تفسير سورة فصلت - 6 - من قوله تعالى {إذ جاءتهم الرسل من بين أيديهم ومن خلفهم ألا تعبدوا إلا الله ..} الآية 23 إلى الآية 32

للاستماع إلى الدرس

الدرس السادس من تفسير العلامة عمر بن محمد بن حفيظ للآيات الكريمة من سورة فصلت، ضمن الدروس الصباحية لشهر رمضان المبارك من عام 1447هـ ، تفسير قوله تعالى:

وَذَٰلِكُمْ ظَنُّكُمُ الَّذِي ظَنَنتُم بِرَبِّكُمْ أَرْدَاكُمْ فَأَصْبَحْتُم مِّنَ الْخَاسِرِينَ (23) فَإِن يَصْبِرُوا فَالنَّارُ مَثْوًى لَّهُمْ ۖ وَإِن يَسْتَعْتِبُوا فَمَا هُم مِّنَ الْمُعْتَبِينَ (24) ۞ وَقَيَّضْنَا لَهُمْ قُرَنَاءَ فَزَيَّنُوا لَهُم مَّا بَيْنَ أَيْدِيهِمْ وَمَا خَلْفَهُمْ وَحَقَّ عَلَيْهِمُ الْقَوْلُ فِي أُمَمٍ قَدْ خَلَتْ مِن قَبْلِهِم مِّنَ الْجِنِّ وَالْإِنسِ ۖ إِنَّهُمْ كَانُوا خَاسِرِينَ (25) وَقَالَ الَّذِينَ كَفَرُوا لَا تَسْمَعُوا لِهَٰذَا الْقُرْآنِ وَالْغَوْا فِيهِ لَعَلَّكُمْ تَغْلِبُونَ (26) فَلَنُذِيقَنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا عَذَابًا شَدِيدًا وَلَنَجْزِيَنَّهُمْ أَسْوَأَ الَّذِي كَانُوا يَعْمَلُونَ (27) ذَٰلِكَ جَزَاءُ أَعْدَاءِ اللَّهِ النَّارُ ۖ لَهُمْ فِيهَا دَارُ الْخُلْدِ ۖ جَزَاءً بِمَا كَانُوا بِآيَاتِنَا يَجْحَدُونَ (28) وَقَالَ الَّذِينَ كَفَرُوا رَبَّنَا أَرِنَا اللَّذَيْنِ أَضَلَّانَا مِنَ الْجِنِّ وَالْإِنسِ نَجْعَلْهُمَا تَحْتَ أَقْدَامِنَا لِيَكُونَا مِنَ الْأَسْفَلِينَ (29) إِنَّ الَّذِينَ قَالُوا رَبُّنَا اللَّهُ ثُمَّ اسْتَقَامُوا تَتَنَزَّلُ عَلَيْهِمُ الْمَلَائِكَةُ أَلَّا تَخَافُوا وَلَا تَحْزَنُوا وَأَبْشِرُوا بِالْجَنَّةِ الَّتِي كُنتُمْ تُوعَدُونَ (30) نَحْنُ أَوْلِيَاؤُكُمْ فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَفِي الْآخِرَةِ ۖ وَلَكُمْ فِيهَا مَا تَشْتَهِي أَنفُسُكُمْ وَلَكُمْ فِيهَا مَا تَدَّعُونَ (31) نُزُلًا مِّنْ غَفُورٍ رَّحِيمٍ (32)

صباح الإثنين 6 رمضان 1447 هجري.

 

نص الدرس مكتوب:

 

الحمد لله مُنوّر القلوب بأنوارِ وَحيِه وتنزيله، ونشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، بيده الأمر كله، وإليه يرجع الأمر كله في جُمَلِه وتفصيله. ونشهد أنّ سيدنا ونبينا وقرة أعيننا ونور قلوبنا محمداً عبدُه ورسوله وصفوته وخيرته وخليله، الذي خصّصه بأعلى تكريمه وتبجيله وتفضيله، صلّى الله وسلّم وبارك وكرّم في كلِّ لمحةٍ و نفسٍ عليه وعلى آله وصحبه وأهل ولائه ومحبته ومتابعته في نيته وفعله وقِيله، وعلى آبائه وإخوانه مِن الأنبياء والمرسلين محلِّ تكريم الرحمن -سبحانه وتعالى وتبجيله- وعلى آلهم وصحبهم وتابعيهم، وعلى الملائكة المقرَّبين، وعلى جميع عباد الله الصالحين وعلينا معهم وفيهم، إنَّه أكرمُ الأكرمين وأرحم الراحمين.

وبعد،، 

فإننا في نعمة تأمُّلنا لكلام إلهنا وربنا وخالقنا -جل جلاله- انتهينا في سورة فصلت إلى قوله -جلَّ جلاله وتعالى في عُلاه- يُنكِرُ على الذين ظنُّوا السوء بالإله الحق، وظنُّوا أن الله لا يعلم كثيراً مما يعملون (وَلَٰكِن ظَنَنتُمْ أَنَّ اللَّهَ لَا يَعْلَمُ كَثِيرًا مِّمَّا تَعْمَلُونَ (22) وَذَٰلِكُمْ ظَنُّكُمُ الَّذِي ظَنَنتُم بِرَبِّكُمْ أَرْدَاكُمْ فَأَصْبَحْتُم مِّنَ الْخَاسِرِينَ (23)) فرأس الخُسران أن يسوءَ الظنُّ والاعتقاد في الإله الحق. 

