تفسير سورة فصلت - 7 - من قوله تعالى {نزلا من غفور رحيم (32) ومن أحسن قولا ممن دعا إلى الله..} الآية 32 إلى 36

للاستماع إلى الدرس

الدرس السابع من تفسير العلامة عمر بن محمد بن حفيظ للآيات الكريمة من سورة فصلت، ضمن الدروس الصباحية لشهر رمضان المبارك من عام 1447هـ ، تفسير قوله تعالى:

نُزُلًا مِّنْ غَفُورٍ رَّحِيمٍ (32) وَمَنْ أَحْسَنُ قَوْلًا مِّمَّن دَعَا إِلَى اللَّهِ وَعَمِلَ صَالِحًا وَقَالَ إِنَّنِي مِنَ الْمُسْلِمِينَ (33) وَلَا تَسْتَوِي الْحَسَنَةُ وَلَا السَّيِّئَةُ ۚ ادْفَعْ بِالَّتِي هِيَ أَحْسَنُ فَإِذَا الَّذِي بَيْنَكَ وَبَيْنَهُ عَدَاوَةٌ كَأَنَّهُ وَلِيٌّ حَمِيمٌ (34) وَمَا يُلَقَّاهَا إِلَّا الَّذِينَ صَبَرُوا وَمَا يُلَقَّاهَا إِلَّا ذُو حَظٍّ عَظِيمٍ (35) وَإِمَّا يَنزَغَنَّكَ مِنَ الشَّيْطَانِ نَزْغٌ فَاسْتَعِذْ بِاللَّهِ ۖ إِنَّهُ هُوَ السَّمِيعُ الْعَلِيمُ (36)

صباح الثلاثاء 7 رمضان 1447 هجري.

 

نص الدرس مكتوب:

 

الحمد لله مُكرمنا بأنوار الوحي المنزَل، على عبده المرسل، خير الخلق سيدنا محمد، أكرم من علّم وبيّن ودل، صلى الله وسلم وبارك وكرّم عليه وعلى آله وصحبه الفُضَّل، وعلى من والاه واتّبعه في النية والقول والعمل، وعلى آبائه وإخوانه من الأنبياء والمرسلين خيرة عباد الله الكُمَّل، وعلى آلهم وصحبهم وتابعيهم، وعلى الملائكة المقربين، وعلى جميع عباد الله الصالحين وعلينا معهم وفيهم إنه أكرم الأكرمين وأرحم الراحمين، عليه في كل شأنِنَا المُعوّل. 

أما بعد، 

فإننا في نعمة تدبرنا للقرآن المنزَّل، وكلام إلهنا الحي القيوم الواحد الأحد الفرد الصمد الآخر الأول -جل جلاله وتعالى في علاه-، مررنا في سورة فُصِّلَتْ على قوله جل جلاله: (إِنَّ الَّذِينَ قَالُوا رَبُّنَا اللَّهُ ثُمَّ اسْتَقَامُوا) نسأل الله أن يجعلنا وإياكم منهم ويدخلنا فيهم. 

(قَالُوا رَبُّنَا اللَّهُ)؛ أيقنوا بالإيمان والتوحيد وارتقوا في مراتب الإيمان بلا ريب ولا شك، كما قال في الآية الأخرى: (إِنَّمَا الْمُؤْمِنُونَ الَّذِينَ آمَنُوا بِاللَّهِ وَرَسُولِهِ ثُمَّ لَمْ يَرْتَابُوا وَجَاهَدُوا بِأَمْوَالِهِمْ وَأَنفُسِهِمْ فِي سَبِيلِ اللَّهِ ۚ أُولَٰئِكَ هُمُ الصَّادِقُونَ) [الحجرات:15] اللهم اجعلنا منهم.

(قَالُوا رَبُّنَا اللَّهُ ثُمَّ اسْتَقَامُوا)، وكان بعض التابعين إذا قرأ الآية قال: أنت ربنا فارزقنا الاستقامة، أكرمنا بالاستقامة. 

(رَبُّنَا اللَّهُ ثُمَّ اسْتَقَامُوا) على منهاج ربهم جل جلاله أمرًا ونهيًا، فامتثلوا الأوامر واجتنبوا النواهي، وهذه الكرامة الحقيقية الكبرى التي يكرم الله بها من يشاء من عباده؛ تستقيم قلوبهم وجوارحهم: 

  • فلا يعصون الله بالقلب ولا بالجوارح، ويجتنبون كل ما حرّم الله ونهاهم عنه جلّ جلاله.
  • ويرتقون في ذلك إلى توَقِّي الشبهات والمكروهات.
  • وإلى الحرص على المندوبات والمستحبات.
  • وإلى أن يصبغوا جميع المباحات بصِبغة النيات الصالحات، والحضور مع عالِم الظواهر والخفيات، فيصيرون في عبادةٍ دائمة وترقيّات متلازمة متواصلة فضلًا من الحق تبارك وتعالى، (وَالَّذِينَ اهْتَدَوْا زَادَهُمْ هُدًى وَآتَاهُمْ تَقْوَاهُمْ) [محمد:17].

(إِنَّ الَّذِينَ قَالُوا رَبُّنَا اللَّهُ ثُمَّ اسْتَقَامُوا تَتَنَزَّلُ عَلَيْهِمُ الْمَلَائِكَةُ)، عند الموت وفي القبور ويوم البعث -عند البعث والنشور- فيحضر معهم الملائكة وخصوصًا الذين كانوا معهم في أيام حياتهم الدنيا من الحفظة ومن الكتبة، من رقيب وعتيد، ومَن العشرة بالليل والعشرة بالنهار، (تَتَنَزَّلُ عَلَيْهِمُ الْمَلَائِكَةُ) ومعهم غيرهم؛ فإن لكل مؤمن على قدر منزلته عند الله -تبارك وتعالى- إرسال ملائكة لاستقبال روحه ولتبشيره:

  • فبعضهم يخرِج لهم من عامة الملائكة.
  • وبعضهم يخرِج لهم من خاصة الملائكة.
  • وبعضهم يخرِج لهم قليلًا، وبعضهم يخرج لهم كثيرًا. 

