تفسير سورة فصلت - 4 - من قوله تعالى {إذ جاءتهم الرسل من بين أيديهم ومن خلفهم ..} الآية 14 إلى 18
الدرس الرابع من تفسير العلامة عمر بن محمد بن حفيظ للآيات الكريمة من سورة فصلت، ضمن الدروس الصباحية لشهر رمضان المبارك من عام 1447هـ ، تفسير قوله تعالى:
إِذْ جَاءَتْهُمُ الرُّسُلُ مِن بَيْنِ أَيْدِيهِمْ وَمِنْ خَلْفِهِمْ أَلَّا تَعْبُدُوا إِلَّا اللَّهَ ۖ قَالُوا لَوْ شَاءَ رَبُّنَا لَأَنزَلَ مَلَائِكَةً فَإِنَّا بِمَا أُرْسِلْتُم بِهِ كَافِرُونَ (14) فَأَمَّا عَادٌ فَاسْتَكْبَرُوا فِي الْأَرْضِ بِغَيْرِ الْحَقِّ وَقَالُوا مَنْ أَشَدُّ مِنَّا قُوَّةً ۖ أَوَلَمْ يَرَوْا أَنَّ اللَّهَ الَّذِي خَلَقَهُمْ هُوَ أَشَدُّ مِنْهُمْ قُوَّةً ۖ وَكَانُوا بِآيَاتِنَا يَجْحَدُونَ (15) فَأَرْسَلْنَا عَلَيْهِمْ رِيحًا صَرْصَرًا فِي أَيَّامٍ نَّحِسَاتٍ لِّنُذِيقَهُمْ عَذَابَ الْخِزْيِ فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا ۖ وَلَعَذَابُ الْآخِرَةِ أَخْزَىٰ ۖ وَهُمْ لَا يُنصَرُونَ (16) وَأَمَّا ثَمُودُ فَهَدَيْنَاهُمْ فَاسْتَحَبُّوا الْعَمَىٰ عَلَى الْهُدَىٰ فَأَخَذَتْهُمْ صَاعِقَةُ الْعَذَابِ الْهُونِ بِمَا كَانُوا يَكْسِبُونَ (17) وَنَجَّيْنَا الَّذِينَ آمَنُوا وَكَانُوا يَتَّقُونَ (18)
صباح السبت 4 رمضان 1447 هجري.
نص الدرس مكتوب:
الحمد لله وهو أهل الحمد ومستحقه؛ على كل شأن، وعلى كل حالٍ، وعلى كل ما تفضّل وأنعم، وعلى ما خصّنا به من الوحي إلى قلب حبيبه محمد -صلى الله عليه وعلى آله وصحبه وسلم-، والتعرّف والتنزّل والبيان للحقيقة ولِمسالك ومعالم الطريقة على خير الوجوه.
اللهم لك الحمد على جميع المنن والنعم، وعلى نعمة الوحي والتنزيل وبيان الهدى والسبيل على لسان وقلب ويد خير داعٍ وهادٍ ودليل؛ عبدك المختار سيدنا محمد صلى الله وسلّم وبارك وكرّم عليه وعلى آله وصحب وأهل ولائه ومتابعته في النية والفعل والقيل، وعلى آبائه وإخوانه من الأنبياء والمرسلين أهل التكريم والتفضيل والتبجيل، وعلى آلهم وصحبهم وتابعيهم، وعلى ملائكتك المقربين، وعلى جميع عبادك الصالحين، وعلينا معهم وفيهم برحمتك يا أرحم الراحمين.
أما بعد،،،
فإننا في نعمة تأملنا لكلام إلهنا وربنا وخالقنا -جل جلاله-، انتهينا في سورة (فُصِّلَتْ) إلى قوله سبحانه وتعالى: (فَإِنْ أَعْرَضُوا فَقُلْ أَنذَرْتُكُمْ صَاعِقَةً مِّثْلَ صَاعِقَةِ عَادٍ وَثَمُودَ (13) إِذْ جَاءَتْهُمُ الرُّسُلُ مِن بَيْنِ أَيْدِيهِمْ وَمِنْ خَلْفِهِمْ أَلَّا تَعْبُدُوا إِلَّا اللَّهَ ۖ قَالُوا لَوْ شَاءَ رَبُّنَا لَأَنزَلَ مَلَائِكَةً فَإِنَّا بِمَا أُرْسِلْتُم بِهِ كَافِرُونَ (14)).
