تفسير سورة فصلت - 3 - من قوله تعالى {قل أئنكم لتكفرون بالذي خلق الأرض في يومين وتجعلون له أندادا ..} الآية 9 إلى الآية 14

للاستماع إلى الدرس

الدرس الثالث من تفسير العلامة عمر بن محمد بن حفيظ للآيات الكريمة من سورة فصلت، ضمن الدروس الصباحية لشهر رمضان المبارك من عام 1447هـ ، تفسير قوله تعالى:

قُلْ أَئِنَّكُمْ لَتَكْفُرُونَ بِالَّذِي خَلَقَ الْأَرْضَ فِي يَوْمَيْنِ وَتَجْعَلُونَ لَهُ أَندَادًا ۚ ذَٰلِكَ رَبُّ الْعَالَمِينَ (9) وَجَعَلَ فِيهَا رَوَاسِيَ مِن فَوْقِهَا وَبَارَكَ فِيهَا وَقَدَّرَ فِيهَا أَقْوَاتَهَا فِي أَرْبَعَةِ أَيَّامٍ سَوَاءً لِّلسَّائِلِينَ (10) ثُمَّ اسْتَوَىٰ إِلَى السَّمَاءِ وَهِيَ دُخَانٌ فَقَالَ لَهَا وَلِلْأَرْضِ ائْتِيَا طَوْعًا أَوْ كَرْهًا قَالَتَا أَتَيْنَا طَائِعِينَ (11) فَقَضَاهُنَّ سَبْعَ سَمَاوَاتٍ فِي يَوْمَيْنِ وَأَوْحَىٰ فِي كُلِّ سَمَاءٍ أَمْرَهَا ۚ وَزَيَّنَّا السَّمَاءَ الدُّنْيَا بِمَصَابِيحَ وَحِفْظًا ۚ ذَٰلِكَ تَقْدِيرُ الْعَزِيزِ الْعَلِيمِ (12) فَإِنْ أَعْرَضُوا فَقُلْ أَنذَرْتُكُمْ صَاعِقَةً مِّثْلَ صَاعِقَةِ عَادٍ وَثَمُودَ (13) إِذْ جَاءَتْهُمُ الرُّسُلُ مِن بَيْنِ أَيْدِيهِمْ وَمِنْ خَلْفِهِمْ أَلَّا تَعْبُدُوا إِلَّا اللَّهَ ۖ قَالُوا لَوْ شَاءَ رَبُّنَا لَأَنزَلَ مَلَائِكَةً فَإِنَّا بِمَا أُرْسِلْتُم بِهِ كَافِرُونَ (14)

صباح الجمعة 3 رمضان 1447 هجري.

 

نص الدرس مكتوب:

 

الحمد لله مُوالي النِّعَم والمِنَن في الظواهر والخفيات، ونشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له ربُّ الأرَضين والسماوات، مكوّنهما -سبحانه وتعالى- بقدرته وإرادته التي حيّرت جميع الأذهان وعقول من في الأرض ومن في السماوات، ونشهد أن سيدنا محمدًا عبده ورسوله، أكرمَ مَن بيَّن الآيات، وأوضحَ المُهِمَّات، صلى الله وسلم وبارك عليه وعلى آله وصحبه أفضل الصلوات والتسليمات، وعلى من والاهم واتّبعهم في الظواهر والخفيّات، وعلى آبائه وإخوانه من الأنبياء والمرسلين رافعي القدر والمقامات، وعلى آلهم وصحبهم وتابعيهم، وعلى ملائكة الله المقرَّبين وجميع عباد الله الصالحين والصالحات، وعلينا معهم وفيهم، إنه أكرم الأكرمين وأرحم الراحمين واسع الهِبَات جزيل العطيات.

أمَّا بعد،،،

فإنّنا في نعمة تدبّرنا وتأمّلنا لكلام إلهنا خالق كل شيء -جلَّ جلاله وتعالى في علاه-، وصلنا في سورة فُصِّلَت إلى قوله جلَّ جلاله: (قُلْ أَئِنَّكُمْ لَتَكْفُرُونَ بِالَّذِي خَلَقَ الْأَرْضَ فِي يَوْمَيْنِ وَتَجْعَلُونَ لَهُ أَندَادًا ۚ ذَٰلِكَ رَبُّ الْعَالَمِينَ (9) وَجَعَلَ فِيهَا رَوَاسِيَ مِن فَوْقِهَا وَبَارَكَ فِيهَا وَقَدَّرَ فِيهَا أَقْوَاتَهَا فِي أَرْبَعَةِ أَيَّامٍ سَوَاءً لِّلسَّائِلِينَ(10)) يُبيّن الحقُّ -جلَّ جلاله- حالة الكفار والمشركين والمكذبين للرسل؛ أنّهم في هذا الانحطاط وفي هذا المأزق وفي هذا الهبوط. (قُلْ أَئِنَّكُمْ لَتَكْفُرُونَ بِالَّذِي خَلَقَ الْأَرْضَ فِي يَوْمَيْنِ وَتَجْعَلُونَ لَهُ أَندَادًا) ولم يخلق معه أحدٌ غيرُه، فمن أين جاء النِّد؟ ومن أين جاء المِثْل والنظير والكُفؤ؟ (وَلَمْ يَكُن لَّهُ كُفُوًا أَحَدٌ) [الإخلاص:4].