فالأشِدّاء من أهل الدَّرَكات الهابطة في النار المُوقدة من أعداء الله هم:

  •  مَن ألحَدَ وأنكر وجود الله.
  • ومَن أشرك بالله تعالى وجعل معه إلهاً آخر.
  • ومَن ظنَّ أنه لا يعلم كثيراً مِن القَول أو لا يعلم شيئاً مِن الأشياء.

فأهلُ هذا الاعتقاد الفاسد هم أسفلُ أهلِ النار-والعياذ بالله تعالى- وأشدَّهم عذاباً.

من هنا وجَب على المؤمن: 

  • أن يعتني بشأنه مع الله -تبارك وتعالى- في إيمانه بالله.
  • وأن يكون حسنَ الاعتقاد، حسنَ الظن.
  • موقناً أنه مُحيطٌ بكل شيء، عالمٌ بكل شيء، قادرٌ على كل شيء، حيٌّ قيومٌ قديرٌ سميعٌ بصيرٌ، بيده ملكوت كل شيء وإليه مرجِعُ كلُّ شيء جلَّ جلاله.

قال: (وَذَٰلِكُمْ ظَنُّكُمُ الَّذِي ظَنَنتُم بِرَبِّكُمْ أَرْدَاكُمْ) أهلككم، فأدخلكم النار وجعلكم في هلاكٍ مستمر أبديّ، سوء الظنّ بالله -والعياذ بالله- (فَأَصْبَحْتُم مِّنَ الْخَاسِرِينَ (23)) الذين يدوم لهم الخسران ولا يخرجون مِن الخسر.

(فَإِن يَصْبِرُوا فَالنَّارُ مَثْوًى لَّهُمْ) مسكنَهم وعذابهم مؤبّد، (وَإِن يَسْتَعْتِبُوا) يطلبوا العُتبى؛ والعُتبى: الرضا والرجوع إلى ما هو أجمل وأفضل.

(وَإِن يَسْتَعْتِبُوا فَمَا هُم مِّنَ الْمُعْتَبِينَ) لا يرجعون إلى دنياهم ولا يتحوَّلون إلى الرضا، فما هم ممن يُرتَضَون ولا ممَّن يُعفى عنهم ما أشركوا بالله -تبارك وتعالى- (وَإِن يَسْتَعْتِبُوا فَمَا هُم مِّنَ الْمُعْتَبِينَ (24)) فهم المُخلَّدون في النار، اللهم أجِرنا من النار.

(وَقَيَّضْنَا لَهُمْ قُرَنَاءَ) هيَّأنا وسخَّرنا ودفعنا لهم قُرناء من الشياطين، (وَكَذَٰلِكَ نُوَلِّي بَعْضَ الظَّالِمِينَ بَعْضًا بِمَا كَانُوا يَكْسِبُونَ) [الأنعام:129]، وكذلك يحصلُ الفساد على ظهر الأرض والانحراف بتجالُس أهل الفسق وأهل الشرِّ، وتزيين بعضهم لبعض أمرَ السُّوء، فهذا أساس في الفساد والانحراف والزَّيغ عن سبيل الحق؛ تجالُس وتكالُم وتخابُر وتعاون أهل السوء والفساد والفسق.

وكلما أراد الله بعبدٍ شراً قيَّض له قرناء سوء؛ يُزيِّنون له الشَّر والباطل والفساد؛ ويُقبِّحون له الخير والهدى والرشاد، قال: (وَقَيَّضْنَا لَهُمْ قُرَنَاءَ). كما قال في الآية الأخرى: (وَمَن يَعْشُ عَن ذِكْرِ الرَّحْمَٰنِ نُقَيِّضْ لَهُ شَيْطَانًا فَهُوَ لَهُ قَرِينٌ) [الزخرف:36].

(وَقَيَّضْنَا لَهُمْ قُرَنَاءَ فَزَيَّنُوا لَهُم مَّا بَيْنَ أَيْدِيهِمْ وَمَا خَلْفَهُمْ) زيَّنوا لهم ما بين أيديهم ما يرونه ويطَّلعون عليه مِن السوء والشر؛ زيَّنوه لهم وقالوا: ما فيه شيء! بل ربما أثنوا عليه؛ وقالوا هذا خير ولك الحرية فيه، وعِش حياتك، وشيء من هذه الكلمات الفارغة.

(فَزَيَّنُوا لَهُم مَّا بَيْنَ أَيْدِيهِمْ وَمَا خَلْفَهُمْ) ما يغيب عنهم مما لا يعلمونه أيضاً من الشرور يُزيِّنونه لهم.

(فَزَيَّنُوا لَهُم مَّا بَيْنَ أَيْدِيهِمْ) ما هو أمامَهم في الحياة الدنيا: 

  • (فَزَيَّنُوا لَهُم) ترك الواجبات وفعل المحرمات والخروج عن أمر رب الأرض والسماوات.
  • وزيَّنوا لهم ما (خَلْفَهُمْ) في الآخرة والعقبى بالتكذيب بالحساب والعقاب والوقوف بين يدي الله والرجعة إليه.

