (شَهْرُ رَمَضَانَ الَّذِي أُنزِلَ فِيهِ الْقُرْآنُ هُدًى لِّلنَّاسِ وَبَيِّنَاتٍ مِّنَ الْهُدَىٰ وَالْفُرْقَانِ) [البقرة:185]؛ لنتدبر ونتذكر ونتطهر ونتنور ولتتصل قلوبنا وأرواحنا بأسرار الوحي والتنزيل، وتستقيم قلوبنا وأقدامنا على أقوم السبيل في الاقتداء بجامع الحُسْن والكمال محمد الذي ليس له بين الخلائق مثيل؛ بما خصَّه الله به من التكريم والتبجيل والتعظيم والتأهيل والتفضيل، صلى الله وسلم وبارك وكرم عليه وعلى آله الشاربين من خير سلسبيل، وأصحابه المعدودين في خير جيل، وعلى من والاهم واتبعهم في النيَّة والقصد والفعل والقيل، وعلى آبائه وإخوانه من الأنبياء والمُرسلين هُداة الخلق إلى السبيل، أعلى الخلائق درجة عند الإله الحق الوكيل، وعلى آلهم وصحبهم وتابعيهم، وعلى ملائكة الله المُقَربين، وجميع عباد الله الصالحين، وعلينا معهم وفيهم إنه أكرم الأكرمين وأرحم الراحمين.

وفي خلال هذه النعمة الواسعة مِن حضرة الرحمن؛ وصلنا ومررنا على قوله ﷻ: 

(قُلْ يَا عِبَادِ الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا رَبَّكُمْ) حققنا الله بالإيمان، وألهمنا التقوى، وزودنا بالتقوى، وجعلنا من أهل التقوى. (لِلَّذِينَ أَحْسَنُوا فِي هَٰذِهِ الدُّنْيَا حَسَنَةٌ).

(لِلَّذِينَ أَحْسَنُوا فِي هَٰذِهِ الدُّنْيَا): بالإيمان والتقوى..

  • (حَسَنَةٌ): الجنة وما فيها مما "لا عَينٌ رَأت، ولا أُذُنٌ سَمِعَت، ولا خَطَرَ على قَلبِ بَشَرٍ".
  • ولهم في هذه الدنيا أيضًا (حَسَنَةٌ): ما يتقدم في الدنيا من تيسير ولطف وعناية وغنائم وصحة ومال وما إلى ذلك مما يحصل لهم في الدنيا. 
  • ولكن الذي يختصون به: ما يحصل لهم في العقبى والآخرة.
  • وأيضًا الذي ينالونه في الدنيا ليس من الباب الذي ينال مثيله غيرهم من الكفار والأشرار:
    •  فإنهم ينالونه مع انقطاع، وينالونهُ أولئك مع إعراض، وينالونه معَ سخط الرحمن عليهم.
    • وهؤلاء ينالون ما ينالون مع رضوان الرحمن عليهم ومع اتصالٍ به؛ لذا يسخِّرونه في مرضاته وطاعاته، فيصير من جملة زادهم الطيب إلى الدار الآخرة.

(لِلَّذِينَ أَحْسَنُوا فِي هَٰذِهِ الدُّنْيَا حَسَنَةٌ ۗ وَأَرْضُ اللَّهِ وَاسِعَةٌ) قيل:

  • إنها نزلت في سيدنا جعفر بن أبي طالب ومن معه.
  • وقيل: إنها في سيدنا عثمان؛ ومن الذين هاجروا للحبشة. 

(أَرْضُ اللَّهِ وَاسِعَةٌ) وهكذا كل من ضُيِّق عليه في إقامتهِ أمر الدين، ولم يستطع إقامة شعائر الدين في بلده، أو خاف الفتنة على نفسه وأولاده في بلدة ومكان، فيجعل الله له في الأرض أماكن أخرى يستطيع الخروج إليها؛ فعليه أن يخرج.

 (وَأَرْضُ اللَّهِ وَاسِعَةٌ ۗ إِنَّمَا يُوَفَّى الصَّابِرُونَ أَجْرَهُم بِغَيْرِ حِسَابٍ (10)) الذين صبروا على الدين وأوذوا فلم يتضرروا، ولم يبيعوا دينهم بشيء، ومنهم مَن هاجروا ومنهم من نَصَروا؛ فهؤلاء ابتُلوا واختُبِروا وافتُتِنُوا فلم يبيعوا دينهم، فهم الصابرون. 

(إِنَّمَا يُوَفَّى الصَّابِرُونَ أَجْرَهُم بِغَيْرِ حِسَابٍ (10)) أنواع الصبر.. مفتاح أبواب الظفر ونيل عظيم الأجر؛ بل الأجر الذي يتعلق بالصبر يختلف عن الأجر الذي يتعلق بمختلف الأعمال الصالحة؛ أنه غير محدد ولا محصور. 

