تفسير سورة فصلت - 8 - من قوله تعالى {وإما ينزغنك من الشيطان نزغ فاستعذ بالله..} الآية 36 إلى 42

للاستماع إلى الدرس

الدرس الثامن من تفسير العلامة عمر بن محمد بن حفيظ للآيات الكريمة من سورة فصلت، ضمن الدروس الصباحية لشهر رمضان المبارك من عام 1447هـ ، تفسير قوله تعالى:

 وَإِمَّا يَنزَغَنَّكَ مِنَ الشَّيْطَانِ نَزْغٌ فَاسْتَعِذْ بِاللَّهِ ۖ إِنَّهُ هُوَ السَّمِيعُ الْعَلِيمُ (36) وَمِنْ آيَاتِهِ اللَّيْلُ وَالنَّهَارُ وَالشَّمْسُ وَالْقَمَرُ ۚ لَا تَسْجُدُوا لِلشَّمْسِ وَلَا لِلْقَمَرِ وَاسْجُدُوا لِلَّهِ الَّذِي خَلَقَهُنَّ إِن كُنتُمْ إِيَّاهُ تَعْبُدُونَ (37) فَإِنِ اسْتَكْبَرُوا فَالَّذِينَ عِندَ رَبِّكَ يُسَبِّحُونَ لَهُ بِاللَّيْلِ وَالنَّهَارِ وَهُمْ لَا يَسْأَمُونَ ۩ (38) وَمِنْ آيَاتِهِ أَنَّكَ تَرَى الْأَرْضَ خَاشِعَةً فَإِذَا أَنزَلْنَا عَلَيْهَا الْمَاءَ اهْتَزَّتْ وَرَبَتْ ۚ إِنَّ الَّذِي أَحْيَاهَا لَمُحْيِي الْمَوْتَىٰ ۚ إِنَّهُ عَلَىٰ كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ (39) إِنَّ الَّذِينَ يُلْحِدُونَ فِي آيَاتِنَا لَا يَخْفَوْنَ عَلَيْنَا ۗ أَفَمَن يُلْقَىٰ فِي النَّارِ خَيْرٌ أَم مَّن يَأْتِي آمِنًا يَوْمَ الْقِيَامَةِ ۚ اعْمَلُوا مَا شِئْتُمْ ۖ إِنَّهُ بِمَا تَعْمَلُونَ بَصِيرٌ (40) إِنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا بِالذِّكْرِ لَمَّا جَاءَهُمْ ۖ وَإِنَّهُ لَكِتَابٌ عَزِيزٌ (41) لَّا يَأْتِيهِ الْبَاطِلُ مِن بَيْنِ يَدَيْهِ وَلَا مِنْ خَلْفِهِ ۖ تَنزِيلٌ مِّنْ حَكِيمٍ حَمِيدٍ (42)

صباح الأربعاء 8 رمضان 1447 هجري.

نص الدرس مكتوب:

 

الحمد لله على شريف تفضُّلاتِه ولطيفِ مِنَنِه وإِكراماتِه، وإِنعامِه علينا بتنزيل آياته، وبيَانِها على لسانِ خيرِ بريَّاتِه، مَن ختم به رسالاتِه سيِّدنا محمد بن عبد الله، المَجلَى الأعلى الأسمى لمعاني تجلِّياتِ ذاتِ الحقِّ وأسمائِه وصفاتِ، اللهم صلِّ وسلم وبارك وكرِّم على عبدك المصطفى الذي جعلت الكمال الخَلْقيَّ من فرعِ كمَالاته، وعلى آله وصحبه وأهل مودَّاتِه، وعلى آبائه وإخوانه من الأنبياء والمرسلين محلِّ عنايتك ورعايتك، وهداية الخلق إلى آياتك وما أنزلت عليهم من الهدى والنور، وعلى آلهم وصحبهم وتابعيهم أهل الخيور، وعلى الملائكة المقرَّبين أهل النور، وعلى جميع عبادك الصالحين في البطون والظهور، يا عليُّ يا شكور.

أما بعد،،

 فإنّنا في مِنَّة ونِعْمة تأمّلنا لكلام إلهنا -جلّ جلاله- وتعليمه وخِطابه وإرشاده وتنبيهه وتوجيهه؛ انتهينا في سورة فصّلت إلى قوله جلّ جلاله: (وَإِمَّا يَنزَغَنَّكَ مِنَ الشَّيْطَانِ نَزْغٌ)، أي يمسَّكَ منهُ خاطِر:

  • يمنعك عن خير.
  • أو يدفعك إلى سوء وشرّ.
  • أو يحملُك على التكْذيب بحق.