تعيشون على أرضٍ هو الذي خلقها ومهّدها لكم تمهيدًا، ثم تكفرون به وتشركون معه؟! وجميع من على ظهر الأرض من الكفار يعيشون على الأرض التي حُفِظت أن تَمِيدَ بهم، وسُخّرت لهم تسخيرًا، ومُلِئت بما يحتاجون إليه من المواد في جميع أغراض حياتهم، ثم يكفرون بالله؟! ما حالُهم هذا؟ ما هذا الحال الذي هم فيه؟ انحطاط، بلادة، غباوة، بلاهة، جهالة! تمشي على أرضٍ هيَّأها لك وزيّنها ومكَّنك فيها، وأمدَّك بما تحتاجه منها، ثم تجحد به! وتكفر به! وتُشرك به! وتُعرض عنه! من أنت؟! أين عقلك؟ أين استعمالك للسمع والبصر؟

(قُلْ أَئِنَّكُمْ لَتَكْفُرُونَ بِالَّذِي خَلَقَ الْأَرْضَ فِي يَوْمَيْنِ) فكوَّن الأرض في يومين، ثم جاء -سبحانه وتعالى- إلى تقدير أقواتِها، وجعل الرواسي والجبال فيها في يومين آخرين فكانت أربع أيام.

(قُلْ أَئِنَّكُمْ لَتَكْفُرُونَ بِالَّذِي خَلَقَ الْأَرْضَ فِي يَوْمَيْنِ وَتَجْعَلُونَ لَهُ أَندَادًا) تجعلون له أنظارًا وأمثالًا من الخلق الذين هم صُنعه وتكوينه -جلَّ جلاله-، كيف يكونوا أندادًا له؟! (وَمِنَ النَّاسِ مَن يَتَّخِذُ مِن دُونِ اللَّهِ أَندَادًا يُحِبُّونَهُمْ) تلك الأنداد (كَحُبِّ اللَّهِ) أي كحُبِّ الذين آمنوا بالله: 

  • فتجدهم من يعيشوا على ظهر الأرض سواءٌ استُعبِدوا لِمَا سمُّوه بالعلم أو الصناعة أو الشهوات، مغرمين بها ووراءها، يحبّونها ويُعَظِّمونها كأنّها الإله الذي خلقهم! عبيد المال، عبيد الجاه، عبيد الشهوات، عبيد السلطة؛ يُقَدِّسونها، يُعظِّمونها، يحبونها كأنّها آلهة خلقتهم! (يُحِبُّونَهُمْ كَحُبِّ اللَّهِ). 
  • لكن قال الله: أهل الحق من الذين أدركوا الحقيقة محبّتهم أقوى من هؤلاء مهما أحبّوا صناعتهم، ومهما أحبّوا سلطتهم، ومهما أحبّوا شهواتهم، ومهما أحبّوا ما سمَّوه عِلمًا. 

فالمؤمنون الصادقون محبّتهم لله أقوى: (وَالَّذِينَ آمَنُوا أَشَدُّ حُبًّا لِّلَّهِ) [البقرة:165] -اللهم اجعلنا من الذين آمنوا وزدنا محبّةً لك ومحبّةً منك يا ربنا-، قال تعالى: (فَسَوْفَ يَأْتِي اللَّهُ بِقَوْمٍ يُحِبُّهُمْ وَيُحِبُّونَهُ) [المائدة:54]، اللهمّ اجعلنا منهم.

قال: (قُلْ أَئِنَّكُمْ لَتَكْفُرُونَ بِالَّذِي خَلَقَ الْأَرْضَ فِي يَوْمَيْنِ وَتَجْعَلُونَ لَهُ أَندَادًا) مَن هذا الذي كفرتم به؟ 

  • (ذَٰلِكَ رَبُّ الْعَالَمِينَ) مكوِّن الإنس والجنّ والملائكة، ومالكهم ومدبّر أمورهم والمُتَصرّف فيهم..
    • ولا يمكن لإنسيٍّ ولا جنّيٍّ ولا مَلَك أن يُوجَد إلا بإيجاده، ولا أن يَعقِل إلا بما آتاه، ولا أن يعلَم شيئًا إلا ممّا علّمه ربّ العالمين. 
    • تكفرون بربّ العالمين؟! وحُجَّتُه باهرة، واضحة، بيِّنة، كلّ شيء يدلّ عليه.
  • (ذَٰلِكَ رَبُّ الْعَالَمِينَ) مكوّن الإنس والجنّ والملائكة، ومربّيهم وخالقهم وصانعهم ومدبّر أمورهم -جلّ جلاله وتعالى في علاه-.