(إِنَّمَا يُوَفَّى الصَّابِرُونَ أَجْرَهُم بِغَيْرِ حِسَابٍ (10))؛ ولذا يُروى أنه جاء عنه ﷺ أنه قال: أنه تُنصب الموازين يوم القيامة، فيؤتى بأهل الصلاة فيُعطَونَ أجرهم بالميزان، ويؤتى بأهل الصدقة ويُعطَونَ أجرهم بالميزان، ويؤتى بأهل الحج ويُعطَونَ أجرهم بالميزان، وَذَكَر أنواع من الطاعات.. وقال: ويؤتى بأهل البلاء -الذين ابتُلوا وصبروا في الدنيا- فلا يُنصَب لهم ميزان، ولا يُنشَر لهم ديوان؛ وإنما يُعطَونَ أجرهم من غير حصر ولا حد؛ ولكن يُصَبُّ عليهم الأجر صبًّا، قال: حتى يراهم أهل الموقف فيتمنى الذين كانوا من أهل العافية في الدنيا أنهم قُرِّضَتْ جلودهم بالمقاريض في الدنيا؛ لما يَرون من منزلة أهل البلاء الذين صبروا -لا إله إلا الله- وخصوصًا الذين أوذوا في الله، وفي دين الله -تبارك وتعالى- يقول سبحانه وتعالى: (فَالَّذِينَ هَاجَرُوا وَأُخْرِجُوا مِن دِيَارِهِمْ وَأُوذُوا فِي سَبِيلِي وَقَاتَلُوا وَقُتِلُوا لَأُكَفِّرَنَّ عَنْهُمْ سَيِّئَاتِهِمْ وَلَأُدْخِلَنَّهُمْ جَنَّاتٍ تَجْرِي مِن تَحْتِهَا الْأَنْهَارُ ثَوَابًا مِّنْ عِندِ اللَّهِ ۗ وَاللَّهُ عِندَهُ حُسْنُ الثَّوَابِ) [آل عمران:195] جلَّ جلاله. 

(إِنَّمَا يُوَفَّى الصَّابِرُونَ أَجْرَهُم بِغَيْرِ حِسَابٍ (10)):

  • فالصبر على الطاعات.
  • والصبر عن المعاصي.
  • والصبر على أنواع البلايا والشدائد من أقوى أسباب الفوز الأكبر.

ولذا إذا مرَّت الملائكة على أهل الجنة لا يَذكرون مِن أعمالهم ولا صفاتهم إلا الصبر؛ عندما يسلمون عليهم: (وَالْمَلَائِكَةُ يَدْخُلُونَ عَلَيْهِم مِّن كُلِّ بَابٍ * سَلَامٌ عَلَيْكُم بِمَا صَبَرْتُمْ ۚ فَنِعْمَ عُقْبَى الدَّارِ) [الرعد:23].

وَحَالِفِ الصَّبرَ واعلَمْ أَنَّ أَوَّلَهُ *** مُرٌّ وآخِرَهُ كَالشَّهدِ والضَّرَبِ

 

وبالجدِّ والصَّبرِ الجَميلِ تَحُلُّ في *** فَسِيحِ العُلا فَاستَوصِ بالجدِّ والصَّبرِ

ويقول لنا: (يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اصْبِرُوا وَصَابِرُوا وَرَابِطُوا وَاتَّقُوا اللَّهَ لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ) [آل عمران:200]. وهو شهر الصبر رمضان؛ لأن الصوم من جُملة الصبر، والصبر ثوابه الجنة، وهو شهر الصبر، والصبر ثوابه الجنة؛ ولذا قال الله في الصائمين: "إلا الصَّومَ؛ فإنَّه لي وأنا أجزي به". 

   (إِنَّمَا يُوَفَّى الصَّابِرُونَ أَجْرَهُم بِغَيْرِ حِسَابٍ (10))، ويروى أنه:

  • لما نَزَل قوله تبارك وتعالى: (مَن جَاءَ بِالْحَسَنَةِ فَلَهُ عَشْرُ أَمْثَالِهَا) [الأنعام:160]. 
  • قال ﷺ: "ربِّ زِدْ أمَّتي". 
  • فأنزل الله سبحانه وتعالى: (مَّثَلُ الَّذِينَ يُنفِقُونَ أَمْوَالَهُمْ فِي سَبِيلِ اللَّهِ كَمَثَلِ حَبَّةٍ أَنبَتَتْ سَبْعَ سَنَابِلَ فِي كُلِّ سُنبُلَةٍ مِّائَةُ حَبَّةٍ) [البقرة:261] 
  • فقال: "ربِّ زِدْ أمَّتي".
  • حتى نزل قوله سبحانه وتعالى: (مَّن ذَا الَّذِي يُقْرِضُ اللَّهَ قَرْضًا حَسَنًا فَيُضَاعِفَهُ لَهُ أَضْعَافًا كَثِيرَةً) [البقرة:245] 
  • قال: "ربِّ زِدْ أمَّتي"، 
  • حتى أنزل الله عليه: (إِنَّمَا يُوَفَّى الصَّابِرُونَ أَجْرَهُم بِغَيْرِ حِسَابٍ (10)).
  • قال: رَضيتُ. (وَلَسَوْفَ يُعْطِيكَ رَبُّكَ فَتَرْضَىٰ) [الضحى:5] ياربِّ صلِّ الله عليه. 

