(444)
(628)
(368)
الدرس الأول من تفسير العلامة عمر بن محمد بن حفيظ للآيات الكريمة من سورة الزمر، ضمن الدروس الصباحية لشهر رمضان المبارك من عام 1447هـ ، تفسير قوله تعالى:
تَنزِيلُ الْكِتَابِ مِنَ اللَّهِ الْعَزِيزِ الْحَكِيمِ (1) إِنَّا أَنزَلْنَا إِلَيْكَ الْكِتَابَ بِالْحَقِّ فَاعْبُدِ اللَّهَ مُخْلِصًا لَّهُ الدِّينَ (2) أَلَا لِلَّهِ الدِّينُ الْخَالِصُ ۚ وَالَّذِينَ اتَّخَذُوا مِن دُونِهِ أَوْلِيَاءَ مَا نَعْبُدُهُمْ إِلَّا لِيُقَرِّبُونَا إِلَى اللَّهِ زُلْفَىٰ إِنَّ اللَّهَ يَحْكُمُ بَيْنَهُمْ فِي مَا هُمْ فِيهِ يَخْتَلِفُونَ ۗ إِنَّ اللَّهَ لَا يَهْدِي مَنْ هُوَ كَاذِبٌ كَفَّارٌ (3) لَّوْ أَرَادَ اللَّهُ أَن يَتَّخِذَ وَلَدًا لَّاصْطَفَىٰ مِمَّا يَخْلُقُ مَا يَشَاءُ ۚ سُبْحَانَهُ ۖ هُوَ اللَّهُ الْوَاحِدُ الْقَهَّارُ (4)
صباح الأحد 26 رمضان 1447 هجري.
الحمد لله المُنعِم المتفضِّل المُتكرِّم على عباده -سبحانه وتعالى- والمُتنزِّل إليهم بعجائب إفضاله وتبييناته وتقريبه وإحسانه ومزايا كرمه وامتنانه، لا إله إلا هو وحده لا شريك له، ختَمَ النبوة والرسالة بسيد أهل المحبة والصدق والوَلَه؛ عبده المجتبى المصطفى المختار محمد صلى الله وسلم وبارك وكرَّم عليه وعلى آله وأصحابه ومن تابعه ووالاه في أقواله وأفعاله وأحواله وسجاياه، وعلى آبائه وإخوانه من الأنبياء والمرسلين سادات أهل حضرة الله، وآلهم وأصحابهم وتابعيهم، وعلى الملائكة المقربين، وجميع عباد الله الصالحين، وعلينا معهم وفيهم برحمتك يا أرحم الراحمين.
أما بعد،،
فإننا في مِنَّة ونعمة وتفضُّل الرحمن علينا بتدبرنا لأقواله وكلماته وآياته وتنزيله وبيانه وتوضيحه وهدايته وإرشاده وتعليمه على لسان رسوله وعبده وحبيبه محمد ﷺ؛ انتهينا من المرور على معانٍ في سورة غافر، ونبدأ في سورة الزُّمَر التي ذكر الله فيها الغاية والنهاية وهي أن:
الله يجعلنا في زُمَر أهل الجنة ويجعلنا في أعلاها وأبهاها وأصفاها، اللهم آمين.
يقول ﷻ: أَعُوذُ بِاللَّهِ مِنَ الشَّيطَانِ الرَّجِيمِ
بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ
(تَنزِيلُ الْكِتَابِ مِنَ اللَّهِ الْعَزِيزِ الْحَكِيمِ (1))
وهذا أَوْلَى من أن يُقدَّر خبرًا عن مبتدأ محذوف تقديره: هذا (تَنزِيلُ الْكِتَابِ مِنَ اللَّهِ الْعَزِيزِ الْحَكِيمِ)..