وهكذا يقابل الكفر والتكذيب والجحود دعوات الحق المرسلة من الحق -تعالى- على أيدي أنبيائه ورسله من قِبَل الذين سبقت عليهم الشقاوة؛ فهم الأشقياء في الأزل -والعياذ بالله تعالى-، يكذبون الرسل ويكفرون بما أنزل الله. والحمد لله على نعمة الإسلام والإيمان، اللهم زدنا إيمانًا بوحيك ورسولك وما جاء به عنك.
يقول: (قَالُوا لَوْ شَاءَ رَبُّنَا لَأَنزَلَ مَلَائِكَةً)، وهذا أيضًا نوع من الهوى وإرادة التحكم بمجرد الاستحسان أو الشهوة أو دافع النفس والهوى؛ كأنهم يريدون أن يُعَلِّموا الخالق الإله مَن تُرسل وكيف تُرسل، وهو (أَعْلَمُ حَيْثُ يَجْعَلُ رِسَالَتَهُ) [الأنعام:124].
فقولهم: (لَوْ شَاءَ رَبُّنَا لَأَنزَلَ مَلَائِكَةً) نوعٌ من التطاول والتعالي والتملُّص والتكبُّر، وأن يفرضوا من عند أنفسهم كيفية الرسالة، وإنما الحق يرسل و(يَصْطَفِي مِنَ الْمَلَائِكَةِ رُسُلًا وَمِنَ النَّاسِ) [الحج:75].
وهكذا كثيرًا عندما يُواجَه بشيء من الحق أيُّ جَحود أو متكبِّر يقترح اقتراحات من عنده، يقول: لماذا لا يكون كذا؟ ولماذا لا يكون كذا؟ وليش ما يكون كذا؟ وهل الأمر تحت قهرك وتصرفك أنت؟! أنت عبد مخلوق! فقل: لِمَ كانت السماء فوق؟ ولِمَ كانت تحت الأرض؟ قل؛ هل هذا إليك؟! هو الذي رفع السماء وهو الذي بسط لك الأرض ومهّدها -جل جلاله-، وله الأمر وله الحكم وهو الذي أرسل الرسل.
(قَالُوا لَوْ شَاءَ رَبُّنَا لَأَنزَلَ مَلَائِكَةً)، وهكذا قال حتى أصحاب من هذه الأمة كفار هذه الأمة لنبينا محمد ﷺ: (وَمَا مَنَعَ النَّاسَ أَن يُؤْمِنُوا إِذْ جَاءَهُمُ الْهُدَىٰ إِلَّا أَن قَالُوا أَبَعَثَ اللَّهُ بَشَرًا رَّسُولًا * قُل لَّوْ كَانَ فِي الْأَرْضِ مَلَائِكَةٌ يَمْشُونَ مُطْمَئِنِّينَ لَنَزَّلْنَا عَلَيْهِم مِّنَ السَّمَاءِ مَلَكًا رَّسُولًا) [الإسراء:94-95]. ما أرسلنا قبلك إلا بشرًا، فالرسل كلهم إلى الخلق من المكلفين من الإنس والجن بشر، أولهم آدم وخاتمهم نبينا محمد صلى الله عليه وعلى آله وصحبه وسلم.
قال أولئك الكفرة: (فَإِنَّا بِمَا أُرْسِلْتُم بِهِ كَافِرُونَ (14))، وهو نفس لسان المعتدين المعاندين في زماننا، يقولون: إنّا بما أُرسِلَ به محمد كافرون. والأدلة أمامكم والحجج قائمة والبرهان واضح؛ ولكنهم عبدوا أصنام الشهوات والأهواء ومحبة السلطة والاستئثار بشيء من مُتَع الأرض والحياة، فقالوا: إنّا بما أُرسِلَ به كافرون -والعياذ بالله تبارك وتعالى-. فهذا لسان الكفر في مختلف الأزمان، لسان الكفر واحد، (كَذَٰلِكَ قَالَ الَّذِينَ مِن قَبْلِهِم مِّثْلَ قَوْلِهِمْ ۘ تَشَابَهَتْ قُلُوبُهُمْ) [البقرة:118].