    (إِنَّمَا يُوَفَّى الصَّابِرُونَ أَجْرَهُم بِغَيْرِ حِسَابٍ (10))، 

قال: قل لهم يا محمد، يا مُصطفانا وخيرتنا من بريتنا، يا صاحب الختم للنبوة والرسالة، يا حامل الأمانة الكبرى، أعلنها لهم؛ قل لهم: 

(قُلْ إِنِّي أُمِرْتُ أَنْ أَعْبُدَ اللَّهَ مُخْلِصًا لَّهُ الدِّينَ (11)) 

  • أنا مأمور من قِبَل الحق العزيز الغفور، إلهي الذي أرسلني إليكم أمرني أن أعبده وحده مخلصاً له ديني وعبادتي؛ ونِعم العابد ونِعم المخلص محمد ﷺ سيد العابدين وسيد المُخلصين. 
  • (قُلْ إِنِّي أُمِرْتُ أَنْ أَعْبُدَ اللَّهَ) وأُفرده بالألوهية والربوبية وأنه لا إله غيره، وأطيعه بامتثال أمره واجتناب نواهيه، فهو الأخشى والأتقى لله صلى الله عليه وعلى آله وصحبه وسلم. 
  • (قُلْ إِنِّي أُمِرْتُ أَنْ أَعْبُدَ اللَّهَ مُخْلِصًا لَّهُ الدِّينَ (11)) لا ألتفت إلى شيء من الكائنات ولا مَن فيها، أريد وجهه وحده مخلصًا له الدين.

(وَأُمِرْتُ لِأَنْ أَكُونَ أَوَّلَ الْمُسْلِمِينَ (12)) 

  • فهو أعلى الخلائق إسلامًا، وأعظمهم إيمانًا، وأوضحهم برهانًا، وأفصحهم وأحسنهم بيانًا، وأرفعهم قدرًا وشأنًا..
  • إنه محمد الذي لولاه ما عرفنا اللجوء إلى ربنا ولا توحيده، ولا كان رمضان لنا، ولا كانت هذه المجامع، ولا قرأنا هذه الآيات الطيبات. 
  • إنه أحمد إنه الطهر الطاهر والعَلَم الزاهر، إنه خاتم النبيين، إنه سيد المرسلين، إنه الذي تُعرَض في مثل هذا اليوم أعمالنا عليه، في يوم الخميس تُعرض الأعمال على الله وعلى رسوله صلى الله عليه وعلى آله وصحبه وسلم.

ونحن في خواتيم هذا الشهر اللهم أحسن عَرضنا وعرض أعمالنا عليك وعلى نبيك رسولنا، وسُرّ قلبه بما تقبل منا وتغفر لنا وتْؤتينا من واسع فضلك يالله.

(وَأُمِرْتُ لِأَنْ أَكُونَ أَوَّلَ الْمُسْلِمِينَ (12))

  • فهو في عالَم الحس والدنيا (أَوَّلَ الْمُسْلِمِينَ) في هذه الأمة. 
  • وهو في عالم الأرواح والمَعنى:
    •  (أَوَّل) من عرف الله.
    • و(أَوَّل) من أسلَم على الإطلاق قبل أن يخلق الله مَلَكًا ولا آدميًّا ولا جنيًّا ولا شيئًا من الكائنات الأخرى. 

خلق نور محمد مسلماً مؤمناً خاضعاً عابداً يَصُبُّ عليه فائضات جوده وإحسانه، قبل أن يكون مُعطى غيره ولا مَسقِي غيره صلى الله عليه وعلى آله وصحبه وسلم. (وَأُمِرْتُ لِأَنْ أَكُونَ أَوَّلَ الْمُسْلِمِينَ (12)) 

قُل لهم:

(قُلْ إِنِّي أَخَافُ إِنْ عَصَيْتُ رَبِّي عَذَابَ يَوْمٍ عَظِيمٍ (13)) 

  • قُل: إن من ضرورة معرفة الله خشيتُه، ولَمَّا أكرمني بالمعرفة فأنا أخاف؛ بل أعظمكم خوفًا منه ورجاءً فيه. 
  • (قُلْ إِنِّي أَخَافُ) كما تقدم معنا في الدرس في الأمس: أن خوف الله وخشيته ملازمة لكل من عرَفَه على قدر معرفته؛ ولذا ما ينفَكُّ عنها الملائكة المقربون، ولا النبيون، ولا العباد الصالحون، 

قال: (بَلْ عِبَادٌ مُّكْرَمُونَ * لَا يَسْبِقُونَهُ بِالْقَوْلِ وَهُم بِأَمْرِهِ يَعْمَلُونَ * يَعْلَمُ مَا بَيْنَ أَيْدِيهِمْ وَمَا خَلْفَهُمْ وَلَا يَشْفَعُونَ إِلَّا لِمَنِ ارْتَضَىٰ وَهُم مِّنْ خَشْيَتِهِ مُشْفِقُونَ) [الأنبياء:26-28].. الإشفاق والوجل والحذر والخوف من الله والرجوع إليه؛ ضرورة لجميع من عرف الله، لا يخرج عنه إلا جاهل، لا يخرج عن ذلك إلا جاهل على قدر جهله لا يخاف الله سبحانه وتعالى. 

ومَن لا يخاف الله تبارك وتعالى تجمعت عليه الأخواف من كل جانب، وعاش في الدنيا معيشة ضنكاً، وحُشر يوم القيامة أعمى، واشتد عليه الخوف في المآل. وفي الحديث القدسي: "لا أجمعُ لعبدي أمنَينِ، ولا أجمعُ لهُ خوفَيْنِ، إنْ هو أمِنني في الدُّنيا خافني يومَ أجمعُ فيهِ عبادي، وإنْ هو خافني في الدنيا أمَّنتُهُ يومَ أجمعُ فيهِ عبادي" لا إله إلا الله.

