تفسير سورة فصلت - 5 - من قوله تعالى {ويوم يحشر أعداء الله إلى النار فهم يوزعون ..} الآية 19 إلى الآية 25

للاستماع إلى الدرس

الدرس الخامس من تفسير العلامة عمر بن محمد بن حفيظ للآيات الكريمة من سورة فصلت، ضمن الدروس الصباحية لشهر رمضان المبارك من عام 1447هـ ، تفسير قوله تعالى:

وَيَوْمَ يُحْشَرُ أَعْدَاءُ اللَّهِ إِلَى النَّارِ فَهُمْ يُوزَعُونَ (19) حَتَّىٰ إِذَا مَا جَاءُوهَا شَهِدَ عَلَيْهِمْ سَمْعُهُمْ وَأَبْصَارُهُمْ وَجُلُودُهُم بِمَا كَانُوا يَعْمَلُونَ (20) وَقَالُوا لِجُلُودِهِمْ لِمَ شَهِدتُّمْ عَلَيْنَا ۖ قَالُوا أَنطَقَنَا اللَّهُ الَّذِي أَنطَقَ كُلَّ شَيْءٍ وَهُوَ خَلَقَكُمْ أَوَّلَ مَرَّةٍ وَإِلَيْهِ تُرْجَعُونَ (21) وَمَا كُنتُمْ تَسْتَتِرُونَ أَن يَشْهَدَ عَلَيْكُمْ سَمْعُكُمْ وَلَا أَبْصَارُكُمْ وَلَا جُلُودُكُمْ وَلَٰكِن ظَنَنتُمْ أَنَّ اللَّهَ لَا يَعْلَمُ كَثِيرًا مِّمَّا تَعْمَلُونَ (22) وَذَٰلِكُمْ ظَنُّكُمُ الَّذِي ظَنَنتُم بِرَبِّكُمْ أَرْدَاكُمْ فَأَصْبَحْتُم مِّنَ الْخَاسِرِينَ (23) فَإِن يَصْبِرُوا فَالنَّارُ مَثْوًى لَّهُمْ ۖ وَإِن يَسْتَعْتِبُوا فَمَا هُم مِّنَ الْمُعْتَبِينَ (24) ۞ وَقَيَّضْنَا لَهُمْ قُرَنَاءَ فَزَيَّنُوا لَهُم مَّا بَيْنَ أَيْدِيهِمْ وَمَا خَلْفَهُمْ وَحَقَّ عَلَيْهِمُ الْقَوْلُ فِي أُمَمٍ قَدْ خَلَتْ مِن قَبْلِهِم مِّنَ الْجِنِّ وَالْإِنسِ ۖ إِنَّهُمْ كَانُوا خَاسِرِينَ (25)

صباح الأحد 5 رمضان 1447 هجري.

 

نص الدرس مكتوب:

 

الحمد لله المنعم علينا بتنزيل كتابه وشريف خطابه، ومبيّنه لنا على لسان سيّد أحبابه، وإمام أهل حضرة اقترابه، سيدنا محمّد ابن عبد الله صلّى الله وسلم وبارك وكرّم عليه عدد علمه في كل لمحة أبدًا وعلى آله وأصحابه، وعلى من والاه واتبع هداه وتأدّب بآدابه، وعلى آبائه وإخوانه من الأنبياء والمرسلين، سادات أهل الوعي عن الله تعالى لكريم خطابه، وعلى آلهم وصحبهم وتابعيهم، وعلى الملائكة المقرّبين، وجميع عباد الله الصالحين، وعلينا معهم وفيهم، إنه أكرم الأكرمين وأرحم الراحمين.

وبعد،،،

فإننا في تأمّلنا لكلام ربنا -جل جلاله-؛ انتهينا في سورة فُصِّلَتْ إلى قول الله -جل جلاله- بعد أن بيّن لنا:

  • من أنواع المجرمين والمعاندين والمكذبينَ للرسل: قوم عادٍ وقوم ثمود. 
  • وما كان من عنادهم وإبائهم وتكبّرهم واستحبابهم للعمى على الهدى. 
  • وما كان من عاقبتهم ونهايتهم المخزية في الدنيا، وأن عذاب الآخرة أخزى. 

قال -جل جلاله- مبينًا أنّ هذا الحكم في الخزي في الآخرة ووجود النّكال والوبال والهُون والذُّل عامٌّ لكل من عادى الله، وعادى رسل الله، وخالف وحي الله، سواء كانوا عاد وثمود أو من قبلهم أو من بعدهم؛ فقال -جل جلاله-: (وَيَوْمَ يُحْشَرُ أَعْدَاءُ اللَّهِ إِلَى النَّارِ).

(وَيَوْمَ يُحْشَرُ أَعْدَاءُ اللَّهِ إِلَى النَّارِ) فالويل لمن عادى الله ممن جهل نفسه، وجهل خلقه، وجهل عاقبة أمره؛ فما أبعدهم عن إدراك الحقيقة، وما أبعدهم عن حُسن الترتيب للمستقبل العظيم الخطير؛ أولئك شرار الخلق، أولئك سقطة الخلق، أولئك أراذل الخلق؛ يعادون الله تعالى بمعاداة كتابه، ومعاداة رسوله، ومعاداة شريعته، ومعاداة أوليائه -جل جلاله-.

(وَيَوْمَ يُحْشَرُ أَعْدَاءُ اللَّهِ) أي: الذين يعادون كتبه ورسله ودينه ومِلَّته وشريعته وأحكامه وأوليائه؛ هم أعداء الله.

(يُحْشَرُ): يُجمَعُ أولهم وآخرهم لا يمكن لأحد منهم أن يفلت، ولا أن يفوت، ولا أن يغيب. 