قال سبحانه وتعالى: (فَأَمَّا عَادٌ) قوم النبي هود (فَاسْتَكْبَرُوا فِي الْأَرْضِ بِغَيْرِ الْحَقِّ) استكبروا بما آتيناهم من قوة ومتعة وبطش يستطيعون أن يبطشوا به، فتكبروا على التصديق بالنبي هود والاستسلام أنه رسول الله، وقالوا لَمَّا هدّدهم بالعذاب إذا لم يؤمنوا: نحن نستطيع دفع العذاب عنا بفضل قوتنا نحن أقوياء، هذا منطق المتكبرين في كل زمان.
(فَأَمَّا عَادٌ فَاسْتَكْبَرُوا فِي الْأَرْضِ بِغَيْرِ الْحَقِّ وَقَالُوا مَنْ أَشَدُّ مِنَّا قُوَّةً..(15))، وما تسمعون هذه النغمة عند كفار الزمان؟! (كَذَٰلِكَ قَالَ الَّذِينَ مِن قَبْلِهِم مِّثْلَ قَوْلِهِمْ ۘ تَشَابَهَتْ قُلُوبُهُمْ) [البقرة:118]، ولن ينتظر كفار زماننا إلا ما كان للكفار السابقين.
(وَقَالُوا مَنْ أَشَدُّ مِنَّا قُوَّةً) لمّا خوّفهم نبي الله هود بعذاب الله يأتيهم، قالوا: أي عذاب سيأتي؟ نحن بفضل قوتنا ندفع أي شيء، ما أحد يقدر علينا.
يقول الرحمن -جل جلاله-: (أَوَلَمْ يَرَوْا)، ويعلموا ويدركوا بما آتيناهم من أسماع وأبصار (أَنَّ اللَّهَ الَّذِي خَلَقَهُمْ) -وآتاهم كل هذا- (هُوَ أَشَدُّ مِنْهُمْ قُوَّةً) ما لهم ينصرفون عن الحقيقة الواضحة؟! أنتم الذين تدّعون القوة، توقنون أنكم كنتم عدمًا، ومَن الذي أوْجدكم؟ ومن الذي سخَّرَ لكم هذه القوى والأسباب وهذه الماديات، وحالهم كما قال سيدنا هود عليه السلام: (أَتَبْنُونَ بِكُلِّ رِيعٍ آيَةً تَعْبَثُونَ * وَتَتَّخِذُونَ مَصَانِعَ لَعَلَّكُمْ تَخْلُدُونَ * وَإِذَا بَطَشْتُم بَطَشْتُمْ جَبَّارِينَ) [الشعراء:128-130]. من أين لكم هذا كله؟ والذي أعطاكم هذا وكنتم عدمًا هو أقوى ولا أنتم؟ والذي رفع السماء من فوقكم ومهّد الأرض لكم هو أقوى ولا أنتم؟ ما لكم؟ (أَوَلَمْ يَرَوْا أَنَّ اللَّهَ الَّذِي خَلَقَهُمْ هُوَ أَشَدُّ مِنْهُمْ قُوَّةً).
قال: (وَكَانُوا بِآيَاتِنَا) الدلالات الواضحة التي جاء بها النبي هود (يَجْحَدُونَ (15)) يكذبّون ويردّون ويعاندون؛ حتى جاءت النتيجة والغاية والعاقبة كما فعل الله بمن قبلهم من قوم نوح وقوم إدريس، وكما فعل بمن بعدهم، تجلت (سُنَّتَ اللَّهِ الَّتِي قَدْ خَلَتْ فِي عِبَادِهِ) [غافر:85]، (وَلَن تَجِدَ لِسُنَّةِ اللَّهِ تَبْدِيلًا) [الأحزاب:62].
يقول: (فَأَرْسَلْنَا عَلَيْهِمْ رِيحًا صَرْصَرًا) وأقبلت سُحُب ويطوي الله لها الريح (فَلَمَّا رَأَوْهُ عَارِضًا مُّسْتَقْبِلَ أَوْدِيَتِهِمْ قَالُوا هَٰذَا عَارِضٌ مُّمْطِرُنَا)، قال النبي هود: (بَلْ هُوَ مَا اسْتَعْجَلْتُم بِهِ ۖ رِيحٌ فِيهَا عَذَابٌ أَلِيمٌ * تُدَمِّرُ كُلَّ شَيْءٍ بِأَمْرِ رَبِّهَا) [الأحقاف:24-25].