قل لهم يا محمد: ها أنا بما أوتيتُ من ختم النبوة والرسالة والمنزلة عند ربي؛ (أَخَافُ إِنْ عَصَيْتُ رَبِّي) (أَخَافُ إِنْ عَصَيْتُ رَبِّي)؛ ولذا كان تعظيم الطاعة والمعصية من عُرى الإيمان الوثيقة الكبيرة؛ لأنه تعظيم شعائر الله وتعظيم ما عظَّم الله تبارك وتعالى، فلا استهانة بطاعة ولا بمعصية، ومع ذلك: 

  • قد خبأ رضوانه في طاعته، فلا تدري بأي طاعة يرضى عنك. 
  • كما خبأ سخطه في معاصيه فلا تدري أي معصية تكون هي سبب سَخَطه وغضبه عليك -والعياذ بالله تعالى-. 

فاحرص على الطاعة، واجتنب المعاصي، واصدق مع الله؛ يعفو عنك وينجيك من العذاب يوم الأخذ بالنواصي. 

(قُلْ إِنِّي أَخَافُ إِنْ عَصَيْتُ رَبِّي عَذَابَ يَوْمٍ عَظِيمٍ (13))، جاء في الآية في سورة الأنعام: (مَّن يُصْرَفْ عَنْهُ يَوْمَئِذٍ فَقَدْ رَحِمَهُ)، من يُصرَف عنه العذاب ذاك اليوم فقد رحمه؛ الرحمة الكبيرة بِصَرف العذاب في الآخرة..

  • (فَمَن زُحْزِحَ عَنِ النَّارِ وَأُدْخِلَ الْجَنَّةَ فَقَدْ فَازَ) [آل عمران:185]. 
  • (مَّن يُصْرَفْ عَنْهُ يَوْمَئِذٍ فَقَدْ رَحِمَهُ ۚ وَذَٰلِكَ الْفَوْزُ الْمُبِينُ) [الأنعام:16]. 

(قُلِ اللَّهَ أَعْبُدُ مُخْلِصًا لَّهُ دِينِي (14))، هذا أنا محمد وهذا ديني وهذه وجهتي وهذا مسلكي وهذه ملتي: 

  • (اللَّهَ أَعْبُدُ)، لا أعبد غير الله. 
  • (مُخْلِصًا لَّهُ دِينِي): عبادتي وطاعتي.. لا أرجو إلا هو، ولا أخاف إلا هو، ولا أقصد إلا هو، ولا أتوجه إلا إليه (قُلِ اللَّهَ أَعْبُدُ مُخْلِصًا لَّهُ دِينِي (14)).

فنِعمَ الإمام لنا، وبما مدَّ الله لنا من حبال إليه ممن تحلى بهذه الحلية، وممن أخلصوا وعبدوا الله وحده مخلصين له الدين، فعسى بالاتصال والمودة والاتباع والموالاة لهم تسري إلينا سراية حقيقة هذه العبادة بالإخلاص الكامل. 

يارب أكرمنا، يارب أكرمنا، يارب أكرمنا، قبل أن تغرب شمس هذا اليوم، تغرب جميع آثار الغرور والعجب والرياء من قلوبنا، ولا يبقى في بواطننا إلا محبتك ومعرفتك، والإخلاص لوجهك والصدق معك، والرضى عنك والرضى منك يا أرحم الراحمين، والولاء لك ولرسولك على خير الوجوه وأعلاها يا الله، يا صاحب الجوائز معطي الجوائز الكبيرة، اجعلنا من الفائزين مع كل فائز بأعلى الجوائز في ليلتنا هذه، فاجعل من جوائزنا تصفية قلوبنا وتنقيتها عن كل ما لا تحبه ولا ترضاه، وثباتها على شهودك بمرآة حبيبك، وعلى الوجهة الصادقة إليك في جميع أحوالنا وتقلباتنا وأطوارنا، اللهم تقبل ذلك، وأجب ما دعوناك يا ملك الممالك، وزدنا من فضلك ما أنت أهله.

قال: 

(قُلِ اللَّهَ أَعْبُدُ مُخْلِصًا لَّهُ دِينِي (14)). فيا جميع أهل الانحراف في الأرض، قل لهم: 

  • (فَاعْبُدُوا مَا شِئْتُم مِّن دُونِهِ)..
  • يا مغتريّن بأنفسهم اعبدوا أنفسكم. 
  • يا مغتريّن بشهواتهم اعبدوا شهواتهم.
  • يا مغتريّن بسلاطِينهم وحكامهم اعبدوا السلاطين واعبدوا الحكومات.
  • يا مغتريّن بالصّناعات اعبدوا الصناعات.
  • يا مغتريّن بالأسلحة اعبدوا الأسلحة.

أنا عرفت من أعبد، وانظروا ما نتيجة ما تَعبدونه وماذا يفيدكم، وانظروا ماذا يعطيني الذّي أعبده وإلى أين يذهب بي. 

