(443)
(628)
(368)
الدرس الثالث من تفسير العلامة عمر بن محمد بن حفيظ للآيات الكريمة من سورة الزمر، ضمن الدروس الصباحية لشهر رمضان المبارك من عام 1447هـ ، تفسير قوله تعالى:
إِن تَكْفُرُوا فَإِنَّ اللَّهَ غَنِيٌّ عَنكُمْ ۖ وَلَا يَرْضَىٰ لِعِبَادِهِ الْكُفْرَ ۖ وَإِن تَشْكُرُوا يَرْضَهُ لَكُمْ ۗ وَلَا تَزِرُ وَازِرَةٌ وِزْرَ أُخْرَىٰ ۗ ثُمَّ إِلَىٰ رَبِّكُم مَّرْجِعُكُمْ فَيُنَبِّئُكُم بِمَا كُنتُمْ تَعْمَلُونَ ۚ إِنَّهُ عَلِيمٌ بِذَاتِ الصُّدُورِ (7) ۞ وَإِذَا مَسَّ الْإِنسَانَ ضُرٌّ دَعَا رَبَّهُ مُنِيبًا إِلَيْهِ ثُمَّ إِذَا خَوَّلَهُ نِعْمَةً مِّنْهُ نَسِيَ مَا كَانَ يَدْعُو إِلَيْهِ مِن قَبْلُ وَجَعَلَ لِلَّهِ أَندَادًا لِّيُضِلَّ عَن سَبِيلِهِ ۚ قُلْ تَمَتَّعْ بِكُفْرِكَ قَلِيلًا ۖ إِنَّكَ مِنْ أَصْحَابِ النَّارِ (8) أَمَّنْ هُوَ قَانِتٌ آنَاءَ اللَّيْلِ سَاجِدًا وَقَائِمًا يَحْذَرُ الْآخِرَةَ وَيَرْجُو رَحْمَةَ رَبِّهِ ۗ قُلْ هَلْ يَسْتَوِي الَّذِينَ يَعْلَمُونَ وَالَّذِينَ لَا يَعْلَمُونَ ۗ إِنَّمَا يَتَذَكَّرُ أُولُو الْأَلْبَابِ (9)
صباح الثلاثاء 28 رمضان 1447 هجري.
الحمد لله مولانا الغني الغِنَى المطلق عن كل شيء، المحتاج الفقير إليه كلُّ ما عداه، لا إله إلا هو وحده لا شريك له، نرجو رحمته ونخاف عذابه، ولا نرجو ولا نخاف إلا إياه، أرسل إلينا عبده ومصطفاه وخير خلقه خاتم أنبيائه سيدنا محمد بالهدى ودين الحق ومسلك النجاة.
صلِّ اللهم وسلم وبارك وكرِّم في كل لمحةٍ ونَفَس على سيد الداعين إليك، والهادين إليك، والدالّين عليك، عبدك المختار محمد المصطفى، وعلى آله وأهل بيته الشرفاء، وأصحابه الكِرام ومن لهم اقتفى، وعلى آبائه وإخوانه من الأنبياء والمرسلين سادات وأئمة الحنفاء، وعلى آلهم وصحبهم وتابعيهم، وعلى ملائكتك المقربين، وجميع عبادك الصالحين، وعلينا معهم وفيهم بمحض فضلك وجودك يا أكرم الأكرمين، وأنت حسبنا وكفى.
أما بعد،
فإننا في مِنَّة الله علينا في الاتصال القلبي والروحي بالتنزيل الكريم والوحي الشريف؛ من خلال تأملنا لهذه المعاني، وخصوصًا في خواتيم هذا الشهر الذي أزمع على الرحيل عنا، والانتقال من بين أيدينا؛ ليشهد لهذا وعلى ذاك؛ إنه شهر الموسم الشريف المخصوص بأعلى التشريف، وفيه من عطاء الحق -تبارك وتعالى- ما يَجِلُّ عن الوصف ويقصُر عنه التعبير واللفظ، من فيض فضل الله على من أحب، ومغفرته وتجاوزه وعفوه، وهو الغنيمة لمن اغتنم.