وفي الحديث أنه: "اهْتَزَّ عَرش الرَّحمَنِ لِمَوْتِ سَعْدِ بْنِ مُعَاذ"، وأنه خرج سبعون ألف مَلَك ما خرجوا إلى الأرض قبلها؛ لتشييع جنازة سعد بن معاذ الصادق المخلص المنيب -عليه رضوان الله- الشاب الذي أقبل بكُلِّيَّته على الرحمن فكان الله ورسوله أحب إليه مما سواهما، رضي الله عنه.

(تَتَنَزَّلُ عَلَيْهِمُ الْمَلَائِكَةُ أَلَّا تَخَافُوا)؛ 

  • فعند الموت يقولون لهم لا تخافوا مما أنتم مقبِلون عليه من أمر البرزخ والقبور.
  • وفي القبور يقولون لهم لا تخافوا مما أنتم ملاقُون من السؤال.
  • وعند البعث يقولون لهم لا تخافوا مما أنتم مقبِلون عليه من مواقف القيامة.

 (وَلَا تَحْزَنُوا) على ما وراءكم وما خلَّفتم من أهلٍ وولد، فإن الله يتولّاكم -سبحانه وتعالى- فيهم ويخلفكم فيهم بخير. 

(أَلَّا تَخَافُوا وَلَا تَحْزَنُوا وَأَبْشِرُوا بِالْجَنَّةِ الَّتِي كُنتُمْ تُوعَدُونَ (30))، وهي أعظم الوعد وأصدق الوعد؛ (جَنَّاتٍ تَجْرِي مِن تَحْتِهَا الْأَنْهَارُ) [التوبة:89]. (إِنَّ اللَّهَ اشْتَرَىٰ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ أَنفُسَهُمْ وَأَمْوَالَهُم بِأَنَّ لَهُمُ الْجَنَّةَ ۚ يُقَاتِلُونَ فِي سَبِيلِ اللَّهِ فَيَقْتُلُونَ وَيُقْتَلُونَ ۖ وَعْدًا عَلَيْهِ حَقًّا فِي التَّوْرَاةِ وَالْإِنجِيلِ وَالْقُرْآنِ ۚ وَمَنْ أَوْفَىٰ بِعَهْدِهِ مِنَ اللَّهِ) [التوبة:111]. 

(يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا هَلْ أَدُلُّكُمْ عَلَىٰ تِجَارَةٍ تُنجِيكُم مِّنْ عَذَابٍ أَلِيمٍ * تُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَرَسُولِهِ وَتُجَاهِدُونَ فِي سَبِيلِ اللَّهِ بِأَمْوَالِكُمْ وَأَنفُسِكُمْ ۚ ذَٰلِكُمْ خَيْرٌ لَّكُمْ إِن كُنتُمْ تَعْلَمُونَ * يَغْفِرْ لَكُمْ ذُنُوبَكُمْ وَيُدْخِلْكُمْ جَنَّاتٍ تَجْرِي مِن تَحْتِهَا الْأَنْهَارُ وَمَسَاكِنَ طَيِّبَةً فِي جَنَّاتِ عَدْنٍ ۚ ذَٰلِكَ الْفَوْزُ الْعَظِيمُ)، ذلك الفوز العظيم. والمجريات في الدنيا قال أيضًا ما ننساكم منها، ولكن ليست هي الأمر الأكبر؛ (وَأُخْرَىٰ تُحِبُّونَهَا)؛ تميل نفوسكم إليها، (نَصْرٌ مِّنَ اللَّهِ وَفَتْحٌ قَرِيبٌ ۗ وَبَشِّرِ الْمُؤْمِنِينَ) [الصف:10-13]. 

يقول: (أَلَّا تَخَافُوا وَلَا تَحْزَنُوا وَأَبْشِرُوا بِالْجَنَّةِ الَّتِي كُنتُمْ تُوعَدُونَ (30))، قال سبحانه وتعالى: (وَسِيقَ الَّذِينَ اتَّقَوْا رَبَّهُمْ إِلَى الْجَنَّةِ زُمَرًا ۖ حَتَّىٰ إِذَا جَاءُوهَا وَفُتِحَتْ أَبْوَابُهَا وَقَالَ لَهُمْ خَزَنَتُهَا سَلَامٌ عَلَيْكُمْ طِبْتُمْ فَادْخُلُوهَا خَالِدِينَ * وَقَالُوا الْحَمْدُ لِلَّهِ الَّذِي صَدَقَنَا وَعْدَهُ وَأَوْرَثَنَا الْأَرْضَ) -يعني: أرض الجنة- (نَتَبَوَّأُ مِنَ الْجَنَّةِ حَيْثُ نَشَاءُ ۖ فَنِعْمَ أَجْرُ الْعَامِلِينَ) [الزمر:73-74].

يقول: (وَأَبْشِرُوا بِالْجَنَّةِ الَّتِي كُنتُمْ تُوعَدُونَ (30)). والذي خوَّف الله به عباده أشد شيء وأعظم شيء: النار، محل غضبه وسخطه وعذابه، اللهم أجرنا من النار. 

  • فلا وعدَ أرفع وأجمل من الجنة وما فيها من رضوانه الأكبر.
  • ولا وعيد أشد على المكلّفين -على أي مكلّف كان- من النار وحرّها وشدتها وعذابها المهين وعقاربها وحَيّاتها وغضب الجبار -جلّ جلاله- على أهلها. 

لا يمكن أن يوجد وعيد أشد من هذا، ولا يمكن أن يوجد وعد أحسن من وعد الجنة، (وَعْدَ الصِّدْقِ الَّذِي كَانُوا يُوعَدُونَ) [الأحقاف:16].