  • (وَحَشَرْنَاهُمْ فَلَمْ نُغَادِرْ مِنْهُمْ أَحَدًا) [الكهف:47]. 
  • (قُلْ إِنَّ الْأَوَّلِينَ وَالْآخِرِينَ * لَمَجْمُوعُونَ إِلَىٰ مِيقَاتِ يَوْمٍ مَّعْلُومٍ) [الواقعة:49-50].

(وَيَوْمَ يُحْشَرُ أَعْدَاءُ اللَّهِ)؛ اذكر يا محمّد هذا اليوم، وذكّر به مَن حواليك من المؤمنين والمشركين ومَن يأتي بعدك إلى يوم الدين ذكِّرهم (يَوْمَ يُحْشَرُ أَعْدَاءُ اللَّهِ إِلَى النَّارِ) أي: ذكّرهم بالمستقبل الأخطر الأكبر الشديد الشنيع؛ لينتبهوا لأنفسهم في ذلك المستقبل من خلال الإعداد في هذا العمر القصير؛ قل لهم في ذاك اليوم لا يبقى عدو عادى الله ورسوله، ملِكًا كان أو مملوكًا، أميرًا أو مأمورًا، وزيرًا أو جنديًّا، أو غنيًا أو فقيرًا، أو صغيرًا أو كبيرًا، عادى الله بأن وصلته دعوة الله التي بعث بها رسله؛ وأبى واستكبر وآثر شهوته ودنياه، جميع هؤلاء سيحشرون؛ يُجمعون من أولهم إلى آخرهم، ولا يتخلّف منهم أحد، ولا يستطيع أن يفوت أحد، ولا أن يتغيَّب أحد.

(يُحْشَرُ أَعْدَاءُ اللَّهِ إِلَى النَّارِ) (الْمُوقَدَةُ * الَّتِي تَطَّلِعُ عَلَى الْأَفْئِدَةِ) [الهمزة: 6-7]، الشديدة التي شدّة حرارتها تفوق حرارة النار التي خلقها الله في الدنيا بسبعين ضِعفًا -ما هو ضِعف ولا ضِعفين.. ثلاثة أربعة خمسة- سبعين! بسبعين ضعفًا.

لما ذكر رسول الله ﷺ مضاعفة شدّة حرارة النار في الآخرة، "قالوا: واللَّهِ إنْ كانَتْ لَكافِيَةً"؛ هذه تكفي وحدها، قال: "فإنَّها فُضِّلَتْ عليها بتِسْعَةٍ وسِتِّينَ جُزْءًا" وفي رواية قال: "سبعينَ ضعفا" -والعياذ بالله- فمن يطيق النار؟ (فَمَا أَصْبَرَهُمْ عَلَى النَّارِ) [البقرة:175]، من يقدر على النار؟

ولقد أنذَرَنا الخالق -جل جلاله- على ألسُنِ الرسل من عهد آدم إلى محمّد ﷺ، وخوَّفنا من هذه النار المُعَدَّة للمعاندين والجاحدين والمعادين لله تعالى، ورسله ودينه وشريعته وملّته وأوليائه.

(وَيَوْمَ يُحْشَرُ أَعْدَاءُ اللَّهِ إِلَى النَّارِ فَهُمْ يُوزَعُونَ (19)) يُحبَس أوَّلهم إلى أن يصل آخرهم، يُردُّ آخرهم على أولهم، لا يفلت أحد.

(يُوزَعُونَ): يُدفعون ويُساقون سوقًا عنيفًا لا يتخلّف صغير منهم ولا كبير، فيجتمع جميع أعداء الله في حرّ نار السّعير، وعند دخولهم إلى النار تشهد عليهم الألسنة والأيدي والأرجل، (فَهُمْ يُوزَعُونَ) يُدفعون ويُساقون سوقاً عنيفًا لا يفلت أحد منهم ولا يتخلف. 

   (يُوزَعُونَ (19) حَتَّىٰ إِذَا مَا جَاءُوهَا) أقبلوا عليها وآن وقت دخولهم فيها؛ (شَهِدَ عَلَيْهِمْ سَمْعُهُمْ وَأَبْصَارُهُمْ وَجُلُودُهُم بِمَا كَانُوا يَعْمَلُونَ (20))، فكأن هذه الأعضاء فيهم تخاطبهم وتخاطب جميع العقلاء وتقول: أيّها الأكوان اشهدوا أنّ صاحبي هذا سيّرني في معصية إلهه الذي خلقه، وربّه الذي كوّنه، واستعملني في مخالفة أمره، والخروج عن شريعته؛ فهو الذي يستحقّ هذه النار، وكان مُصِرًّا على الذنوب والسيئات، لا يُقلِع عنها ولا يتراجع منها؛ فتشهد عليهم أسماعهم وأبصارهم. 

   (شَهِدَ عَلَيْهِمْ سَمْعُهُمْ) وجاء بلفظ المفرد (سَمْعُهُمْ)؛ لأن السَّمع يتقارب فيه الناس ولا يملك أحدٌ أن يَغُضَّه؛ فكان سمع واحد، ولكن الأبصار مختلفة ومتعددة، وهذا يغضّ وهذا يُفتِّح وهذا على هذا..إلخ؛ فجَمع الأبصار: (سَمْعُهُمْ وَأَبْصَارُهُمْ).

 (وَجُلُودُهُم)

  • قال بعض أهل التفسير: إنه كَنّى بالجلود عن الفروج. 
  • وقال الآخرون: جلودهم للأعضاء كلها تشهد عليهم، جلود جميع أعضائهم تشهد عليهم.