(فَأَرْسَلْنَا عَلَيْهِمْ رِيحًا صَرْصَرًا) صرصرًا: شديدة قوية ذات صوت، ثم هل كانت سمومًا ذات حرارة أو كانت شديدة البرودة تحرق بالبرودة؟
ومَن لمح من المفسرين في معنى (الصرصر):
- أنها من (الصِرّ) قالوا: باردة شديدة، كما في قوله: (كَمَثَلِ رِيحٍ فِيهَا صِرٌّ أَصَابَتْ حَرْثَ قَوْمٍ) [آل عمران:117]، أي: بردٌ شديد.
- وقال آخرون: بل كانت ذات سموم حارة شديدة.
(فَأَرْسَلْنَا عَلَيْهِمْ رِيحًا صَرْصَرًا) قويًّا عاتيًا ذات صوت، قوية شديدة، (فِي أَيَّامٍ نَّحِسَاتٍ) وفي قراءة: (نَّحْسَاتٍ)، فمَن أخذ بمفرد (نَحْس) قال: (نَحْسَات)، ومن أخذ بمفرد (نَحِس) قال: (نَحِسَات).
(فَأَرْسَلْنَا عَلَيْهِمْ رِيحًا صَرْصَرًا فِي أَيَّامٍ نَّحِسَاتٍ) يعني: مشؤومات، أيام نحس وشدة وبلاء، أيام شديدة بما فيها من السوء، (فِي أَيَّامٍ نَّحِسَاتٍ) سبع ليال وثمانية أيام، كما قال سبحانه في الآية الأخرى: (سَخَّرَهَا عَلَيْهِمْ سَبْعَ لَيَالٍ وَثَمَانِيَةَ أَيَّامٍ حُسُومًا) [الحاقة:7] حسومًا: متتابعة متوالية. وقد قيل في معنى نَحْساتٍ: متوالية، وهي أيضًا من النحس أي: مشؤومات وخِيمات قبيحات، (فِي أَيَّامٍ نَّحِسَاتٍ) عليهم.
فكانت تمر عليهم فتحملهم في الهواء، يضرب بعضهم بعضًا يصك بعضهم بعضًا ويسقطون وتُقلِّع ديارهم وأبنيتهم الضخمة التي بنوها وشيّدوها وأحكموا مبانيها وصكْصكتها؛ أسقطتها وقَلَّعت النخيل وصاروا هم بأجسامهم (كَأَنَّهُمْ أَعْجَازُ نَخْلٍ خَاوِيَةٍ) [الحاقة:7].
وتصل عند النبي هود ومن معه من المؤمنين لطيفة نسيم بارد طيبة تمر عليهم، لا إله إلا الله. كما أنزل الله المطر في ليلة بدر، ليلة الجمعة ليلة السابع عشر من رمضان:
- فكانت في مكان الكفار محل زلق وتعب.
- وكانت في أماكن المؤمنين محل تثبيت للأقدام، ثبتت أقدامهم وطهرتهم.
وهي مطر واحد، وهذه الريح على هؤلاء قوية وعلى أولئك خفيفة وطيبة؛ لأن الملك لواحد هو الله، لا الريح تملك ولا الأرض تملك ولا الصواعق تملك، هو الذي يملك -جل جلاله- (تَبَارَكَ الَّذِي بِيَدِهِ الْمُلْكُ وَهُوَ عَلَىٰ كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ) [الملك:1].
قال: (فَأَرْسَلْنَا عَلَيْهِمْ رِيحًا صَرْصَرًا فِي أَيَّامٍ نَّحِسَاتٍ لِّنُذِيقَهُمْ عَذَابَ الْخِزْيِ) الهون والذل (فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا) قبل الآخرة، وهكذا لا يتكبر المتكبر معاندًا للجبار الأعلى إلا وناله الذل والهوان في الدنيا قبل الآخرة، أما رأيت النمرود وما دخل فيه من الحشرة؟ حشرة! أما رأيت فرعون وما أُغرق في البحر؟ أما رأيت قوم عاد؟ (تَنزِعُ النَّاسَ) [القمر:20].
