تفسير سورة فصلت - 2 - من قوله تعالى {قل إنما أنا بشر مثلكم يوحى إلي أنما إلهكم إله واحد ..} الآية 6 إلى الآية 8
الدرس الثاني من تفسير العلامة عمر بن محمد بن حفيظ للآيات الكريمة من سورة فصلت، ضمن الدروس الصباحية لشهر رمضان المبارك من عام 1447هـ ، تفسير قوله تعالى:
قُلْ إِنَّمَا أَنَا بَشَرٌ مِّثْلُكُمْ يُوحَىٰ إِلَيَّ أَنَّمَا إِلَٰهُكُمْ إِلَٰهٌ وَاحِدٌ فَاسْتَقِيمُوا إِلَيْهِ وَاسْتَغْفِرُوهُ ۗ وَوَيْلٌ لِّلْمُشْرِكِينَ (6) الَّذِينَ لَا يُؤْتُونَ الزَّكَاةَ وَهُم بِالْآخِرَةِ هُمْ كَافِرُونَ (7) إِنَّ الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ لَهُمْ أَجْرٌ غَيْرُ مَمْنُونٍ (8)
صباح الخميس 2 رمضان 1447 هجري.
نص الدرس مكتوب:
الحمد لله، مُكرمنا بآياته المنزَلة على خير بريّاته، سيدنا محمد صلى الله وسلم وبارك وكرّم عليه أفضل صلواته وأزكى تسليماته، وعلى آله وصحبه وأهل ولائه ومحبّته ومودّاته، وعلى آبائه وإخوانه من الأنبياء والمرسلين سادات أهل القرب من الحق -تبارك وتعالى- وأهل عناياته، وعلى آلهم وصحبهم وتابعيهم، والملائكة المقربين، وجميع عباد الله الصالحين وعلينا معهم وفيهم إنه أكرم الأكرمين وأرحم الراحمين.
وبعدُ،
فإنّا في نعمة تأمّلنا لكلام ربّنا -سبحانه وتعالى-، ابتدأنا في أوائل سورة فصلت -حم السجدة- وتلونا قوله ﷻ: (حم (1) تَنزِيلٌ مِّنَ الرَّحْمَٰنِ الرَّحِيمِ (2) كِتَابٌ فُصِّلَتْ آيَاتُهُ قُرْآنًا عَرَبِيًّا لِّقَوْمٍ يَعْلَمُونَ (3) بَشِيرًا وَنَذِيرًا فَأَعْرَضَ أَكْثَرُهُمْ فَهُمْ لَا يَسْمَعُونَ (4) وَقَالُوا قُلُوبُنَا فِي أَكِنَّةٍ مِّمَّا تَدْعُونَا إِلَيْهِ وَفِي آذَانِنَا وَقْرٌ وَمِن بَيْنِنَا وَبَيْنِكَ حِجَابٌ فَاعْمَلْ إِنَّنَا عَامِلُونَ (5)).
وقال سبحانه وتعالى لرسوله (قُلْ إِنَّمَا أَنَا بَشَرٌ مِّثْلُكُمْ يُوحَىٰ إِلَيَّ أَنَّمَا إِلَٰهُكُمْ إِلَٰهٌ وَاحِدٌ)، وقد جرت سنّته بأنْ يرسل ويختار من البشر رسلًا للبشر كما قال ﷻ:
- (قُل لَّوْ كَانَ فِي الْأَرْضِ مَلَائِكَةٌ يَمْشُونَ مُطْمَئِنِّينَ لَنَزَّلْنَا عَلَيْهِم مِّنَ السَّمَاءِ مَلَكًا رَّسُولًا) [الإسراء:95].
- (وَمَا أَرْسَلْنَا قَبْلَكَ إِلَّا رِجَالًا) من البشر (نُّوحِي إِلَيْهِمْ) [الأنبياء:7] صلوات الله عليهم.
فكذلك قال: (قُلْ) لهم..
(إِنَّمَا أَنَا بَشَرٌ مِّثْلُكُمْ) فيما أظهر الله تعالى من هذا الخلق والتّكوين، وما جعل من طبيعته وتركيبته البشريّة.
(يُوحَىٰ إِلَيَّ) اختصّني بالوحي في ختم النّبوّة والرّسالة.
(أَنَّمَا إِلَٰهُكُمْ إِلَٰهٌ وَاحِدٌ) خالقكم وخالق كلّ شيء، فأنا أدعوكم إليه.
(فَاسْتَقِيمُوا إِلَيْهِ): بِتوحيده ﷻ وتكبيره وتسبيحه والإيمان بأسمائه وصفاته والرّجوع إليه ﷻ.