 (فَزَيَّنُوا لَهُم مَّا بَيْنَ أَيْدِيهِمْ وَمَا خَلْفَهُمْ وَحَقَّ عَلَيْهِمُ الْقَوْلُ) ثبتَ وحلَّ (فِي أُمَمٍ) طوائف كثيرة (قَدْ خَلَتْ مِن قَبْلِهِم مِّنَ الْجِنِّ وَالْإِنسِ) فإنَّ هؤلاء هم المُكلَّفون مِن خلق الله تعالى؛ الإنس والجن، أوتوا أسماعاً وأبصاراً وأفئدةً وقلوباً تعقِل ما لا يعقل غيرها من الكائنات غير الملائكة -صلوات الله وسلامه عليهم-؛ فهم عُقلاء مُشرَّفون ليسوا في دائرة المُكلَّفين، والمُكلَّفون من الإنس والجن فيهم الأخيار، وأخيار الأخيار من مثل الأنبياء والمرسلين والصديقين والصالحين إنساً وجناً، وفيهم الفجار والكفار والأشرار، ورأس الأشرار إبليس المرجوم الملعون والعياذ بالله -تبارك وتعالى-.

فهم إذًا طوائف ينطلقون في هذه الدنيا يُسنِد بعضهم بعضاً، ويُساعد بعضهم بعضاً؛ هؤلاء يتعاونون على البرِّ والتقوى، وهؤلاء يتعاونون على الإثم والعدوان، هؤلاء يؤمنون وهؤلاء يكفرون، هؤلاء يُصلِحون وهؤلاء يُفسِدون، هؤلاء يتَّقون وهؤلاء يفسُقون والعياذ بالله -تبارك وتعالى-؛ فيعيشون في هذه الدنيا زُمراً وطوائف، وكذلك يكون الحال في الآخرة: 

  • (وَسِيقَ الَّذِينَ كَفَرُوا إِلَىٰ جَهَنَّمَ زُمَرًا) [الزمر:71].
  • (وَسِيقَ الَّذِينَ اتَّقَوْا رَبَّهُمْ إِلَى الْجَنَّةِ زُمَرًا) [الزمر:73]. 

فأتباعُ كلِّ نبيٍّ وأتباعُ كلّ صالح زمرةٌ مِن الزمر من أهل الجنة، وأتباع كل فاسق وشيطان بعيد عن الله -تعالى- زُمرة من زُمر أهل النار والعياذ بالله -تبارك وتعالى-؛ فيُساقون إلى الجنة زمراً كما كانوا في الدنيا زُمراً أهل الإيمان، ويُساق الذين كفروا إلى النار زُمراً كما كانوا زُمراً في الدنيا؛ منهم المُعتَنون بالخُمور والمُسكرات، ومنهم المُعتنون بنشر الفواحش والسيئات، ومنهم الملحدون والكافرون بالله -تبارك وتعالى- ورسوله، ومِنهم الباعثونَ للبغضاء والشحناء والقتال بين الناس، طوائف زمرًا، ويكونون في الآخرة زمَرْ يدخلون إلى النار.

كذلك يقول: (وَقَيَّضْنَا لَهُمْ قُرَنَاءَ فَزَيَّنُوا لَهُم مَّا بَيْنَ أَيْدِيهِمْ وَمَا خَلْفَهُمْ وَحَقَّ عَلَيْهِمُ الْقَوْلُ فِي أُمَمٍ قَدْ خَلَتْ مِن قَبْلِهِم مِّنَ الْجِنِّ وَالْإِنسِ ۖ إِنَّهُمْ كَانُوا خَاسِرِينَ(25)) إنَّ هذا لهو الخسران المبين..

  • (قُلْ إِنَّ الْخَاسِرِينَ الَّذِينَ خَسِرُوا أَنفُسَهُمْ وَأَهْلِيهِمْ يَوْمَ الْقِيَامَةِ ۗ أَلَا ذَٰلِكَ هُوَ الْخُسْرَانُ الْمُبِينُ) [الزمر:15].
  • (وَالْعَصْرِ * إِنَّ الْإِنسَانَ لَفِي خُسْرٍ * إِلَّا الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ وَتَوَاصَوْا بِالْحَقِّ وَتَوَاصَوْا بِالصَّبْرِ) [العصر:1-3]، جعلنا الله منهم وأهلينا وأولادنا وطلابنا أجمعين.

يقول: (وَقَالَ الَّذِينَ كَفَرُوا لَا تَسْمَعُوا لِهَٰذَا الْقُرْآنِ وَالْغَوْا فِيهِ لَعَلَّكُمْ تَغْلِبُونَ(26))، وهكذا في مُضادَّة أهل الفساد وأهل الضَّلال للصلاح وللهُدى، لا يملكون سماع الحُجج القوية والبراهين الساطعة لأنها حق، ويخافون أن تنهار قُوى فسادهم أمام هذا الحق؛ فلهذا يوصي بعضهم بعضاً: لا تسمعوا، لا تَروح عندها، لا تحضر، لا تسمعوا كلام هذا، لا تجي عند هذا، القرآن ما تستمع ليش؟ لأن القرآن نور ساطع، برهان واضح وكتاب مبين؛ إذا سمعوه أهلهم وأولادهم سيتأثرون، ويقولون هذا هو الحق، ويتبعون محمدًا ﷺ

يقول (لَا تَسْمَعُوا لِهَٰذَا الْقُرْآنِ) لا تسمعوا (وَالْغَوْا فِيهِ) إذا قرأ عليكم النبي محمد أو أحد من أصحابه القرآن؛ (الْغَوْا فِيه) صَفّروا وصفِّقوا وزمجِروا وهاتوا الخرافات حقكم وارفعوا أصواتكم. 

