تفسير سورة فصلت - 9 - من قوله تعالى {ما يقال لك إلا ما قد قيل للرسل من قبلك إن ربك لذو مغفرة وذو عقاب أليم } الآية 43 إلى الآية 47

شرح سورة فصلت 9
للاستماع إلى الدرس

الدرس التاسع من تفسير العلامة عمر بن محمد بن حفيظ للآيات الكريمة من سورة فصلت، ضمن الدروس الصباحية لشهر رمضان المبارك من عام 1447هـ ، تفسير قوله تعالى:

مَّا يُقَالُ لَكَ إِلَّا مَا قَدْ قِيلَ لِلرُّسُلِ مِن قَبْلِكَ ۚ إِنَّ رَبَّكَ لَذُو مَغْفِرَةٍ وَذُو عِقَابٍ أَلِيمٍ (43) وَلَوْ جَعَلْنَاهُ قُرْآنًا أَعْجَمِيًّا لَّقَالُوا لَوْلَا فُصِّلَتْ آيَاتُهُ ۖ أَأَعْجَمِيٌّ وَعَرَبِيٌّ ۗ قُلْ هُوَ لِلَّذِينَ آمَنُوا هُدًى وَشِفَاءٌ ۖ وَالَّذِينَ لَا يُؤْمِنُونَ فِي آذَانِهِمْ وَقْرٌ وَهُوَ عَلَيْهِمْ عَمًى ۚ أُولَٰئِكَ يُنَادَوْنَ مِن مَّكَانٍ بَعِيدٍ (44) وَلَقَدْ آتَيْنَا مُوسَى الْكِتَابَ فَاخْتُلِفَ فِيهِ ۗ وَلَوْلَا كَلِمَةٌ سَبَقَتْ مِن رَّبِّكَ لَقُضِيَ بَيْنَهُمْ ۚ وَإِنَّهُمْ لَفِي شَكٍّ مِّنْهُ مُرِيبٍ (45) مَّنْ عَمِلَ صَالِحًا فَلِنَفْسِهِ ۖ وَمَنْ أَسَاءَ فَعَلَيْهَا ۗ وَمَا رَبُّكَ بِظَلَّامٍ لِّلْعَبِيدِ (46) إِلَيْهِ يُرَدُّ عِلْمُ السَّاعَةِ ۚ وَمَا تَخْرُجُ مِن ثَمَرَاتٍ مِّنْ أَكْمَامِهَا وَمَا تَحْمِلُ مِنْ أُنثَىٰ وَلَا تَضَعُ إِلَّا بِعِلْمِهِ ۚ وَيَوْمَ يُنَادِيهِمْ أَيْنَ شُرَكَائِي قَالُوا آذَنَّاكَ مَا مِنَّا مِن شَهِيدٍ (47)

صباح الخميس 9 رمضان 1447 هجري.

نص الدرس مكتوب:


الحمد لله باسط نور الدلالة عليه والتعريف به، ومُبَيِّن معالم سلوك طريق قربه وحُبِّه، وصلى الله وسلم وبارك وكرم على عبده المصطفى وحبيبه المُنتقى سيد أهل قُربه، سيدنا محمدٍ الذي أَنزلَ عليه القرآن، وأمَرَهُ بالبيان فأحسنَ البيان، وعلى آله وصحبه أولي العرفان، وعلى من والاهم في الله واتبعهم بإحسان، وعلى آبائه وإخوانه من الأنبياء والمرسلين؛ مَن رفع الله لهم القدر والمكانة والمنزلة والشأن، وعلى آلهم وصحبهم وتابعيهم، وعلى الملائكة المقربين وجميع عباد الله الصالحين، وعلينا معهم وفيهم، إنه أكرم الأكرمين وأرحم الراحمين.

أما بعد،،

فإننا في نعمةِ تأملنا لكلام ربنا وإلهنا وخالقنا ﷻ، وتدبرنا لمعاني وحيه وتنزيله، انتهينا في سورة فُصِّلَتْ إلى قوله -جل جلاله وتعالى في علاه- مخاطبًا لحبيبه ومصطفاه: (مَّا يُقَالُ لَكَ إِلَّا مَا قَدْ قِيلَ لِلرُّسُلِ مِن قَبْلِكَ ۚ إِنَّ رَبَّكَ لَذُو مَغْفِرَةٍ وَذُو عِقَابٍ أَلِيمٍ (43)). 