(فَاسْتَعِذْ) فاستجر وتحفَّظ بالله، (فَاسْتَعِذْ بِاللَّهِ) اجعل معاذك ولياذك الله، يكفيك عدوك إبليس فمن دونه. 

(وَإِمَّا يَنزَغَنَّكَ مِنَ الشَّيْطَانِ نَزْغٌ فَاسْتَعِذْ بِاللَّهِ) استجر وتحفَّظ بالله وتحصَّن (إِنَّهُ هُوَ السَّمِيعُ الْعَلِيمُ (36)).

  • ولمَّا كانت مجالُ الخواطِر عند الناس مما يُسمع ولا يُرى ولا يُحس؛ جاء بلفظ (السَّمِيعُ).
  • و(الْعَلِيمُ) بما يُلقي الشيطان في بالك وذِهنك، وبما تستعيذ به وتتحصّن وتلجأ إليه، فيحفظك ويحرُسك، فهو (السَّمِيعُ الْعَلِيمُ)

(وَإِمَّا يَنزَغَنَّكَ مِنَ الشَّيْطَانِ نَزْغٌ فَاسْتَعِذْ بِاللَّهِ ۖ إِنَّهُ هُوَ السَّمِيعُ الْعَلِيمُ (36)).. وإنَّ المَردَة الذين يُحبسون ويُقيَّدون ويُصفَّدُون في ليالِ وأيامِ رمضان؛ من أول ليلة من رمضان على البحار يُصفَّدون إلى آخر يومٍ من أيامِه؛ فإذا خرج رمضان وجاءت أول ليلة في عيد الفطر انطلقوا. وينطلقون حانقين مُغتاظين، يُريدون أن يأخذوا ثأرهم من الناس الذين حُبسوا عنهم خلال هذا الشهر، وما تعرَّضوا له من مغفرة أو من تحصيل خير وقوة إيمان. 

  • فيفتكُّون عليهم ليفتِكوا بهم وليقطعوهم وليُفوِّتوا عليهم ما حصَّلوه في الشهر.
  • ولكن من عنده حسن استعاذة بالله والعياذٌ به لن يقدروا عليه (فَاسْتَعِذْ بِاللَّهِ ۖ إِنَّهُ هُوَ السَّمِيعُ الْعَلِيمُ) جلّ جلاله.

(وَمِنْ آيَاتِهِ اللَّيْلُ وَالنَّهَارُ وَالشَّمْسُ وَالْقَمَرُ)

(وَمِنْ آيَاتِهِ):

  • ما جعل على أكثر مساحة هذه الأرض ليلًا ونهارًا في كلٌّ أربع وعشرين ساعة.
  • وإن كان منها أماكن قد لا تطلع عليها شمس إلى ستة أشهر ثم لا تغرب إلى نحو ستة أشهر.
  • إلى غير ذلك مما هو واقع على هذه الأرض، فذلك كله من آيات الله.

(وَمِنْ آيَاتِهِ اللَّيْلُ):

  • وما يُظهر فيه من النجوم والكواكب التي تستتر باستتار نور الشمس.
  • وما يجعل فيه من سكون، وما يجعل فيه من مناسبة للجسد أن ينام ويسكن.
  • وما جعل فيه من ظُلمة.
  • وما جعل من قمر.
  • وما هيَّأ للناس من استنارةٍ يستنيرون بها في سُرُجٍ يضيئونها.

كل ذلك من الدلالات على وجود الله، فكل ذلك فعله.

(وَمِنْ آيَاتِهِ اللَّيْلُ وَالنَّهَارُ):

  • طلوع الشمس وإشراق نورها على سطح الأرض.
  • وتأثيرها على الأشجار والنبات وعلى مُختلف أصناف المواد في الحياة، حتى على الأجسام البشرية:
    • وما تحمله من إحداث فيتامين في الجسم.
    • ومن إبعاد كثير من أضرار وشرور.
  • وما يتهيأ في النهار من حركة ومعاملة وأنواع الحِرَف والصِناعات.

كلّه من آيات الله الخالِق المُكوِّن القادِر المُصوِّر المُقدِّم المُؤخِّر.