اللهم وفّر حظنا من جودك الأكرم ومَنِّك الأفخم، ولا تحرمنا خير ما عندك لشر ما عندنا. نودع الشهر خاطبين وطالبين ربطًا قويًّا بأسرار الوحي والتنزيل والقرآن، يبقى معنا ويدوم حتى نلقى ربنا ونُحشَر مع خواص أهل القرآن يوم القيامة.
وصلنا في سورة الزمر ومررنا على قوله: (إِن تَكْفُرُوا فَإِنَّ اللَّهَ غَنِيٌّ عَنكُمْ ۖ وَلَا يَرْضَىٰ لِعِبَادِهِ الْكُفْرَ ۖ وَإِن تَشْكُرُوا يَرْضَهُ لَكُمْ)، وفي قراءة: (يَرۡضَهۡ لَكُمۡۗ)، (وَلَا تَزِرُ وَازِرَةٌ وِزْرَ أُخْرَىٰ ۗ ثُمَّ إِلَىٰ رَبِّكُم مَّرْجِعُكُمْ فَيُنَبِّئُكُم بِمَا كُنتُمْ تَعْمَلُونَ ۚ إِنَّهُ عَلِيمٌ بِذَاتِ الصُّدُورِ (7)). ولا نجد أحدًا يبيّن لنا الحقائق مثل إلهنا الخالق -جلّ جلاله وتعالى في علاه- يبيّن لنا الحقائق، فكلامه أعز الكلام و أشرفه وأَصدقه، ويتعلق بشؤون واقعنا ومصيرنا ومستقبلنا الكبير.
(إِن تَكْفُرُوا فَإِنَّ اللَّهَ غَنِيٌّ عَنكُمْ)، يا معشر المكلَّفين من الإنس والجن، من كفر منكم فإنما يكفر بغنيٍّ عنه، وعن إيمانه، وعن توحيده، وعن إسلامه، وعن طاعته، لا يحتاج إلى شيءٍ منه.
(إِن تَكْفُرُوا فَإِنَّ اللَّهَ غَنِيٌّ عَنكُمْ) جلّ جلاله وتعالى في علاه، وأنتم الفقراء إليه، ومهما عاندتم وخالفتموه في الكفر به جلّ جلاله، وإنكار وجوده أو شيء من صفاته أو أسمائه، أو مخالفة رسله، فمهما متّعكم بشيء من مُتع الحياة الدنيا وأمهلكم لمُدَدٍ محددة معينة، فلن تفلتوا عليه، ولن تخرجوا من قبضته، ومرجعكم إليه؛ (فَيُنَبِّئُكُم بِمَا كُنتُمْ تَعْمَلُونَ). وهو الغنيّ عنكم وعن عبادتكم، فانظروا لحالكم، انظروا لمصلحتكم، انظروا لفائدتكم أنتم، أما هو غني جل جلاله.
(إِن تَكْفُرُوا فَإِنَّ اللَّهَ غَنِيٌّ عَنكُمْ)، وهذا الغني الغنى المطلق القادر على كل شيء: (وَلَا يَرْضَىٰ لِعِبَادِهِ الْكُفْرَ)، فكيف تتعرض أيها المخلوق الضعيف الراجع إليه بفعل ما لا يرضاه، فكيف تلقاه؟ كيف يكون مصيرك عند الرجوع إليه جل جلاله؟.. (وَلَا يَرْضَىٰ لِعِبَادِهِ الْكُفْرَ)، كيف تعرّض نفسك لشيء لا يرضاه؟ لا يحبّه هذا الإله -جل جلاله وتعالى في علاه- من كل ما تقصده من كفر ومعصية.