(لَعَلَّكُمْ تَغْلِبُونَ) تغلبونهم على قراءتهم، فتُخلِّطون عليهم قراءتهم وما يصِل إليكم شيء مِن قراءتهم. 

(لَعَلَّكُمْ تَغْلِبُونَ) هذه وصايا الفجار والكفار، يخافون مِن سماع الحق والهدى فإنه واضح وبيّن والفطرة تسوق إليه وتهدي إليه.

ولذا كم لهم مِن خلال قرون في أساليب متنوعة، مِن خلال القرنين هذه كم لهم؟ وخلال هذا القرن الذي مضى يتكلمون على الإسلام وأنه سوء وأنه مشاكل وأنه يظلم المرأة وأنه يقتل وأنه وأنه وأنه.. والحين يتَّضح ويظهر المُقتّلين هم، والمُفرِّقين هم، والمُشَدِّدين هم، والمُفسدين هم، وأنهم كذبوا على الإسلام، كذبوا على المسلمين.

(لَا تَسْمَعُوا لِهَٰذَا الْقُرْآنِ وَالْغَوْا فِيهِ)، ولمَّا نسبوا إلى الإسلام سوء، ولما تكلَّموا على نبي الإسلام؛ كثير مِن شعوبهم راح يبحثوا؛ إيش هذا الإسلام؟ مَن هذا النبي محمد؟ فأسلم كثير منهم منهم.

(لَا تَسْمَعُوا لِهَذَا الْقُرْآنِ وَالْغَوْا فِيهِ لَعَلَّكُمْ تَغْلِبُونَ) ولكن (إِنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا يُنفِقُونَ أَمْوَالَهُمْ لِيَصُدُّوا عَن سَبِيلِ اللَّهِ ۚ فَسَيُنفِقُونَهَا ثُمَّ تَكُونُ عَلَيْهِمْ حَسْرَةً ثُمَّ يُغْلَبُونَ ۗ وَالَّذِينَ كَفَرُوا إِلَىٰ جَهَنَّمَ يُحْشَرُونَ) [الأنفال:36]

يقول تبارك وتعالى: (فَلَنُذِيقَنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا عَذَابًا شَدِيدًا) اللهم أجِرنا من العذاب وهذا لا يُطاق، (وَلَنَجْزِيَنَّهُمْ أَسْوَأَ الَّذِي كَانُوا يَعْمَلُونَ) وهو الكفر والشرك والعياذ بالله تعالى، أسوأ ما عملوا فيجازيهم بذلك فيُخلِّدهم في نار السعير وما لا يُطاق مِن العذاب الشديد، اللهم أجِرنا مِن عذابك، (فَلَنُذِيقَنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا عَذَابًا شَدِيدًا وَلَنَجْزِيَنَّهُمْ أَسْوَأَ الَّذِي كَانُوا يَعْمَلُونَ (27)).

(ذَٰلِكَ جَزَاءُ أَعْدَاءِ اللَّهِ النَّارُ)، هذا هو جزاء الأعداء، والذي تقدَّم الكلام عليهم والعياذ بالله تبارك وتعالى في مُعاداتهم للحق -جلَّ جلاله-. 

(وَيَوْمَ يُحْشَرُ أَعْدَاءُ اللَّهِ إِلَى النَّارِ فَهُمْ يُوزَعُونَ (19)) (ذَٰلِكَ جَزَاءُ أَعْدَاءِ اللَّهِ النَّارُ) عطف بيان، هذا الذي ينتهون إليه دخول النار الموقدة (الَّتِي تَطَّلِعُ عَلَى الْأَفْئِدَةِ) [الهمزة:7] ولا يُطاق عذابها. 

(لَهُمْ فِيهَا دَارُ الْخُلْد) أي: سُكنى الأبد، سُكنى الدوام، اقعدوا محلَّكم اسكنوا؛ هذا مسكنكم الذي لا تخرجون منه والعياذ بالله تبارك وتعالى. 

  • (لَهُمْ فِيهَا دَارُ الْخُلْدِ) سُكنى الأبد.
  • (جَزَاءً بِمَا كَانُوا بِآيَاتِنَا يَجْحَدُونَ(28)).
  • كما قال في الآية الأخرى: (جَزَاءً وِفَاقًا * إِنَّهُمْ كَانُوا لَا يَرْجُونَ حِسَابًا) أي: لا يؤمنون بالحساب (وَكَذَّبُوا بِآيَاتِنَا كِذَّابًا) فماذا لهم؟ ماذا لهم في الدار الآخرة هؤلاء الذين أجرموا؟ يقول سبحانه وتعالى: (إِنَّ جَهَنَّمَ كَانَتْ مِرْصَادًا * لِّلطَّاغِينَ مَآبًا * لَّابِثِينَ فِيهَا أَحْقَابًا) أي: مدة طويلة غير متناهية (لَّا يَذُوقُونَ فِيهَا بَرْدًا وَلَا شَرَابًا * إِلَّا حَمِيمًا وَغَسَّاقًا * جَزَاءً وِفَاقًا) [النبأ:21-26].