يُبين له سبحانه وتعالى حِكمته في شأن هذا الخَلق وما رَكّبهم عليه من طبائع:

  •  فصار يتوارد أهل الحق والهدى، ومن هُدُوا إلى مقاومة الأهواء والشهوات بنور العَقل والإنصاف؛ فتتشابه أقوالهم، ويتواردون على معاني متقاربة لها أصلٌ واحد. 
  • كذلك مَن تغلبهم أهواؤهم وشهواتهم، وينحرفون في طريق التفكير، ويُنكرون الحق الواضح الصريح؛ فيتواردون على موارد متقاربة، وتتشابه أقوالهم، (كَذَٰلِكَ قَالَ الَّذِينَ مِن قَبْلِهِم مِّثْلَ قَوْلِهِمْ ۘ تَشَابَهَتْ قُلُوبُهُمْ ۗ قَدْ بَيَّنَّا الْآيَاتِ لِقَوْمٍ يُوقِنُونَ) [البقرة:118]. 

فتجد أساليب وطرق تفكير: 

  • أهل الحق والهدى على مُختلَف القرون متواردة على معانٍ مُتقاربة.. 
    • وتجدهم يُرَدِّدون كلامًا قيل من قبلهم مِن قِبل أهل هذا المسلك. 
    • فتجد في أتباع الحق والهدى من يرددُ أقاويل تشبه أقاويل مَن قبله مِن أهل الهدى.
  • كذلك تجد أهل الباطل والضلال والزيغ والكفر بأصنافه، يُرَدِّدون الأقوال التي كان يرددها مَن قبلهم.

فبقي الأصل واحدًا، ويهدي من يشاء ويضل من يشاء، اللهم اهدنا فيمن هديت، وهو القائل في حديثه القدسي ﷻ: "يا عِبادِي، كُلُّكُمْ ضالٌّ إلّا مَن هَدَيْتُهُ، فاسْتَهْدُونِي أَهْدِكُمْ"، اللهم اهدنا فيمن هديت، وقال في الآية الأخرى: (فَهَدَى اللَّهُ الَّذِينَ آمَنُوا لِمَا اخْتَلَفُوا فِيهِ مِنَ الْحَقِّ بِإِذْنِهِ ۗ وَاللَّهُ يَهْدِي مَن يَشَاءُ إِلَىٰ صِرَاطٍ مُّسْتَقِيمٍ) [البقرة:213].

وقال لنبيه: (مَّا يُقَالُ لَكَ إِلَّا مَا قَدْ قِيلَ لِلرُّسُلِ مِن قَبْلِكَ)، في كل ما يكذِّبك به قومك، وما يؤذونك، وما ينسِبُون إليك كذبًا وافتراءً من الجنون، ومن السحر، ومن الكهانة وما إلى ذلك؛ مَن قبلك من الرسل قد قوبِلوا بذلك وخوطِبوا بمثل ذلك: (وَلَقَدْ كُذِّبَتْ رُسُلٌ مِّن قَبْلِكَ فَصَبَرُوا عَلَىٰ مَا كُذِّبُوا وَأُوذُوا حَتَّىٰ أَتَاهُمْ نَصْرُنَا ۚ وَلَا مُبَدِّلَ لِكَلِمَاتِ اللَّهِ ۚ وَلَقَدْ جَاءَكَ مِن نَّبَإِ الْمُرْسَلِينَ) [الأنعام:34].

(مَّا يُقَالُ لَكَ إِلَّا مَا قَدْ قِيلَ لِلرُّسُلِ مِن قَبْلِكَ)، ثم كذلك فيما يُوحى إليك؛ يُوحى إليك ما يُصدِّق ما أوحي إلى الرسل من قبلك، وتَرُدُّ عليهم على الأصل الذي كان يَرُدُّ الرسل من قبلك على مخالفيهم، وعلى المنكرين لهم، وعلى معانديهم مثل قوله: (إِنَّ رَبَّكَ لَذُو مَغْفِرَةٍ وَذُو عِقَابٍ أَلِيمٍ (43))؛ بيان هذه الحقيقة هو الذي يُوحَى إلى الرُّسل من قبلك وهو يوحَى إليك؛ فتَبَيَّن بذلك: 

  • أن واجب المؤمنين أن يستمسكوا بالأصل والأساس في اتباع خير الناس ﷺ. 
  • وبما أوحي إليه، وبما بيّن من علم الوحي وأسراره:
    • يقولون ويقومون بالبيان وبالرَدِّ على من أنكر.
    • وبدعوة من لم يؤمن.

   فالأصل واحد، وإن اختلفت الأسماء والألفاظ، واختُرِعَ من وقت لآخر نوع فكرة؛ فالأصل في الباطل واحد، والأصل في الحق واحد؛ فيجب الاستمساك بالأصل، والرد على ما يتجدد من شبهاتٍ، أو يُخترع من ألفاظ جديداتٍ؛ بالأصل، وعلى الوجه الذي يُوَضِّح ويبين الحقيقة، ويكشف عن وجه الحق من خلال هذا الوحي وما يتفرع عنه ويقوم عليه.