يقول سبحانه وتعالى، تقول لهم الملائكة: 

  • (نَحْنُ أَوْلِيَاؤُكُمْ)؛ أحبابكم وأنصاركم كنّا نحبكم وأنتم في الدنيا ونحضر مجالسكم ونُؤمِّن على دعائكم وندعو الله تعالى لكم، لأنكم مؤمنون مخلصون صادقون تعملون بالصالحات، كنا نواليكم وكنا نحبكم.
  • (نَحْنُ أَوْلِيَاؤُكُمْ فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَفِي الْآخِرَةِ)؛ نحضر معكم المواقف كلها، نكون معكم في البرزخ وندعو لكم على قبوركم إلى يوم البعث، ونحضر معكم مواقف القيامة حتى تدخلوا الجنة. 

يقول: (نَحْنُ أَوْلِيَاؤُكُمْ فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَفِي الْآخِرَةِ ۖ وَلَكُمْ فِيهَا) -في الآخرة- (مَا تَشْتَهِي أَنفُسُكُمْ وَلَكُمْ فِيهَا مَا تَدَّعُونَ (31))؛ ما تطلبون وما ترومون وما تتمنون.

 وفوق ذلك: (نُزُلًا) ضيافة (مِّنْ غَفُورٍ رَّحِيمٍ (32))  جل جلاله وتعالى في علاه. وقد جاء في حديثٍ عنه صلى الله وسلم وبارك وكرّم عليه وعلى آله أنه: بينا أهل الجنة في مجلسٍ إذ أشرق نور من باب الجنة، فرفعوا أبصارهم فيتجلى الجبار لهم -جل جلاله- ويقول لهم: يا عبادي سَلوني، فيقولون: يا رب نسألك رضوانك، فيقول: برضواني حللتم الجنة وبرضواني أنعمتُ عليكم، ثم يتجلى لهم سبحانه وتعالى فينظرون إلى وجهه الكريم حتى لا يرى بعضهم بعضًا مما يغشاهم من نور الله، ثم يقول: أرجِعوهم إلى قصورهم وأماكنهم، فينظر بعضهم بعضًا، يرى بعضهم بعض ويعودون إلى حياتهم التي يعتادونها في دار الكرامة، -رب اجعلنا من أهل جنتك- ثم تلا ﷺ عندما ذكر لهم ذلك قوله تعالى: (نُزُلًا مِّنْ غَفُورٍ رَّحِيمٍ)، هذه الضيافة من الكريم الغفار الرحيم سبحانه وتعالى، (نُزُلًا مِّنْ غَفُورٍ رَّحِيمٍ (32)).

يقول مولانا جلّ جلاله: (وَمَنْ أَحْسَنُ قَوْلًا مِّمَّن دَعَا إِلَى اللَّهِ وَعَمِلَ صَالِحًا وَقَالَ إِنَّنِي مِنَ الْمُسْلِمِينَ (33))؛ يقول لا أحد أحسن قول من الدعاة إلى الله العاملين بالصالحات، المُعلنين خضوعهم وتذللهم للرب في عِزّةٍ عن الخضوع والتذلل لكل نظامٍ يخالف نظام الحق، ولكل فِكرٍ ولكل اتجاهٍ في الوجود والعالَم. يقولون نحن مسلمون، كما قال سبحانه وتعالى لنبيِّه: (قُلْ يَا أَهْلَ الْكِتَابِ تَعَالَوْا إِلَىٰ كَلِمَةٍ سَوَاءٍ بَيْنَنَا وَبَيْنَكُمْ أَلَّا نَعْبُدَ إِلَّا اللَّهَ وَلَا نُشْرِكَ بِهِ شَيْئًا وَلَا يَتَّخِذَ بَعْضُنَا بَعْضًا أَرْبَابًا مِّن دُونِ اللَّهِ ۚ فَإِن تَوَلَّوْا فَقُولُوا اشْهَدُوا بِأَنَّا مُسْلِمُونَ) [آل عمران:64]. نحن على الإسلام لهذا الإله الحق، لا أحد يضحك علينا في فِكر ولا في سلوك ولا في شيء يخالف منهج الله من هنا ولا من هناك، نحن مسلمون.

(وَمَنْ أَحْسَنُ قَوْلًا مِّمَّن دَعَا إِلَى اللَّهِ)، ولا شك أن سيدهم وإمامهم محمد ﷺ، ولذا في قول لابن عباس وكان يقول الحسن البصري وابن سيرين: (وَمَنْ أَحْسَنُ قَوْلًا مِّمَّن دَعَا إِلَى اللَّهِ)، قال: رسول الله، هو خير من دعا وأعظم من دعا إلى الله، وخير من دلّ على الله.. 

  • (يَا أَيُّهَا النَّبِيُّ إِنَّا أَرْسَلْنَاكَ شَاهِدًا وَمُبَشِّرًا وَنَذِيرًا * وَدَاعِيًا إِلَى اللَّهِ بِإِذْنِهِ وَسِرَاجًا مُّنِيرًا) [الأحزاب:45-46].
  • (قُلْ هَٰذِهِ سَبِيلِي أَدْعُو إِلَى اللَّهِ ۚ عَلَىٰ بَصِيرَةٍ أَنَا وَمَنِ اتَّبَعَنِي) [يوسف:108]. 

اللهم اجعلنا ممن اتبعه، واجعل أهلنا ممن اتبعه، واجعل أولادنا ممن اتبعه، واجعل قرابتنا ممن اتبعه، واجعل جيراننا ممن اتبعه، واجعل طلابنا ممن اتبعه، واجعل من والانا فيك ممن اتبعه.