هذا الذي يوافق ما عملوا وما جحدوا وما استكبروا وما عاندوا، (جَزَاءً وِفَاقًا * إِنَّهُمْ كَانُوا لَا يَرْجُونَ حِسَابًا * وَكَذَّبُوا بِآيَاتِنَا كِذَّابًا) [النبأ:26-28].

يقول سبحانه وتعالى: (ذَٰلِكَ جَزَاءُ أَعْدَاءِ اللَّهِ النَّارُ لَهُمْ فِيهَا دَارُ الْخُلْدِ ۖ جَزَاءً بِمَا كَانُوا بِآيَاتِنَا يَجْحَدُونَ (28) وَقَالَ الَّذِينَ كَفَرُوا رَبَّنَا أَرِنَا اللَّذَيْنِ أَضَلَّانَا مِنَ الْجِنِّ وَالْإِنسِ) أصل الذين أفسدونا؛ أصل الإضلال والفساد من إبليس من الجن، وقابيل بن آدم من الإنس؛ هؤلاء أصل الفساد (اللَّذَيْنِ أَضَلَّانَا) هذا سنّ القتل وهذا أبو الاغواء والإضلال إبليس.

(أَرِنَا اللَّذَيْنِ أَضَلَّانَا مِنَ الْجِنِّ وَالْإِنسِ) إبليس وقابيل بن آدم

(أَرِنَا اللَّذَيْنِ أَضَلَّانَا مِنَ الْجِنِّ وَالْإِنسِ نَجْعَلْهُمَا تَحْتَ أَقْدَامِنَا) يعني: في النار (لِيَكُونَا مِنَ الْأَسْفَلِينَ(29)) تحتنا في عذاب أشد من عذابنا، وهكذا يرجِع بعضهم إلى بعض القول ويلعن بعضهم بعضاً:

  • (يَقُولُ الَّذِينَ اسْتُضْعِفُوا لِلَّذِينَ اسْتَكْبَرُوا لَوْلَا أَنتُمْ لَكُنَّا مُؤْمِنِينَ * قَالَ الَّذِينَ اسْتَكْبَرُوا لِلَّذِينَ اسْتُضْعِفُوا أَنَحْنُ صَدَدْنَاكُمْ عَنِ الْهُدَىٰ بَعْدَ إِذْ جَاءَكُم ۖ بَلْ كُنتُم مُّجْرِمِينَ * وَقَالَ الَّذِينَ اسْتُضْعِفُوا لِلَّذِينَ اسْتَكْبَرُوا بَلْ مَكْرُ اللَّيْلِ وَالنَّهَارِ إِذْ تَأْمُرُونَنَا) [سبإ:31-33] ولا ينفعهم شيء من هذا الكلام.
  • (كُلَّمَا دَخَلَتْ أُمَّةٌ لَّعَنَتْ أُخْتَهَا ۖ حَتَّىٰ إِذَا ادَّارَكُوا فِيهَا جَمِيعًا قَالَتْ أُخْرَاهُمْ لِأُولَاهُمْ رَبَّنَا هَٰؤُلَاءِ أَضَلُّونَا) هؤلاء الفُسَّاق الكبار اللي كانوا يزينون لنا الشر (فَآتِهِمْ عَذَابًا ضِعْفًا مِّنَ النَّارِ)[الأعراف:38] زِدْهُم عذاب.
  • (وَقَالَتْ أُولَاهُمْ لِأُخْرَاهُمْ فَمَا كَانَ لَكُمْ عَلَيْنَا مِن فَضْلٍ) إيش مِن فضلكم أنتم علينا؟ نفس الشيء! كفرنا وكفرتم، أشركنا وأشركتم، خُنّا وخُنتم، خدعنا وخدعتم، كذَّبنا وكذبتم، نحن وإياكم سواء، إيش فيهم؟ ليش لنا عذاب زايد؟ (وَقَالَتْ أُولَاهُمْ لِأُخْرَاهُمْ فَمَا كَانَ لَكُمْ عَلَيْنَا مِن فَضْلٍ فَذُوقُوا الْعَذَابَ بِمَا كُنتُمْ تَكْسِبُونَ * إِنَّ الَّذِينَ كَذَّبُوا بِآيَاتِنَا وَاسْتَكْبَرُوا عَنْهَا لَا تُفَتَّحُ لَهُمْ أَبْوَابُ السَّمَاءِ وَلَا يَدْخُلُونَ الْجَنَّةَ حَتَّىٰ يَلِجَ الْجَمَلُ فِي سَمِّ الْخِيَاطِ) [الأعراف:39-40] يمكن الجمل يلج ويدخل في سمِّ الخياط -في الثقب للإبرة- يدخل الجمل من هنا؟ وهؤلاء ما يدخلون الجنة هم والعياذ بالله تبارك وتعالى أبداً، فبئس مَا قدَّموا لأنفسهم. 