(قُلِ اللَّهَ أَعْبُدُ مُخْلِصًا لَّهُ دِينِي (14) فَاعْبُدُوا مَا شِئْتُم مِّن دُونِهِ) ما لي التفات إلى شيء من هذا الباطل والضلال الذّي أنتم عليه، وما أحد في هؤلاء الذّين تعبدونهم يغيثكم ولا يرحمكم ولا يخلّصكم ولا يسعدكم قَط؛ على وهْم؛ على خيال؛ على ضلال؛ كلّ الأصناف الذّين انحرفوا عن عبادة الله ضالّون؛ فالله يهدينا الصراط المستقيم (صِرَاطَ الَّذِينَ أَنْعَمْتَ عَلَيْهِمْ غَيْرِ الْمَغْضُوبِ عَلَيْهِمْ وَلَا الضَّالِّينَ) [الفاتحة:7] آمين يا ربّ العالمين..

(فَاعْبُدُوا مَا شِئْتُم مِّن دُونِهِ)؛ وسترون العاقبة..  وماذا يعمل لكم من عبدتموه؟ وماذا يفعل لي الذّي عبدته؟ -الله أكبر-.

 (فَاعْبُدُوا مَا شِئْتُم مِّن دُونِهِ) والنّتائج مقبلة على الكل.

(قُلْ إِنَّ الْخَاسِرِينَ الَّذِينَ خَسِرُوا أَنفُسَهُمْ وَأَهْلِيهِمْ يَوْمَ الْقِيَامَةِ ۗ أَلَا ذَٰلِكَ هُوَ الْخُسْرَانُ الْمُبِينُ (15))، ما بيتعرّض رجل ولا امرأة، ولا إنسيّ ولا جنّيّ، من جميع المكلّفين، من أوّل مخلوق إلى أن تقوم السّاعة، ما بيتعرّض لخسران أشد من أن يأتي في يوم القيامة؛ خاسرًا نفسه، وخاسراً أهله..

  • خاسرًا نفسه: عرّضها لغضب الله، وعذاب الله -تبارك وتعالى-، فماذا بقي له من نفسه؟ هَلَكتْ، غُبِنها، ردّاها، أوقعها في العذاب الشّديد. 
  • وما بقي له أهل:
    •  إن أهله إن كانوا مثله كفار أو فجار أو أشرار في النّار، وكل أحد ما هو داري بالثاني، ولا أهلية ولا قرابة ولا أنساب بينهم.
    • وإن كانوا من أهل الجنّة فهم في النّعيم المقيم، وهو في العذاب الأليم: (خَسِرُوا أَنفُسَهُمْ وَأَهْلِيهِمْ يَوْمَ الْقِيَامَةِ).
  • وهناك ممّا يخلق الله في الجنة حور عين، لعدد جميع المكلّفين بأسمائهم، فيأتي أكثر المكلفين يموتون على الكفر.. كفّار؛ فيُقال لأهاليهم حولوهم إلى المؤمنين.
  • والمنازل الكثيرة في النّار لكلّ مكلّف له منزل، كل المنازل التي كانت تسع هؤلاء المؤمنين ردُّوها للكفّار، هذا يوم التّغابن: فهؤلاء يأخذون منازل هؤلاء في الجنّة، وهؤلاء يأخذون منازل هؤلاء في النّار. 

 لماذا؟.. 

  • لأنّهم هؤلاء في الدنيا دَعَوا هؤلاء لطاعة الله؛ فأبَوا.
  • وحاولوا أولئك دعوة هؤلاء الطائعين للكُفر والشّر؛ فأبوا. 

فكل واحد يأخذ حقه، الحين هذا يشيل حق هذا وهذا يشيل حق هذا (يَوْمَ يَجْمَعُكُمْ لِيَوْمِ الْجَمْعِ ۖ ذَٰلِكَ يَوْمُ التَّغَابُنِ) [التغابن:9]. 

(خَسِرُوا أَنفُسَهُمْ وَأَهْلِيهِمْ)، ما بقي لهم أهل، الحور العين اللي كان ممكن يكون من نصيبهم روَّحت؛ أهلهم اللي كان معهم أهل في الدنيا، الآن إن كانوا في الجنة فهم في النعيم وبعيدين من هؤلاء، وإن كانوا في النار كل واحد في تابوته، وسط النّار ما يرى في النار غيره، ولا بقي أهل، ولا بقي ولد، ولا بقي أقارب، ولا بقي أحد، لا إله إلا الله، اللّهم أجرنا من النّار.

(قُلْ إِنَّ الْخَاسِرِينَ الَّذِينَ خَسِرُوا أَنفُسَهُمْ وَأَهْلِيهِمْ يَوْمَ الْقِيَامَةِ)؛ فبحكم إيمانكم معاشر المؤمنين: 

  • لا تصدقوا أحداً يخوفكم بخسر أكبر من هذا، ما في خسر أعظم من هذا. 
  • لا يخوّفونكم، انتبه لنفسك لا تخسر في ذاك اليوم وما أنت خاسر؟ وخذ حقيقة أخرى:
    • جميع من لم يستمسك  بالإيمان، والعمل الصالح، والتّواصي بالحقّ والصّبر خاسرون، يكونون من كانوا.
    • فلا تغرَّك أموالهم، ولا تغرَّك ممالكهم ودولهم، ولا تغرنك أجهزتهم ولا أسلحتهم، هم خاسرون بالحق والحقيقة واليقين: (وَالْعَصْرِ * إِنَّ الْإِنسَانَ لَفِي خُسْرٍ * إِلَّا الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ وَتَوَاصَوْا بِالْحَقِّ وَتَوَاصَوْا بِالصَّبْرِ) [العصر:1-3]. وحدهم هؤلاء لا خسران عليهم، البقية خاسرون. 
  • ولا خسران مثل أن تخسر نفسك وأهليك يوم القيامة.