وفي الحديث عنه ﷺ: "أولُ ما يتكلَّمُ من الإنسانِ يومَ القيامةِ ويشهدُ عليه بعمَلِه فخذُه وكفُّه"؛ فَخِذُه وكفُّه أول ما يشهد على الإنسان يوم القيامة، وفي رواية: "أوَّلُ ما يَبِينُ عنه"، وفي رواية: "أولُ ما يتكلَّمُ منه فَخِذُه وكفُّه تُحدِّث بما صنع"، لا إله إلا الله..

  • (حَتَّىٰ إِذَا مَا جَاءُوهَا شَهِدَ عَلَيْهِمْ سَمْعُهُمْ وَأَبْصَارُهُمْ وَجُلُودُهُم بِمَا كَانُوا يَعْمَلُونَ (20))
  • وقال: (الْيَوْمَ نَخْتِمُ عَلَىٰ أَفْوَاهِهِمْ وَتُكَلِّمُنَا أَيْدِيهِمْ وَتَشْهَدُ أَرْجُلُهُم) [يس:65]. 

فيُفدم على ألسنتهم، فلا تستطيع النطق، وتشهَد عليهم أيديهم وألسنتهم وأرجلهم بما كانوا يعملون.

(شَهِدَ عَلَيْهِمْ سَمْعُهُمْ وَأَبْصَارُهُمْ وَجُلُودُهُم بِمَا كَانُوا يَعْمَلُونَ)؛ مستمرّين على عمله، متمادين فيه، غير مبالين بنهي الإله الجبّار، ولا بتحذير المرسلين الأطهار -صلوات الله وسلامه عليهم-، ولا بتخويف الصّالحين الأبرار، لا يبالون ويتمادون في هذا العمل، (بِمَا كَانُوا يَعْمَلُونَ) مستمرين على العمل طول حياتهم في هذه الذنوب والمعاصي؛ فتشهد عليهم أجسادهم.

 ولِلُؤمِ طباعهم؛ هم كما سمعتم أيضاً في الآيات الأخرى، وسمعتم في الصلاة أنهم يحلفون: أنهم ما عملوا، أنهم ما كذبوا، أنهم ما جاءهم الرسل.. سبحان الله! وقد مرَّ عليهم أحوال الموت والبرزخ، ورجعوا يحاولون يكذبون؛ لأن طباعهم لئيمة، ما عندهم عهد ولا ميثاق، ولا عقل يضبطهم، ولا قيمة ولا خُلُق ولا شيء، سَفَلة سَقَطَة، فتستمر هذه الخساسة معهم حتى إلى الآخرة، يحاولون يكذبون؛ لأنهم كانوا في الدنيا يغشّون ويكذبون، ويظهرون ما لا يبطنون، ويجيبون لهم شعارات برَّاقة قدام الناس ويعملون من تحت، وظنَّوا أن هذا بيمشي في الآخرة!.. ما يمشي؛ وكل شيء يظهر (يَوْمَئِذٍ تُعْرَضُونَ لَا تَخْفَىٰ مِنكُمْ خَافِيَةٌ) [الحاقة:18] يقول الله -جل جلاله-. 

(وَقَالُوا لِجُلُودِهِمْ لِمَ شَهِدتُّمْ عَلَيْنَا) يرجعون يخاطبون الجلود والأعضاء: إنما ندافع عنكم! يدل على أن اللؤم والخسّة ما انتهت فيهم، وقد قامت الحجج والبراهين ودخلوا في النار.. ومازالوا يقولون: لماذا تشهدون علينا؟ لماذا تقولون هذا؟.. وأنتم مجرمين! وأنتم قابلتم العلّام بكل شيء، القادر على كل شيء بالمعصية!.. وتقولون لها: لِمَ تشهدون علينا؟ (لِمَ شَهِدتُّمْ عَلَيْنَا) ونحن ندافع عنكم ونتعب وأنتم تشهدون علينا؟!

(قَالُوا أَنطَقَنَا اللَّهُ الَّذِي أَنطَقَ كُلَّ شَيْءٍ) -جل جلاله-، فكل شيء شاهد بعظمته، ينطق كل شيء بلسان الحال وبلسان المقال، الأرض تُخبر، والزمن يُخبر، والأعضاء تُخبر -لا إله إلا الله- والأماكن تُخبر بما عُمِل عليها: (يَوْمَئِذٍ تُحَدِّثُ أَخْبَارَهَا * بِأَنَّ رَبَّكَ أَوْحَىٰ لَهَا) [الزلزلة:4-5].

(قَالُوا أَنطَقَنَا اللَّهُ الَّذِي أَنطَقَ كُلَّ شَيْءٍ وَهُوَ خَلَقَكُمْ أَوَّلَ مَرَّةٍ)؛ أنتم بنفسكم ما كنتم تنطقون، ولا كنتم موجودون؛ لا كنتم موجودين، ولا كنتم تنطقون..أنتم! ومن نطفة وعلقة ومُخ كوّنكم وخلقكم، وأعطاكم هذه الأسماع والأبصار، وأعطاكم الألسنة تتكلمون، واليوم تقولون: (لِمَ شَهِدتُّمْ عَلَيْنَا)، أنتم لستم بشيء، وهو أنطقكم، وقد أنطقنا كما أنطقكم، وهو يُنطق ما يشاء -سبحانه وتعالى-، وما كان لأحد أن يتكلم ولا أن يخرس إلا بأمره، ولا للكائنات أن تتكلم ولا تخرس إلا بأمره؛ لأنه الخلَّاق الفعّال لما يريد، المتصرِّف في الكون وجميع العبيد.