يقول تبارك وتعالى: (لِّنُذِيقَهُمْ عَذَابَ الْخِزْيِ فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا ۖ وَلَعَذَابُ الْآخِرَةِ أَخْزَىٰ) أشدُّ هُونًا وذِلّة وأشدُّ إيلامًا وتعبًا عذابُ الآخرة، اللهم أجرنا من عذاب الدنيا وعذاب الآخرة.
يقول: (وَلَعَذَابُ الْآخِرَةِ أَخْزَىٰ ۖ وَهُمْ لَا يُنصَرُونَ) لا يجدون نصيرًا؛ لأن الله لم ينصرهم، والمعنى: كل من اعتمد على شيء غير الله فلا نصير له كائنًا ما كان، لا نُصرة إلا لمن آمن بالله وصدق مع الله:
- (إِنَّا لَنَنصُرُ رُسُلَنَا وَالَّذِينَ آمَنُوا فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَيَوْمَ يَقُومُ الْأَشْهَادُ) [غافر:51].
- (وَمَا لِلظَّالِمِينَ مِنْ أَنصَارٍ) [آل عمران:192].
(وَهُمْ لَا يُنصَرُونَ) مهما تكبروا وبغوا وطغوا وقتلوا وسفكوا وحبسوا وآذَوا الناس في أوقات من الأوقات، فلا بد أن يُخزوا في الدنيا ثم الخزي الأكبر في الآخرة ولا نصير لهم، لا نصير لهم، من ينصرهم؟ (إِن يَنصُرْكُمُ اللَّهُ فَلَا غَالِبَ لَكُمْ ۖ وَإِن يَخْذُلْكُمْ فَمَن ذَا الَّذِي يَنصُرُكُم مِّن بَعْدِهِ) [آل عمران:160]، (وَمَا لِلظَّالِمِينَ مِنْ أَنصَارٍ) [آل عمران:192].
المنصورون: محمد وآدم وشيث بن آدم وإدريس ونوح وهود وصالح وإبراهيم وإسماعيل وإسحاق ويعقوب؛ هؤلاء المنصورون، هؤلاء المنصورون، هؤلاء نصرةُ الله معهم، ومن تبعهم وآمن بهم، وجميع الأنبياء إلى خاتمهم الذي خاطبه الخالق العلي بقوله: (إِنَّا فَتَحْنَا لَكَ فَتْحًا مُّبِينًا * لِّيَغْفِرَ لَكَ اللَّهُ مَا تَقَدَّمَ مِن ذَنبِكَ وَمَا تَأَخَّرَ وَيُتِمَّ نِعْمَتَهُ عَلَيْكَ وَيَهْدِيَكَ صِرَاطًا مُّسْتَقِيمًا * وَيَنصُرَكَ اللَّهُ نَصْرًا عَزِيزًا) [الفتح:1-3].
- وكل ما يلاقيه الصادقون من أتباعه من عجائب النصر في الدنيا قبل الآخرة من آثار نصر الله لمحمد ﷺ.
- والمجامع التي تُعقد في اتباعه وعلى تأمل وحيه الذي أُوحيَ إليه من مظاهر نصر الله له، على رغم أنوف من كذّب وكفر سابقًا وحديثًا، (وَيَنصُرَكَ اللَّهُ نَصْرًا عَزِيزًا) [الفتح:3].
- ولا يكاد دولة من دول العالم إلا وذِكر محمد فيها، وفيها من يقول أشهد أن لا إله إلا الله وأشهد أن سيدنا محمدًا رسول الله، ثم يعمّ ذلك كل بيت من بيوت الأرض، يا ربِّ صلِّ على الناصر المنصور سيدنا محمد، وانصرنا بنصرك العزيز المؤزر.