فإذا عرفتَ الإله وسبقتْ لك سوابق السعادة منه وأحبك؛ حَبَّب إليك الإيمان وزيَّنه في قلبك، وكرَّه إليك الكفر والفسوق والعصيان؛ (أُولَٰئِكَ هُمُ الرَّاشِدُونَ) [الحجرات:7]، اللهم اجعلنا من الراشدين.
(إِن تَكْفُرُوا فَإِنَّ اللَّهَ غَنِيٌّ عَنكُمْ)؛ لا تضرونه شيئًا، كما قال سيدنا هود لقومه: (فَإِن تَوَلَّوْا فَقَدْ أَبْلَغْتُكُم مَّا أُرْسِلْتُ بِهِ إِلَيْكُمْ ۚ وَيَسْتَخْلِفُ رَبِّي قَوْمًا غَيْرَكُمْ وَلَا تَضُرُّونَهُ شَيْئًا ۚ إِنَّ رَبِّي عَلَىٰ كُلِّ شَيْءٍ حَفِيظٌ) [هود:57].
(إِن تَكْفُرُوا فَإِنَّ اللَّهَ غَنِيٌّ عَنكُمْ ۖ وَلَا يَرْضَىٰ لِعِبَادِهِ الْكُفْرَ)؛ هذه التغطية على الحقيقة، وإنكار ما قامت عليه البراهين الواضحة الجليلة والدقيقة؛ هذا يضرّكم أنتم ولا يرضاه منكم فيُعاقبكم عليه. ومن الذي يردُّكم عن عقابه؟ أو يحميكم من عذابه جل جلاله؟ وقد خلقكم لا باختياركم ولا بترتيبكم ولا بإرادتكم.. ومرجعكم إليه، فمن يقيكم عذابه إن خالفتموه؟!..
(وَلَا يَرْضَىٰ لِعِبَادِهِ الْكُفْرَ ۖ وَإِن تَشْكُرُوا يَرْضَهُ لَكُمْ)، ثم إنه بفضله ومِنَّته اختار من عباده من نَزَّههم عن الكفر، ومن الذين نزههم عن الكفر من نزههم عن الذنوب والمعاصي:
وجعل من بين الذين نَزَّههم عن الكفر:
يقول سبحانه: (وَإِن تَشْكُرُوا يَرْضَهُ لَكُمْ)، (وَإِن تَشْكُرُوا):
(إِن تَشْكُرُوا يَرْضَهُ لَكُمْ)، فإنكم إذا تأمَّلتم بعقلٍ وإنصاف وجدتم أنفسكم محاطين بمِنن ونعم وعطايا ومزايا وتوفيقٍ وخيراتٍ كثيرة، ما كان لكم أن تحدثوها من عند أنفسكم، ولا من خزائنكم، ولا خزائن أهلكم، ولا جماعاتكم، ولكن هو الذي أعطاكم أسماعًا وأبصارًا، ووطّد الأرض لكم، ورفع السماء من فوقكم، ويسَّر لكم استنشاقكم والأكسجين الذي وفّره لكم.. مِن عند مَن؟ بكم تشترونه؟ ترتب حياتكم كلها عليه، مبذول مفسوح لكم… فأنتم غارقون في نعمه من كل جانب، ومع ذلك تريدون تجحدون وتكفرون!
(وَإِن تَشْكُرُوا يَرْضَهُ لَكُمْ)؛ يعني: يا أيها الذين أُسبغت عليكم النعم ظاهرة وباطنة، ما حقكم أن تكفروا! ولكن يرضى لكم أن تشكروا، فإذا شكرتم ضاعف الخيرات لكم عاجلًا، وأعد لكم أمرًا عظيمًا آجلًا، حتى طوى عليه علمه: (فَلَا تَعْلَمُ نَفْسٌ مَّا أُخْفِيَ لَهُم مِّن قُرَّةِ أَعْيُنٍ)؛ هذا عرض الإله الحق علينا التجارة الكبرى، ويقول: عاملوني فإن عندي ما لا يمكن للعقليات في الأرض والسماء أن تحيط به.