دَع النَّاسَ يَا قَلْبِي يَقُولُونَ مَا بَدَا *** لَهُمْ وَاتَّثِقْ بِاللهِ رَبِّ الخَلَائِقِ

وَلَا تَرْتَجِي فِي النَّفْعِ وَالضُّرِّ غَيْرَهُ *** تَبَارَكَ مِنْ رَبِّ قَدِيرٍ وَخَالِقٍ

فَلَيْسَ لِمَخْلُوقٍ مِنَ الأَمْرِ هَا هُنَا *** وَلَا ثَمَّ شَيْءٌ فَاعْتَمِدْ قَوْلَ صَادِقِ

هُوَ الرَّبُّ لَا رَبٌّ سِوَاهُ وَكُلُّهُمْ *** عَبِيدٌ وَتَحْتَ الحُكْمِ مِنْ غَيْرِ فَارِقِ

نَعَمْ بَعْضُهُمْ مِمَّنْ يُحِبُّ وَيَرْتَضِي *** لِطَاعَتِهِ…….…

-اللهم اجعلنا منهم-

نَعَمْ بَعْضُهُمْ مِمَّنْ يُحِبُّ وَيَرْتَضِي *** لِطَاعَتِهِ وَالبَعْضُ عَاصٍ وَمَارِقِ

بِتَوْفِيقِهِ صَارَ المُطِيعُ يُطِيعُهُ *** وَخَالَفَ بِالخِذْلَانِ كُلُّ مُفَارِقِ

فَسَلْ رَبَّكَ التَّوْفِيقَ وَالعَفْوَ وَالرِّضَا *** وَكَوْنًا مَعَ أَهْل الهُدَى وَالطَّرَائِقِ

اللهم اجعلنا من الموفقين، ونسألك التوفيق والعفو والرضا، وأن تدخلنا مع أهل الهدى والطرائق والحقائق.

رِجَالٌ إِلَى الرَّحْمَنِ سَارُوا بِهِمَّةٍ *** عَلَى الصِّدْقِ وَالْإِخْلَاصِ مِنْ غَيْرِ عَائِقِ

فَنَالُوا الَّذِي كُلُّ المَطَالِبِ دُونَهُ *** …………..

كل المطالب دونه! نالوا فوق المطالب كلّها، فوق ما يتمنى أهل السماء وأهل الأرض.

فَنَالُوا الَّذِي كُلُّ المَطَالِبِ دُونَهُ *** فَلِلَّهِ مِنْ عَيْشٍ كَرِيمٍ وَرَائِقِ

دنُو وَتَقْرِيبٌ وَأُنْسٌ بِحَضْرَةٍ *** مُقَدَّسَةٍ فِي مُنْتَهَى كُلِّ سَابِقِ

-الله أكبر-

 

 فَآهِ عَلَى عَيْشِ الأَحِبَّةِ نَاعِمًا *** هَنِيئًا مُصَفَّى مِنْ جَمِيعِ الشَّوَائِبِ

يقول سبحانه: (وَقَالُوا لِجُلُودِهِمْ لِمَ شَهِدتُّمْ عَلَيْنَا ۖ قَالُوا أَنطَقَنَا اللَّهُ الَّذِي أَنطَقَ كُلَّ شَيْءٍ وَهُوَ خَلَقَكُمْ أَوَّلَ مَرَّةٍ وَإِلَيْهِ تُرْجَعُونَ (21))، نسيتم أنه الذي بدأكم ومرجعكم إليه؟ 

(وَمَا كُنتُمْ تَسْتَتِرُونَ أَن يَشْهَدَ عَلَيْكُمْ سَمْعُكُمْ وَلَا أَبْصَارُكُمْ وَلَا جُلُودُكُمْ)، ما كنتم تُخفون الذنوب والمعاصي فتَبعُدون عنها حتى لا تشهد عليكم السمع والأبصار ولا الجلود، ولكنكم تتسترون عن أعين الناس مثلكم في الدنيا بالجدران والأغطية، وما دريتم من الذي يطلع عليكم ويحيط بكم ومرجعكم إليه، نسيتموه! وهو الذي سيُشهِد عليكم هذه الأعضاء، وأنتم ما كنتم تظنّون ذلك. 

(وَمَا كُنتُمْ تَسْتَتِرُونَ أَن يَشْهَدَ عَلَيْكُمْ سَمْعُكُمْ وَلَا أَبْصَارُكُمْ وَلَا جُلُودُكُمْ وَلَٰكِن ظَنَنتُمْ أَنَّ اللَّهَ لَا يَعْلَمُ كَثِيرًا مِّمَّا تَعْمَلُونَ (22))، والظنّ السيء في الله أخبث ما يكون للعبد؛ يرديه ويهلكه إلى الأبد. 

أتظنّ أن الله ما يعلم ما تفعل؟! وهو محيط بك وبكل شيء!

  • أنت وما فوقك وما تحتك والأكوان كلها خلقه وإيجاده. 
  • أنت وجميع ما في الكائنات بعض ما يعلم.

 وهو الذي يعلم ما كان، وما يكون، وما لا يكون، ولو كان الذي لا يكون كيف يكون، (وَأَنَّ اللَّهَ قَدْ أَحَاطَ بِكُلِّ شَيْءٍ عِلْمًا) [الطلاق:12] -جل جلاله-.

فهذه عقيدة المؤمن التي بها يتصفّى، والتي بها يسلك الوفاء، والتي بها يراقب في الظاهر وفي الخفاء، ويعلم أن عليه رقيب، وعين كالِئة تكلؤه (وَهُوَ مَعَكُمْ أَيْنَ مَا كُنتُمْ) [الحديد:5]. 