(وَجَعَلَ فِيهَا) يعني في الأرض، (رَوَاسِيَ) جبالًا وأطوادًا شامخة.

(رَوَاسِيَ مِن فَوْقِهَا) أبرزها لكم لمنافع لكم في هذه الجبال، غير مجرّد توطيد الأرض، وطَّدها لكم بالجبال التي أرساها فوق الأرض فرَسَت، ولكم فيها منافع أُخَر وفوائد كثيرة فجعلها فوق الأرض، ولو شاء لجعلها تحت وفي باطنها؛ حتى يوطِّدها بها وما يظهر عليكم شيء من شؤون الجبال إلا بالحفر والتنقيب، ولكن أبرزها لكم وجعلها فوقها، الأرض تحتاج من يمسكها، والجبال أثقال فوق الثقل تحتاج من يمسكه (إِنَّ اللَّهَ يُمْسِكُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ أَن تَزُولَا) -جلَّ جلاله- فلا الأرض تمسك نفسها ولا الجبال فوق الأرض، كيف تُمسِك نفسها؟ والأرض التي تحتها ما تقدر تمسك نفسها؟ لا إله إلا الله، (وَلَئِن زَالَتَا إِنْ أَمْسَكَهُمَا مِنْ أَحَدٍ مِّن بَعْدِهِ) [فاطر:41]، أي: ما أمسكهما أحد من بعده، لا إله إلا هو.

(وَجَعَلَ فِيهَا رَوَاسِيَ) جبالًا شامخات قويّة (مِن فَوْقِهَا وَبَارَكَ فِيهَا).

  • (وَبَارَكَ فِيهَا) في هذه الأرض فحشاها بكل ما يحتاجه الناس وأنعامهم إلى أن تقوم الساعة، بارك في هذه الأرض -جلَّ جلاله- وجعل فيها أنواعًا من النباتات ومن الزيوت ومن الغازات ومن النّفط ومن الذهب ومن الفضّة إلى غير ذلك، كل ما يحتاجونه في شؤونهم وأحوالهم إلى أن تقوم الساعة.
  • (بَارَكَ فِيهَا) جعل فيها مكان بيته الحرام المشرّف، ومسجد نبيه، والمسجد الأقصى، وجعل فيها مساجد وجعل فيها معابد وجعل فيها…
  • (بَارَكَ فِيهَا) جلّ جلاله وتعالى في علاه، وجعل فيما تُخرجه أدويةً وشفاءً من أنواع العلل والأمراض، وجعل فيها التغذية التي تحتاجها الناس في استقامة أبدانهم طول حياتهم.
  • (بَارَكَ فِيهَا) وجعل بعضها أبرك من بعض، وجعل بعض ثمارها أبرك من بعض، كشجرة الزيتونة المباركة، إلى غير ذلك من أنواع البركة.
  • (وَبَارَكَ فِيهَا) جعل فيها قبور أنبيائه، وجعل أجسادهم المشرًَفة المكرَّمة أكرم أجسادٍ خلقها الخلَّاق في بطن هذه الأرض.

(وَبَارَكَ فِيهَا وَقَدَّرَ فِيهَا أَقْوَاتَهَا) ما يحتاجه مِن قوتِ مَنْ يعيش عليها، ومَنْ سيُنشئهم عليها مِن الإنس والجنّ والدوابّ والحيوانات، في كلّ بلاد مُقَدَّر كلّ ما يحتاج إليها من سيعيش عليها من إنس وجنّ ودوابّ وأنعام (مَّتَاعًا لَّكُمْ وَلِأَنْعَامِكُمْ) [عبس:32] كما قال -جلَّ جلاله وتعالى في علاه-: (أَأَنتُمْ أَشَدُّ خَلْقًا أَمِ السَّمَاءُ ۚ بَنَاهَا * رَفَعَ سَمْكَهَا فَسَوَّاهَا * وَأَغْطَشَ لَيْلَهَا وَأَخْرَجَ ضُحَاهَا * وَالْأَرْضَ بَعْدَ ذَٰلِكَ دَحَاهَا * أَخْرَجَ مِنْهَا مَاءَهَا وَمَرْعَاهَا * وَالْجِبَالَ أَرْسَاهَا * مَتَاعًا لَّكُمْ وَلِأَنْعَامِكُمْ) [النازعات:27-33].