قال: (وَهُمْ لَا يُنصَرُونَ) من الناصر لقوم عاد؟ من الناصر لثمود؟ من ناصر قوم نوح؟ من ناصر النمرود؟ من ناصر لفرعون؟ لا أحد ناصر للكفار والفجار، ولا ناصر لكل ظالم وكافر وفاجر ما لهم من ناصرين؛ لأن الناصر واحد وهو الله، ينصر من يشاء ويخذل من يشاء: (قُلِ اللَّهُمَّ مَالِكَ الْمُلْكِ تُؤْتِي الْمُلْكَ مَن تَشَاءُ وَتَنزِعُ الْمُلْكَ مِمَّن تَشَاءُ وَتُعِزُّ مَن تَشَاءُ وَتُذِلُّ مَن تَشَاءُ ۖ بِيَدِكَ الْخَيْرُ ۖ إِنَّكَ عَلَىٰ كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ) [آل عمران:26].
(وَأَمَّا ثَمُودُ) -قوم النبي صالح- (فَهَدَيْنَاهُمْ) أي: دعوناهم ودللناهم وبيّنا الطريق لهم. هديناهم بواسطة النبي صالح وحذرهم من عبادة غير الله، وأمرهم بتوحيد الله والإيمان به وطاعته وتنفيذ أمره؛ وأن ذلك سبب سعادتهم في الدارين. هديناهم أي: بيّنا لهم ودللناهم على الخير ووضّحنا لهم الطريق.
(فَاسْتَحَبُّوا الْعَمَىٰ عَلَى الْهُدَىٰ)، استحبوا العمى على الهدى! يعني: زينت لهم نفوسهم العمى والضلال والجهل، وهكذا أرباب الانحراف (كَذَٰلِكَ زَيَّنَّا لِكُلِّ أُمَّةٍ عَمَلَهُمْ) [الأنعام:108]، (أَفَمَن زُيِّنَ لَهُ سُوءُ عَمَلِهِ فَرَآهُ حَسَنًا) [فاطر:8]. استحبوا العمى على الهدى، فضّلوه وقدَّروهُ وقدّموه على الهدى، وقالوا هذا هو الأحسن وهذا هو الأفضل، وهو عمى، كما هو الحال فيمن يستحب العمى على الهدى، ينشرون الفساد ويضلوا ويقولون: تقدّم وحرية وتطور، عمى! أتستحب العمى على الهدى؟! (أَفَمَن زُيِّنَ لَهُ سُوءُ عَمَلِهِ فَرَآهُ حَسَنًا) [فاطر:8]، (أَفَرَأَيْتَ مَنِ اتَّخَذَ إِلَٰهَهُ هَوَاهُ وَأَضَلَّهُ اللَّهُ عَلَىٰ عِلْمٍ وَخَتَمَ عَلَىٰ سَمْعِهِ وَقَلْبِهِ وَجَعَلَ عَلَىٰ بَصَرِهِ غِشَاوَةً فَمَن يَهْدِيهِ مِن بَعْدِ اللَّهِ) [الجاثية:23].
(فَاسْتَحَبُّوا الْعَمَىٰ عَلَى الْهُدَىٰ..(17)) إذًا فموازين الاستحباب والاستحسان عند الخَلق باطلةٌ إلا أن تقوم على ميزان الحق، وإلا فما تستحسنه النفوس إذا لم تُهَذَّب وتطمئن وتتنوّر بنور الله، فإنما تستحسن ما يَضُر وما يُفسِد وما يَقطَع وما يُبعِد وما يكون عاقبته الشر والمحذورات، هكذا النفوس؛ ولذا رتب الله الفلاح والفوز على مجاهدتها ومخالفتها:
- (وَأَمَّا مَنْ خَافَ مَقَامَ رَبِّهِ وَنَهَى النَّفْسَ عَنِ الْهَوَىٰ * فَإِنَّ الْجَنَّةَ هِيَ الْمَأْوَىٰ) [النازعات:40-41].
- (وَنَفْسٍ وَمَا سَوَّاهَا * فَأَلْهَمَهَا فُجُورَهَا وَتَقْوَاهَا * قَدْ أَفْلَحَ مَن زَكَّاهَا * وَقَدْ خَابَ مَن دَسَّاهَا) [الشمس:7-10].