(أَرِنَا اللَّذَيْنِ أَضَلَّانَا مِنَ الْجِنِّ وَالْإِنسِ نَجْعَلْهُمَا تَحْتَ أَقْدَامِنَا لِيَكُونَا مِنَ الْأَسْفَلِينَ(29)) قال الله تعالى في الفريق الآخر الطيب المُبارك جعلنا الله منهم، أدركوا في هذه الحياة سرَّ الخلق والإيجاد وعظمة الذي خلقهم وأن إليه المعاد، فاستعدوا لذلك. 

(إِنَّ الَّذِينَ قَالُوا رَبُّنَا اللَّهُ ثُمَّ اسْتَقَامُوا)، قالوا ربنا الله آمنوا بالله تبارك وتعالى بأسمائه وصفاته كما تعرّف إليهم على أيدي الأنبياء والرسل، ثم استقاموا على امتثال أوامره واجتناب نواهيه. 

(إِنَّ الَّذِينَ قَالُوا رَبُّنَا اللَّهُ ثُمَّ اسْتَقَامُوا) والاستقامة أعظم كرامة؛ أن تثبت على حسن امتثال الأمر واجتناب النهي كرامة كبيرة يكرمك بها الكريم -جل جلاله-. 

ويقول الصحابي لسيدنا : "قل في الإسلام قولًا لا أسأل أحدًا غيرك، قال: قُل لي: آمَنتُ باللهِ، ثُمَّ استَقِمْ، قال: يا رَسولَ اللهِ، فأيُّ شَيءٍ أتَّقي؟ قال: فأشارَ بيَدِه إلى لسانِه" فتنتبه من شيء وتحذر انتبه من لسانك، ما يقول وما تطعم به، ماذا تطعم به وماذا تقول؟ انتبه من اللسان، فما أتقي؟ قال: (لسانك).

(إِنَّ الَّذِينَ قَالُوا رَبُّنَا اللَّهُ ثُمَّ اسْتَقَامُوا) ثبتوا على منهج ربهم. 

(تَتَنَزَّلُ عَلَيْهِمُ الْمَلَائِكَةُ) عند الموت وعند الدفن في البرزخ وعند البعث يوم القيامة.

(تَتَنَزَّلُ عَلَيْهِمُ الْمَلَائِكَةُ أَلَّا تَخَافُوا) مما أمامكم فقد رحمكم ربكم وصرف عنكم عذابه.

(وَلَا تَحْزَنُوا) على ما وراءكم من أهل وولد فإنه يتولاهم من بعدكم ويأخذ بأيديهم ولا يخذلكم فيهم، فيُبَشرون بأن يتولى الرحمن من وراءهم من أولاد وذرية حتى يزداد أنسهم وفرحهم وطمأنينتهم.

(أَلَّا تَخَافُوا وَلَا تَحْزَنُوا وَأَبْشِرُوا بِالْجَنَّةِ الَّتِي كُنتُمْ تُوعَدُون (30) نَحْنُ أَوْلِيَاؤُكُمْ فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَفِي الْآخِرَةِ) 

  • (نَحْنُ أَوْلِيَاؤُكُمْ فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا) واليناكم في الله تبارك وتعالى وجلسنا معكم مجالس الخير وسمعنا معكم كلام الله وكلام رسوله وذكره سبحانه وتعالى والطيب من القول، فكنا مواليين لكم في الحياة الدنيا.
  • (وَفِي الْآخِرَةِ) نحضر معكم مواقف القيامة كلها إلى أن تدخلوا الجنة، وهكذا يقول الحفظة من الملائكة، لأن الله خصص لكل آدمي كاتبين وحفظة؛ كاتبين رقيب وعتيد، وحفظة عشرة بالليل وعشرة بالنهار، اثنين وعشرين ملك مخصص لكل فرد من بني آدم، على الوجه المخصوص، غير الملائكة الآخرين وشؤونهم مع بني آدم، لكن هؤلاء مع كل فرد من بني آدم.

 كما أنه أيضاً يولد بولادته شيطان ويموت بموته، يكون قرين له يقارنه، ولكن مقتضى رحمة الله هذا الشيطان قرين وملازم، وهؤلاء اثنان وعشرون ملك، رقيب وعتيد وعشرة حفظة بالليل وعشرة بالنهار، هؤلاء مخصوصين لكل فرد، فإذا مات جاؤوا إلى عند قبره..

  • إن كان من أهل الخير والحسنات ومن قال ربنا الله ثم استقاموا؛ لا يزالون يصلون عليه ويترحمون ويستغفرون له إلى يوم القيامة، وإذا جاءت القيامة وقام يقومون معه ويشهدون معه المشاهد ويثبتونه حتى يدخل الجنة، فيكون من جملة من يدور عليهم في الجنة يسلمون عليهم في الصباح والمساء ويأتون منهم بالسلام من عند ربهم.
  • وإن كان من أهل السوء والشر والفساد، يقولان الملكان له والحفظة عندما يوضع في القبر: كم مجلس سوء أحضرتنا؟ وكم كلمةً خبيثة أسمعتنا؟ وكم معصية للرب أشهدتنا؟ لا جزاك الله عنا من صاحب خيرًا، نحن نلعنك على قبرك إلى يوم القيامة -لا إله إلا الله والعياذ بالله. 