(وَقَدَّرَ فِيهَا أَقْوَاتَهَا) -جلَّ جلاله- (فَلْيَنظُرِ الْإِنسَانُ إِلَىٰ طَعَامِهِ * أَنَّا صَبَبْنَا الْمَاءَ صَبًّا * ثُمَّ شَقَقْنَا الْأَرْضَ شَقًّا * فَأَنبَتْنَا فِيهَا حَبًّا * وَعِنَبًا وَقَضْبًا * وَزَيْتُونًا وَنَخْلًا * وَحَدَائِقَ غُلْبًا * وَفَاكِهَةً وَأَبًّا * مَّتَاعًا لَّكُمْ وَلِأَنْعَامِكُمْ) [عبس:24-32]، أنتم وما تحتاجون من الأنعام والحيوانات التي تعيش معكم على ظهر الأرض قدَّرنا أقواتها فيها، فخذوا ممّا رزقناكم.

(وَقَدَّرَ فِيهَا أَقْوَاتَهَا) وجعل في هذه الأرض أنواعًا من القوت هي أنسب وأجمل لمن يعيش على تلك البقعة، وأنواع أخرى في البقعة الثانية هي أجمل وأنسب لحياتهم ولصحتهم، وجعل بعض الأنواع مع صلاحها للجميع عند البعض، والآخر عند البعض الآخر؛ ليستفيد هذا من هذا، وهذا من هذا، ويتّجر هذا من هذا وهذا من هذا، ويُوْرِد هذا إلى هذا ويُصَدّر هذا إلى هذا.

(وَقَدَّرَ) يعني ما هو أنتم الذين وضعتم قوانين التجارة ولا شؤون المسَار في هذه الحياة بهذا الترتيب، لا هيئة ولا حزب ولا جماعة ولا مُلك ولا حكومة، أنا، الله قدّر ورتّب هذا كله، وأنتم تمشون فيما قدَّر ورتّب، وبعد ذلك تُنكرون وتجحدون وتعاندون وتكذبون وتكفرون!.

(قُلْ أَئِنَّكُمْ لَتَكْفُرُونَ بِالَّذِي خَلَقَ الْأَرْضَ فِي يَوْمَيْنِ وَتَجْعَلُونَ لَهُ أَندَادًا ۚ ذَٰلِكَ رَبُّ الْعَالَمِينَ (9) وَجَعَلَ فِيهَا رَوَاسِيَ مِن فَوْقِهَا وَبَارَكَ فِيهَا وَقَدَّرَ فِيهَا أَقْوَاتَهَا فِي أَرْبَعَةِ أَيَّامٍ): 

  • خلق الأرض وحدها من دون الجبال وتقدير الأقوات في يومين. 
  • وخلق الأرض وجعل فيها الرواسي وبارك فيها وقدَّر فيها أقواتها في أربعة أيام. 
  • فصار يومين فوق اليومين أربعة أيام.

وجاء في بعض الأخبار أنَّ ذلك بعدما خلق الله أيام الأسبوع، فجعل الخلق في الأحد والإثنين للأرض، وجعل للجبال الرواسي وتقدير الأوقات في وسط الأرض الثلاثاء والأربعاء (ثُمَّ اسْتَوَىٰ إِلَى السَّمَاءِ..(11)).

يقول: (فِي أَرْبَعَةِ أَيَّامٍ سَوَاءً) مستويةً، لا زائدَ ولا ناقص، بتقدير مُُقدِّر حكيم خبير عليم سميع بصير.

(سَوَاءً) وفي قراءة: (سَوَاءٌ)، وفي قراءة (سواءٍ)(فِي أَرْبَعَةِ أَيَّامٍ سَوَاءً) مستوية لا زائدة ولا ناقصة (لِّلسَّائِلِينَ) لمن أراد أن يسأل، لمن أراد أن يعلم الحقيقة في تكوين هذه الأرض وكيف كوّنها مكوّنها وبارئها ومُبدعها القوي المتين، هي هكذا.

(سَوَاءً لِّلسَّائِلِينَ) مَن أراد أن يسأل ويستفهم ويعرف، ولا طريق له إلّا أن يرجع إلى خبر المكوِّن الذي كوَّن كيف كوَّن، قال: هذا الخبر من عندي لا شيء غيره، وهي أربع (سَوَاءً لِّلسَّائِلِينَ) لا زيادة ولا نقص، كلام حَقٍّ من الحق -جلَّ جلاله- حمله حبيب الحقّ ورسول الحقّ ومأمون الحقّ صلّى الله عليه وآله وصحبه وسلَّم.