(قُلْ) يا محمد، كما يقول أولو العلم، كما يقول الذين آمنوا: (إِنَّ الْخَاسِرِينَ الَّذِينَ خَسِرُوا أَنفُسَهُمْ وَأَهْلِيهِمْ يَوْمَ الْقِيَامَةِ)؛ بلِّغهم وأنا الرب أقول: (أَلَا ذَٰلِكَ هُوَ الْخُسْرَانُ الْمُبِينُ (15)) الواضح البين الصريح، خسران النفس والأهل يوم القيامة بالكفر والذنوب والمعاصي. لا شيء أعظم من هذا الخسران، هذا هو الخسران المبين.

(قُلْ إِنَّ الْخَاسِرِينَ الَّذِينَ خَسِرُوا أَنفُسَهُمْ وَأَهْلِيهِمْ يَوْمَ الْقِيَامَةِ ۗ أَلَا ذَٰلِكَ هُوَ الْخُسْرَانُ الْمُبِينُ (15))، تريد صورة عن حالتهم هناك؟ 

(لَهُم مِّن فَوْقِهِمْ ظُلَلٌ مِّنَ النَّارِ وَمِن تَحْتِهِمْ ظُلَلٌ)، من فوقهم غواش ومن تحتهم مهاد، والغواشي أطباق من نار فوق نار سوداء مظلمة تلتهب ومن تحتها كذلك. ويأتي تالي أحدهم بعد ذلك بتابوت ويجعلونه عليه فيمتلئ، فيكون في مكان ضيق ملتهب نار؛ تابوت كله نار، من فوقه نار، تحته نار، يمينه نار، يساره نار ملتهبة. ظُلَلٌ.. ظُلَلٌ.. ظُلَلٌ.. من فوق، طِباق ودركات من هذه النار، وتحتهم: (لَهُم مِّن جَهَنَّمَ مِهَادٌ وَمِن فَوْقِهِمْ غَوَاشٍ) [الأعراف:41]. 

(لَهُم مِّن فَوْقِهِمْ ظُلَلٌ مِّنَ النَّارِ) ملتهبة حرارتها تفوق حرارة نار الدنيا بسبعين، سبعين ضعف، الحرارة فيها أودية لو سيرت فيها جبال الدنيا لذابت من شدة حرها. اللهم أجرنا من النار.

(لَهُم مِّن فَوْقِهِمْ ظُلَلٌ مِّنَ النَّارِ وَمِن تَحْتِهِمْ ظُلَلٌ ۚ ذَٰلِكَ يُخَوِّفُ اللَّهُ بِهِ عِبَادَهُ)، يعني: ما بتصادفون شدة مثل هذا، ولا عذاب مثل هذا: (فَيَوْمَئِذٍ لَّا يُعَذِّبُ عَذَابَهُ أَحَدٌ * وَلَا يُوثِقُ وَثَاقَهُ أَحَدٌ) [الفجر:25-26]. الذين يخوفونكم يا مرض؛ يا مجاعة؛ يا أسلحة يا قنابل؛ الخطر هذا! الخطر الأكبر هذا، من نجا منه فلا خطر عليه. 

(لَهُم مِّن فَوْقِهِمْ ظُلَلٌ مِّنَ النَّارِ وَمِن تَحْتِهِمْ ظُلَلٌ)، كما كانوا في الدنيا عليهم ظلل من مخالفة الله ومعصيته من فوقهم ومن تحتهم، يعصونه بجميع أعضائهم فكلها تمتلئ بالنار: (كُلَّمَا نَضِجَتْ جُلُودُهُم بَدَّلْنَاهُمْ جُلُودًا غَيْرَهَا) [النساء:56]؛ فهذا نوع من أنواع العذاب في النار: 

  1. توابيت يوضعون فيها على قدرهم، وفوق التابوت كلها نار، هو تابوت من نار أصلاً ملتهب، وحتى ما عاد يرى أحد في النار إلا هو، يرى نفسه؛ هذا نوع. 
  2. وثاني: (وَلَهُم مَّقَامِعُ مِنْ حَدِيدٍ)، والسلاسل التي يضربونهم بها، (ثُمَّ فِي سِلْسِلَةٍ ذَرْعُهَا سَبْعُونَ ذِرَاعًا فَاسْلُكُوهُ) [الحاقة:32]، (وَلَهُم مَّقَامِعُ مِنْ حَدِيدٍ) [الحج:21]. اللهم أجرنا من النار. 
  3. وثالث نوع: (يُسْحَبُونَ فِي النَّارِ عَلَىٰ وُجُوهِهِمْ) [القمر:48]. 
  4. ورابع نوع: يُصعد بهم إلى جبال نار، جبل هو، جبل من نار؛ هو جبل لكنه نار من نار، ويُصعَد إلى أعلى به ويُرمى منه إلى أسفل، ويطلع و…، أنواع.