(مَّا يُقَالُ لَكَ إِلَّا مَا قَدْ قِيلَ لِلرُّسُلِ مِن قَبْلِكَ ۚ إِنَّ رَبَّكَ لَذُو مَغْفِرَةٍ)؛ صاحب مغفرةٍ عظيمةٍ لمن أناب، ولمن تاب، ولمن رجع، ولمن ندِم، ولمن أقبل، ولمن صحَّح وَضْعهُ ومسارَهُ، ومغفرته ﷻ بالفضل والإحسان منه واسعة وكبيرة: 

  • (إِنَّ رَبَّكَ وَاسِعُ الْمَغْفِرَةِ) [النجم:32]. 
  • (وَإِنِّي لَغَفَّارٌ لِّمَن تَابَ وَآمَنَ وَعَمِلَ صَالِحًا ثُمَّ اهْتَدَىٰ) [طه:82]. 

لا يصعب عليه شيء من ذلك ولا يعسر، ومهما كبُرَ الذنب، ومهما كثرت الخطيئة والزلل؛ فما عنده من العفو والمغفرة أعلى وأجلّ؛ لمن أناب وتاب وأقبل عليه.

  ثم إنّه من خلال هذه المغفرة:

  • يستر ويغطي عيوب عبده؛ حتى يصلُ في كثير من تجلياته إلى أن يُنسِي الحَفَظَة ما كتبوه.
  • ويمحو من الكتب والصحف ما سُجِّل، ويُنسي الجوارح، ويُنسي الأرض التي عُمِل عليها، ويُنسي الزمن الذي عُمِل فيه.
  • فتُنسى كلها، فلا يبقى إلا هو:
    • (فِي كِتَابٍ ۖ لَّا يَضِلُّ رَبِّي وَلَا يَنسَى) [طه:52].
    • (فَيُنَبِّئُهُم بِمَا عَمِلُوا ۚ أَحْصَاهُ اللَّهُ وَنَسُوهُ) [المجادلة:6].

إذًا فلا يتعرَّض لهتك السَّتر، وانكشاف الفضائح له، وشهادة الأعضاء عليه إلا مُعاند مُصِرّ بعيدٍ، لم يتُب، ولم يندم، ولم يُقبِل، ولم يعرف عظمة الرَّب؛ 

  • هؤلاء الذين يُفضَحون ويُكشَفون و(تَشْهَدُ عَلَيْهِمْ أَلْسِنَتُهُمْ وَأَيْدِيهِمْ وَأَرْجُلُهُم بِمَا كَانُوا يَعْمَلُونَ) [النور:24]. 
  • وهؤلاء الذين يقولون لجلودهم: (لِمَ شَهِدتُّمْ عَلَيْنَا ۖ قَالُوا أَنطَقَنَا اللَّهُ الَّذِي أَنطَقَ كُلَّ شَيْءٍ) [فصلت:21].

فيقول: (إِنَّ رَبَّكَ لَذُو مَغْفِرَةٍ) لكل من أناب وتاب وأقبل، (وَذُو عِقَابٍ أَلِيمٍ (43)) شديد الإيلام؛ للمعاند المصر، المستكبر، المعرض، المتولي، الذي لا يؤوب إلى رشدٍ، ولا يُحسن استعمال عقلٍ ولا سمعٍ ولا بصر، ولا يرى وضوح الدلالات والآيات، ولا يعتَبر بالإمهال في زمن طويل؛ (أَوَلَمْ نُعَمِّرْكُم مَّا يَتَذَكَّرُ فِيهِ مَن تَذَكَّرَ وَجَاءَكُمُ النَّذِيرُ) [فاطر:37]، وتأتيه التنبيهات والمذكرات ولا ينزجر ولا يرجع؛ فهذا له العقاب الأليم -والعياذ بالله تبارك وتعالى- (إِنَّ رَبَّكَ لَذُو مَغْفِرَةٍ وَذُو عِقَابٍ أَلِيمٍ (43)).

فالله يلهمنا الرشد ويثبتنا على الحق والاستقامة، ويرزقنا حُسنَ الاستجابة لوحيِهِ وندائه ونداء رسوله صلى الله عليه وعلى آله وصحبه وسلم، وأن نخاطب أهل زماننا بمختَلَف أفكارهم بهذا الأصل من الهدى والنور والقرآن، ونُبيِّن فنُحسن البيان؛ لنحوزَ رتبة التبليغ عن الله ورسوله، وأداء الوعد والعهد الذي عاهدنا عليه الرَّب، ونلقاه وهو راضٍ عنا، فنظفر بما "لا عَيْنٌ رَأَتْ، ولا أُذُنٌ سَمِعَتْ، ولا خَطَرَ على قَلْبِ بَشَرٍ".