وكل من أيقن بهذا العرض من الله كيف ينصرف عن الله! كيف ينصرف إلى اتباع نفسه أو هواه؟ وإلى ما يعرضه عليه أهل الشرق أو أهل الغرب؟ ومَن أهل الشرق ومن أهل الغرب؟! وما منزلتهم عند رب المشارق والمغارب؟! وما مقدار قوتهم أو غناهم عند قوة وغنى رب المشارق والمغارب؟! ماذا عندهم؟!… من أيقن بهذا العرض من الله كيف لا يتولع ويتولّه بالله!
(يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا هَلْ أَدُلُّكُمْ عَلَىٰ تِجَارَةٍ تُنجِيكُم مِّنْ عَذَابٍ أَلِيمٍ * تُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَرَسُولِهِ وَتُجَاهِدُونَ فِي سَبِيلِ اللَّهِ بِأَمْوَالِكُمْ وَأَنفُسِكُمْ ۚ ذَٰلِكُمْ خَيْرٌ لَّكُمْ إِن كُنتُمْ تَعْلَمُونَ).
تريدون طرف نموذج من النتائج؟
(ذَٰلِكَ الْفَوْزُ الْعَظِيمُ)! الله أكبر، نسألك الفوز العظيم يا الله.
قال: (وَإِن تَشْكُرُوا يَرْضَهُ لَكُمْ)، فأنقذوا أنفسكم يا من كَفَر، ويا أيها المؤمنون طريق الشكر أمامكم واسع وعظيم؛ فاشكروا:
اشكروه فإنه شاكر عليم؛ (وَمَنْ أَرَادَ الْآخِرَةَ وَسَعَىٰ لَهَا سَعْيَهَا وَهُوَ مُؤْمِنٌ فَأُولَٰئِكَ كَانَ سَعْيُهُم مَّشْكُورًا) [الإسراء:19]، الله أكبر! وهو أهل الشكر، ومع ذلك يشكر عباده! والحق له لا لهم، والمِنة له أولًا وآخرًا، بل سمّى نفسه الشكور.
وذلك لأن حقائق الشكر لها ارتباط بقيام الليل، فاخرج من رمضان بمحبة قيام الليل.
الله! لا إله إلا الله... اخرج من رمضان بكسوة من الخلوة مع الرب، والقيام له والناس نيام في الأسحار؛ فذلك من خير ما يقوم به الشكر لهذا الإله.
ولهذا؛ جاءنا الحق تعالى يباهي بمَن في سواد الليل ينسلُّ من بين فراشه ومحل راحته، ومن عند أهله وزوجه، يتوضأ وينتصب بين يدي الله، يقول الله للملائكة: انظروا عبدي قام من بين أهله وفراشه ومكان راحته يناجيني؛ يباهي به الملائكة؛ لأن هذا العبد شكر على قدره، ولكن الحق تعالى لمّا يشكر شأنه عظيم، يرفع ذكر هذا العبد بين الملأ الأعلى وبين الملائكة! أنت لو واحد من الخلق يشكرك.. لعمل لك نشرات في مواقع التواصل، تفرح تقول: جزاه الله خير!.. وهذا الحق ينادي ملائكته في العالم الأعلى -وكم عددهم..- فلان بن فلان قام من أجلي! ما نشر لك من إعلان ومن دعاية.. وأين! وما آثار ذلك، وما نتائج ذلك؟.. سبحانه! ما أعظم منَّته؛ فكن من الشاكرين.
ولذا خاطب أنبياءه بهذا لمكانة الشكر وعظمته، يقول: (فَخُذْ مَا آتَيْتُكَ وَكُن مِّنَ الشَّاكِرِينَ) [الأعراف:144]؛ يقول لسيدنا موسى عليه السلام.
يقول: (وَإِن تَشْكُرُوا يَرْضَهُ لَكُمْ ۗ) فيثيبكم ويجزيكم الجزاء الكبير.