(تَنزِيلُ الْكِتَابِ مِنَ اللَّهِ الْعَزِيزِ الْحَكِيمِ (1))؛ أي: هذا الكتاب الذي أُكرِمتَ به يا محمد، وشُرِّفتْ به أُمَّتُك؛ تنزيلٌ من عندي، عَلَتْ رُتْبَتُه وَشَرُفَتْ، وعَظُمَتْ درجتُه، أنا الذي نزَّلتُه: (إِنَّا نَحْنُ نَزَّلْنَا عَلَيْكَ الْقُرْآنَ تَنزِيلًا) [الإنسان:23] الله أكبر.
يقول: (تَنزِيلُ الْكِتَابِ مِنَ اللَّهِ)؛ الكتاب: القرآن الكريم.
(تَنزِيلُ الْكِتَابِ مِنَ اللَّهِ)؛ الملك الحق خالق كل شيء.
(الْعَزِيزِ) والْعَزِيزِ: ما يَقِلُّ وجود مثيله ونظيره، وما يُحتاجُ إليه، وما هو غَنِيٌّ في نفسه عن الحاجة إلى الغير؛ وهذه ما تجتمع إلا للحق -جلّ جلاله-.
فتسمية غيره عزيزًا تأتي على نِسبة المجاز:
(الْعَزِيزِ) تأتي في هذه الثلاثة المعاني:
بهذا الذي نال مرتبة العزة من المؤمنين، أو مِن العِباد الذين هم خواص المؤمنين، والأنبياء والمرسلون هؤلاء الذين أعزهم الله، وهم أهل العزة حقيقة، والملائكة؛ لأنهم يعرفون الله ﷻ ويُعرِّفون به، فحاجة الناس إليهم قوية.
ثم أن الأوصاف الثلاثة على الكمال ليست إلا له وحده، فهو الذي لا يوجد مثله، أما الأنبياء والمرسلون فيوجد لهم نظراء بعضهم البعض، ولا أحد مثلهم في غيرهم من الخلق، فهم أفضل الخلق، وينال العزة أتباعهم فيما قال الله: (وَلِلَّهِ الْعِزَّةُ وَلِرَسُولِهِ وَلِلْمُؤْمِنِينَ وَلَٰكِنَّ الْمُنَافِقِينَ لَا يَعْلَمُونَ)؛ يعني: ادعاؤهم العزة لغير هؤلاء باطل كذب لا حقيقة له، لقوله: (لَيُخْرِجَنَّ الْأَعَزُّ مِنْهَا الْأَذَلَّ)، فكل من استشعر واعتقد العزة في غير هؤلاء من أي المخلوقات الأخريات الكائنات؛ فهو أقرب إلى المنافقين، وفي اعتقاد المنافقين، وفي جهل المنافقين؛ (وَلَكِنَّ الْمُنَافِقِينَ لَا يَعْلَمُونَ)، (وَلِلَّهِ الْعِزَّةُ وَلِرَسُولِهِ وَلِلْمُؤْمِنِينَ وَلَكِنَّ الْمُنَافِقِينَ لَا يَعْلَمُونَ) [المنافقون:8]؛ هذه الحقيقة:
فقد يكون الشيء أيضًا يَقِلُّ نظيره ولكن يمكن أن يوجَد، مثل: الشمس، عندنا شمس ولها منافع كثيرة للناس ينتفعون بها، لكن يمكن يوجد مثلها، ما هو مستحيل أن يوجد ثاني وثالث ورابع… ونظير لها؛ أي: بالإمكان، لكن الحق لا يمكن أن يوجد له مثيل ولا نظير أصلًا:
ثم يطرق الشمس غَيبة وذهاب وإياب، كما سيذكر معنا -سبحانه وتعالى- في آياته تكوير الليل والنهار في هذه السورة.