يقول: (وَمَنْ أَحْسَنُ قَوْلًا مِّمَّن دَعَا إِلَى اللَّهِ وَعَمِلَ صَالِحًا)؛ يتبوأ الدعاة إلى الله -إذا أخلصوا وصدقوا وكانوا من العاملين بالصالحات- أشرف المنازل؛ فجميع ما يجري على ظهر الأرض من أقوال الإنس والجن ليس فيه أزكى من قولهم، ولا أطهر ولا أنور ولا أحسن؛ أحسن القول قول الدعاة المخلصين الصادقين العاملين بالصالحات، الذين يعلنون عبوديتهم وذِلّتهم وخضوعهم لله ويقولون إننا مسلمين. 

يا آل الأفكار في الشرق والغرب نحن مسلمون، يا آل الأنظمة يا آل الاتجاهات نحن مسلمون، لله أسلمنا! عندنا منه ميزان، لا نقبل شيء يخالف دينه ولا شريعته ولا منهجه ولا نظامه قط، قط، قط.. نحن مسلمون، فنحن في عزة بالإسلام لهذا الإله، وفي كل ما خالفه؛ نحن أكرم من أن نذِل له أو نخضع له، كل ما خالف منهج الله مردودٌ مرفوضٌ عندنا؛ نحن مسلمون.

 أهل هذا الوصف في جميع ما يجري من الأقوال على ظهر الأرض قولهم أحسن قول، كلامهم أجمل كلام، وأفضل عند الحق -تبارك وتعالى- وأثقل في ميزان الإله الحق؛ قول الدعاة المخلصين الصادقين، الدعاة الذين يعملون الصالحات ويعلنون الإسلام.

(وَمَنْ أَحْسَنُ قَوْلًا مِّمَّن دَعَا إِلَى اللَّهِ وَعَمِلَ صَالِحًا وَقَالَ إِنَّنِي مِنَ الْمُسْلِمِينَ (33)). وينال حظًا من هذا الفضل المؤذّنون، حتى كانت السيدة عائشة إذا قرأت الآية تقول: هم المؤذنون، يدعون إلى الله؛ تعالوا إلى الصلاة، حي على الصلاة، حي على الفلاح… أشهد أن لا إله إلا الله، أشهد أن محمد رسول الله، الله أكبر.. فهم دعاة إلى الله تعالى. 

وقالوا أيضًا في تفسير أن المؤذنين داخلون في الآية: (وَمَنْ أَحْسَنُ قَوْلًا مِّمَّن دَعَا إِلَى اللَّهِ) بالأذان، (وَعَمِلَ صَالِحًا) قالوا الركعتين بعد الأذان، الراتبة بعد الأذان، والحديث يقول: "بين كل أذانين صلاة، بين كل أذانين صلاة، بين كل أذانين صلاة لمن شاء". 

(وَعَمِلَ صَالِحًا وَقَالَ إِنَّنِي مِنَ الْمُسْلِمِينَ (33))، ولذا كان عاصم بن هبيرة يقول للمؤذن: إذا أذّنت قل بعد الأذان: الله أكبر الله أكبر، لا إله إلا الله، وأنا من المسلمين. (وَقَالَ إِنَّنِي مِنَ الْمُسْلِمِينَ)، ولذا كان كثير من الحريصين على الخير من المؤذنين إذا كمّل الأذان يقول: وأنا من المسلمين، ثم يقرأ الدعاء بعد الأذان. 

(وَمَنْ أَحْسَنُ قَوْلًا مِّمَّن دَعَا إِلَى اللَّهِ وَعَمِلَ صَالِحًا وَقَالَ إِنَّنِي مِنَ الْمُسْلِمِينَ (33))، وجاء عند ابن أبي شيبة: سأل سيدنا عمر واحد قال: ما عملك؟ قال: الأذان؛ قال: "نِعمَ العمل عملك، يشهد لك كل شيء سَمِعَك"؛ كل شيء سمعك يشهد لك يوم القيامة. يقول ﷺ: "يُغفَر للمؤذن مَدَّ صوته"، وفي رواية: "مَدى صوته"، ويشهد له كل شيء سمعه، فلا يسمع مدى صوت المؤذن من شجر ولا حجر ولا جبل ولا إنس ولا جن إلا شهد له يوم القيامة. 

ومن نعمة الله تعالى أيضًا على المتأخرين جاء لهم بمكبرات الصوت فيصل صوته لمكان بعيد، وبعضه ينقله في الإذاعة ويصل إلى بلدان كثيرة ويسمعون: الله أكبر، أشهد أن لا إله إلا الله، أشهد أن محمد رسول الله.. فيكونون شهداء. لا إله إلا الله.

(وَمَنْ أَحْسَنُ قَوْلًا)، لا أحد أحسن قول من هؤلاء؛ ولذا كان سيدنا سعد -عليه رضوان الله تعالى- يقول: لَئَن أقوم بالأذان أحبُ إليَّ مِن أن أحج أو أعتمر وأن أغزو.. أن أقوم بالأذان! وهكذا يقول ﷺ: "لو يَعلَم الناس ما في الأذان… لاستهموا عليه"، يعني: لا يحصل على فرصة يؤذِّن إلا يتنازعون، كلٌّ يقول أنا، أنا، فيكون بالسهام بالقرعة بينهم، الذي تطلع القرعة عنده هو الذي يُؤَذِن!.. وهكذا يَحرص الأخيار على أن يكون لهم نصيب من الأذان، ولو في بيتهم، ولو في الطريق، في السفر.. يُؤَذِنون. 

(وَمَنْ أَحْسَنُ قَوْلًا مِّمَّن دَعَا إِلَى اللَّهِ وَعَمِلَ صَالِحًا وَقَالَ إِنَّنِي مِنَ الْمُسْلِمِينَ (33))، وهذا شعارُ الصادقين مِن المسلمين، إذا قال هذا أنا حزبي، وهذا قال أنا قومي، وهذا قال أنا مدني، وهذا قال أنا تَقَدُّمي، وهذا قال أنا ثوري، يقول: أنا من المسلمين؛ أنا مسلم، (اشْهَدُوا بِأَنَّا مُسْلِمُونَ) [آل عمران:64]؛ هذا عِزُّنا وهذا شَرَفُنا، به نَقبَل ما يُوافِقُه وما يَدخُل تحت دائرته، ونَرُد ونرفض كل ما يخالفه مِن فِكرٍ وسلوكٍ ونظامٍ وعمل كائنًا ما كان، نحن مسلمون للإله الذي خَلَق، وأنعِم بذلك مِن شرف وكرامةٍ ومكانة. 