(وَمِنْ آيَاتِهِ اللَّيْلُ وَالنَّهَارُ) وأن يَعقبُ الليل النهار ويَعقبُ النهار الليل: 

  • (وَهُوَ الَّذِي جَعَلَ اللَّيْلَ وَالنَّهَارَ خِلْفَةً لِّمَنْ أَرَادَ أَن يَذَّكَّرَ أَوْ أَرَادَ شُكُورًا) [الفرقان:62].
  • (وَجَعَلْنَا اللَّيْلَ وَالنَّهَارَ آيَتَيْنِ ۖ فَمَحَوْنَا آيَةَ اللَّيْلِ) بالظلمة، (وَجَعَلْنَا آيَةَ النَّهَارِ مُبْصِرَةً) بالضوء والشمس؛ (لِّتَبْتَغُوا فَضْلًا مِّن رَّبِّكُمْ)، فتتعرّضون لأنواع الفضل والرزق الظاهر والباطن أثناء ساعات النهار وساعات الليل، (وَلِتَعْلَمُوا عَدَدَ السِّنِينَ وَالْحِسَابَ) [الإسراء:12].
  • (مَا خَلَقَ اللَّهُ ذَٰلِكَ إِلَّا بِالْحَقِّ ۚ يُفَصِّلُ الْآيَاتِ لِقَوْمٍ يَعْلَمُونَ) [يونس:5]، جلّ جلاله.
  • يقول جلّ جلاله (لِّتَبْتَغُوا فَضْلًا مِّن رَّبِّكُمْ وَلِتَعْلَمُوا عَدَدَ السِّنِينَ وَالْحِسَابَ ۚ وَكُلَّ شَيْءٍ فَصَّلْنَاهُ تَفْصِيلًا) [الإسراء:12]. 

فيا من يغدو ويُمسي في آيات الله، كيف تغفل عن الله؟!

(وَالشَّمْسُ وَالْقَمَرُ) اللذين جعل لهما السُّلطَنَة في الليل والنهار. فجعل الشمس سلطان النهار والقمر سلطان الليل من بين بقيَّة الكواكب، وعجائب ما في الشمس والقمر من منافِع، واتِّصالها بما في بحار الأرض من مياهٍ وجريانها وعدم فيضانها إلَّا إلى حدٍ محدود؛ كل ذلك آيات من آيات الله.

(وَمِنْ آيَاتِهِ اللَّيْلُ وَالنَّهَارُ وَالشَّمْسُ وَالْقَمَرُ) خلْقه وفعْله، (لَا تَسْجُدُوا لِلشَّمْسِ وَلَا لِلْقَمَرِ) فليس فيهما ما خلقكم، ولا ما يرزقكم، ولا ما يُقدِّم أو يؤخِّر:

  • (وَالشَّمْسُ تَجْرِي لِمُسْتَقَرٍّ لَّهَا) [يس:38].
  • (الشَّمْسُ وَالْقَمَرُ بِحُسْبَانٍ) [الرحمن:5].
  • (لَا الشَّمْسُ يَنبَغِي لَهَا أَن تُدْرِكَ الْقَمَرَ وَلَا اللَّيْلُ سَابِقُ النَّهَارِ ۚ وَكُلٌّ فِي فَلَكٍ يَسْبَحُونَ) [يس:40].

فلك واحد، وهذا في محلّه، وهذا إلى هنا وذا إلى هنا، ولا يتجاوز محلّه، وله مجراه، وله منازله، ولا يختلّ ذا بذا، ولا يدُق ذا في ذا، ولا يصطدم ذا بذا، في فلكٍ واحد، ومضبوطة الحركة لمدة كم سنين؟ كم قرون؟ والصيانة عند من؟ لم تتخرّب، لم تتعب، لم تتكسّر، لم تذهب، سبحانه! وهكذا إلى أن ينتهي أمدها..

  • (إِذَا الشَّمْسُ كُوِّرَتْ * وَإِذَا النُّجُومُ انكَدَرَتْ * وَإِذَا الْجِبَالُ سُيِّرَتْ * وَإِذَا الْعِشَارُ عُطِّلَتْ * وَإِذَا الْوُحُوشُ حُشِرَتْ * وَإِذَا الْبِحَارُ سُجِّرَتْ * وَإِذَا النُّفُوسُ زُوِّجَتْ) [التكوير:1-7].
  • (إِذَا السَّمَاءُ انشَقَّتْ * وَأَذِنَتْ لِرَبِّهَا وَحُقَّتْ * وَإِذَا الْأَرْضُ مُدَّتْ * وَأَلْقَتْ مَا فِيهَا وَتَخَلَّتْ) [الإنشقاق:1-4].
  • (إِذَا السَّمَاءُ انفَطَرَتْ * وَإِذَا الْكَوَاكِبُ انتَثَرَتْ * وَإِذَا الْبِحَارُ فُجِّرَتْ) [الإنفطار:1-3].

وقبل ذلك قرن بعد قرن، بعد قرن، بعد قرن.. على وتيرة وترتيب. لا يُمكن أن يكون ذلك بنفسه، ولا صدفة من الصُدف، عند من له أدنى مُسكة من عقل، ما يمكن إلا بتدبيرٍ حكيمٍ من حكيمٍ خبير.