(تَنزِيلُ الْكِتَابِ مِنَ اللَّهِ الْعَزِيزِ الْحَكِيمِ (1)):
ثم مَن كان مِن خلقه يدرك أعزَّ المعلومات بعلم صحيح ثابت، فيقال له على سبيل المجاز: حكيم، والحق تعالى: (يُؤْتِي الْحِكْمَةَ مَن يَشَاءُ ۚ وَمَن يُؤْتَ الْحِكْمَةَ فَقَدْ أُوتِيَ خَيْرًا كَثِيرًا) [البقرة:269] -جل جلاله وتعالى في علاه-.
فإدراك أعز الأشياء بأحق العلوم وأنفعها يقال له: حكمة؛ يترتب على هذا أن يضع الشيء في محله، فلهذا يقولون في تعريف الحكمة: وضع الشيء في محله، ولكن هذا نتيجة، هذا تفسير لنتيجة الحكمة؛ أما أصل الحكمة: فإدراك أعظم الأشياء بأصدق العلوم وأنفعها.
فالأنبياء والمرسلون والملائكة وخواصُّ المؤمنين يعرفون الحقيقة العظمى، أي: يعرفون من جلال الله وعظمته وصفاته وأسمائه بتعليمه -سبحانه وتعالى- وتنزيله منه؛ فهم أحق أن يقال لهم الحكماء.
وإن كان يُطلق على كل من يعرف حقائق بعض المواد، بعض الصناعات والحِرَف، ويتوصل إليها بأيسر العلوم وأبسطها يقال له: الحكيم، ولكن هذا أيضًا في معنى أقل وأيسر.
بل إذا رجعنا إلى الحقيقة، مَن عَلِمَ كل شيء وجَهِل مولاه الذي خلقه.. فكيف يسمى حكيمًا؟ أعظم شيء ما علمه، أهم شيء ما عرفه.. فكيف يسمى حكيمًا؟! هذا أبعد عن أن يسمى حكيم؛ لأنه ما عرف أعظم الأشياء وأجل الأشياء، وأكبر الحقائق ما عرفها؛ فهو الجاهل.
فلهذا يقولون: أن من عَرَف كل شيء ولم يعرف الله؛ فكأنه لم يعرف شيئًا؛ لأن كل شيء عرفه مكوَّن بتكوينه، مصوَّر بتصويره، وهو جَهِل الخَالق! فهذا من أجهل خلق الله -تبارك وتعالى-.
(تَنزِيلُ الْكِتَابِ مِنَ اللَّهِ الْعَزِيزِ الْحَكِيمِ (1))؛ لتعرف جلالة الكتاب من عندِ مَن جاء؟ وبتنزيل من؟ هو (الْعَزِيزِ الْحَكِيمِ) واختار هذين الاسمين:
فماذا يكون أصدق من هذا الكتاب؟ وماذا يكون أحق باقتناص العلم منه؟ وماذا يكون أشرف وأجلّ؟ (تَنزِيلُ الْكِتَابِ مِنَ اللَّهِ الْعَزِيزِ الْحَكِيمِ (1)).
ثم وجّه الخطاب لحبيبه من عنده لتسمع الأمة: (إِنَّا أَنزَلْنَا إِلَيْكَ الْكِتَابَ) -الله أكبر-.
(إِنَّا) بعظمتنا وألوهيتنا وربوبيتنا وجلالنا (أَنزَلْنَا إِلَيْكَ الْكِتَابَ)، فصلى الله على محمد المُنْزَل إليه هذا الكتاب، ورزقنا الله تعظيمه، وتعظيم إنزاله وكتابه، وتعظيم المُنْزَل عليه محمد ﷺ.
(إِنَّا أَنزَلْنَا إِلَيْكَ الْكِتَابَ بِالْحَقِّ) فتقدَّم في المحراب يا حبيبنا لكل من يعرفنا وكل من يقصدنا من الخلق:
(فَاعْبُدِ اللَّهَ مُخْلِصًا لَّهُ الدِّينَ (2)) قُم بحق العبادة وتقدم في محرابها فَبِك يأتَمُّ العابدون.