(وَاسْتَغْفِرُوهُ) لِما صدر منكم: من مخالفة ومن ذنب ومن كفر ومن شرك، (فَاسْتَقِيمُوا إِلَيْهِ وَاسْتَغْفِرُوهُ) اطلبوا منه الغفران يغفر لكم -جل جلاله وتعالى في علاه-. يقول ﷻ في الحديث القدسي: "يَا عِبَادِي إِنَّكُمْ تُخْطِئُونَ بِاللَّيْلِ وَالنَّهَارِ، وَأَنَا أَغْفِرُ الذُّنُوبَ جَمِيعًا، فَاسْتَغْفِرُونِي أَغْفِرْ لَكُمْ". ما أعظمه من إله غنيّ حميد كريم، لا يحتاج إلينا ومع ذلك يتزلّف إلينا بعفوه وبمَغفرته. اللّهم إنّك عفوّ تحبّ العفو فاعفُ عنّا. ونستغفرك لنا ولوالدينا وأهلينا وأحبابنا وطلّابنا وأصحابنا وذوي الحقوق علينا، وللمؤمنين والمؤمنات، فاغفر لنا ولهم يا خير الغافرين.
(فَاسْتَقِيمُوا إِلَيْهِ)؛ أي: في طريق القرب منه والعمل بشريعته في سيْركم إليه استقيموا إليه، (وَاسْتَغْفِرُوهُۗ) من ذنوبكم وأوزاركم يغفر لكم.
(وَوَيْلٌ لِّلْمُشْرِكِينَ (6) الَّذِينَ لَا يُؤْتُونَ الزَّكَاةَ) دُعوا ووصلتهم الدّعوة والنّداء والبيّنات والدّلائل والهدى؛ فأصرّوا على الشّرك والكفر -والعياذ بالله-، فويلٌ (وويلٌ للمشركين)؛ العذاب الشديد والمآل الوخيم الصعب عليهم، (وَوَيْلٌ لِّلْمُشْرِكِينَ (6) الَّذِينَ لَا يُؤْتُونَ الزَّكَاةَ)؛ وكان ما رتّب الله تعالى على العباد المكلّفين فيما يتعلق به الإيمان والتوحيد، وفيما يتعلق بخلقه الرّحمة والعطاء، فذكر الاثنين؛ قال: لا يُؤَدّون حقّ الله، ولا حقّ خلقه -المشركين لا يؤتون الزكاة- فقرَن الزكاة بالإيمان به، فزكاتُهم فيما بينهم وبين الله توحيده -سبحانه وتعالى-، والإيمان به، وأسمائه، وصفاته. وبينهم وبين الخلق: أن يُعطُوا وأن يَبذلوا وأن يُساعِدوا بما استطاعوا. و(الَّذِينَ لَا يُؤْتُونَ الزَّكَاةَ).
فما أعظم منزلة الزّكاة عند الله:
- زكاةَ المال في الأموال المخصوصة التي فرض الله فيها الزكاة:
- من مالِ تجارة.
- ومن ذهب وفضة، يمرّ عليهما الحول والسّنة.
- ومن ركاز ومعدن.
- ومن زكاة الزروع والحبوب.
- وما جعل من زكاة البَدَن: وهي زكاة الفطرة، التي تجب على المؤمنين عند خروج رمضان ودخول شوّال؛ هذه الزكاة المفروضة..
- وفي الحديث: "ثَلَاثٌ مَنْ كُنَّ فِيهِ فَقَدْ وُقِيَ شُحَّ نَفْسِهِ مَنْ أَدَّى الزَّكَاةَ وَقَرَى الضَّيْفَ وَأَعْطَى فِي النَّائِبَةِ".
(وَوَيْلٌ لِّلْمُشْرِكِينَ (6) الَّذِينَ لَا يُؤْتُونَ الزَّكَاةَ) وقد كان يقول بعض سلف الأمّة من التّابعين: "الزّكاة قنطرة الإسلام، من قطعها نجا، ومن تخلّف عنها غرق".
(وَوَيْلٌ لِّلْمُشْرِكِينَ (6) الَّذِينَ لَا يُؤْتُونَ الزَّكَاةَ وَهُم بِالْآخِرَةِ هُمْ كَافِرُونَ (7))، البعث بعد الموت والرّجوع إلى الحقّ -تبارك وتعالى- بل معاني الرّجوع إليه ثابتة، فبمَعانيها الأوّليّة والمبدئيّة هم في الحياة الدّنياً إلى أين يرجعون؟! ومن الذّي يرزقهم؟ ومن الذّي يسيّرهم؟ ومن الذّي بسط الأرض لهم؟ ومن الذّي رفع السّماء فوقهم؟ هو هو فهم راجعون إليه، ولكنّهم في حُجُبِهم هذه وغفلاتهم يكونون..
- فيكون أوّل مجالي الرجوع الواضح القوي إليه بالموت، إذا ماتوا رجعوا إليه، وأدركوا الحقيقة.
- ثم بعد ذلك يقوى شأن الرجوع بكل المعاني بالنفخة الثانية في الصور؛ ويرجع الكلّ إليه مؤمنهم وكافرهم وصالحهم وفاسقهم حتى المجرمين.