(لَا تَسْجُدُوا لِلشَّمْسِ وَلَا لِلْقَمَرِ وَاسْجُدُوا لِلَّهِ الَّذِي خَلَقَهُنَّ) خلقكم وخلقهن وخلق كل شيء، (إِن كُنتُمْ إِيَّاهُ تَعْبُدُونَ (37))؛ فلا تصحّ العبادة له مع إشراك غيره في الألوهية قط، فهو الإله وحده سبحانه والرب وحده.

(لَا تَسْجُدُوا لِلشَّمْسِ وَلَا لِلْقَمَرِ وَاسْجُدُوا لِلَّهِ الَّذِي خَلَقَهُنَّ) وكوّنهن وصوَّرهن ويسّيرهن ويتصرّف فيهن، ومتى أراد؛ كوّر الشمس وخسف القمر ثم جمعهما، ثم أدخلهما مع من كان يعبدهما إلى نار جهنم والعياذ بالله تعالى؛ فيقال لهم: اتبعوا ما تعبدون، فكلٌّ يتبع ما يعبده، فيلقونهم في جهنم، حتى قال تعالى عن فرعون الذي ادعى الألوهية وعُبِدَ من دون الله: 

  • (يَقْدُمُ قَوْمَهُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ فَأَوْرَدَهُمُ النَّارَ ۖ وَبِئْسَ الْوِرْدُ الْمَوْرُودُ) [هود:98].
  • (إِنَّكُمْ وَمَا تَعْبُدُونَ مِن دُونِ اللَّهِ حَصَبُ جَهَنَّمَ أَنتُمْ لَهَا وَارِدُونَ) [الأنبياء:98].

(فَإِنِ اسْتَكْبَرُوا) عن السجود لله؛ بأن أهانوا أنفسهم بالسجود لغيره، واستكبروا عن الحق، ومالوا إلى الباطل، (فَالَّذِينَ عِندَ رَبِّكَ) من الملائكة ومن أدرك العِندية من خواص المُقرّبين (يُسَبِّحُونَ لَهُ) يُقدِّسونه ويُنزِّهونه (بِاللَّيْلِ وَالنَّهَارِ) -جلّ جلاله- يقول لقد اخترت واصطفيت من عبادي من يديم تسبيحي وتقديسي منذ خلقتهم. 

(بِاللَّيْلِ وَالنَّهَارِ)، وهذا موضع السجدة:

  •  إما عند الآية الأولى (إِيَّاهُ تَعْبُدُونَ (37)).
  • وإما عند الثانية عند قوله (لَا يَسْأَمُونَ ۩(38)).

 وعند الثانية أولى وعليه الجمهور، وهكذا كل آيتين قيل بالسجود في الأولى أو في الثانية؛ فالأفضل السجود في الثانية؛ لأنها حصلت آية السجدة باتفاق..  

وها هي آية السجدة: (وَمِنْ آيَاتِهِ اللَّيْلُ وَالنَّهَارُ وَالشَّمْسُ وَالْقَمَرُ ۚ لَا تَسْجُدُوا لِلشَّمْسِ وَلَا لِلْقَمَرِ وَاسْجُدُوا لِلَّهِ الَّذِي خَلَقَهُنَّ إِن كُنتُمْ إِيَّاهُ تَعْبُدُونَ (37) فَإِنِ اسْتَكْبَرُوا فَالَّذِينَ عِندَ رَبِّكَ يُسَبِّحُونَ لَهُ بِاللَّيْلِ وَالنَّهَارِ وَهُمْ لَا يَسْأَمُونَ ۩ (38)).

دعاء السجود: اللهم اجْعَلْها لنا عِنْدَكَ ذُخْرًا، وارفع لنا بِهَا أجْرًا، وَحط عَنا بِها وزرًا، واقبلْها مِنّا كما قَبلْتَهَا مِنْ عبدك داوُدَ ونبيك سيد الوجود.

(وَهُمْ لَا يَسْأَمُونَ ۩) لا يملّون ولا يفترون، كما قال في الآية (يُسَبِّحُونَ اللَّيْلَ وَالنَّهَارَ لَا يَفْتُرُونَ) [الأنبياء:20]، لا يصيبهم سآمة ولا ملل؛ حتى أن أهل الجنة في الجنة "يُلهَمونَ التسبيحَ والتقديسَ، كما تُلهَمونَ النَّفَسَ". من يسأم منكم النفس؟ هل أحد يفتر من النفس؟ أو يسأم منه؟ 

  • فأهل الجنة في الجنة هكذا إكرامًا من الله لهم، التقديس والتسبيح عندهم مثل النفس لا يسأمون أبدًا، وهكذا الملائكة في السماوات والذين معنا في الأرض من الملائكة كذلك دائمي التقديس والتسبيح والحمد للرب -جلّ جلاله- لا يفترون عن ذلك.
  • فالله تعالى هو الغني عنهم وعن من استكبر وأبى، وجعل مآل المُكلّفين الذين استكبروا عن السجود له؛ الخلود في نار جهنم -والعياذ بالله تعالى-، بأنواع من العذاب شديدة مُهينة غليظة كبيرة لا تُطاق -اللهم أجرنا من عذابك-.