 ونوع ثاني(آخر): زقوم، زقوم (إِنَّهَا شَجَرَةٌ تَخْرُجُ فِي أَصْلِ الْجَحِيمِ * طَلْعُهَا كَأَنَّهُ رُءُوسُ الشَّيَاطِينِ)، يُفزِّعك منظرها، (فَإِنَّهُمْ لَآكِلُونَ مِنْهَا فَمَالِئُونَ مِنْهَا الْبُطُونَ) [الصافات:64-66]، وهي شوك ومن نار، شوك من نار، يأكلون ويغصُّون به، ويذكرون أنهم أيام كانوا في الدنيا إذا غصُّوا يسيغونه بالماء، فينادون بالماء: شراب شراب، فيأتونهم بِمَاء حَمِيم (كَالْمُهْلِ يَشْوِي الْوُجُوهَ) [الكهف:29]، إذا قرَّبوه من الوجه شواه، وقوده في النار، والنار تشويه، وهذه الحرارة حق الماء وحدها تشوي وجهه، وإذا سقوه إياه تقَطِّع أمعاءه قطعة قطعة، وترجع الأمعاء ويرجعوا ويُسقَوه ثاني مرة وتقطيع ثاني مرة. نعوذ بالله من غضب الله، اللهم أجرنا من نارك الموقدة، من يقوى عليها؟ (فَمَا أَصْبَرَهُمْ عَلَى النَّارِ) [البقرة:175].

وقد جعل لهم تذكرة في الدنيا، هذه النار اللي بالنسبة لتلك النار يسيرة، يقول: (أَفَرَأَيْتُمُ النَّارَ الَّتِي تُورُونَ * أَأَنتُمْ أَنشَأْتُمْ شَجَرَتَهَا أَمْ نَحْنُ الْمُنشِئُونَ * نَحْنُ جَعَلْنَاهَا تَذْكِرَةً) [الواقعة:71-73]، حتى إذا خوّفكم أنبياؤنا بنار الآخرة تقولون: مثل إيش هذه النار؟ شوفوا قدامكم نار مصغرة، النار هناك بعدين، هذه النار خفيفة. قالوا: إن حرارة هذه لكافية يا رسول الله، تكفي هذه حارقة. قال: "فإنها فُضِّلت عليها بسبعين ضعفاً"، حرارتها مثل هذه الحرارة سبعين مرة. لا إله إلا الله. 

يقول: (ذَٰلِكَ يُخَوِّفُ اللَّهُ بِهِ عِبَادَهُ ۚ يَا عِبَادِ فَاتَّقُونِ (16))، أنا الذي أنجيكم من كل هذا، وأعطيكم ما لا عين رأت، ولا أذن سمعت ولا خطر على قلب بشر؛ (فَاتَّقُونِ) ابعدوا من المعاصي ومن الذنوب، ابعدوا مما حرَّمتُ عليكم، تغركم أنفسكم وشياطينكم، ما هم ناصحون لكم، ما يريدون الخير لكم. أنا ربكم الذي خلقتكم واختبرتكم، وأرسلت الرسل وأنزلت الكتب، أطيعوني: (فَاتَّقُونِ)، أنا الذي أسلمكم من هذه النار.

يقول جل جلاله: (يَا عِبَادِ فَاتَّقُونِ (16)). نسألك تقواك يا رب، إن كنا قد مضت أعمارنا الماضية بنا ونحن نُخِل بالتقوى، فنسألك في ما بقي من الأعمار أن تثبتنا على التقوى في قلوبنا وجوارحنا وأعضائنا كلها. ارزقنا تقواك في الغيب والشهادة، في السر والعلانية يا الله. وألحقنا بالمتقين، وألحقنا بالمتقين، وألحقنا بالمتقين، وأحينا وتوفنا متقين مخلصين مُوقنين صادقين محبين محبوبين في خير ولطف وعافية. 

رَبِّ أَحْيِنا شاكِرين ***وتَوَفَّنا مُسْلِمين  

نُبْعَثُ مِنَ الآمِنين *** في زُمْرَةِ السَّابِقين

بِجاهِ طهَ الرَّسول *** جُدْ رَبَّنا بالقَبول

 وَهَبْ لنا كُلَّ سُؤْل *** يا رَبِّ فاستَجِبْ لَنا، آمين 

آمين آمين.

نستودعك ما آتيتنا وأعطيتنا في رمضان هذا وفيما قبله وما تعطينا من الخير يا خير مستودع، فكن لنا حافظًا ولما آتيتنا يا رب العالمين، لا يفلت علينا ولا ينقص ولا يحبط بشيء يصيبنا في بقية أعمارنا. احفظه عندك يا الله. 

سبحانك اللهم وبحمدك نشهد أن لا إله إلا أنت نستغفرك ونتوب إليك، فاحفظ علينا جميع ما أنعمت به علينا، وما آتيتنا من إيمان، ومن إسلام، ومن إحسان، ومن عرفان، ومن طاعة، ومن بِرّ، ومن تقوى، ومن خير فاحفظه لنا يا رب، احفظه عندك يا رب، ونَمِّه لنا عندك يا رب، واذخره لنا عندك يا رب، وضاعفه لنا منك يا رب، ولَقِّنَا إيَّاه نضرة وسرورًا، وأنسًا وحبورًا، وجزاءً من خيرك وثوابك موفورًا يا رب العالمين، إنك كنت كريمًا رحيمًا غفورًا.