(سَوَاءً لِّلسَّائِلِينَ (10) ثُمَّ اسْتَوَىٰ إِلَى السَّمَاءِ وَهِيَ دُخَانٌ) دخان من أثر ما خلق على ظهر هذه الأرض من مياه وبحار وأنهار طلع منها هذا البخار صعد فصار الجوّ من فوق دخانًا.

(ثُمَّ اسْتَوَىٰ إِلَى السَّمَاءِ وَهِيَ دُخَانٌ فَقَالَ لَهَا وَلِلْأَرْضِ ائْتِيَا طَوْعًا أَوْ كَرْهًا..(11)) أوحى كما أوحى، أوحى سبحانه وتعالى إلى النحل، أوحى إلى الأرض، وفي القيامة يوحي إليها فتتحدّث وتتكلّم، قال تعالى: (إِذَا زُلْزِلَتِ الْأَرْضُ زِلْزَالَهَا * وَأَخْرَجَتِ الْأَرْضُ أَثْقَالَهَا * وَقَالَ الْإِنسَانُ مَا لَهَا * يَوْمَئِذٍ تُحَدِّثُ أَخْبَارَهَا * بِأَنَّ رَبَّكَ أَوْحَىٰ لَهَا) [الزلزلة:1-5].

(فَقالَ لَها وَلِلْأَرْضِ ائْتِيَا طَوْعًا أَوْ كَرْهًا)؛

  • (ائْتِيَا) افعلا ما آمركم به.
  • (ائْتِيَا) أعطيا ما أُكِنُّ فيكم وأجعل في ضمنكم من مرادات وأرزاق وخيرات.
  • (ائْتِيَا) أعطيا ما رتّبتُ أن يكون عبركم وفي ضمنكم.

(طَوْعًا) بانقيادٍ كامل في معرفة ربوبيّتي، (أَوْ كَرْهًا) سأجعل ذلك منكم خارجًا وإن أبيتم (قَالَتَا أَتَيْنَا طَائِعِينَ) أنت ربنا، فما قدرت السماوات والأرض أن تنكر عظمة الربّ ولا أن تخرج عن أمره، ويجيء هذا الآدمي ويجيء هذا الجنّي ويكفر ويكذب ويتطاول على الحق -تبارك وتعالى- ويستكبر ويخالف ويعاند! فبئس المصير مصيرهم، بئس المآل مآلهم -والعياذ بالله تبارك وتعالى-.

قال: (فَقَالَ لَهَا وَلِلْأَرْضِ ائْتِيَا طَوْعًا أَوْ كَرْهًا قَالَتَا أَتَيْنَا طَائِعِينَ(11)) قال سبحانه: (تُسَبِّحُ لَهُ السَّمَاوَاتُ السَّبْعُ وَالْأَرْضُ وَمَن فِيهِنَّ ۚ وَإِن مِّن شَيْءٍ إِلَّا يُسَبِّحُ بِحَمْدِهِ) [الإسراء:44].

(أَتَيْنَا) ما قالت: طائعتين، وإن نحن وما فينا وما بنا وكل شأننا طائعين، كل ذرة من ذراتنا تحت أمرك وقهرك وحكمك لا نستطيع الخروج عن أمرك.

(قَالَتَا أَتَيْنَا طَائِعِينَ (11) فَقَضَاهُنَّ) صنعهن وكوّنهن ورتّبهن (سَبْعَ سَمَاوَاتٍ فِي يَوْمَيْنِ..(12)) الخميس والجمعة.

(وَأَوْحَىٰ فِي كُلِّ سَمَاءٍ أَمْرَهَا) كما قدّر في الأرض أقواتها، أوحى في كل سماء أمرها؛ أنتِ أيتها السماء الأولى يكون فيكِ كذا، ويُخلَق فيكِ كذا، ويَحِل فيكِ كذا، ويَطْرأ عليكِ كذا، وتكونين كذا إلى وقت الأجل المعلوم، وأنتِ يا سماء الثانية يَحِلّ فيكِ من الملائكة كذا، ومن أرواح النبيّين كذا، ومن الشؤون كذا وكذا، ويجري فيكِ من العبادات كذا، ويتنزل عبركِ أمر كذا، وبابك في مكان كذا، والملَك البواب عليكِ فلان من الملائكة نخلقه.

(وَأَوْحَىٰ فِي كُلِّ سَمَاءٍ أَمْرَهَا) ما يختصّ بها من الشؤون؛ ما أراد أن يبرزه فيها ويكوّنه إلى أن تنشقّ السماوات في آخر الزمان، كل سماء أوحى فيها أمرها، كل ما سيكون فيها بالتفصيل بعد الإجمال إلى آخر الزمان.

(وَأَوْحَىٰ فِي كُلِّ سَمَاءٍ أَمْرَهَا) والثالثة والرابعة والخامسة والسادسة والسابعة، أوحى في كل سماء أمرها.