(وَهُمْ لَا يَسْأَمُونَ ۩) وهذا الذي يُكرم الله به قلوب الذين صدقوا معه ونالوا الارتقاء في مراتب حقائق التوحيد وسجدت قلوبهم.. 

  • وأهل القلوب الساجدة لا ترفع قلوبهم عن السجود أبداً؛ بل لا تطيق ذلك ولا تقوى عليه، ولما سُئل العارف عن السجود قال: هل للقلب سجود؟ قال: نعم؛ سجود لا يرفع عنه أبداً. إذا سجد ما يرفع؛ لأن حياته بالسجود لله تعالى، كيف يتكبّر على الله؟! كيف يخرج عن سجوده لله تعالى فيهلك؟!
  • اللهم أكرِمنا بسجود القلب، وبعض المؤمنين يُكرَمون بهذا السجود في مثل شهر رمضان، ما يخرج إلا وقد سجد قلبه فهو في سجود دائم، من أقرب ما يكون من ربّه: "أقربُ ما يكونُ العبدُ من ربِّه وهو ساجدٌ".

(وَمِنْ آيَاتِهِ أَنَّكَ تَرَى الْأَرْضَ خَاشِعَةً فَإِذَا أَنزَلْنَا عَلَيْهَا الْمَاءَ اهْتَزَّتْ وَرَبَتْ) فكل ما عندك آيات (وَفِي الْأَرْضِ آيَاتٌ لِّلْمُوقِنِينَ * ‏وَفِي أَنفُسِكُمْ ۚ أَفَلَا تُبْصِرُونَ * وَفِي السَّمَاءِ رِزْقُكُمْ وَمَا تُوعَدُونَ) [الذاريات:20-22]. وأنت عايش بين آياته وعلامة عظمته ووجوده، وتغفل؟ وتعصي؟ تترك الأمر؟ وترتكب النهي؟!، يا هذا كيف يليق؟ 

كَيْفْ تَعْصِي الَّذِي مِنْ *** نُطْفَةٍ جَلَّ سَوَّاكْ

ثُمَ غَذَّاكْ بِإِحْسَانِهْ *** وَنَمَّى وَرَبَّاكْ

(وَمِنْ آيَاتِهِ أَنَّكَ تَرَى الْأَرْضَ خَاشِعَةً) خليّة عن الخُضرة وعن البلل، فهي لذلك كالذليل المُتذلل المُتخشّع، فالأرض خاشعة، (فَإِذَا أَنزَلْنَا عَلَيْهَا الْمَاءَ) بالمطر (اهْتَزَّتْ) بالأثمار (وَرَبَتْ) وارتفعت. تشاهد هذا أو لا؟ وكم تشاهدُه في حياتك؟ 

(إِنَّ الَّذِي أَحْيَاهَا لَمُحْيِي الْمَوْتَىٰ).. 