ومن دون هذه التزكية لا يحصل حقيقةُ فلاحٍ ولا نجاحٍ ولا فوزٍ للبشر على ظهر الأرض ولا للجن، مهما طلبوه بأي أسلوب وبأي وسيلة لن يحصل لهم الفوزُ والنجاحُ إلا بنور الله، إلا أن يخالفوا الأهواء، إلا أن يَقهَروا النفوس الأمّارة، وأما مِن دون ذلك فقَدْ (خَابَ مَن دَسَّاهَا) لهم الخيبة، ما يُحَصِّلون غير الخيبة بحضاراتهم وبأنظمتهم يعملون ما يعملون والنهاية خيبة، والنهاية هلاك وضُر، وكما ترون أشائر ذلك في كل الأدعياء على ظهر الأرض، والحق عند الحق ومِن الحق.
- (قُلْ إِنَّ الْهُدَىٰ هُدَى اللَّهِ) [آل عمران:73].
- (قُلْ إِنَّ هُدَى اللَّهِ هُوَ الْهُدَىٰ) [البقرة:120].
- (قُلْ أَأَنتُمْ أَعْلَمُ أَمِ اللَّهُ) [البقرة:140].
- (أَفَحُكْمَ الْجَاهِلِيَّةِ يَبْغُونَ ۚ وَمَنْ أَحْسَنُ مِنَ اللَّهِ حُكْمًا لِّقَوْمٍ يُوقِنُونَ) [المائدة:50].
- (أَلَيْسَ اللَّهُ بِأَحْكَمِ الْحَاكِمِينَ) [التين:8]؛ بلى ونحن على ذلك من الشاهدين.
(فَاسْتَحَبُّوا الْعَمَىٰ عَلَى الْهُدَىٰ) فكانت النتيجة أيضًا: (فَأَخَذَتْهُمْ صَاعِقَةُ) والصاعقة: كُل مُهلِك، كل مُؤَدٍ للهلاك صاعقة. (فَأَخَذَتْهُمْ صَاعِقَةُ الْعَذَابِ الْهُونِ) أي: عذاب الإهانة والذل والخزي (فَأَخَذَتْهُمْ صَاعِقَةُ الْعَذَابِ الْهُونِ بِمَا كَانُوا يَكْسِبُونَ(17)) مِن الذنوب والتطاول على الأنبياء والتطاول على النبي صالح حتى في الأخير انتهكوا حُرمَة ما حذّرهم منه مِن مَسّ الدابة -الناقة- التي أخرجها الله لهم آية من الآيات وما آمنوا، وبَقِيَت عندهم، (لَّهَا شِرْبٌ وَلَكُمْ شِرْبُ يَوْمٍ مَّعْلُومٍ * وَلَا تَمَسُّوهَا بِسُوءٍ فَيَأْخُذَكُمْ عَذَابُ يَوْمٍ عَظِيمٍ * فَعَقَرُوهَا) [الشعراء:155-157]، عَقَروها وكذبوا بالنبي صالح وآذوه و آخر شيء، خرج قُدار هذا وحَمَل المُدية وعقر الناقة لِنبي الله صالح.
فلما عقروها قال:
- (تَمَتَّعُوا فِي دَارِكُمْ ثَلَاثَةَ أَيَّامٍ ۖ ذَٰلِكَ وَعْدٌ غَيْرُ مَكْذُوبٍ)، وبدأت في الأيام الثلاثة تتغير ألوانهم، وفي اليوم الثالث جاءت الصاعقة ولم يبقَ منهم أحد.
- (فَلَمَّا جَاءَ أَمْرُنَا)، يقول سبحانه وتعالى (فَلَمَّا جَاءَ أَمْرُنَا نَجَّيْنَا صَالِحًا وَالَّذِينَ آمَنُوا مَعَهُ بِرَحْمَةٍ مِّنَّا وَمِنْ خِزْيِ يَوْمِئِذٍ ۗ إِنَّ رَبَّكَ هُوَ الْقَوِيُّ الْعَزِيزُ * وَأَخَذَ الَّذِينَ ظَلَمُوا الصَّيْحَةُ فَأَصْبَحُوا فِي دِيَارِهِمْ جَاثِمِينَ * كَأَن لَّمْ يَغْنَوْا فِيهَا)، كأنهم لا عاشوا ولا باتوا ولا ظلوا، انتهوا نهائيًا، (فَلَمَّا جَاءَ أَمْرُنَا نَجَّيْنَا صَالِحًا وَالَّذِينَ آمَنُوا مَعَهُ بِرَحْمَةٍ مِّنَّا وَمِنْ خِزْيِ يَوْمِئِذٍ)، وبقي الخزي على الكفار، (إِنَّ رَبَّكَ هُوَ الْقَوِيُّ الْعَزِيزُ * وَأَخَذَ الَّذِينَ ظَلَمُوا الصَّيْحَةُ فَأَصْبَحُوا فِي دِيَارِهِمْ جَاثِمِينَ * كَأَن لَّمْ يَغْنَوْا فِيهَا ۗ أَلَا إِنَّ ثَمُودَ كَفَرُوا رَبَّهُمْ ۗ أَلَا بُعْدًا لِّثَمُودَ) [هود:65-68].