والثانيين يصلون عليهم إلى يوم القيامة، فكم فرق بين الإيمان والكفر، والخير والشر. اللهم حققنا بحقائق الإيمان واليقين والتقوى والاستقامة.

يقول (نَحْنُ أَوْلِيَاؤُكُمْ فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَفِي الْآخِرَةِ ۖ وَلَكُمْ فِيهَا) أي: الآخرة في الجنة (مَا تَشْتَهِي أَنفُسُكُمْ) الله تعالى سلط على الناس في الدنيا شهوات وأهواء وأعطاهم عقول، وقال: هذا اختباركم، وهذه واجبات وهذه محرمات وهذه مباحات، فاسلكوا سبيلي ولا تمشوا وراء الأهواء والشهوات. 

  • فمن جاهد نفسه من أجلي، وخالف هواه من أجلي؛ فأمتعه بجنة فيها ما تشتهي الأنفس وتلذ الأعين.
  • ومن آثر شهواته على أمري وعلى شرعي وعلى منهاجي، فهذا الذي أحول بينه وبين ما يشتهي إلى الأبد، (وَحِيلَ بَيْنَهُمْ وَبَيْنَ مَا يَشْتَهُونَ كَمَا فُعِلَ بِأَشْيَاعِهِم) [سبأ:54] ولا لهم إلا أن يُذاقوا عذاب الخزي والهون -والعياذ بالله تبارك وتعالى.
  • (فَأَمَّا مَن طَغَىٰ* وَآثَرَ الْحَيَاةَ الدُّنْيَا* فَإِنَّ الْجَحِيمَ هِيَ الْمَأْوَىٰ* وَأَمَّا مَنْ خَافَ مَقَامَ رَبِّهِ وَنَهَى النَّفْسَ عَنِ الْهَوَىٰ* فَإِنَّ الْجَنَّةَ هِيَ الْمَأْوَىٰ) [النازعات: 37-41].

(وَلَكُمْ فِيهَا مَا تَشْتَهِي أَنفُسُكُمْ وَلَكُمْ فِيهَا مَا تَدَّعُونَ(31)) ما تطلبون وما ترومون وما ترتجون.

(نُزُلًا) ضيافة وإكرام.

(مِّنْ غَفُورٍ رَّحِيمٍ) غفور كثير المغفرة يتجاوز عن الذنوب ثم يكرم، رحيم بعباده يتوب عليهم ثم ينعم عليهم بنعيم، نُزُل وضيافة: 

  • (مَا تَشْتَهِي أَنفُسُكُمْ وَلَكُمْ فِيهَا مَا تَدَّعُونَ ).
  • (وَفِيهَا مَا تَشْتَهِي الْأَنفُسُ وَتَلَذُّ الْأَعْيُنُ) [الزخرف:71].

(وَلَكُمْ فِيهَا مَا تَشْتَهِي أَنفُسُكُمْ وَلَكُمْ فِيهَا مَا تَدَّعُونَ(31)) -الله أكبر- (نُزُلًا مِّنْ غَفُورٍ رَّحِيمٍ(32)). حتى يسخر جميع ما مُلْكُ المؤمن في الجنة تحت إرادته ومشيئته، بمجرد خطور الخاطر على قلبه يتفاعل معه ما حواليهت بمجرد أن يقع نظره على ثمرة طيبة فيشتهيها تدنو منه (قُطُوفُهَا دَانِيَةٌ) [الحاقة:23]، وإلى عند يده وتفتك من نفسها له، وتنفتح له من نفسها ما يحتاج سكين ولا شيء آلة، وبالهيئات المناسبة على قدر ما يتناسب مع فمه وذوقه، ويتناولها فتذوب حتى لا يتعب بالمضغ، ولا شيء قوي وشيء ضعيف، كله هيّن ليّن طيب مناسب. 

لكل لقمة طعم أولها؛ وطعم وسطها؛ وطعم آخرها، وكل طعم أحسن من الذي قبله، ولا يمحو الذي قبله، حتى يطعم في اللحظة الواحدة سبعين طعماً. 

في الدنيا إذا طعم شيء وجاء بعده شيء ثاني روح ذاك خلاص، ما يبقى إلا طعم واحد، ولكن هذا يطعم سبعين في وقت واحد -لا إله إلا الله-

(نُزُلًا مِّنْ غَفُورٍ رَّحِيمٍ(32)) لأن كلٌّ يضيّف على قدره، على قدر كرمه وقدرته، ومن أكرم من الله، الذي هو على كل شيء قدير؛ ضيافة غريبة؛ يرى الطائر يمشي في الهواء يعجبه سمين ولحمه ممتاز، بمجرد ما يخطر على باله يريده مشوياً، يقع في الصحفة عنده من ذهب مشوي في نفس اللحظة، ما شي نار ولا شيء، تفضل، ما فيه شيء محروق ولا شيء نيء كله مضبوط، خذ.