وفي الصحيح عندنا أن بعض أولئك من الغافلين والمشركين اجتمع منهم ثلاثة، قال: كثيرة شحوم بطونهم، قليلٌ فقههم، قال: يتكلمون بينهم فقال أحدهم: هل ترون أن الله يسمع ما نقول؟، قال الآخر: إن جهرنا يسمع، وإن أسررنا ما يسمع، قال: الذي بجنبه: إن كان يسمع إذا جهرنا فهو يعلم ويسمع إذا أسررنا. وسمعهم هذا الصحابي وجاء إلى عند النبي ﷺ قال: الجماعة يقولوا كذا كذا كذا؛ فأنزل الله (وَمَا كُنتُمْ تَسْتَتِرُونَ أَن يَشْهَدَ عَلَيْكُمْ سَمْعُكُمْ وَلَا أَبْصَارُكُمْ وَلَا جُلُودُكُمْ وَلَٰكِن ظَنَنتُمْ أَنَّ اللَّهَ لَا يَعْلَمُ كَثِيرًا مِّمَّا تَعْمَلُونَ (22) وَذَٰلِكُمْ ظَنُّكُمُ الَّذِي ظَنَنتُم بِرَبِّكُمْ أَرْدَاكُمْ) أهلككم هلاك الأبد، وأوقفكم في عذابٍ مُخلَّد، شديدٍ مؤبد.

(ظَنُّكُمُ الَّذِي ظَنَنتُم بِرَبِّكُمْ أَرْدَاكُمْ)، فأخطر الذنوب والمعاصي سوء الظنّ بالله؛ الشرك بالله: أن تظنّ أنه ما يعلم شيء من خواطرك أو ضمائرك أو حسك أو معناك وهو المحيط علمًا بكل شيء. 

(ظَنُّكُمُ الَّذِي ظَنَنتُم بِرَبِّكُمْ أَرْدَاكُمْ)، وقال ﷺ: "لا يموتنَّ أحدكم إلاَّ وهو محسن الظَّن بربِّه"، ومن أوجب ما يلزمنا ويتحتّم علينا من حسن الظنّ به: أن نعلم كماله، وقدرته، وإحاطته، وعلمه، واطلاعه، وعظمته، وجلاله، وكبريائه -سبحانه وتعالى-، وأنه المتّصف بكل كمال والمنزّه عن كل نقص، وأنه ليس كمثله شيء؛ هذا الذي يجب أن يحسُن فيه ظنّنا بالله -تبارك وتعالى-.

يقول: وهذه الظنون الكاذبة من ادعاء الشريك، أو ادعاء أنه ما يعلم؛ (وَذَٰلِكُمْ ظَنُّكُمُ الَّذِي ظَنَنتُم بِرَبِّكُمْ أَرْدَاكُمْ) أهلككم هلاك الأبد (فَأَصْبَحْتُم مِّنَ الْخَاسِرِينَ (23)) لا أغنت عنكم أموال ولا أولاد ولا شيء.

  • (وَمَا يُغْنِي عَنْهُ مَالُهُ إِذَا تَرَدَّىٰ) [الليل:11]، ما الذي يفيده؟! وماذا معه؟! -لا إله إلا الله- يقول: (مَا أَغْنَىٰ عَنِّي مَالِيَهْ ۜ * هَلَكَ عَنِّي سُلْطَانِيَهْ) النفوذ والقهر والقدرات والسلطة؛ ذهبت، ذهب عني سلطانيه، (مَا أَغْنَىٰ عَنِّي مَالِيَهْ ۜ هَلَكَ عَنِّي سُلْطَانِيَهْ)، وما الذي يحصل له؟ 
  • (خُذُوهُ فَغُلُّوهُ * ثُمَّ الْجَحِيمَ صَلُّوهُ * ثُمَّ فِي سِلْسِلَةٍ ذَرْعُهَا سَبْعُونَ ذِرَاعًا فَاسْلُكُوهُ * إِنَّهُ كَانَ لَا يُؤْمِنُ بِاللَّهِ الْعَظِيمُ * وَلَا يَحُضُّ عَلَىٰ طَعَامِ الْمِسْكِينِ * فَلَيْسَ لَهُ الْيَوْمَ هَاهُنَا حَمِيمٌ) [الحاقة:28-35]، ما معنى ليس له حميم؟ أي: جميع الصداقات والعلاقات في غير طاعة الله وعلى مخالفة الله ما تنفع أصحابها، وتضمحل وتتلاشى، ما عاد أحد منهم صديق للآخر: 
  • (الْأَخِلَّاءُ يَوْمَئِذٍ بَعْضُهُمْ لِبَعْضٍ عَدُوٌّ إِلَّا الْمُتَّقِينَ) [الزخرف:67].
  • (فَلَيْسَ لَهُ الْيَوْمَ هَاهُنَا حَمِيمٌ * وَلَا طَعَامٌ إِلَّا مِنْ غِسْلِينٍ) [الحاقة:35]. 
  • وهم يقولون في النار: (فَمَا لَنَا مِن شَافِعِينَ * وَلَا صَدِيقٍ حَمِيمٍ) [الشعراء:100-101].