اللهم حققنا بحقائق الإسلام، اللهم كما أنعمتَ علينا بالإسلام فزِدنا منه، كما أنعمتَ علينا بالإيمان فزدنا منه، كما أنعمتَ علينا بالعافية فزدنا منها، وكما أنعمتَ علينا بالعمر فبارك لنا فيه. 

(وَمَنْ أَحْسَنُ قَوْلًا)؛ أي: لا أحد أحسن قولًا من هذا: (مِّمَّن دَعَا إِلَى اللَّهِ) وإمامهم سيدنا محمد، وبعده النَبيّون والمُرسلون ثم أتباعهم ومنهم المؤذِّنون؛ (دَعَا إِلَى اللَّهِ وَعَمِلَ صَالِحًا وَقَالَ إِنَّنِي مِنَ الْمُسْلِمِينَ (33)).

يقول الله -تبارك وتعالى- وهؤلاء الذين عَمِلوا الصالحات وأعلنوا إسلامهم يُختَبَرون بالخُلُق، فيُواجِهون أحداث الحياة بالحِلم والصبر والتحمّل ومقابلة السيئة بالحسنة؛ ولهذا أتبَعَها بقوله: (وَلَا تَسْتَوِي الْحَسَنَةُ وَلَا السَّيِّئَةُ)؛ لَيستا سواء: 

  • الحسنة في حد ذاتها: نور وشرف وكرامة ورفعة وخير، الحسنة في حد ذاتها جليلة كريمة شريفة رفيعة، حسنة نورانية.
  • والسيئة: السيئة ظُلمة، السيئة انحطاط، السيئة بُعد، السيئة سوء، السيئة شر.

من أين تستوي؟!.. لا تستوي الحسنة ولا السيئة. 

  • (أَمْ نَجْعَلُ الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ كَالْمُفْسِدِينَ فِي الْأَرْضِ أَمْ نَجْعَلُ الْمُتَّقِينَ كَالْفُجَّارِ) [ص:28].
  • (أَمْ حَسِبَ الَّذِينَ اجْتَرَحُوا السَّيِّئَاتِ أَن نَّجْعَلَهُمْ كَالَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ سَوَاءً مَّحْيَاهُمْ وَمَمَاتُهُمْ) [الجاثية:21]؛ لا تستوي الحسنة ولا السيئة قط.

إذًا؛ فلا ينبغي أن تحرص إلا على الحسنة، ولا يصدر منك إلا الحسنة، ولا تحب إلا الحسنة، ولا ترغب إلا الحسنة.

وماذا تريد بالظلمة والخباثة والسقاطة والبُعد والطرد؟ ماذا تريد بها؟ هذا سوء! جميع الذنوب والسيئات يراها المؤمن الصادق كالنار المُحرقة، كالمياه المُغرقة، كالسموم القاتلة، ماذا يريد بها؟ يبتعد منها جهده. ما تستوي الحسنة ولا السيئة، إذًا؛ فماذا تختار؟ وفي أي شيء ترغب؟ فإذا صدقت إيمانًا وذوقًا، إذًا تختار الحسنة، حتى إذا قوبِلتَ بالسيئة ما تقابلها بسيئة.

 وكان في وصف نبيّنا: 

  • "لا يجزي بالسيئة السيئة، ولكن يعفو ويغفر"، صلى الله عليه وعلى آله وصحبه وسلم.
  • وهكذا قال: أمرني ربي بسبع: أن أعفو عمَّن ظلمني، وأن أَصِلَ مَن قَطعني، وأن أُحسن إلى مَن أساء إلي، وأن أُعطي مَن حرمني، وأن يَكون صمتي فِكرًا، ونُطقي ذِكرًا، ونظري عِبرة؛ بهذا أُمِر ﷺ. 

الحق يقول لنا في بيان هذه الحقيقة؛ الذين تغلبهم نفوسهم وهواهم ويغضبون، ويطلعون وينزلون… يقول: ضيّعتوا أعمار، وضيّعتوا أجور وثواب، وضيّعتوا أنوار، على ماذا؟! اقهر نفسك وامسكها، وخذ لك درجات وخيرات وأنوار وقربة وسعادة في الدنيا والآخرة، اقمع نفسك، اقهر نفسك.

 (وَلَا تَسْتَوِي الْحَسَنَةُ وَلَا السَّيِّئَةُ ۚ ادْفَعْ بِالَّتِي هِيَ أَحْسَنُ)؛ حتى ما قال ادفع بالحسنة، قال: دوّر أحسن شيء، أحسن جواب جاوب به. وفي هذا سمعتم نذكر سيدنا عيسى -عليه السلام- وهو مار في الطريق حصّل واحد من البذيئين السيئين أخذ يسبّه، فسيدنا عيسى رفع يده يدعو له، دعا له، سبّه ثاني مرة دعا له ثاني مرة، سبّه ثالث مرة دعا له ثالث مرة سيدنا عيسى، بعض الحواريين الذين معه قال: يا روح الله، هذا ما يمدحك! هذا يسبّك وأنت تدعو له؟! قال: كلٌّ ينفق مما عنده، نحن أهل نُبوّة ما عندنا سيئات، ما عندنا قبائح، وما عندنا كلام سيء، كلٌّ ينفق مما عنده -لا إله إلا الله-، هو عنده السيئات دعه، لكن أنا نبي، وهكذا أَتْبَاع الأنبياء. 