يتناول منه حتى يتلذذ، فإذا قضى حاجته منه طار، وطار كما كان، منشان ما يقول نقص عليه واحد طير، ما شي نقص في الجنة، النقص في الدنيا هذا، في الجنة ما في نقص، هو ذا نفسه يرجع يطير كما كان. وإذا أخذ الثمرة من الشجرة نبتت محلها أحسن منها وحدة ثانية، ما في شيء ينقص، ضيافة ضيافة قدير، ضيافة قوي، ضيافة كريم.

اللهم نسألك جنتك ونسألك الدرجات العلى من الجنة.

عندهم أهل الدرجات العلى من المقربين، هذا التسنيم والكافور يمشي حيث يريدون، يقول له: تمر تحت السرير هذا وتنعطف تروح إلى القصر الثاني وتخرج؛ يمشي. 

يقول جل جلاله وتعالى في عُلاه: (إِنَّ الْأَبْرَارَ يَشْرَبُونَ مِن كَأْسٍ كَانَ مِزَاجُهَا كَافُورًا * عَيْنًا يَشْرَبُ بِهَا عِبَادُ اللَّهِ يُفَجِّرُونَهَا تَفْجِيرًا) [الإنسان: 5-6] يقول تعال كذا، روح كذا، اطلع، انزل، ماشي فرق يطلع ينزل، كله سهل، حيث ما يريدونها تمشي، تمشي معهم.

يقف عند أنهار أربعة: ماء، لبن، عسل، خمر. شرب من الماء يريد اللبن، يتحول الماء هناك واللبن يجي عنده، النهر يروح هناك بسرعة. شرب من اللبن، يريد عسل يروح هذا هناك والعسل يمشي عنده، يشرب، يريد خمر يروح هذا هناك ويجي نهر الخمر عنده. وهكذا شؤون الجنة، آه، لا إله إلا الله. 

جعل الله أمثلة في الدنيا من شان يعقل الناس؛ (الْبَحْرَيْنِ هَٰذَا عَذْبٌ فُرَاتٌ وَهَٰذَا مِلْحٌ أُجَاجٌ)، وهذا ما يختلط في ذا، وهذا ما يختلط في ذا، تمشي مرة وبعدها (وَجَعَلَ بَيْنَهُمَا بَرْزَخًا وَحِجْرًا مَّحْجُورًا) [الفرقان: 53] ، جدار من ماء يحجب ذا عن ذا وذا عن ذا، وسط ماء نوع آخر، في هذا حيوانات ما تعيش في الوسط ولا في الحالي، وفي الحالي حيوانات ما تعيش في الوسط ولا في المالح، كل واحدة تمشي في مكانها. ويجعل لهم في الدنيا شيء إلكترونيات وشيء بالضغط وشيء من شأن يعرف بعدين كيف النعيم في الآخرة.

تحت الإرادة كل ما فيها؛ أسرتها وأطعمتها وأنهارها تحت الإرادة. يخطر على باله ذكر أخيه الذي كان يتحاب معه في الله في الدنيا، في نفس الوقت يخطر على ذاك، بمجرد خطور الخاطر هذا يمشي سريره نحو أخيه وسرير أخيه يمشي نحوه، أنا ذكرتك الآن أريد عندك، قال: وأنا ذكرتك أريد عندك، فيتقابلان، (وَنَزَعْنَا مَا فِي صُدُورِهِم مِّنْ غِلٍّ إِخْوَانًا عَلَىٰ سُرُرٍ مُّتَقَابِلِينَ) [الحجر:47].

 و"فِيها ما لا عَيْنٌ رَأَتْ، وَلا أُذُنٌ سَمِعَتْ، وَلا خَطَرَ على قَلْبِ بَشَرٍ"، اقرأوا قوله تعالى إن شئتم (فَلَا تَعْلَمُ نَفْسٌ مَّا أُخْفِيَ لَهُم مِّن قُرَّةِ أَعْيُنٍ) [السجدة:17] .

وهذا النعيم والملك كبير، حتى تصوم عمرك كله، تبذل ألف روح فوق روحك حتى تصير لهذا النعيم، رخيص وحقير كل ما تبذله، أمام هذا الغالي الثمين، "ألا إن سلعة الله غالية"، " ألا إن سلعة الله الجنة". 

اللهم اجعلنا من أهل الجنة، اللهم اجعلنا من أهل الجنة، أدخلنا الجنة، بهذه الجنة بغير حساب، ونسألك الدرجات العلى من الجنة، ونسألك الفردوس الأعلى، فأكرمنا يا خالق الجنة والنار، يا خالق السماء والأرض، يا خالق الإنس والجن، اجعلنا في الأخيار والهداة المهتدين والصالحين المصلحين، برحمتك يا أرحم الراحمين.

بِسِرِّ الْفَاتِحَةِ 

إِلَى حَضْرَةِ النَّبِيِّ مُحَمَّدٍ، اللهمَّ صَلِّ وَسَلِّمْ وَبَارِكْ عَلَيْهِ وَعَلَى آلِهِ وَصَحْبِهِ 

الْفَاتِحَة

 

تاريخ النشر الهجري

07 رَمضان 1447

تاريخ النشر الميلادي

24 فبراير 2026

اضافة إلى المفضلة

كتابة فائدة متعلقة بالمادة

الأقسام