(فَاعْبُدِ اللَّهَ مُخْلِصًا لَّهُ الدِّينَ (2)) فأنت معدن النقاء عن الشوائب، والمُصَفَّى عن جميع الكدورات؛ صفيناك تصفية لم نُصَفِّ بها خلقًا من خلقنا، ونقيناك تنقية لم نعطها سواك من عبادنا:
(فَاعْبُدِ اللَّهَ) فإنك أعرف خلقه به وأعظمهم تذللاً لعظمته.
(فَاعْبُدِ اللَّهَ مُخْلِصًا لَّهُ الدِّينَ (2)) فإنك مركز الإخلاص والصدق..
فميزتنا وشرفنا قصدُ وجهه: (وَاصْبِرْ نَفْسَكَ مَعَ الَّذِينَ يَدْعُونَ رَبَّهُم بِالْغَدَاةِ وَالْعَشِيِّ يُرِيدُونَ وَجْهَهُ) [الكهف:28]، ما أعظمهم بعظمة مرادهم، وإنما غيرهم على ظهر الأرض؛ هذا يريد بطنه، هذا يريد فرجه، هذا يريد عينه، هذا يريد ماله، هذا يريد دنياه، هذا يريد سلطته، وهؤلاء (يُرِيدُونَ وَجْهَهُ)، ماهذا الفرق؟!.. كبير؛ فعَظُم هؤلاء القوم ونالوا العزة؛ (يُرِيدُونَ وَجْهَهُ):
(أَلَا لِلَّهِ الدِّينُ الْخَالِصُ)، وهكذا من يصوم الصوم الخالص، من يقوم القيام الخالص، من يتصدق الصدقة الخالصة.
وجاء عن بعض التابعين يقول: يأتي بعض الناس بأعمال كأمثال الجبال من الطاعات والحسنات، قال: فيُناديه الله تعالى: يا فلان، في يوم كذا صليت لفلان، وصليت ليقال إنك مصلٍّ؛ فأسقطوا عمله.. فيَسقط عمله، ويا فلان، صمت يوم كذا ليقال إنك صائم، ولأجل فلان وفلان.. فيُسقط، ويا فلان، تصدقت يوم كذا بكذا ليقال إنك متصدق، ولأجل فلان وفلان.. فتُسقط، قال: فتَتَحاتّ كل أعماله حتى ما عاد يبقى شيء من حسناته! قال: فيلتفت إليه مَلَكاه، فيقولون: ألغير الله كنت تعمل ياخبيث؟! ما ندري؛ كنا نظنك تعمل لله، ألغير الله كنت تعمل؟! -لا إله إلا الله- هذا حالهم والعياذ بالله.
وجاء عند ابن مردويه أن واحدًا سأله ﷺ قال: إنا نتصدق الصدقة لله ونرقب الثناء ونحب الثناء عليها، فقال له ﷺ: لا، إن الله لا يقبل شيئًا أُشرك فيه غيره، وتلا عليه الآية: (أَلَا لِلَّهِ الدِّينُ الْخَالِصُ).
وفي هذا المعنى ما جاء في الأحاديث الصحيحة:
ولهذا حذرهم من أن يتسارعوا ويطلقوا: شهيد.. شهيد على أي واحد يُقتَل.
في حياته ﷺ وفي صفوفه وهي أصفى الصفوف يُقتل المقتول فيها يقول بعضهم: شهيد، يقول: "وما يُدريك؟" يقول ﷺ: "ما يُدرِيكَ لَعَلَّهُ كَانَ يَتَكَلَّمُ بمالا يَعْنيهِ وَيَبْخَلُ بِمَا لَا يُغْنِيهِ" انظر؛ هؤلاء كل ما شنّوا حركة ولا ثورة قالوا: شهداء شهداء.. شهداء شهداء؛ "مَن قاتَلَ لِتَكُونَ كَلِمَةُ اللَّهِ هي العُلْيا فَهو في سَبيلِ اللَّهِ".