(وَلَا تَسْتَوِي الْحَسَنَةُ وَلَا السَّيِّئَةُ ۚ ادْفَعْ بِالَّتِي هِيَ أَحْسَنُ فَإِذَا الَّذِي بَيْنَكَ وَبَيْنَهُ عَدَاوَةٌ كَأَنَّهُ وَلِيٌّ حَمِيمٌ (34))؛ يقول: هذا الذي يؤذيك ويعاديك إذا استعملت الدفع بالتي هي أحسن يتحوَّل إلى مُوادّ ومصافي وموادد. وفي قول عند ابن عباس يقول: (فَإِذَا الَّذِي بَيْنَكَ وَبَيْنَهُ عَدَاوَةٌ) قال: إبليس، (كَأَنَّهُ وَلِيٌّ حَمِيمٌ)؛ قال: ييأس منك وما عاد يأمرك بِشَرّ لأنك قوي تدفع بالحسنة السيئة، ما عاد يقدر عليك؛ لأنه إنما يتسلّط عليك من خلال الغضب ومن خلال الشهوة، فإذا أنت ما تغضب إلا لله تعالى خلاص ييأس منك إبليس،  (كَأَنَّهُ وَلِيٌّ حَمِيمٌ)؛ كأنه إنما صديق لك، ما عاد يتعرّض لك بالسوء إذا أنت بهذه القوة الإيمانية.

كما قال ﷺ في سيدنا عمر: إن الشيطان ليفْرَق من ظلّ عمر! يفزع من الظلال حقّه، لا من شخصه بل الظل، من الظل يفزع.. "إيهًا يا ابن الخطاب، والذي نفسي بيده ما لقيَك الشيطان سالكًا فجًّا قط إلا سلك فجًّا غير فجّك"، يخلّي الطريق كلها لك، يذهب يبحث له عن طريق آخر ما فيه عمر بن الخطاب -لا إله إلا الله-، وهكذا يفعل الإيمان واليقين بأهله. 

(فَإِذَا الَّذِي بَيْنَكَ وَبَيْنَهُ عَدَاوَةٌ كَأَنَّهُ وَلِيٌّ حَمِيمٌ (34)). وجاء أيضًا في الصحيحين وغيرهما: أنّ رجلان استبّا أمامه ﷺ وغضب أحدهما، اشتدَّ غضب أحدهما، فقال ﷺ: "إني لأعلم كلمة لو قالها هذا لذهب عنه ما يجد". قالوا ماذا؟، فقال: يقول: أعوذ بالله من الشيطان الرجيم، وذاك في غضبه، قال: أتراني مجنون؟… فتلا ﷺ: (وَإِمَّا يَنزَغَنَّكَ مِنَ الشَّيْطَانِ نَزْغٌ فَاسْتَعِذْ بِاللَّهِ..(36))، نعوذ بالله من الشيطان الرجيم، كما يأتي معنا في الآية.

يقول جلَّ جلاله: (فَإِذَا الَّذِي بَيْنَكَ وَبَيْنَهُ عَدَاوَةٌ كَأَنَّهُ وَلِيٌّ حَمِيمٌ (34) وَمَا يُلَقَّاهَا إِلَّا الَّذِينَ صَبَرُوا)؛ يقول: هذا الخُلق الكريم نادر من يُطبَع عليه من الناس، ولا يَصل إليه من المُكلَّفين إلّا من صَبَر وجاهد وكابد نفسه، وإلا فالنفس تَغلُو ولا تتقبل أحد يذلّها ولا يتكلم عليها، ولكن إذا تهذَّبت وتأدَّبت، صبر وحَصّل الحظ العظيم، يصير بهذه المثابة: (وَمَا يُلَقَّاهَا)؛ يُلاقى، يُلَقّى مقابلة السيئة بالحسنة (إِلَّا الَّذِينَ صَبَرُوا)، الله يجعلنا منهم.

والصوم يدرّبنا على هذا، "فإذا كان يوم صوم أحدكم فلا يرفث ولا يصخب"، ولا يفسق، "فإن سابّه أحد أو قاتله أحد فليقل: إني امرؤٌ صائم"، فإذا تدرّبت في النهار ابقَ هكذا في الليل، بعدها..ثلاثين يوم يكون معك تمرين كافي، خلاص استقبل شوال وأنت مُرَوَّض، تدرّبت، معك دروس في النهار وانطبقت على الليل وثلاثين يوم كامل، عندك دورة كاملة، انتبه بعدها تكون على هذه الاستقامة.

(وَمَا يُلَقَّاهَا إِلَّا الَّذِينَ صَبَرُوا)؛ ورمضان شهر الصبر، والصوم نصف الصبر، والصبر ثوابه الجنة، (وَالْمَلَائِكَةُ يَدْخُلُونَ عَلَيْهِم مِّن كُلِّ بَابٍ * سَلَامٌ عَلَيْكُم بِمَا صَبَرْتُمْ) [الرعد:24]، فالموقنون يكادون يتذوقون حلاوة الصبر التي هي عند عامة الناس شنيعة وشديدة ومُرّة كأنها عسل؛ لأنهم يرون ما هي نتيجته.

وحالف الصبر واعلم أن أوّله *** مرٌّ وآخره كالشهد والضَّرّبِ

 مثل العسل -لا إله إلا الله- تُبنى الأمور عليه؛ الصبر. قال: (وَمَا يُلَقَّاهَا إِلَّا الَّذِينَ صَبَرُوا وَمَا يُلَقَّاهَا إِلَّا ذُو حَظٍّ عَظِيمٍ (35))، الله أكبر، نصيب كبير. 