(وَلَا تَزِرُ وَازِرَةٌ وِزْرَ أُخْرَىٰ)؛ لا تحمل حاملة آثمة (وِزْرَ)؛ إثم نفس أخرى. (وَلَا تَزِرُ وَازِرَةٌ وِزْرَ أُخْرَىٰ)؛ لا نفس مهما كانت آثمة تُحمَّل ذنوب الآخرين، ولكن ما كسبته مهما كان من كِبره وحجمه فتحمله وحدها، ولا يُضاف عليها حمل نفسٍ أخرى.
(ثُمَّ إِلَىٰ رَبِّكُم مَّرْجِعُكُمْ)؛ فهذه الحقيقة يا معاشر الخليقة أجمعين، فلا تذهبوا وراء الأوهام والظنون والخيالات والتصورات الفاسدة. وأنتم في فرصة اختبار وامتحان ليربح من يربح، خلقكم إله كريم عظيم، وأعطاكم الأسماع والأبصار، وأنزل الكتب وأرسل الرسل، وقال: المرجع إليَّ، ويكون كذا وكذا.
(إِلَىٰ رَبِّكُم مَّرْجِعُكُمْ فَيُنَبِّئُكُم بِمَا كُنتُمْ تَعْمَلُونَ)؛ تنبئة إذاقة، تنبئة مجازاة؛ لا تنبئة إعلام، ما يُعْلِمكم؛ فهو واضح قدّامكم أصلاً كل ما عملتم (لِّيُرَوْا أَعْمَالَهُمْ)، قال سبحانه وتعالى؛ (يَوْمَئِذٍ يَصْدُرُ النَّاسُ أَشْتَاتًا لِّيُرَوْا أَعْمَالَهُمْ) [الزلزلة:6]، ولكن (فَيُنَبِّئُكُم)؛ نبأ إذاقة لجزاء العمل؛ نتيجته؛ يذيقكم.. لا إله إلا الله!
اللهم إنك عفو تحب العفو فاعف عنا، أرنا في الدارين ما يسرنا، ولا تُرنا ما يغمّنا، (فَمَن يَعْمَلْ مِثْقَالَ ذَرَّةٍ خَيْرًا يَرَهُ * وَمَن يَعْمَلْ مِثْقَالَ ذَرَّةٍ شَرًّا يَرَهُ) [الزلزلة:7-8]. إلا أن له من عجائب الفضل والعفو والصفح ما يرفع به شؤم الذنب عن عبده، حتى لا يفضحه به ولا يؤاخذه عليه ويعفو ويصفح، يا خير الغافرين اغفر لنا.
(فَيُنَبِّئُكُم بِمَا كُنتُمْ تَعْمَلُونَ ۚ إِنَّهُ عَلِيمٌ بِذَاتِ الصُّدُورِ (7)) جل جلاله، نفس ما في صدوركم وما يستقر فيه وما سيستقر ويطرأ عليها هو عليم به، فكيف بأعمالكم الظاهرة؟! ولذا قال عند الرجوع إليه:
وهكذا، (فَيُنَبِّئُكُم بِمَا كُنتُمْ تَعْمَلُونَ ۚ إِنَّهُ عَلِيمٌ بِذَاتِ الصُّدُورِ (7))؛ نفس باطنك وما في ضميرك هو أعلم به، فكيف بما يظهر من أعضائك! (أَلَا حِينَ يَسْتَغْشُونَ ثِيَابَهُمْ يَعْلَمُ مَا يُسِرُّونَ وَمَا يُعْلِنُونَ ۚ إِنَّهُ عَلِيمٌ بِذَاتِ الصُّدُورِ) [هود:5]. فهو أعلم بنا منّا، وأعلم من الملائكة، وأعلم من الجن والشياطين، وأعلم من كل أحد بكل أحد وبكل شيء سبحانه وتعالى. أعلم من كل أحد بكل شيء، ولا فرق بين الظاهر والباطن، ولا السر ولا العلانية، ولا النية والقصد، ولا عمل الجارحة، ولا الليل ولا النهار، ولا الضياء ولا الظلمة… لا فرق، هو استوى في علمه كل شيء؛ (وَأَنَّ اللَّهَ قَدْ أَحَاطَ بِكُلِّ شَيْءٍ عِلْمًا) [الطلاق:12].