اللهم وتدارك أمة هذا الحبيب محمد، واكشف الشدائد عنهم والبلايا والآفات يا الله. فرَّقَهم عدوك إبليس وشياطين الإنس والجن، وساعدتهم على ذلك نفوسهم وشهواتهم. اللهم فخلصهم من الآفات وموجبات الخزي يوم القيامة والندامات. اللهم حوّل أحوالهم إلى أحسن الحالات، ارزقهم الاقتداء بنبيك خير البريات، والاستجابة لدعوته ونصحه فإنه الداعي إليك يا رب العالمين والدال عليك. خلصهم من تبعية المجرمين والفاسقين والكافرين وأعدائك أعداء الدين، يا حي يا قيوم يا رحمن يا رحيم.

تدارك أمة النبي محمد، أصلح يمننا وشامنا، احفظ الحرمين الشريفين، وخلص بيت المقدس من اعتداء المعتدين الظالمين الغاصبين المفترين الفاجرين. اللهم رد كيدهم في نحورهم، وادفع عن المسلمين جميع شرورهم، وجميع السعاة في إيقاع السوء والشر بأمة حبيبك محمد ﷺ اللهم اهزمهم واخذلهم، رد كيدهم في نحورهم، وادفع عنا وعن جميع المسلمين جميع شرورهم. يا قوي يا متين، برحمتك نستغيث ومن عذابك نستجير، أصلح لنا شأننا كله برحمتك يا أرحم الراحمين ويا أكرم الأكرمين.

ونستغفرك لنا ولوالدينا وأهلينا وأولادنا وذرياتنا وذوينا ومن في ديارنا، نقول جميعًا مجددين التوبة بيننا وبينك: 

نستغفر الله العظيم الذي لا إله إلا هو الحي القيوم ونتوب إليه. 

نستغفر الله العظيم الذي لا إله إلا هو الحي القيوم ونتوب إليه. 

نستغفر الله العظيم الذي لا إله إلا هو الحي القيوم ونتوب إليه، من جميع الذنوب والمعاصي والآثام بيننا وبين الله وبيننا وبين عباد الله ومن جميع ما يعلمه الله. 

نستغفر الله لما يعلمه الله، نستغفر الله كما يحبه الله. 

نستغفر الله لما يعلمه الله، نستغفر الله كما يحبه الله. 

نستغفر الله لما يعلمه الله، نستغفر الله كما يحبه الله. 

يا خير الغافرين اغفر لنا، واجعلها توبة نصوحًا، تزكينا بها قلبًا وجسمًا وقلبًا وروحا، خالصة لوجهك تامة كاملة، لا يكتب بعدها ذنب، ولا نعود بعدها إلى سيئة وإلى معصية، يا حي يا قيوم يا أكرم الأكرمين يا أرحم الراحمين.

فاشحنوا بقية ساعات رمضان بما استطعتم من الخيرات والطاعات، واملأوه بالنيات لما بعد رمضان. انووا الحسنات في ليلة العيد وإحيائها، في يوم العيد والقيام بالبر والصلات والتقوى، ونية صوم الست وما تفعلون من الخيرات فيما بقي من أعماركم في شوال، وفي ذي القعدة، وفي ذي الحجة، انووا حتى إذا كانت الأعمال في خارج رمضان نياتها مثبوتة لكم في رمضان. الله يكرمنا وإياكم، ويوسع لنا آفاق النيات. 

وَلِصَالِح النِّيَّاتِ كُنْ مُتَحَرِّيًّا *** مُسْتَكْثِرًا مِنْهَا وَرَاقِبْ وَاخْشَعِ

اللهم اجعله من أبرك الأيام علينا، اللهم اجعل رمضان كله هذا من أبرك الرمضانات علينا وعلى أمة حبيبك محمد.

يا ربنا عجل بالفرج برفع الضيق والحرج، وقوِّم كل معوج، وأنقذ الخلائق، وألهم الرشد في كل الحركات والسكنات، وبلغنا فوق آمالنا يا مجيب الدعوات، يا قاضي الحاجات، يا أرحم الراحمين.

 بِسِرِّ الْفَاتِحَةِ

 إِلَى حَضْرَةِ النَّبِيِّ مُحَمَّدٍ، اللهمَّ صَلِّ وَسَلِّمْ وَبَارِكْ عَلَيْهِ وَعَلَى آلِهِ وَصَحْبِهِ 

الْفَاتِحَة

 

لك الحمد يا سامعنا، ويا موفقنا، ويا محيطًا بنا، ويا مطلعًا علينا، ويا رحيمًا بنا، ويا رؤوفًا بنا، يا ربنا يا إلهنا وخالقنا لك الحمد شكرا ولك المن فضلا وأتمم نعمتك علينا سبحانك اللهم ربنا وبحمدك نشهد أن لا إله إلا أنت نستغفرك ونتوب إليك.

 

تاريخ النشر الهجري

03 شوّال 1447

تاريخ النشر الميلادي

22 مارس 2026

اضافة إلى المفضلة

كتابة فائدة متعلقة بالمادة

الأقسام