ما الأغراض التي تحركوا بها؟ ما المقاصد التي قامت عندهم؟.. هل هي لعبه دين الله تبارك وتعالى؟ والمنازل عنده بيد أحد يلعب بها؟
(أَلَا لِلَّهِ الدِّينُ الْخَالِصُ ۚ وَالَّذِينَ اتَّخَذُوا مِن دُونِهِ) -من غيره سبحانه وتعالى- (أَوْلِيَاءَ): يعني معبودين آلهةً، (أَوْلِيَاءَ) يعني: معبودين لهم؛ آلهة لهم (اتَّخَذُوا مِن دُونِهِ أَوْلِيَاءَ)؛ أما أولياء يوالونهم من غيره واجب نتخذ الأنبياء أولياء، ونتخذ الملائكة أولياء، ونتخذ الصالحين أولياء، والمؤمنون كلهم أولياء: (إِنَّمَا وَلِيُّكُمُ اللَّهُ وَرَسُولُهُ وَالَّذِينَ آمَنُوا الَّذِينَ يُقِيمُونَ الصَّلَاةَ وَيُؤْتُونَ الزَّكَاةَ * وَمَن يَتَوَلَّ اللَّهَ وَرَسُولَهُ وَالَّذِينَ آمَنُوا) [المائدة:55-56].
ولا يجيئنا واحد يقول: انت تتخذ المؤمنين أولياء!.. الله يقول: (اتَّخَذُوا مِن دُونِهِ أَوْلِيَاءَ)!
معنى هذه الآية: آلهة يعبدونهم من دونه؛ ولهذا ذكر قوله مباشرة:
(مَا نَعْبُدُهُمْ إِلَّا لِيُقَرِّبُونَا إِلَى اللَّهِ زُلْفَى)، هؤلاء الذين اتخذوا من دون الله أولياء:
هؤلاء قال: (إِنَّ اللَّهَ يَحْكُمُ بَيْنَهُمْ فِي مَا هُمْ فِيهِ يَخْتَلِفُونَ)؛ فيقضي عليهم بالخلود في جهنم والبعد عن رحمته؛ لأنهم اتخذوا معه إلـٰهًا غيره.
(إِنَّ اللَّهَ يَحْكُمُ بَيْنَهُمْ فِي مَا هُمْ فِيهِ يَخْتَلِفُونَ إِنَّ اللَّهَ لَا يَهْدِي مَنْ هُوَ كَاذِبٌ):
فكذبوا فيما ادّعوا من بنوة، وفيما ادّعوا من أنهم يشفعون بعبادتهم عند الله -تبارك وتعالى-؛ فإن الله حرّم على الشفعاء أن يشفعوا لمن أشرك به: (فَمَا تَنفَعُهُمْ شَفَاعَةُ الشَّافِعِينَ) [المدثر:48]؛ كذبوا.
كذبوا حتى في قولهم: (مَا نَعْبُدُهُمْ إِلَّا لِيُقَرِّبُونَا إِلَى اللَّهِ) لماذا؟ لأنهم إذا أحد سب آلهتهم يسبُّون؛ يسبُّون الله! لو كان صدق أنتم بتتقربون إليه، كيف تسبُّون؟
هم كذابين حتى في قولهم: (مَا نَعْبُدُهُمْ إِلَّا لِيُقَرِّبُونَا إِلَى اللَّهِ زُلْفَى):
بعدين في حتى قولهم: (مَا نَعْبُدُهُمْ إِلَّا لِيُقَرِّبُونَا إِلَى اللَّهِ) كذابين؛ لأنهم إذا سُبَّت آلهتهم سبُّوا الرحمن -جل جلاله وتعالى في علاه-: (وَلَا تَسُبُّوا الَّذِينَ يَدْعُونَ مِن دُونِ اللَّهِ فَيَسُبُّوا اللَّهَ عَدْوًا بِغَيْرِ عِلْمٍ) [الأنعام:108]. فأين قولكم إنه ليقربونا؟! لو كان أنتم عشان تتقربون إليه؛ كيف تسبونه؟ أنتم المنكرون له! أنتم المعاندون له! بل أنتم البعيدون عنه، لستم بطالبي التقرب إليه؛ هم كذابون.