(إِنَّهُ عَلِيمٌ بِذَاتِ الصُّدُورِ (7))؛ وتأملوا في أحوالكم، وراجعوا حساباتكم، وخاطبوا أنفسكم، ذلك خير لكم، وهذا تنزُّل من ربكم يقول: تفعلون كذا وتفعلون كذا وأنا ربكم ومرجعكم إليَّ، خيرٌ لكم كذا، وخيرٌ لكم كذا..
(وَإِذَا مَسَّ الْإِنسَانَ ضُرٌّ)؛ نزلت به شدائد وآفات وأتعاب وكرب.. (دَعَا رَبَّهُ)؛ لأنه حينئذٍ يقوم عنده شعور الفطرة والضمير أنه لا أحد سينقذه إلا الله، والذين كان يعتمد عليهم -غير الله- يعرف أنهم لن يقدرون على شيء إلا إن كان هو...
(دَعَا رَبَّهُ مُنِيبًا إِلَيْهِ)؛ مقبِل بكلِّيته، مخلص لوجهه، خاضع منيب، (ثُمَّ إِذَا خَوَّلَهُ نِعْمَةً):
(نَسِيَ مَا كَانَ يَدْعُو إِلَيْهِ مِن قَبْلُ):
(قُلِ اللَّهُ يُنَجِّيكُم مِّنْهَا وَمِن كُلِّ كَرْبٍ ثُمَّ أَنتُمْ تُشْرِكُونَ) [الأنعام:64]، (نَسِيَ مَا كَانَ يَدْعُو إِلَيْهِ مِن قَبْلُ). أيش (مَا كَانَ يَدْعُو إِلَيْهِ مِن قَبْلُ)؟
يا هذا! يا إنسان! لماذا بهذا التنكر؟ لماذا بهذا الكفران؟ لماذا بهذا الجحود؟ (إِنَّ الْإِنسَانَ لِرَبِّهِ لَكَنُودٌ)، يجحد النعمة! (وَإِنَّهُ عَلَىٰ ذَٰلِكَ لَشَهِيدٌ) [العاديات:6-7]، (قُتِلَ الْإِنسَانُ مَا أَكْفَرَهُ) [عبس:17].
(نَسِيَ مَا كَانَ يَدْعُو إِلَيْهِ مِن قَبْلُ وَجَعَلَ لِلَّهِ أَندَادًا)؛ شركاء، وهو الواحد الأحد؛ مستحيل أن يكون له شريك. (جَعَلَ لِلَّهِ أَندَادًا لِّيُضِلَّ عَن سَبِيلِهِ): يخرج عن الطريق التي اختارها له وأحبها وبعث بها المرسلين، (لِّيُضِلَّ عَن سَبِيلِهِ).
يقول الله لحبيبه، مَن كان وصفه كذلك: (قُلْ تَمَتَّعْ بِكُفْرِكَ قَلِيلًا)؛ تعرف قليلًا؟ يعني: إن تركناك في هذه الحياة سواء كنت من أوائل الأمم أو في آخر أمة؛
(قُلْ تَمَتَّعْ بِكُفْرِكَ قَلِيلًا)؛ لأنه مقبل عليك زمن الآلاف والملايين والمليارات من السنين ستُعذَّب فيها.