ما عشتوا أنتم العلاقة الوثيقة بينكم البين؟! ولماذا ما عاد  أحد حميم؟ قالوا: كلنا آل النار، ما حد منّا له وجاهة عند الله، وما أحد لنا صديق من الصنف هذاك الذي يقبل دعاءهم الرب، الذين لهم مكانة عند الحاكم القادر، ما عاد لنا صديق.. ما صادقنا هؤلاء، كنا نستهزئ بهم، نضحك عليهم ونغدر بهم؛ والآن هم الشفعاء، من يشفع لنا؟!  (فَمَا لَنَا مِن شَافِعِينَ * وَلَا صَدِيقٍ حَمِيمٍ)، والصداقات حقكم؟! الصداقات!.. هالك في هالك كلها ما تنفع، ما عادت صداقة يلعن بعضنا بعض (كُلَّمَا دَخَلَتْ أُمَّةٌ لَّعَنَتْ أُخْتَهَا) [الأعراف:38] (دَخَلَتْ): يعني إلى النار -لا إله إلا الله- وهكذا الصداقات ذي الكبيرة اللي بينهم، حكى الله في مواقف القيامة كيف تكون. 

  • يتجمعون في تلك المواقف الشنيعة الشديدة، عند تجمُّعهم فيها يرجع بعضهم إلى بعض، يقول سبحانه وتعالى: (قُل لَّكُم مِّيعَادُ يَوْمٍ لَّا تَسْتَأْخِرُونَ عَنْهُ سَاعَةً وَلَا تَسْتَقْدِمُونَ * وَقَالَ الَّذِينَ كَفَرُوا لَن نُّؤْمِنَ بِهَذَا الْقُرْآنِ وَلَا بِالَّذِي بَيْنَ يَدَيْهِ ۗ وَلَوْ تَرَىٰ إِذِ الظَّالِمُونَ مَوْقُوفُونَ عِندَ رَبِّهِمْ يَرْجِعُ بَعْضُهُمْ إِلَىٰ بَعْضٍ الْقَوْلَ)، ما الذي يحصل بينهم من حديث؟ 
  • (يَقُولُ الَّذِينَ اسْتُضْعِفُوا لِلَّذِينَ اسْتَكْبَرُوا لَوْلَا أَنتُمْ لَكُنَّا مُؤْمِنِينَ)؛ أنتم الشياطين الكبار وقفتوا في الطريق، كنا بنؤمن بالله وبرسله، وبننجو من النار، جبتوا لنا نظريات وأفكار ونظام وترتيب وفلوس، وضيّعنا الإيمان، (لَوْلَا أَنتُمْ لَكُنَّا مُؤْمِنِينَ). 
  • (قَالَ الَّذِينَ اسْتَكْبَرُوا لِلَّذِينَ اسْتُضْعِفُوا أَنَحْنُ صَدَدْنَاكُمْ عَنِ الْهُدَىٰ بَعْدَ إِذْ جَاءَكُم ۖ بَلْ كُنتُم مُّجْرِمِينَ)؛ أنتم الذين جئتم معنا وتابعتونا ونفذتم الخطط، يا خباث! ضاعفتم وزر فوق وزرنا، نحمل أوزاركم مع أوزارنا، (كُنتُم مُّجْرِمِينَ). 
  • (وَقَالَ الَّذِينَ اسْتُضْعِفُوا لِلَّذِينَ اسْتَكْبَرُوا بَلْ مَكْرُ اللَّيْلِ وَالنَّهَارِ)؛ خطط صلحتوها وتراتيب، شيء سري، وشيء جهري، وشيء من تحت وشي كذا…إلخ، (مَكْرُ اللَّيْلِ وَالنَّهَارِ إِذْ تَأْمُرُونَنَا أَن نَّكْفُرَ بِاللَّهِ وَنَجْعَلَ لَهُ أَندَادًا ۚ وَأَسَرُّوا النَّدَامَةَ).
  • كلهم نادمين، كلهم حزنانين، كلهم خاسرين، (وَأَسَرُّوا النَّدَامَةَ لَمَّا رَأَوُا الْعَذَابَ وَجَعَلْنَا الْأَغْلَالَ فِي أَعْنَاقِ الَّذِينَ كَفَرُوا ۚ هَلْ يُجْزَوْنَ إِلَّا مَا كَانُوا يَعْمَلُونَ) [سبأ:30-33].
  • نسوا المحكمة، نسوا أمر الحاكم، (أَلَيْسَ اللَّهُ بِأَحْكَمِ الْحَاكِمِينَ) [التين:8]، وقعدوا يشتغلون بالمحكمة العليا والمحكمة الدولية؛ وأين الحكم؟ لمن بيده الأمر من قبل ومن بعد -لا إله إلا الله-.

قال: (وَذَٰلِكُمْ ظَنُّكُمُ الَّذِي ظَنَنتُم بِرَبِّكُمْ أَرْدَاكُمْ فَأَصْبَحْتُم مِّنَ الْخَاسِرِينَ(23)) الهالكين إلى الأبد (فَإِن يَصْبِرُوا فَالنَّارُ مَثْوًى لَهُمْ) عذاب مستمر، ما له فكَّة، ما له خلاص، (وإِن يَسْتَعْتِبُوا) يطلبوا العتبى أو الرجوع، يقولون: (رَبِّ ارْجِعُونِ * لَعَلِّي أَعْمَلُ صَالِحًا)  [المؤمنون:99-100] ارجِعنا.. ارجِعنا نَعْمَلْ صَالِحًا، ما عاد نعمل الخبائث تلك، الشر ذاك الذي كنا نروّج له انتهى خلاص، بنطيعك بنتبع رسلك، ارجعنا إلى الدنيا. المشاريع حقنا بنبطل فيها كلها بنتركها، وبنصلِّح اتباع للرسل ..ارجِعنا.

(فَمَا هُم مِّنَ الْمُعْتَبِينَ(24)) لا يوجد رجعة -يا الله-.