  • وجعل في السابعة من أمرها البيت المعمور، وجعل من أمرها أن يدخله كل يوم سبعون ألف ملك ثم يخرجون فلا يعودون إليه إلى يوم القيامة، ويدخل في كل يوم سبعون ألفًا آخرون. 
  • وجعل من أمر هذه السماوات أن يعرج إليها من الأحياء الذين على ظهر الأرض ممن يخلقهم من الآدميين واحد اسمه محمد. 
  • ومِن أمر كل سماء أن يستطرق بابها ويستفتح جبريل ومعه محمد، وأن يسلِّم على من فيها من الأنبياء، وأن يصل إلى البيت المعمور ويصلي بالملائكة والأنبياء.

(وَأَوْحَىٰ فِي كُلِّ سَمَاءٍ أَمْرَهَا) وجعل فوق ذلك سدرة المنتهى، وجعل فوق ذلك حُجبًا نورانية لا يستطيع عامة الملائكة اختراقها ولا الوصول إليها، وينتهي علمهم إلى سدرة المنتهى، وهناك ملائكة مخصوصون من فوق السدرة بهذه الحُجُب، سبعون ألفًا حجبًا من نور فوقها العرش الذي يحيط بهذه الكائنات كلها، والكرسي واللوح والقلم الذي يكتب بأمر الله كل ما أراد أن يخلقه ويكوّنه إلى يوم القيامة؛ مملكة عظيمة، شأن كبير، وكله من ذرات القدرة الإلهية لا يساوي عند قدرة الله شيء في عظمته وعجائب ما فيه لا يساوي عند قدرة الله شيء، الله أقدر والله أكبر من كل ذلك، لا إله إلا هو.

(فَقَضَاهُنَّ سَبْعَ سَمَاوَاتٍ فِي يَوْمَيْنِ وَأَوْحَىٰ فِي كُلِّ سَمَاءٍ أَمْرَهَا ۚ وَزَيَّنَّا السَّمَاءَ الدُّنْيَا..(12)) القريبة منكم يا أهل الأرض، (الدُّنْيَا) هي القريبة منكم يا أهل الأرض، أول واحدة فوق الأرض، (بِمَصَابِيحَ) جعلنا في هذه السماء يلوح بينكم وبينها شمس وقمر ونجوم وكواكب.

(وَزَيَّنَّا السَّمَاءَ الدُّنْيَا بِمَصَابِيحَ وَحِفْظًا) وجعلنا ذلك حفظًا لها من استراق الشياطين للسمع (إِلَّا مَنِ اسْتَرَقَ السَّمْعَ فَأَتْبَعَهُ شِهَابٌ مُّبِينٌ) [الحجر:18].

(ذَٰلِكَ) هذا النظام البديع والترتيب المُحكم الصنع القوي؛ (تَقْدِيرُ الْعَزِيزِ الْعَلِيمِ(12)).

(تَقْدِيرُ الْعَزِيزِ) في ملكه وقدرته، (الْعَلِيمِ) بخلقه وبكل شيء -جلَّ جلاله-.

(ذَٰلِكَ تَقْدِيرُ الْعَزِيزِ الْعَلِيمِ (12) فَإِنْ أَعْرَضُوا) هؤلاء المشركون، قل لهم جئتم بعد قرونٍ وقرونٍ وقرونٍ، وكان في القرون الماضية من تكبّر وكذّب الرسل فأهلكناهم، فماذا تنتظرون أنتم؟ أتظنون أنفسكم خارجون عن قدرتنا وعن تصرفنا؟

(فَإِنْ أَعْرَضُوا فَقُلْ أَنذَرْتُكُمْ صَاعِقَةً مِّثْلَ صَاعِقَةِ عَادٍ وَثَمُودَ (13)) وثمّ بيّن سبحانه وتعالى ماذا فعل بعاد وماذا فعل بثمود.

(إِذْ جَاءَتْهُمُ الرُّسُلُ مِن بَيْنِ أَيْدِيهِمْ..(14))؛ بين أيديهم قوم نوح وعاد وثمود؛ مَنْ أُرسِل من بعد آدم شيث بن آدم وإدريس، ومن بين شيث وإدريس، ومن بين إدريس إلى نوح، ومن نوح إلى هود وصالح، من بين أيديهم رسل.