 فَيَا رَبِّ ثَبِّتنَا عَلَى الحَقِّ والهُدَى *** ويَا رَبِّ اقْبِضْنَا عَلَى خَيرِ مِلَّةِ 

فلقد دعانا من أُنزِل عليه هذا الكتاب، وهو سيد الأحباب؛ الحال كما قال الإمام الحداد: 

دَعَانَا إلى حَقٍّ بِحَقٍّ مُنزَّلٍ *** عَلَيهِ منَ الرَّحمنِ أَفضَلَ دَعوَةِ

أَجَبنَا قَبِلنَا مُذعِنِينَ لِأَمرِهِ *** سَمِعنَا أَطَعنَا عَن هُدىً وَبَصِيرَةِ

فَيَا رَبِّ ثَبِّتنَا عَلَى الحَقِّ والهُدَى *** ويَا رَبِّ اقْبِضْنَا عَلَى خَيرِ مِلَّةِ 

يقول: (إِنَّ رَبَّكَ لَذُو مَغْفِرَةٍ وَذُو عِقَابٍ أَلِيمٍ (43) وَلَوْ جَعَلْنَاهُ قُرْآنًا أَعْجَمِيًّا لَّقَالُوا لَوْلَا فُصِّلَتْ آيَاتُهُ ۖ أَأَعْجَمِيٌّ وَعَرَبِيٌّ)، يقول: هم يعترضون على كل الأحوال. 

  (وَلَوْ جَعَلْنَاهُ قُرْآنًا أَعْجَمِيًّا):

  • (أَعْجَمِيًّا)؛ إما بغير لغة العرب.
  • أو (أَعْجَمِيًّا)؛ بلغة العرب بلا فصاحة، ولا حسن بيان.

(لَّقَالُوا لَوْلَا فُصِّلَتْ آيَاتُهُ)؛ لماذا هو مُستعجم هكذا؟

  • إما بلغة غير لغتنا.. وكيف نفهمها؟ وكيف محمد عربي يُوحى إليه أعجمي؟ كيف يتم هذا.. وكيف يكون؟ 
  • أو بنفس اللغة غير مفهوم؛ لقالوا: ما يتضح  معنى ما تقولون.. ركيك ركيك قولكم! ما فيه لا رِكة في القول ولا لغة أخرى؛ كلام واضح.

(لَّقَالُوا لَوْلَا فُصِّلَتْ آيَاتُهُ ۖ أَأَعْجَمِيٌّ وَعَرَبِيٌّ) يعني: كلام أعجمي والرسول والنبي عربي؟! كيف يتم؟

(أَأَعْجَمِيٌّ وَعَرَبِيٌّ)؟ إذًا فهُم على كل الأحوال يعترضون وينتقدون والأمر واضح وبيِّن.

(قُلْ هُوَ)؛ هذا القرآن الذي نزل عليّ (لِلَّذِينَ آمَنُوا هُدًى وَشِفَاءٌ) اللهم اجعلنا في خواص الذين آمنوا، واجعل لنا في كل آيةٍ مما أنزلتَ على نبيك (هُدًى وَشِفَاءٌ)

   (قُلْ هُوَ لِلَّذِينَ آمَنُوا هُدًى) يهديهم سواء السبيل، ويدلهم على الحق؛ (إِنَّ هَٰذَا الْقُرْآنَ يَهْدِي لِلَّتِي هِيَ أَقْوَمُ)؛ أحسن ما يكون، وأقوم وأعدل ما يكون (إِنَّ هَٰذَا الْقُرْآنَ يَهْدِي لِلَّتِي هِيَ أَقْوَمُ) [الإسراء:9].

(هُوَ لِلَّذِينَ آمَنُوا هُدًى) فيجد المؤمن فيه هدايته؛ ومن هنا كانوا يقولون للمتوجه إلى الله الذي يريد قطع العقبات وتطهير النفس للوصول إلى الرب: لا تكون مُريدًا حتى تجد في القرآن كل ما تريد؛ لأنه (هُدًى). 

فإذا استهديتَ الرَّب وأقبلتَ عليه؛ فإنه سيأخذ بيدك ويفتح لك عن معاني خطابه وكلامه حتى تهتدي إليه وتصل.