(تَمَتَّعْ بِكُفْرِكَ قَلِيلًا ۖ إِنَّكَ مِنْ أَصْحَابِ النَّارِ)، الموقدة المطّلعة على الأفئدة، (لَّابِثِينَ فِيهَا أَحْقَابًا) [النبأ:23]، مُددًا غير متناهية، مستمرة، (وَمَا هُم بِخَارِجِينَ مِنَ النَّارِ) [البقرة:167]. (كُلَّمَا أَرَادُوا أَن يَخْرُجُوا مِنْهَا مِنْ غَمٍّ أُعِيدُوا فِيهَا وَذُوقُوا عَذَابَ الْحَرِيقِ) [الحج:22]؛ (ذَٰلِكَ بِمَا قَدَّمَتْ أَيْدِيكُمْ وَأَنَّ اللَّهَ لَيْسَ بِظَلَّامٍ لِّلْعَبِيدِ) [آل عمران:182].
(قُلْ تَمَتَّعْ بِكُفْرِكَ قَلِيلًا ۖ إِنَّكَ مِنْ أَصْحَابِ النَّارِ(8)) اللهم أجرنا من النار، (أَصْحَابِ النَّارِ):
كذلك ماذا بين هؤلاء المكلفين وبين الجنة من صحبة؟
الإيمان والطاعة، فقط.. لا سبب لصحبتهم الجنة إلا هذا، تتكوّن العلاقة بينهم وبين الجنة والمصاحبة لها من خلال الإيمان والطاعات:
يا خير صحبة في الجنة! هؤلاء أصحاب؛ أصحاب الجنة.
يقول: (قُلْ تَمَتَّعْ بِكُفْرِكَ قَلِيلًا ۖ إِنَّكَ مِنْ أَصْحَابِ النَّارِ (8)). أصحاب الجنة معهم طريق ومسلك غير الذي معك الهابط الساقط هذا.. (أَمَّنْ هُوَ قَانِتٌ آنَاءَ اللَّيْلِ سَاجِدًا وَقَائِمًا يَحْذَرُ الْآخِرَةَ وَيَرْجُو رَحْمَةَ رَبِّهِ)؛ هؤلاء هم أصحاب الجنة، لهم مسلك غير السفاهة والتفاهة هذه التي رضيت لنفسك بها! لهم مسلك مع الرحمن حَسَن في الدنيا.
(أَمَّنْ هُوَ قَانِتٌ آنَاءَ اللَّيْلِ سَاجِدًا وَقَائِمًا يَحْذَرُ الْآخِرَةَ وَيَرْجُو رَحْمَةَ رَبِّهِ).
ونِعم الخبأ يخبئه لك ربك! والإعداد يعدّه لك رب السماوات والأرض، يعد لك نعيمه، يقول لك أنا سأُعِدُّ لك نعيمك!.. الله قال: أنا سأُعِدُّ نعيم لك، أيش مقدار الإعداد هذا؟! لا إله إلا الله…
فالله يجعلنا من أصحاب الجنة، ومن أهل الفردوس الأعلى في الجنة، ومن أهل الدرجات العلى في الجنة، وينفي عنَّا كل صحبةٍ للنار وما يقرّبنا. نسألك الجنة وما قرّب إليها من قولٍ وعمل ونيةٍ واعتقاد، ونعوذ بك من النار وما قرّب إليها من قول وعمل ونية واعتقاد، فزِدنا من فضلك ما أنت أهله، واختم لنا رمضان بخيرٍ يا رب، بأحسن وأجمل وأفضل ما تختم به رمضانات محبوبيك من خيار هذه الأمة، اختم لنا رمضان بخير ذلك، وأجمله وأفضله وأكمله وأحسنه وأعزّه وأزينه وأشرفه وأوعاه وأجلاه وأحلاه وأغلاه كما أحاط بذلك علمك يا الله، في خيرٍ ولطفٍ وعافية وبإحسانك الخاتمة، أرنا بعد رمضان ما يَسُرُّ قلوبنا، وما يَسُرُّ قلب نبيك في أمته، اللهم آمين، اللهم آمين، اللهم آمين برحمتك يا أرحم الراحمين.
وبسر الفاتحة
إلى حضرة النبي، اللهم صلِّ وسلم وبارك عليه وعلى آله وأصحابه
الفاتحة
29 رَمضان 1447