(وَمِنْ خَلْفِهِمْ) من بعد عاد وثمود أرسل رسل سبحانه وتعالى كثيرًا إلى أن أرسل إبراهيم وإسماعيل وإسحاق ويعقوب بعد ذلك بقرون كثيرة، (وَعَادًا وَثَمُودَ وَأَصْحَابَ الرَّسِّ وَقُرُونًا بَيْنَ ذَٰلِكَ كَثِيرًا) [الفرقان:38]، فلا تعيثوا في أرض قد عاش عليها أمثالكم ألوف الألوف الألوف في قرون كثيرة جدًا مرت وكلهم فنوا، ولن تبقوا من بعدهم وستفنون كما فنوا، والموعد لقاء الأولين والآخرين في يوم القيامة، فلا تغتروا بشيء من في هذه الأرض ولا في السماء، وانظروا عظمة الصانع الذي صنع الأرض والسماء وأبقاها هذه المدة المعلومة إلى يوم الميقات المعلوم (قُلْ إِنَّ الْأَوَّلِينَ وَالْآخِرِينَ * لَمَجْمُوعُونَ إِلَىٰ مِيقَاتِ يَوْمٍ مَّعْلُومٍ) [الواقعة:49-50].

(أَنذَرْتُكُمْ صَاعِقَةً مِّثْلَ صَاعِقَةِ عَادٍ وَثَمُودَ (13) إِذْ جَاءَتْهُمُ الرُّسُلُ مِن بَيْنِ أَيْدِيهِمْ وَمِنْ خَلْفِهِمْ أَلَّا تَعْبُدُوا إِلَّا اللَّهَ..(14)) هذه دعوة الرسل جميعًا من عهد آدم إلى الخاتم نبينا محمد، نبينا محمد يقول: لا تعبدوا إلا الله، لا تعبدوا إلا الله، لا تعبدوا إلا الله، تَخَلَّصوا من عبادة أي مخلوق مثلكم؛ لا تعبدوا الأهواء، ولا تعبدوا الشهوات، ولا تعبدوا الناس، ولا تعبدوا الجن، ولا تعبدوا الملائكة، ولا تعبدوا الشمس، ولا تعبدوا القمر، ولا تعبدوا البقر، ولا تعبدوا الحيوانات، ولا تعبدوا الأحجار والأصنام، لا تعبدوا إلا الله فإنَّه وحده يستحق العبادة، هو الخالق وحده، هو المنشئ الفاطر الموجد وحده، هو الإله الحق وما سواه مألوه، لا تعبدوا إلا الله (أَفَرَأَيْتَ مَنِ اتَّخَذَ إِلَٰهَهُ هَوَاهُ وَأَضَلَّهُ اللَّهُ عَلَىٰ عِلْمٍ وَخَتَمَ عَلَىٰ سَمْعِهِ وَقَلْبِهِ وَجَعَلَ عَلَىٰ بَصَرِهِ غِشَاوَةً فَمَن يَهْدِيهِ مِن بَعْدِ اللَّهِ ۚ أَفَلَا تَذَكَّرُونَ) [الجاثية:23] -اللهم اهدنا فيمن هديت-.

(أَلَّا تَعْبُدُوا إِلَّا اللَّهَ ۖ قَالُوا) -هؤلاء- (لَوْ شَاءَ رَبُّنَا لَأَنزَلَ مَلَائِكَةً) وهل أنتم ملائكة حتى يُنزل عليكم ملائكة؟ (اللَّهُ يَصْطَفِي مِنَ الْمَلَائِكَةِ رُسُلًا وَمِنَ النَّاسِ) [الحج:75]، ويرسل الملائكة للملائكة ويرسل الناس إلى الناس، إنما يُنزل الملائكة على من يشاء من عباده، (يُنَزِّلُ الْمَلَائِكَةَ بِالرُّوحِ مِنْ أَمْرِهِ عَلَىٰ مَن يَشَاءُ مِنْ عِبَادِهِ أَنْ أَنذِرُوا أَنَّهُ لَا إِلَٰهَ إِلَّا أَنَا فَاتَّقُونِ) [النحل:2]؛ (لِيُنذِرَ يَوْمَ التَّلَاقِ) [غافر:15].