(قُلْ هُوَ لِلَّذِينَ آمَنُوا هُدًى): 

  • يهديهم إلى حقائق الأمور، وإلى صحيح المسالك، وإلى أجمل الطرق.
  • (هُدًى) يهديهم إلى ما يوجب فوزهم وسعادتهم في الدارين.

  (وَشِفَاءٌ) من عِلل القلوب وأمراض النفوس والعقول، يمتد نوره وخيره إلى شفاء الأبدان والأجسام مِن عِلَلِها الظاهرة.  

(قُلْ هُوَ لِلَّذِينَ آمَنُوا هُدًى وَشِفَاءٌ..(44))

  • شفاءٌ مُحَقَّق للقلوب من عِلَلِها وأمراضها لكلّ مُقبِلٍ بصدق. 
  • وشفاءٌ مُرتجى لِعلَلِ الأجسام؛ به تندفع أنواع الأمراض عن مَن أخذ القرآن مُستشفيًا به.
  • و "مَنْ لَمْ يَسْتَشْفِ بِالْقُرْآنِ فَلَا شَفَاهُ اللَّهُ".

(قُلْ هُوَ لِلَّذِينَ آمَنُوا هُدًى وَشِفَاءٌ) اجعلنا من خواص الذّين آمنوا، واجعل كلّ آية من آياتك التّي أنزلتها على نبيّك محمّد، وكلّ كلمة، وكلّ حرف منه لنا (هُدًى وَشِفَاءٌ)، ولأهلينا وأولادنا وأصحابنا، عُمَّ بذلك أهل مجمعنا ومن يسمعنا، وأهاليهم، وذويهم يا ربّ العالمين.

(قُلْ هُوَ لِلَّذِينَ آمَنُوا هُدًى وَشِفَاءٌ) تسمع معاني الآيات يوم بعد يوم في أيّام رمضان، وما ينتهي رمضان إلّا وهُديت وشُفيت من أنواع العِلَل والأمراض.. اللّهم أكرمنا بذلك.

(قُلْ هُوَ لِلَّذِينَ آمَنُوا هُدًى وَشِفَاءٌ) المصيبة في الذين يرون الآيات ويُعرضون، ويستكبرون، ويجحدون. 

(وَالَّذِينَ لَا يُؤْمِنُونَ فِي آذَانِهِمْ وَقْرٌ وَهُوَ) -القرآن- (عَلَيْهِمْ عَمًى) بكفرهم صار كالوَقْر: الصّمم والثِّقل (فِي آذَانِهِمْ)؛ أي: في آذانهم الباطنة؛ في قلوبهم ما يسمعون، أمّا الصّوت يسمعونه، والحروف يسمعونها، والمعاني ما يسمعونها.. لماذا؟ وَقْر في قلوبهم من الكفر والإعراض. 

(وَهُوَ عَلَيْهِمْ عَمًى) يعني: هم عُميان عن إدراك هذا النّور المُشرق، والضّياء السّاطع؛ كما لا يُشاهد الأعمى ضوء الشّمس، فتقول له: الشمس طَلَعتْ، يقول: أين هي؟.. أنت أعمى ماذا أعمل بك! صَدِّق للمُفتِّحين الذين عندهم أبصار؛ هم بيقولون لك: الشمس طلعت؛ من انفَتَحَتْ عينه، كذلك من انفتحَ قلبه، ما يقدر يكذّب بهذه الآيات؛ هو واضح جلي، ونور ساطع.

(وَالَّذِينَ لَا يُؤْمِنُونَ فِي آذَانِهِمْ وَقْرٌ وَهُوَ عَلَيْهِمْ عَمًى ۚ أُولَٰئِكَ) -في إعراضهم واستكبارهم- (يُنَادَوْنَ مِن مَّكَانٍ بَعِيدٍ (44)) وكي تعرف؛ النّداء يسمعُهُ كلّ ذي سَمعٍ إذا نودي من مسافة يمكن السّمع منها، ولكن مهما كان النّداء قوي وواضح ولكن من بعيد؛ فما يسمعه هذا البعيد، وهؤلاء (يُنَادَوْنَ مِن مَّكَانٍ بَعِيدٍ)

  • بعيد عن عقولهم وقلوبهم؛ لانْصرافِها، فلهذا مهما كان واضحًا وبَيّنًا، ما يخضعون، ولا يستمعون، ولا يرجعون أبدًا -والعياذ بالله تعالى-.
  • (أُولَٰئِكَ يُنَادَوْنَ مِن مَّكَانٍ بَعِيدٍ)؛ فلبعدهم المعنوي في قلوبهم وعقولهم؛ كمثل من يكون بعيد المسافة عن المُنادي ما يسمع نداء المنادي.. مع أن المُنادي بجنبهم! لكن بعدهم معنوي. 
  • (يُنَادَوْنَ مِن مَّكَانٍ بَعِيدٍ) وهو مكان الهوى، وغلَبَتُه، والإصرار على المعاندة مهما اتّضح الحقّ، وهكذا (أُولَٰئِكَ يُنَادَوْنَ مِن مَّكَانٍ بَعِيدٍ).