  • ينادون: يا مالك..يا مالك.. يامالك ألف سنة، سيدنا مالك خازن النار بعد ألف سنة يقول: ما لكم؟ (لِيَقْضِ عَلَيْنَا رَبُّكَ ۖ قَالَ إِنَّكُم مَّاكِثُونَ) [الزخرف:77]؛ هذا محَلُّكُم لا يوجد مخرج من هنا. 
  • فيرجعون ينادون الرب: يا الله.. يا الله.. يا الله. يقول الجبّار الأعلى: ما لكم يا أهل النار؟ (قَالُوا رَبَّنَا غَلَبَتْ عَلَيْنَا شِقْوَتُنَا وَكُنَّا قَوْمًا ضَالِّينَ * رَبَّنَا أَخْرِجْنَا مِنْهَا فَإِنْ عُدْنَا فَإِنَّا ظَالِمُونَ * قَالَ اخْسَئُوا فِيهَا وَلَا تُكَلِّمُونِ) بيّنت؛ أنزلت؛ أرسلت؛ أعطيتكم أسماع وأبصار؛ أعطيتكم فرصة في الحياة الدنيا سنين قضيتموها، فكلها عاندتم وخالفتم وجحدتم، اليوم تقولون أرجِعنا؟! 
  • لا يوجد رجعة، (اخْسَئُوا فِيهَا وَلَا تُكَلِّمُونِ * إِنَّهُ كَانَ فَرِيقٌ مِّنْ عِبَادِي) آمنوا واتبعوا الرسل (يَقُولُونَ رَبَّنَا آمَنَّا فَاغْفِرْ لَنَا وَارْحَمْنَا وَأَنتَ خَيْرُ الرَّاحِمِينَ) وأنتم جاحدين ومكذبين ومع ذلك تستهزؤون بهم، (رَبَّنَا آمَنَّا فَاغْفِرْ لَنَا وَارْحَمْنَا وَأَنتَ خَيْرُ الرَّاحِمِينَ * فَاتَّخَذْتُمُوهُمْ سِخْرِيًّا حَتَّىٰ أَنسَوْكُمْ ذِكْرِي وَكُنتُم مِّنْهُمْ تَضْحَكُونَ).
  •  هيا شوفوا؛ هؤلاء الذين تضحكون عليهم؛ (إِنِّي جَزَيْتُهُمُ الْيَوْمَ بِمَا صَبَرُوا أَنَّهُمْ هُمُ الْفَائِزُونَ) في جناتي وفي نعيمي وفي مرافقة أنبيائي، وأنتم في العذاب الهون.. 
  • من الذي يعقل؟ من أهل الهدى؟ من الصّادق؟ من الكاذب؟ من المتطور؟ من المتقدم؟ أنتم ولا هم؟! وبعد ذلك يقول لهم مدة غروركم هذه كم؟ (قَالَ كَمْ لَبِثْتُمْ فِي الْأَرْضِ عَدَدَ سِنِينَ) مدة كم؟ يكون حياة كل واحد منهم في تلك الساعة؟ مثل يوم أو بعض يوم (قَالُوا لَبِثْنَا يَوْمًا أَوْ بَعْضَ يَوْمٍ فَاسْأَلِ الْعَادِّينَ)، قال الله: أنتم وأعماركم كله قليل أمام العذاب الذي أنتم فيه، (قَالَ إِن لَّبِثْتُمْ إِلَّا قَلِيلًا ۖ لَّوْ أَنَّكُمْ كُنتُمْ تَعْلَمُونَ * أَفَحَسِبْتُمْ أَنَّمَا خَلَقْنَاكُمْ عَبَثًا وَأَنَّكُمْ إِلَيْنَا لَا تُرْجَعُونَ * فَتَعَالَى اللَّهُ الْمَلِكُ الْحَقُّ).
  • ما خلق عبث، ولا أوجد عبث، ولا أرسل رسل عبث، ولا كوّن السماوات والأرض عبث.. أبدًا (فَتَعَالَى اللَّهُ الْمَلِكُ الْحَقُّ ۖ لَا إِلَهَ إِلَّا هُوَ رَبُّ الْعَرْشِ الْكَرِيمِ) [المؤمنون:106-116] -جل جلاله-.

(فَإِن يَصْبِرُوا فَالنَّارُ مَثْوًى لَّهُمْ ۖ وَإِن يَسْتَعْتِبُوا فَمَا هُم مِّنَ الْمُعْتَبِينَ)، لا يوجد رجعه، لا يوجد خروج؛ (حَتَّىٰ إِذَا جَاءَ أَحَدَهُمُ الْمَوْتُ قَالَ رَبِّ ارْجِعُونِ * لَعَلِّي أَعْمَلُ صَالِحًا فِيمَا تَرَكْتُ ۚ كَلَّا ۚ إِنَّهَا كَلِمَةٌ هُوَ قَائِلُهَا ۖ وَمِن وَرَائِهِم بَرْزَخٌ إِلَىٰ يَوْمِ يُبْعَثُونَ * فَإِذَا نُفِخَ فِي الصُّورِ فَلَا أَنسَابَ بَيْنَهُمْ يَوْمَئِذٍ وَلَا يَتَسَاءَلُونَ * فَمَن ثَقُلَتْ مَوَازِينُهُ فَأُولَٰئِكَ هُمُ الْمُفْلِحُونَ * وَمَنْ خَفَّتْ مَوَازِينُهُ فَأُولَٰئِكَ الَّذِينَ خَسِرُوا أَنفُسَهُمْ فِي جَهَنَّمَ خَالِدُونَ * تَلْفَحُ وُجُوهَهُمُ النَّارُ وَهُمْ فِيهَا كَالِحُونَ * أَلَمْ تَكُنْ آيَاتِي تُتْلَىٰ عَلَيْكُمْ وَكُنتُم بِهَا تُكَذِّبُونَ) [المؤمنون:101-105].