(قَالُوا لَوْ شَاءَ رَبُّنَا لَأَنزَلَ مَلَائِكَةً فَإِنَّا بِمَا أُرْسِلْتُم بِهِ كَافِرُونَ (14)) فذكر الحق ماذا صنع بهم وماذا كانت غايتهم، وهذه أمثلة يضربها لنا -جلَّ جلاله-؛ يقول سبحانه: (أَلَمْ يَأْتِكُمْ نَبَأُ الَّذِينَ مِن قَبْلِكُمْ قَوْمِ نُوحٍ وَعَادٍ وَثَمُودَ ۛ وَالَّذِينَ مِن بَعْدِهِمْ لَا يَعْلَمُهُمْ إِلَّا اللَّهُ ۚ جَاءَتْهُمْ رُسُلُهُم بِالْبَيِّنَاتِ فَرَدُّوا أَيْدِيَهُمْ فِي أَفْوَاهِهِمْ) -استهزؤوا وكذبوا- (وَقَالُوا إِنَّا كَفَرْنَا بِمَا أُرْسِلْتُم بِهِ وَإِنَّا لَفِي شَكٍّ مِّمَّا تَدْعُونَنَا إِلَيْهِ مُرِيبٍ * قَالَتْ رُسُلُهُمْ أَفِي اللَّهِ شَكٌّ) -مُوجدكم وخالقكم وخالق كل شيء من بين أيديكم- (أَفِي اللَّهِ شَكٌّ فَاطِرِ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ ۖ يَدْعُوكُمْ لِيَغْفِرَ لَكُم مِّن ذُنُوبِكُمْ وَيُؤَخِّرَكُمْ إِلَىٰ أَجَلٍ مُّسَمًّى ۚ قَالُوا إِنْ أَنتُمْ إِلَّا بَشَرٌ مِّثْلُنَا تُرِيدُونَ أَن تَصُدُّونَا عَمَّا كَانَ يَعْبُدُ آبَاؤُنَا فَأْتُونَا بِسُلْطَانٍ مُّبِينٍ * قَالَتْ لَهُمْ رُسُلُهُمْ إِن نَّحْنُ إِلَّا بَشَرٌ مِّثْلُكُمْ) -نحن بشر وأناس وآدميين ما أنكرنا ذلك- (وَلَٰكِنَّ اللَّهَ يَمُنُّ عَلَىٰ مَن يَشَاءُ مِنْ عِبَادِهِ ۖ وَمَا كَانَ لَنَا أَن نَّأْتِيَكُم بِسُلْطَانٍ إِلَّا بِإِذْنِ اللَّهِ ۚ وَعَلَى اللَّهِ فَلْيَتَوَكَّلِ الْمُؤْمِنُونَ * وَمَا لَنَا أَلَّا نَتَوَكَّلَ عَلَى اللَّهِ وَقَدْ هَدَانَا سُبُلَنَا) وفي حكمته من تصريف هذا في وقته وكذا، (وَلَنَصْبِرَنَّ عَلَىٰ مَا آذَيْتُمُونَا ۚ وَعَلَى اللَّهِ فَلْيَتَوَكَّلِ الْمُتَوَكِّلُونَ) ولما زادت زمجرتهم والكبر، وهذا حال المعاندين في كل وقت (وَقَالَ الَّذِينَ كَفَرُوا لِرُسُلِهِمْ لَنُخْرِجَنَّكُم مِّنْ أَرْضِنَا أَوْ لَتَعُودُنَّ فِي مِلَّتِنَا) -من الطاغوت بالقوة والاستكبار- (فَأَوْحَىٰ إِلَيْهِمْ رَبُّهُمْ لَنُهْلِكَنَّ الظَّالِمِينَ * وَلَنُسْكِنَنَّكُمُ الْأَرْضَ مِن بَعْدِهِمْ) هذه سنتي (ذَٰلِكَ لِمَنْ خَافَ مَقَامِي وَخَافَ وَعِيدِ) [إبراهيم:9-14] كل من يخاف عظمتي وجلالي ويخاف الوعيد، مهما تحدوه أهل العالم شرقه وغربه وإنس وجن سنبعدك، سنهلكك، سننهينك، ونحن سنأتي، نحن سنقوم، وأخرج وابعد! فهم يهلكون وهو يبقى، (ذَٰلِكَ لِمَنْ خَافَ مَقَامِي وَخَافَ وَعِيدِ) -جلَّ جلاله وتعالى في علاه-.

الحمد لله الذي أكرمنا بالإيمان، اللهم زدنا إيمانًا، كما أنعمت علينا بالإسلام فزدنا منه، وكما أنعمت علينا بالإيمان فزدنا منه، وكما أنعمت علينا بالعافية فزدنا منها، وكما أنعمت علينا بالعمر فبارك لنا فيه، زدنا إيمانًا بك وبكتابك وبرسولك ورسلك وأنبيائك وملائكتك وباليوم الآخر والقدر خيره وشره منك لا إله إلا أنت، زدنا إيمانًا وزدنا يقينًا، ورَقِّنا أعلى مراتب علم اليقين وعين اليقين وحق اليقين، وارزقنا التمكين في كل مقام من مقامات اليقين بوِجاهة حبيبك الأمين.

بِسِرِّ الْفَاتِحَةِ 

إِلَى حَضْرَةِ النَّبِيِّ مُحَمَّدٍ، اللهمَّ صَلِّ وَسَلِّمْ وَبَارِكْ عَلَيْهِ وَعَلَى آلِهِ وَصَحْبِهِ 

الْفَاتِحَة

 

تاريخ النشر الهجري

04 رَمضان 1447

تاريخ النشر الميلادي

21 فبراير 2026

اضافة إلى المفضلة

كتابة فائدة متعلقة بالمادة

الأقسام