يقول ﷻ: (وَلَقَدْ آتَيْنَا مُوسَى الْكِتَابَ)؛ التّوراة أنزلناها عليه، أحد كتبنا التّي أنزلناها على الأنبياء، أنزل على موسى التوراة. 

  (وَلَقَدْ آتَيْنَا مُوسَى الْكِتَابَ فَاخْتُلِفَ فِيهِ) والذّي يقول الكفّار من قومك على القرآن؛ هو مثل ما كان يقول الكفّار على التّوراة حقّ موسى، ومنهم مَن آمن كأصحابك الصّالحين المؤمنين من السّابقين الأولين ومن تبعهم، ومنهم من قالوا وقالوا على القرآن:

  • (إِنْ هَٰذَا إِلَّا سِحْرٌ يُؤْثَرُ * إِنْ هَٰذَا إِلَّا قَوْلُ الْبَشَرِ) [المدثر:24-25].
  • (لَوْ نَشَاءُ لَقُلْنَا مِثْلَ هَٰذَا) [الأنفال:31]، إلى غير ذلك. 

(فَاخْتُلِفَ فِيهِ) ما آمنت أمّته كلّهم به، وكذلك يختلف قومُك فيما أوحينا إليك من القرآن، والكتاب العزيز.

(وَلَوْلَا كَلِمَةٌ سَبَقَتْ مِن رَّبِّكَ) إرادة وقضاء قَضاه، حدّد به مواعيد أخذ الأفراد، والطوائف، والجَماعات، والأمم في أوقاتها، وعيَّن وحدَّد فيه بالضّبط وقت قيام السّاعة، والحُكم قد سبق بإرادته وعلمه ذلك. 

(وَلَوْلَا كَلِمَةٌ سَبَقَتْ مِن رَّبِّكَ لَقُضِيَ بَيْنَهُمْ) أي: لعُجِّل نزول العذاب على كلّ متكبّر ومُعانِد في نفس الحين، ولا يبقى منهم أحد؛ لكنّ الله قال: أنا القويّ الذّي لا يفوتني شيء ولي حكمة؛ أمدّهم بمهلة، وأمدّهم بفُرَص؛ ليتذكّر من يتذكّر، ثمّ آخذهم: 

  • (وَلَا تَحْسَبَنَّ اللَّهَ غَافِلًا عَمَّا يَعْمَلُ الظَّالِمُونَ ۚ إِنَّمَا يُؤَخِّرُهُمْ لِيَوْمٍ تَشْخَصُ فِيهِ الْأَبْصَارُ) [إبراهيم:42]. 
  • قال: (وَأُمْلِي لَهُمْ ۚ إِنَّ كَيْدِي مَتِينٌ) [القلم:45].

(وَلَوْلَا كَلِمَةٌ سَبَقَتْ مِن رَّبِّكَ لَقُضِيَ بَيْنَهُمْ ۚ وَإِنَّهُمْ لَفِي شَكٍّ مِّنْهُ)، مِن هذا الذّي أنزلنا عليك (مُرِيبٍ (45))؛ يوقعهم في الرّيّب لما عندهم من الصّمم والعمى.

يقول الحقُّ بعد هذا البيان الواضح، والإرشاد التام الكامل الصّالح: (مَّنْ عَمِلَ صَالِحًا فَلِنَفْسِهِ).

(مَّنْ عَمِلَ صَالِحًا فَلِنَفْسِهِ)؛ وينطوي في معنى العمل هنا: النّيّة والقصد، والإرادة، والوجهة والنّظر، والسمع والبصر، والحركة والسّكون، والأخذ والعطاء، والدّخول والخروج، وأنواع المعاملات. 

  (مَّنْ عَمِلَ صَالِحًا فَلِنَفْسِهِ) أي: 

  • فهو الكاسب لنفسه نتائج هذا العمل الصّالح وبركاته، وخيراته.
  • هو المُمهّد لنفسه الدرجات العُلى.
  • هو المُهيّئ لنفسه مرافقة خير الملأ.
  • هو المتهيّئ بعمله الصّالح أن يبيض وجهه: (يَوْمَ تَبْيَضُّ وُجُوهٌ وَتَسْوَدُّ وُجُوهٌ) [آل عمران:106].
  • هو الذّي يُعِدّ نفسه بالعمل الصالح للعفو والمغفرة، والمرور على الصّراط، والثبات على ذلك عند المرور، ودّخول الجنّة.