(فَأَخَذَتْهُمْ صَاعِقَةُ الْعَذَابِ الْهُونِ بِمَا كَانُوا يَكْسِبُونَ (17)) لا إله إلا الله، (وَنَجَّيْنَا الَّذِينَ آمَنُوا) صالح ومَن معه من المؤمنين الثابتين، (وَكَانُوا يَتَّقُونَ (18)) اتقوا عذابنا بالإيمان، اتقوا عذابنا بالطاعة لنا والانقياد لنبينا صالح، فاتقوا الله فوقاهم العذاب.
وينتهي الخِزي الأكبر لكل من أراد الله أن يُخزِيه بدخول النار، هذه النهاية نهاية الخزي ولا فوق هذا خزي: (رَبَّنَا إِنَّكَ مَن تُدْخِلِ النَّارَ فَقَدْ أَخْزَيْتَهُ ۖ وَمَا لِلظَّالِمِينَ مِنْ أَنصَارٍ) [آل عمران:192]، (وَلَا تُخْزِنَا يَوْمَ الْقِيَامَةِ ۗ إِنَّكَ لَا تُخْلِفُ الْمِيعَادَ) [آل عمران:194]، ولا تُخزِنا يوم القيامة، اللهم لا تُخزِنا يوم القيامة، لا تُخزِنا في الدنيا ولا يوم القيامة.
قال: (وَنَجَّيْنَا الَّذِينَ آمَنُوا وَكَانُوا يَتَّقُونَ)؛ فبالإيمان والتقوى تحصل النجاة في الدنيا وفي العُقبى، ويندفع الخِزي الحقيقي عن كل من آمن واتقى، لا يُمكن أن يُخزى أبدًا "فإنه لا يَذِلُ مَن واليت ولا يَعِزُ مَن عاديت"، (وَمَن يُهِنِ اللَّهُ فَمَا لَهُ مِن مُّكْرِمٍ) [الحج:18]، ومن أعزّه الله ما يقدر أحد يُهينه، هم الأعِزاء، والهون واقع على من يُهينهم أو يستخف بهم وعليهم تحل المَثُلات -والعياذ بالله تبارك وتعالى-.
اللهم اجعلنا من الذين آمنوا والذين اتقوا برحمتك يا أرحم الراحمين، (وَنَجَّيْنَا الَّذِينَ آمَنُوا وَكَانُوا يَتَّقُونَ)، (إِنَّ اللَّهَ مَعَ الَّذِينَ اتَّقَوا وَّالَّذِينَ هُم مُّحْسِنُونَ) [النحل:128].
اللهم اجعلنا منهم، وارزقنا الاعتبار والادّكار، وافتح لنا بابًا واسعًا وفتحًا مبينًا في تدبر القرآن، وفي العمل بما في القرأن، وفي فهم الخطاب منك يا رب الأرباب، يا متكرم علينا بالخطاب على لسان سيد الأحباب، أتمم النعمة علينا يا مولانا بفتح أبواب الفَهم في كتابك والوعي لخطابك والدخول في دائرة سيد أحبابك، اللهم خَلِّقنا بأخلاقه وأدِّبنا بآدابه، وسِر بنا في دَربه، واجعلنا من حِزبه، وادفع به عنا الآفات وعن أمته، واجعلنا في خيار أمته، اجعل كُلًّا منا في أنفع أمته لأمته، وأبرك أمته على أمته، وانفعنا بأمته عامة وبخاصتهم خاصة بمحض فضلك.
بسر الفاتحة
إلى حضرة النبي محمد، اللهم صلِّ وسلم وبارك عليه وعلى آله وصحبه
الفاتحة
05 رَمضان 1447