  • (وَتَرَى الْأَرْضَ هَامِدَةً فَإِذَا أَنزَلْنَا عَلَيْهَا الْمَاءَ اهْتَزَّتْ وَرَبَتْ وَأَنبَتَتْ مِن كُلِّ زَوْجٍ بَهِيجٍ) [الحج:5]‎، ذلك بأن الله يحيي الموتى -جلّ جلاله-.
  • فكم يميت من الأراضي وكم يحيي؟ (وَهُوَ الَّذِي يُحْيِي وَيُمِيتُ) [المؤمنون:80].
  • فلا أيّ غرابة وبُعد في أن يحييكم بعد موتكم: (وَكُنتُمْ أَمْوَاتًا فَأَحْيَاكُمْ ۖ ثُمَّ يُمِيتُكُمْ ثُمَّ يُحْيِيكُمْ ثُمَّ إِلَيْهِ تُرْجَعُونَ) [البقرة:28]، كنتم ليس مجرد أموات بل عدم من الأصل ما لكم ذكر ولا وجود فأحياكم، فبعد أن أحياكم ثاني مرة ما يقدر؟
  • ما العجز الذي طرأ عليه حتى ما عاد يقدر يردّكم؟ أليس فيكم عقول؟ مجيئكم أول مرة ينبغي هو الذي تستغربون فيه أكثر، أما ثاني مرة أسهل حتى في موازينكم أنتم البشر، فكيف بقدرة القادر الذي هو على كل شيء قدير! (كَمَا بَدَأْنَا أَوَّلَ خَلْقٍ نُّعِيدُهُ) [الأنبياء:104].
  • يقول سبحانه: (وَقَالُوا أَإِذَا كُنَّا عِظَامًا وَرُفَاتًا أَإِنَّا لَمَبْعُوثُونَ خَلْقًا جَدِيدًا * قُلْ كُونُوا حِجَارَةً أَوْ حَدِيدًا * أَو خَلقًا مِمّا يَكبُرُ في صُدورِكُم)، ليس تحوّلون إلى تراب الذي خلقكم منه، ارجعوا حديد، وإلا جبال؛ ارجعوا وسيردكم.
  • (فَسَيَقُولُونَ مَن يُعِيدُنَا ۖ قُلِ الَّذِي فَطَرَكُمْ أَوَّلَ مَرَّةٍ) [الإسراء:49-51] الذي كوّنكم أول مرة سيكونكم، ولو تحوّلتم إلى أي شيء يردكم كما كنتم، فهو القادر.
  • والدلائل للقدرة أمامكم، فالإنكار هو المُستغرب، هو المنكر، إنكار الرجوع وإنكار البعث وإنكار الرد هو المنكر؛ هو البعيد عن المنطق وعن العقل، الذي أوجدك يقول سيرُدك وتقول لا ما تقدر؟! كيف ما تقدر ومن أول مرة من أين جئت؟!
    • (وَضَرَبَ لَنَا مَثَلًا وَنَسِيَ خَلْقَهُ ۖ قَالَ مَن يُحْيِي الْعِظَامَ وَهِيَ رَمِيمٌ * قُلْ يُحْيِيهَا الَّذِي أَنشَأَهَا أَوَّلَ مَرَّةٍ ۖ وَهُوَ بِكُلِّ خَلْقٍ عَلِيمٌ) [يس:78-79]، هو من كونك أول مرة، ويُكوّنك ثاني مرة، وثالث مرة، مهما أراد- جلّ جلاله-.
    • (وَاللَّهُ خَلَقَكُمْ ثُمَّ يَتَوَفَّاكُمْ ۚ وَمِنكُم مَّن يُرَدُّ إِلَىٰ أَرْذَلِ الْعُمُرِ لِكَيْ لَا يَعْلَمَ بَعْدَ عِلْمٍ شَيْئًا ۚ إِنَّ اللَّهَ عَلِيمٌ قَدِيرٌ) [النحل:70].

يقول (إِنَّ الَّذِي أَحْيَاهَا لَمُحْيِي الْمَوْتَىٰ ۚ إِنَّهُ عَلَىٰ كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ)، فالقدرة على الحقيقة له، وما نسبة القدرة لأي مخلوق كان من أولهم إلى آخرهم إلا نسبة مجاز، ولو كان العرش، ولو كان الكرسي، ولو كانت الجبال، ولو كانت البحار؛ نسبة القوّة إليه مجازية لا حقيقة لها، كانت عدم محض وهو الذي أوجدها وأمدّها بمقدار من القوّة والقُدرة إلى حد محدود ثم يفنيها. فالقدرة على الحقيقة له وحده، والقُدرة لغيره مجاز، لا إله إلا الله، مُعطاة موهوبة منه بقدرِ ما يقدِرُك تقدِرُ.

قال: (إِنَّهُ عَلَىٰ كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ (39) إِنَّ الَّذِينَ يُلْحِدُونَ في آيَاتِنَا).. 

  • والإلحاد: الميل عن سواء السبيل (يُلْحِدُونَ في آيَاتِنَا):
    • يصرفونها غير مصرفها.
    • ما يُحسِنون التفكير فيها.
    • يُفَسّرونها بغير تفسيرها.
    • يُقابِلونها باللّغو (لَا تَسْمَعُوا لِهَـٰذَا الْقُرْآنِ وَالْغَوْا فِيهِ) [فصلت:26].

 كُلّ أنواع الإلحاد هذه، قال الله الآن قد بيَّنّا الأمر بيانًا، وجعلنا الآيات الخَلقيّة الكونيّة والآيات التنزيليّة القرآنيّة والرّسل المبيّنين والأمر واضح؛ وأيّ أحد يُلحِد في الآيات لا يخفى علينا هو وإلحاده.