فهو يعمل لنفسه! 

(مَّنْ عَمِلَ صَالِحًا فَلِنَفْسِهِ)، فالفائدة له، والخير راجع إليه، فما أعجب ما رغَّبنا إلهنا في العمل الصّالح! فالعمل كلّه لك! وكلّه محفوظ ومذخور لك! وعائدةٌ عوائدُهُ عليك! في حسّك ومعناك، في دنياك وأخراك.

(مَّنْ عَمِلَ صَالِحًا فَلِنَفْسِهِ)؛ ولذا كان يقول بعض أهل المعرفة والحكمة: 

  • إنّ لكلّ سيّئة: 
    • ظلمة في القلب.
    • وسوادٌ في الوجه.
    • واستثقالٌ في قلوب المؤمنين. 
    • وضيقٌ في الرّزق. 
    • وعذاب في الآخرة. 
  • والحسنة غير ذلك، لكلّ حسنة: 
    • تنوير للقلب وللوجه. 
    • صفاء في الوجه. 
    • ومحبّة ومودّة في قلوب المؤمنين. 
    • وسعة في الرّزق.
    • ومنزلة عند الخالق.

  فما أخطر عُملة الحسنات والسيئات! اشتغل النّاس بالعُملات، وتطلع واحدة وتنزل واحدة، وهذا كم؟ وهذه تجيب كم؟ والدَّخل بأي عملة؟ ويجيء كيف؟.. وكلّها من أولها إلى آخرها تنهار وتنتهي ولا يبقى لها قيمة. 

لكن عُملة الحسنات والسيئات خطيرة.. خطيرة.. خطيرة! عظيمة كبيرة! 

  • كلّ الفوز يترتّب على عملة الحسنات. 
  • وكلّ الشّقاء والخسران على عملة السيّئات.

وتلاحقك في الحياة.. عند الوفاة.. في البرزخ.. ويوم القيامة؛ هذه تمشي، ولا تبطل أبداً -لا إله إلا الله-؛ ما لَكَ إلا ما عفا الله عنك من السيّئات، أو ضاعف لك من الحسنات، وغير ذلك ما هو لك؛ (وَأَن لَّيْسَ لِلْإِنسَانِ إِلَّا مَا سَعَىٰ)، العُملة هذه هي بتبقى معك على طول، ولا أحد بيأخذها إرث منك، ولا أحد بيسرقها عليك، ولا أحد بيقطعك عنها، ولا أحد بيقدر يُسقِّطها، ما كسبتَ من الحسنات لك وما كسبتَ من السيئات عليك، لا أحد بيقدر يدفع شره عنك، ولا يُبعّد ضره منك، ولا يقطعك عن نتيجته؛ إلّا أن يعفو الله؛ (وَأَن لَّيْسَ لِلْإِنسَانِ إِلَّا مَا سَعَىٰ * وَأَنَّ سَعْيَهُ سَوْفَ يُرَىٰ * ثُمَّ يُجْزَاهُ الْجَزَاءَ الْأَوْفَىٰ) [النجم:39-41].

(مَّنْ عَمِلَ صَالِحًا فَلِنَفْسِهِ ۖ وَمَنْ أَسَاءَ فَعَلَيْهَا)، إذا أنطق الله دابّة مرة -ويُنطِق الله ما يشاء- وراكب عليها يضربها، فوطّتْ الدابّة رأسها قالت: إنّه راجع إليك؛ فزِد ماشئت أو أنقص ماشئت، قالت له: هذا بيرجع لك الضّرب بعدين في القيامة بيرجع إليك، أنت على رأسك تُضرب بتزيِّد.. بتنقِّص، اعتبرت؟! أنت الآن تضربني، معي إله ورب أرجع إليه، وبيوقِفَك أمامي حتى آخذ حقي منك، لا إله إلا الله!.

(وَمَنْ أَسَاءَ فَعَلَيْهَا ۗ وَمَا رَبُّكَ بِظَلَّامٍ لِّلْعَبِيدِ (46))؛ (إِنَّ اللَّهَ لَا يَظْلِمُ مِثْقَالَ ذَرَّةٍ ۖ وَإِن تَكُ حَسَنَةً يُضَاعِفْهَا وَيُؤْتِ مِن لَّدُنْهُ أَجْرًا عَظِيمًا) [النساء:40]، له الحمد والمنّة.