وهذا هو المستقبل لنا ولجميع من على ظهر الأرض من المكلّفين؛ الذين في زمننا والذي قبلنا ومن يأتي بعدنا إلى الوقت المحدّد الذي حدّده الله عندما تقوم الساعة، والمرجع إلى هذا الكلام، لا يوجد غيره في القيامة هذا هو هذا مرجع الكل، ولا يفيد أحد أفكاره، ولا تخطيطه، ولا سياسته، ولا دولته، ما يفيد أحد شيء، المُلك لواحد، والحكم لواحد، والواحد أعطى الأسماع والأبصار، وأنزل كتب، وأرسل الرسل (لِئَلَّا يَكُونَ لِلنَّاسِ عَلَى اللَّهِ حُجَّةٌ بَعْدَ الرُّسُلِ) [النساء:165]، وخاتمهم بكى وتعب، وصابر وجاهد، وكابد وبلَّغ أحسن البلاغ، وتحمّل شَجّ الجبين، وكسر الرَّباعيَّة، وشق الشفة، ووضع السلا على الظهر، والرمي بالحجارة ﷺ، والسّب والشتم والأذى، وتحمّله كله؛ حتى بلَّغ الرسالة.

 فماذا؟ ماذا بعد الرسل؟ وماذا بعد هذا البلاغ من محمد؟ يجيء واحد يلعب به نفسه وهواه وشيطان من شياطين الإنس والجن ويحرِفه عن الله! وعن طاعة الله! وعن مرضاة الله؟! فما مستقبله وما مصيره إن عَقَلت؟! 

(وإِن يَسْتَعْتِبُوا فَمَا هُم مِّنَ الْمُعْتَبِينَ (24) وَقَيَّضْنَا لَهُمْ قُرَنَاءَ) سخرنا لهم قرناء؛ قرناء ضالين مع ضّالين، مجرمين مع مجرمين، فاسقين مع فاسقين، كذّابين مع كذّابين. 

(فَزَيَّنُوا لَهُم مَّا بَيْنَ أَيْدِيهِمْ) من فِعل الإجرام والسيئات والمخالفات والكذب والغش والضر والأذى وسفك الدماء وأخذ حق الغير.

(فَزَيَّنُوا لَهُم مَّا بَيْنَ أَيْدِيهِمْ وَمَا خَلْفَهُمْ) وقالوا لهم لا يوجد آخرة ولا عليكم حساب، ومنهم من يقول: أنتم أول من يدخل الجنة.

(فَزَيَّنُوا لَهُم مَّا بَيْنَ أَيْدِيهِمْ وَمَا خَلْفَهُمْ وَحَقَّ عَلَيْهِمُ الْقَوْلُ فِي أُمَمٍ قَدْ خَلَتْ مِن قَبْلِهِم مِّنَ الْجِنِّ وَالْإِنسِ)، كل الذين بَلَغَتهم دعوة الله فأبوا واستكبروا إنسًا وجنًا، كلهم مجموعون (إِنَّهُمْ كَانُوا خَاسِرِينَ (25)).

(وَالْعَصْرِ * إِنَّ الْإِنسَانَ لَفِي خُسْرٍ * إِلَّا الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ وَتَوَاصَوْا بِالْحَقِّ وَتَوَاصَوْا بِالصَّبْرِ) [العصر:1-3]. اللهم اجعلنا منهم، واجعل أهلينا منهم، واجعل أولادنا منهم، واجعل أصحابنا منهم، واجعل قراباتنا منهم، واجعل طلابنا منهم، واجعل أحبابنا منهم، برحمتك يا أرحم الراحمين. 

(إِلَّا الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ وَتَوَاصَوْا بِالْحَقِّ وَتَوَاصَوْا بِالصَّبْرِ)، اللهم اجعلنا منهم ومن خواصّهم في عافية، ووفّر حظّنا من سر ما وصفتهم به، وآتيتهم وتكرّمت به عليهم يا أكرم الأكرمين ويا أرحم الراحمين. 

واجعل لنا ارتقاء في الإيمان والعمل الصالح والتواصي بالحق والصبر كل ليلة من ليالي رمضان، كل يوم من أيام رمضان، كل لحظة من لحظات أعمارنا حتى نلقاك على خير الأحوال، نحب لقاءك وأنت تحب لقاءنا يا أكرم الأكرمين يا أرحم الراحمين.

لا تُمِت أحدًا منّا إلا وهو يحب لقاءك وأنت تحب لقاءه، آمين آمين آمين، نسألك ونُلِحُّ عليك في ذلك بوجهك الكريم، لا تُمِت أحدًا منا إلا وهو يحبك ويحب لقاءك وأنت تحب لقاءه فضلًا ومَنًّا وجودًا، حتى ترافقنا بسيد أحبابك، وأهل حضرات اقترابك، بفضلك وتؤمنا من عذابك، وتشرفنا بلذيذ خطابك في حضرات اقترابك يا أكرم الأكرمين ويا أرحم الراحمين.

بِسِرِّ الْفَاتِحَةِ

 إِلَى حَضْرَةِ النَّبِيِّ مُحَمَّدٍ، اللهمَّ صَلِّ وَسَلِّمْ وَبَارِكْ عَلَيْهِ وَعَلَى آلِهِ وَصَحْبِهِ 

الْفَاتِحَة

 

تاريخ النشر الهجري

06 رَمضان 1447

تاريخ النشر الميلادي

23 فبراير 2026

اضافة إلى المفضلة

كتابة فائدة متعلقة بالمادة

الأقسام