(لَّقَدْ سَمِعَ اللَّهُ قَوْلَ الَّذِينَ قَالُوا إِنَّ اللَّهَ فَقِيرٌ وَنَحْنُ أَغْنِيَاءُ ۘ سَنَكْتُبُ مَا قَالُوا وَقَتْلَهُمُ الْأَنبِيَاءَ بِغَيْرِ حَقٍّ وَنَقُولُ ذُوقُوا عَذَابَ الْحَرِيقِ) [آل عمران:181]،

(إِنَّ الَّذِينَ يُلْحِدُونَ فِي آيَاتِنَا لَا يَخْفَوْنَ عَلَيْنَا) مُحصِيٌّ عليهم ما ألحدوا، وما مالوا، وما زاغوا، وما غيّروا، وما بدّلوا، وعلينا حسابهم (إِنَّ إِلَيْنَا إِيَابَهُمْ * ثُمَّ إِنَّ عَلَيْنَا حِسَابَهُم) [الغاشية: 25-26].

 والفرق كبير (أَفَمَن يُلْقَىٰ فِي النَّارِ خَيْرٌ)؟ كمثل أبي جهل، (أَم مَّن يَأْتِي آمِنًا يَوْمَ الْقِيَامَةِ)؟ كمثل عمّار بن ياسر، فيهم نزلت الآية، وقيل أيضًا حمزة بن عبد المطلب.

يقول: (أَفَمَن يُلْقَىٰ فِي النَّارِ خَيْرٌ أَم مَّن يَأْتِي آمِنًا يَوْمَ الْقِيَامَةِ ۚ اعْمَلُوا مَا شِئْتُمْ (40)) فإنّكم به تُجزون، إن خيرًا فخير، وإن شرًا فشرّ، الجزاء قدّامكم.

(اعْمَلُوا مَا شِئْتُمْ)؛ تهديد ووعيد من الجبّار الأعلى، يقول بعد بياني لكم، وإنزال الكتب، وإرسال الرسل، وكل من بلغته هذه الدعوة فأبى واستكبر، يقول له اعمل ما شئت؛ سترى الجزاء على كل ما تختاره لنفسك من عمل ومن اعتقاد ومن مسلك تُحصّل جزاءك. 

(اعْمَلُوا مَا شِئْتُمْ ۖ إِنَّهُ بِمَا تَعْمَلُونَ بَصِيرٌ(40)) جلّ جلاله.. 

  • (فَلَنَقُصَّنَّ عَلَيْهِم بِعِلْمٍ ۖ وَمَا كُنَّا غَائِبِينَ) [الأعراف:7].
  • (وَمَا تَكُونُ فِي شَأْنٍ وَمَا تَتْلُو مِنْهُ مِن قُرْآنٍ وَلَا تَعْمَلُونَ مِنْ عَمَلٍ إِلَّا كُنَّا عَلَيْكُمْ شُهُودًا إِذْ تُفِيضُونَ فِيهِ) [يونس:61]. 

(إِنَّهُ بِمَا تَعْمَلُونَ بَصِيرٌ (40) إِنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا بِالذِّكْرِ) بالقرآن الذي أُنزِل على محمّد، (لَمَّا جَاءَهُمْ) وصل إليهم بلسان عربيّ مُبين، يتلوه رسول الله ونبيُّه ﷺ، ومع ذلك كذّبوا وكفروا.

(وَإِنَّهُ لَكِتَابٌ عَزِيزٌ (41)):

  • شريف عظيم القدر عند الله تبارك وتعالى.
  • عزيزٌ لا يُستطاع أن يُؤتى بمثله.
  • ولا يُستطاع أن يُغيَّر فيه شيء، كما قال: (لَّا يَأْتِيهِ الْبَاطِلُ مِن بَيْنِ يَدَيْهِ وَلَا مِنْ خَلْفِهِ..(42)).
  • حقٌ صَرف محض:
    • لا يستطيع إبليس أن يزيد فيه حرف ولا يُنَقِّص فيه حرف، ولا جنود إبليس كلهم من الإنس والجن.
    • من حين نزل القرآن إلى أن تقوم الساعة، ما أحد يقدر منهم يغير حرف واحد.
    • سبحان الله! ما هذا الحفظ العجيب؟ (إِنَّا نَحْنُ نَزَّلْنَا الذِّكْرَ وَإِنَّا لَهُ لَحَافِظُونَ) [الحجر:9].