وإنّ الذي يَملك نفسه عند الغضب هو الذي يُسمى سيّدًا وهو الصُرَعَة، الصُرعَة: الذي يصرع، يصرع الأعداء تمامًا، قال: "ما تعدّون الصُرعة فيكم؟ قالوا: هو الذي لا تصرعه الرجال"، ويصرع الرجال، "قال: لا، إنما الصُرعَة مَن يملك نفسه عند الغضب"؛ هذا هو، هذا المصارع القوي. وأمّا من يربي له جسم ويظلّ يتلاكم هو والثاني… ليست الصُرعة هذه. الصُرعة: يقوي له يقين وإيمان وقيَم، ما عاد يقدر عليه إبليس ولا جنده ولا أحد؛ هذا الصرعة، هذا المصارع القوي، (وَمَا يُلَقَّاهَا إِلَّا ذُو حَظٍّ عَظِيمٍ (35)).

وهكذا؛ كلكم عَلِمتُم قصة الحبر زيد بن سَعنة، يهودي وأنقذه الله بالإسلام.. سَمع سيدنا بلال يُكَلّمه النبي ﷺ بسبب واحد جاء من الذين أسلموا، ذهب إلى قومه ودعاهم إلى الإسلام، وقال لهم: إذا أسلمتم  لله، ييسر الله أموركم وأسلموا، وقع قحط عندهم.. وذا اختبار، فجاء إلى عند النبي قال: يا رسول الله القوم أسلموا على طمع وأنا قلت لهم إذا أسلمتم والآن… التفت ﷺ إلى بلال قال: عندك شيء؟ قال: لا شيء، فاغتنمها فرصة هذا اليهودي يسمعه -زيد بن سعنة-. قال: يا محمد تحب أسلفك شيء؟ أنا عندي كمّية من الطعام.. قال: نعم، وقال لبلال: استلف منه كذا كذا، وقل له إلى وعد بيننا وبينك كذا، أُسلّمها لك في ميعاد كذا، فأعطاه إياه، وقال له: خذها واِلْحَقْ بها قومك، رُح لعند قومك أطعمهم الآن حتى لا يتعرضون للزعزعة ولا للارتداد، راح. 

قبل ما يَحِل الموعد بثلاثة أيام، عاد باقي من الوعد ثلاثة أيام، جاء زيد بن سعنة، دخل والنبي في المسجد وعنده أصحابه، وقال: يا محمد، أعطني دَيْني الذي عندك، تماطلني وتؤخّر حقّي، ما عُلِمتم يا بني عبد المطلب إلا مُطلاً، تماطلون الناس في حقوقهم… الصحابة رفعوا أبصارهم، مَن قليل الأدب هذا  الذي يتكلم بهذا الكلام؟! ويَقرُب عند النبي ﷺ، قام سيدنا عمر قال: أتأذن لي يا رسول الله أضرب عنقه! هذا قليل الحياء قليل الأدب، يدخل هكذا وسط المسجد ويتكلم عليك وعلى قبيلتك كلّهم!.. 

تبسّم ﷺ، قال: لا يا عمر، كنت أنا وهو أحوج لغير هذا منك، مُرْه بحسن الطلب ومرني بحسن الأداء، واعلم أنه بقي من موعد الدَّيْن ثلاثة أيام. عاده ما حل، باقي ثلاثة أيام، لكن هو متعمّد دخل. لكن الآن قم يا عمر أعطه دَينه وزده عشرين مكان ما روَّعته؛ لأنك خوفته، سمع سيف، وتهديده بالقتل وكان يمكنهم ذلك، لكن ﷺ قال: الآن مكان ما رَوَّعته زده عشرين.

وقام سيدنا عمر، قال له: بسم الله، خذ حقك، وخذ فوقه عشرين من رسول الله، خذ لك هذا، قال: لأننا روَّعناك -خوَّفناك- هيّا خذ؛ فضحك اليهودي -زيد-، قال: تعرفني؟ قال: مَن؟ قال: زيد بن سعنة، قال: الحَبْر؟ معروف أنه من أحبارهم وعالِم كبير من اليهود، قال: نعم. قال: ما حملك على هذا؟ لماذا تصنع هذا برسول الله؟! قال: يا عمر إني قرأت صفته في التوراة فَخَبَرتها فيه، وبقي من صفته التي لم أخبرها وصفان: هو موصوف عندنا في التوراة التي أنزلها الله على موسى: 

  • أنّ مِن وصفه الحِلم.
  • وأنّه لا تزيده شدّة الجهل عليه إلا حِلمًا. 

وأنا تعمّدت وجئت قبل الموعد، الموعد عاده ما حَل، موعده بعد ثلاث أيام، وخَبَرتُهما اليوم، أنا ذاهب إليه أُسلم وأؤمن به، أيقنت أنه رسول الله، أعرفه كما أعرف ابني، ومعرفتي لمحمد أشد، الله وصفه، هو النبي، وهذا المال كلّه صدقة للمسلمين خذه، وجاء إلى المسجد: مُدَّ يدك يا رسول الله، أشهد أن لا إله إلا الله وأنك رسول الله. وصدق الله: (فَبِمَا رَحْمَةٍ مِّنَ اللَّهِ لِنتَ لَهُمْ ۖ وَلَوْ كُنتَ فَظًّا غَلِيظَ الْقَلْبِ لَانفَضُّوا مِنْ حَوْلِكَ ۖ فَاعْفُ عَنْهُمْ وَاسْتَغْفِرْ لَهُمْ وَشَاوِرْهُمْ فِي الْأَمْرِ) [آل عمران:159].

لهذا كان يقول الإمام الغزالي: هذا الجاهل البليد الذي يقول: أنا ما أصبر على الضيم، وأنا ما أصبر على حق أبدًا، ولا أصبر أحد يقول لي شيء. قال: هذا يقول أنا قليل حياء، أنا قليل أدب، أنا ساقط الأخلاق؛ هذا معنى كلامه، ما هذا! الأنبياء أمامك والأولياء يصبرون ويتحمّلون، وأنت تقول: أنا ما أصبر وتفتخر! قال هذا يقول: أنا خبيث سيء الأخلاق ويفتخر بذلك، يا قليل الحياء ما هو كذا! اتبع الأنبياء، اتبع الصادقين، اصبر وتحمل… يقول: لا أنا ما أتحمل أبدًا، ومع ذلك تفتخر! ماذا تفعل أنت؟ نسبت نفسك إلى الخباثة والقباحة وعمل المفسدين والشياطين، بعُدت عن ركب الأنبياء والصالحين ومع ذلك تفتخر؟! هذه خساسة، هذه سقاطة.