(إِنَّ اللَّهَ لَا يَهْدِي مَنْ هُوَ كَاذِبٌ كَفَّارٌ (3)) يريد الكفر، يستر الحقيقة الواضحة كالشمس؛ يقول هناك إله مع الله غيره -لا حول ولا قوة إلا بالله تعالى- يشرك بالله تعالى، يجحد بوحدانية الله، هذا (كَفَّارٌ): كثير الكُفر، كثير الكَفر والستر، يستر الحقيقة، يحاول مثل: الذي يضع أصابعه ليستر الشمس، يقول: لا يوجد شمس.. لا يوجد شمس! أنت مجنون؟ الشمس تُستتر بأصابعك!.. ولا بدارك، ولا بحصنك؛ الشمس واضحة قوية.
وهؤلاء الذين ينكرون وحدانية الله -تبارك وتعالى- كذابين، كفارين، يريدون يكفروا يغطوا الحقيقة الواضحة الجلية، (إِنَّ اللَّهَ لَا يَهْدِي مَنْ هُوَ كَاذِبٌ كَفَّارٌ (3)).
(لَّوْ أَرَادَ اللَّهُ أَن يَتَّخِذَ وَلَدًا لَّاصْطَفَى مِمَّا يَخْلُقُ مَا يَشَاءُ) ولكن هذا أمر مستحيل؛ (قُلْ إِن كَانَ لِلرَّحْمَٰنِ وَلَدٌ فَأَنَا أَوَّلُ الْعَابِدِينَ) [الزخرف:81] ﷺ، فما بيتقدم أحد عليه لو كان؛ لكن الله أجلّ وأكبر وأعظم، ومستحيل أن يتخذ ولدا؛ إن ذلك شأن الجسمانيات، الخلقيات، المحسوسات، المصنوعات، وهو أجلّ من ذلك وأكبر ﷻ، كما يقول المشركون إن الملائكة بنات الله.
(لَّوْ أَرَادَ اللَّهُ أَن يَتَّخِذَ وَلَدًا لَّاصْطَفَى مِمَّا يَخْلُقُ مَا يَشَاءُ ۚ سُبْحَانَهُ) -تنزه وتقدس- (هُوَ اللَّهُ الْوَاحِدُ الْقَهَّارُ (4))، جلَّ جلاله وتعالى في علاه.
ويأتي معنا بقية بعض معاني هذا الكلام الرفيع العليم المنزَّل من العزيز الحكيم ﷻ على قلب الرؤوف الرحيم والحبيب العظيم ﷺ.
اللهم انفعنا بالقرآن وارفعنا، واجمعنا على أسراره، واجمع فينا من أسراره وأنواره ما أنت أهله، ومن معارفه وعلومه وحقائقه، واجعله أمامنا وإمامنا يقودنا إلى جناتك، يقودنا في الدنيا إلى جنة المعرفة بك والقرب منك، وفي الآخرة إلى الجنات التي أعددتها للنبيين والصديقين والشهداء والصالحين وعبادك المتقين، برحمتك يا أرحم الراحمين وجودك يا أجود الأجودين.
بِسِرِّ الْفَاتِحَةِ
إِلَى حَضْرَةِ النَّبِيِّ محمد، اللهمَّ صَلِّ وَسَلِّمْ وَبَارِكْ عَلَيْهِ وَعَلَى آلِهِ وَصَحْبِهِ
الْفَاتِحَة
26 رَمضان 1447