قال (وَإِنَّهُ لَكِتَابٌ عَزِيزٌ (41)):

  • لا يُستطاع الإتيان بمثله.
  • مُهيمِن على جميع الكتب المُنزلة ومُصدّق لها، وكلّها مُعظِّمة له ومُشيرة إليه.
  • (عَزِيزٌ) لا يُحاط بما فيه من المعاني والدلائل والعوارض والمعارف والعلوم والأسرار.
  • (عَزِيزٌ) كتاب عزيز ما أحد يستطيع يحيط به
    • (قُل لَّوْ كَانَ الْبَحْرُ مِدَادًا لِّكَلِمَاتِ رَبِّي لَنَفِدَ الْبَحْرُ قَبْلَ أَن تَنفَدَ كَلِمَاتُ رَبِّي وَلَوْ جِئْنَا بِمِثْلِهِ مَدَدًا) [الكهف:109].
    • (وَلَوْ أَنَّمَا فِي الْأَرْضِ مِن شَجَرَةٍ أَقْلَامٌ وَالْبَحْرُ يَمُدُّهُ مِن بَعْدِهِ سَبْعَةُ أَبْحُرٍ مَّا نَفِدَتْ كَلِمَاتُ اللَّهِ ۗ إِنَّ اللَّهَ عَزِيزٌ حَكِيمٌ) [لقمان:27] جلّ جلاله وتعالى في علاه.

(لَكِتَابٌ عَزِيزٌ)؛ فيجب أن نُعِزّه وأن نُعَظِّمه: 

  • ولهذا قال: (لَّا يَمَسُّهُ إِلَّا الْمُطَهَّرُونَ) [الواقعة:79].
  • وكان إذا ناولوا المصحف عكرمة، يقوم يُعظّم ويضعه على وجهه، ويقول: "كلام ربي، كلام ربي، كلام ربي" ويبكي.
  • (عَزِيزٌ) كتاب عزيز يجب أن يُعَظَّم.

(لَّا يَأْتِيهِ الْبَاطِلُ) لا إبليس ولا جُنده ولا شيء من الوهم والخيال ولا يبطله شيء: 

  • لا الكتب التي قبله؛ فكلّها شاهِدة له.
  • ولا شي كتاب من بعده يأتي يبُطله.
  • ولا ينسخ شيء فيه، الله أكبر.
  • ولا يستطاع تغيير حرف فضلًا عن كلمة فضلًا عن آية من آياته.
  • كما حُفظ عمّن أُنزِل عليه باللهجات التي أذن الله له أن يتلو بها الكتاب. 

حُفظَت كما هي وجاءت بالروايات المُسندة المُتواترة إليه؛ المدّ ومِقدار المد واختلافه أحيانًا يُمد كذا وأحيانًا يُمد كذا، وأحيانًا يُمد كذا، تواتر عنه وحُفِظ ورُوِي عنه بالروايات المُسندة الصحيحة، وما أحد يقدر يُزَيّد حتى في المُدود، ليس في الحرف نفسه، في  مدّه، تقول: هذا له مد زايد وما ورد يقول لك: اسكت ساكت، مَن رواه؟ هذا يُمد فقط إلى هذا الحد. وهذا في القراءات كلّها، وهذا في قراءاتنا، حتى المُدود فيه ما أحد يقدر يُحدِث شيّ ولا يُنزِّل شيّ، الله أكبر.

ما الحفظ هذا؟! نَفسُه الذي خرج من بين شفتي رسول الله بين يديك، وأنت تتلوه وتتشرّف لسانك وشفتيك بقراءته، لله الحمد.

قال: (لَّا يَأْتِيهِ الْبَاطِلُ مِن بَيْنِ يَدَيْهِ) من أمامه (وَلَا مِنْ خَلْفِهِ ۖ تَنزِيلٌ مِّنْ حَكِيمٍ) جلّ جلاله، يضع كل شيء في موضعه وهو أعلم.

(حَمِيدٍ) يستحق الحمد ويصدر عنه كل محمود، (تَنزِيلٌ مِّنْ حَكِيمٍ حَمِيدٍ (42)).

فالحمد لله الذي أكرمنا بهذا القرآن. اللهم اجعل لنا فهمًا في القرآن، ووعيًا للقرآن، واطلاعًا على سرِّ القرآن، واغتِرافًا من بحر القرآن، وعملًا بما في القرآن، واجعله إمامنا يقودنا إلى الجنّة وإلى الدرجات العُلا في الجنان، يا أكرم الأكرمين يا أرحم الراحمين. 

 بِسِرِّ الْفَاتِحَةِ 

إِلَى حَضْرَةِ النَّبِيِّ مُحَمَّدٍ، اللهمَّ صَلِّ وَسَلِّمْ وَبَارِكْ عَلَيْهِ وَعَلَى آلِهِ وَصَحْبِهِ 

الْفَاتِحَة

 

تاريخ النشر الهجري

08 رَمضان 1447

تاريخ النشر الميلادي

25 فبراير 2026

اضافة إلى المفضلة

كتابة فائدة متعلقة بالمادة

الأقسام