 افتخر إذا ملكت نفسك، وإذا صبرت وسامحت فيما يخصّك؛ هذا الفخر، هذا الشرف والعز، (وَلَا تَسْتَوِي الْحَسَنَةُ وَلَا السَّيِّئَةُ ۚ ادْفَعْ بِالَّتِي هِيَ أَحْسَنُ فَإِذَا الَّذِي بَيْنَكَ وَبَيْنَهُ عَدَاوَةٌ كَأَنَّهُ وَلِيٌّ حَمِيمٌ (34) وَمَا يُلَقَّاهَا إِلَّا الَّذِينَ صَبَرُوا وَمَا يُلَقَّاهَا إِلَّا ذُو حَظٍّ عَظِيمٍ (35))، اللهم اجعلنا من أهل الحظ العظيم.

(وَإِمَّا يَنزَغَنَّكَ مِنَ الشَّيْطَانِ نَزْغٌ):

  • يرسل إليك خواطره فيحملك على أن تفعل كذا أو كذا… مثل النخس، جالس ينخسك بالخواطر حقه.
  • يزين لك فعل تفعله.
  • يبعّدك من خير.

(وَإِمَّا يَنزَغَنَّكَ مِنَ الشَّيْطَانِ نَزْغٌ فَاسْتَعِذْ)؛ تَحَفَّظ واعتصم (بِاللَّهِ)، قل: يا رب نجني منه، (إِنَّهُ هُوَ السَّمِيعُ الْعَلِيمُ (36))؛ حينئذٍ يخنس عدو الله، إذا ذكرت ربك يخنس، ما يقدر عليك. 

وهكذا؛ كما سمعتم قول الشيخ لتلميذه لمّا أراد السفر إلى بلده، قال له: أوصني، قال: هل في بلدكم شيطان؟ قال: الشيطان في كل محل، مع كل إنسان شيطان!.. قال: كيف تعمل إذا نازعك الشيطان وإذا وسوس لك؟ قال له: أجاهده، سكت الشيخ. قال: أسألك..إذا دعاك واحد إلى مأدبة عنده غداء، فجئت تريد تحضر المأدبة، وحصَّلت على الطريق كلب نبَح عليك، ماذا تفعل؟ قال: أحمل حجرة وأرميه. قال: رميته ورجع ينبح عليك؟ قال: أحمل الثانية وأرميه، قال له: حملتها ورجع عليك؟.. الثالثة والرابعة والخامسة سيكملون الغداء ويذهبون والضيافة كمّلت وأنت والكلب قاعد، قال: فما أصنع؟ قال: تريد الطريق الصحيح؟ نادِ صاحب المأدبة -صاحب البيت- هذا الكلب تبعه حقه، قل له: امسك كلبك، أنت دعوتنا والآن هذا اعترضنا في الطريق… قال بإشارة يشير إليه وتدخل بسلام وتصل من أول ومع أول الناس وتدرك المأدبة، فهمت؟ تقول لي بجاهده!.. استعذ بالله، الشيطان كلب قاعد على الطريق ما يريدك تدخل جنة الله ولا القرب من الله، ستظل تتراجم أنت وإياه إلى متى؟.. ابتعد واحذر منه ولكن استعذ، كَلِّم صاحب القدرة، كلِّم صاحب القوة، قل له: الخبيث هذا أبعِده مني.

(فَاسْتَعِذْ بِاللَّهِ ۖ إِنَّهُ هُوَ السَّمِيعُ الْعَلِيمُ (36))

  • (السَّمِيعُ)؛ لاستعاذتك ولجؤك إليه.
  • (الْعَلِيمُ)؛ كيف يصرفه عنك، وكيف يخلّصك منه، هو يقدر وأنت لا.

(إِنَّهُ هُوَ السَّمِيعُ الْعَلِيمُ (36))، أعوذ بالله من الشيطان الرجيم. 

اللهم أعِذنا من الشيطان الرجيم، اللهم إنك سلّطت علينا عدوًّا بصيرًا بعيوبنا، مُطّلعًا على عوراتنا، يرانا هو وقبيله من حيث لا نراهم، من بين أيدينا ومن خلفنا وعن أيماننا وعن شمائلنا. اللهم آيسه منّا كما آيسته من رحمتك، اللهم آيسه منّا كما آيسته من رحمتك، اللهم آيسه منّا كما آيسته من رحمتك، وقنّطه منا كما قنّطته من عفوك، وباعد بيننا وبينه كما باعدت بينه وبين مغفرتك، وكما باعدت بينه وبين جنّتك، باعد بيننا وبينه كما باعدت بين المشرق والمغرب، كما باعدت بينه وبين جنتك، وكما باعدت بينه وبين مغفرتك يا الله، واجعلنا من عباد الرحمن الذين ليس للشيطان عليهم سلطان، برحمتك يا أرحم الراحمين. 

بِسِرِّ الْفَاتِحَةِ 

إِلَى حَضْرَةِ النَّبِيِّ مُحَمَّدٍ، اللهمَّ صَلِّ وَسَلِّمْ وَبَارِكْ عَلَيْهِ وَعَلَى آلِهِ وَصَحْبِهِ 

الْفَاتِحَة

 

تاريخ النشر الهجري

08 رَمضان 1447

تاريخ النشر الميلادي

24 فبراير 2026

اضافة إلى المفضلة

كتابة فائدة متعلقة بالمادة

الأقسام