(إِلَيْهِ يُرَدُّ عِلْمُ السَّاعَةِ)؛ فلا يَحوي مَلَك ولا نبيّ ولا من دونهم من الخلائق تعيين وقت السّاعة الذي يُقيمها الله فيه، بل عِلمها مردود إليه (إِلَيْهِ يُرَدُّ عِلْمُ السَّاعَةِ)؛ الله أعلم.

  • ولمّا سأل جبريل نبيَّنا ﷺ عن السّاعة، قال: "ما المَسْؤولُ عَنْها بأَعْلَمَ مِنَ السّائِلِ".
  • (يَسْأَلُونَكَ عَنِ السَّاعَةِ أَيَّانَ مُرْسَاهَا ۖ قُلْ إِنَّمَا عِلْمُهَا عِندَ رَبِّي ۖ لَا يُجَلِّيهَا لِوَقْتِهَا إِلَّا هُوَ ۚ ثَقُلَتْ فِي السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ ۚ لَا تَأْتِيكُمْ إِلَّا بَغْتَةً) [الأعراف:187].

ما أحد يعرف حِسابها بالضّبط، إلّا الله ﷻ.

(إِلَيْهِ يُرَدُّ عِلْمُ السَّاعَةِ)، و كذلك ما يجري على ظهر الأرض من أثمار، و أكمام للثّمار و أشجار، وما إلى ذلك، و ما يحمل النّساء، و ما يلدن، وجميع الإناث من الحيوانات؛ إلّا بأمر، إلا بإذن، إلا بعلم، إلا بإرادة سابقة. فسبحان مالك الملك! سبحان من بيده الملك! سبحان الملك الحقّ! الذّي لا يجري في مملكته إلّا ما أذِن وأراد وعَلِم، والكل في قبضته ﷻ، وليس هذا المُلك لأحد غيره أصلاً.

 وملوك الأرض.. يجري في يده ما لا يريد، يجري في بطنه ما لا يريد، يجري في أذنه ما لا يريد هو، ويجري في ولده ما لا يريد، ويجري في مملكته ما لا يريد، وتعاكسه الأمور، ويقول: هذا المُلك حقنا… صورة مُلك! هذا مُلك هذا؟! ويفتخرون به ويتقاتلون عليه وهو بهذه الصورة! 

المُلك لواحد اسمه الله.. الله! اسمه الله، هذا المَلِك!، هذا المَلِك لا يكون شيء إلا بأمره، ولا يكون إلا تحت علمه وإذنه:

  • (قُلِ اللَّهُمَّ مَالِكَ الْمُلْكِ تُؤْتِي الْمُلْكَ مَن تَشَاءُ وَتَنزِعُ الْمُلْكَ مِمَّن تَشَاءُ وَتُعِزُّ مَن تَشَاءُ وَتُذِلُّ مَن تَشَاءُ ۖ بِيَدِكَ الْخَيْرُ ۖ إِنَّكَ عَلَىٰ كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ) [آل عمران:26]. 
  • (مَّا مِن دَابَّةٍ إِلَّا هُوَ آخِذٌ بِنَاصِيَتِهَا) [هود:56].
  • (إِلَيْهِ يُرَدُّ عِلْمُ السَّاعَةِ ۚ وَمَا تَخْرُجُ مِن ثَمَرَاتٍ مِّنْ أَكْمَامِهَا وَمَا تَحْمِلُ مِنْ أُنثَىٰ وَلَا تَضَعُ إِلَّا بِعِلْمِهِ (47)).

رزقنا الله الإيمان واليقين، ورقّانا إلى أعلى مراتب علم اليقين، وعين اليقين، وحقّ اليقين، وربطنا بحبيبه الأمين ربطًا لا ينحَلُّ أبدًا، وجعلنا بالإجابة له، وبالاستقامة على منهَاجه، والعمل بسنّته وإحيائها، وخدمة شريعته وأمّته من أسعد السّعداء، وجعلنا بمرافقته في مواقف القيامة كلّها وفي دار الكرامة من أسعد السّعداء، وتولّانا به ولاية يقينا بها جميع الآفات فيما خفي وفيما بدا.

 بِسِرِّ الْفَاتِحَةِ 

إِلَى حَضْرَةِ النَّبِيِّ مُحَمَّدٍ، اللهمَّ صَلِّ وَسَلِّمْ وَبَارِكْ عَلَيْهِ وَعَلَى آلِهِ وَصَحْبِهِ 

الْفَاتِحَة

تاريخ النشر الهجري

10 رَمضان 1447

تاريخ النشر الميلادي

27 فبراير 2026

اضافة إلى المفضلة

كتابة فائدة متعلقة بالمادة

الأقسام