(وَلَوْ تَرَىٰ إِذِ الْمُجْرِمُونَ نَاكِسُوا رُءُوسِهِم) أين؟ (عِندَ رَبِّهِمْ) [السجدة:12]، لماذا؟ لأنه لا يوجد مرجع غيره أصلًا، يرجعون إلى مَنْ مرجعهم إليه، هم في قبضته وتحت يده، يقول فالكل يرجع إليه ﷻ.
(وَوَيْلٌ لِّلْمُشْرِكِينَ (6) الَّذِينَ لَا يُؤْتُونَ الزَّكَاةَ وَهُم بِالْآخِرَةِ هُمْ كَافِرُونَ (7))، فرتّب خروجهم عن الإيمان والإسلام بهذه الخصال الثلاث المهمّة:
- أولها الشرك بالله تعالى، وهي أعظم الجرائم وأعظم الظلم.
- وثانيها في نطاق التكذيب بالآخرة والرجوع والمصير إلى الحق سبحانه وتعالى.
- وفي شؤون الإسلام الزكاة، قنطرة الإسلام (لَا يُؤْتُونَ الزَّكَاةَ).
فذكر الحق شركهم به وتكذيبهم بالآخرة وعدم إيتائهم الزكاة.
وجاء عن ابن عباس أنهم (لَا يُؤْتُونَ الزَّكَاةَ) أي: ما يعطون الزكاة من أنفسهم، فينزّهونها ويُزكّونها عن الشرك بشهادة أن لا إله إلا الله، فهم لا يؤتون الزكاة؛ أي: لا يطهرون أنفسهم بالإيمان -من جملة المعاني-، لا يؤتون الزكاة ما يزكون أنفسهم بلا إله إلا الله، ولا يعطون أنفسهم تنقيتها وتزكيتها عن الشرك بشهادة أن لا إله إلا الله.
(وَوَيْلٌ لِّلْمُشْرِكِينَ (6) الَّذِينَ لَا يُؤْتُونَ الزَّكَاةَ وَهُم بِالْآخِرَةِ هُمْ كَافِرُونَ (7) إِنَّ الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ)، اللهم اجعلنا منهم وأهلينا.
(إِنَّ الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ لَهُمْ أَجْرٌ)، ثوابٌ وجزاءٌ وعطاءٌ ومِنَحٌ..
- (غَيْرُ مَمْنُونٍ): غير منقوص وغير مقطوع، فما يُقطع يُقال: الممنون، وما ينقص كذلك، فمعنى (غَيْرُ مَمْنُونٍ)، غير مُنقطع ولا ناقص، لا ينقص ولا ينقطع.
- (غَيْرُ مَمْنُونٍ)، ويقول بعضهم: غير ممنونٍ به عليهم، بمحض المنّة والفضل، يهبهم ذلك وكأنّه لهم، وكأنّه مُلكهم.
- ثم أيضًا يأتي في معاني (غَيْرُ مَمْنُونٍ): ما جاء في السنة أنّ المؤمن الصادق في عبادته وطاعته، المقبل على الله..
- إذا قطعه عن ذلك مرض أو زمانة شيخوخة وكِبَر- كُتِبَ له ما يعمله.
- بل جاء في الرواية حتى السفر إذا تعب السفر أعجزه عن قيامه بشيءٍ من العبادات التي يحبها ويرتّبها على نفسه ويعشقها، ولولا هذا الإجهاد ما قطعها؛ أنّها تُكتب له، فلا ينقطع أجره، (لَهُمْ أَجْرٌ غَيْرُ مَمْنُونٍ (8))، غير منقطع. فإذا كَبُر أحدهم أو مرض يقول الله للملائكة: اكتبوا له ما كان يعمله وهو صحيح وهو شابّ حتى أردّ إليه صحته أو أتوفاه إليّ، فما في هذه المدة إلى أن يموت، ما كان يعتاد عمله، اكتبوه؛ لأنّه ما أخّرَه عنه إلا هذا المرض الذي نزل به.
وفي الرواية الأخرى: "إذا مرض العبدُ أو سافر، كتب اللهُ تعالى له من الأجرِ مثلَ ما كان يعملُ صحيحًا مُقيمًا"؛ ما يعمله في الإقامة وما يعمله في حالة الصحة اكتبوه كأنه عمله، وهو ما عمله، (أَجْرٌ غَيْرُ مَمْنُونٍ). وهكذا معاملة الكريم الرحمن.
مَن مثل هذا الإله؟ مَن مثل هذا الرب يعاملنا هكذا؟ له الحمد وله المنة. نحن الذين ما عرفنا قدره، ولا عرفنا عظمته، وتجرأنا عليه، وإحسانُه مبسوط إلينا، اللهم أتمّ علينا النّعمة وارزقنا العبودية المحضة الخالصة.
(إِنَّ الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ لَهُمْ أَجْرٌ غَيْرُ مَمْنُونٍ (8) قُلْ أَئِنَّكُمْ لَتَكْفُرُونَ بِالَّذِي خَلَقَ الْأَرْضَ فِي يَوْمَيْنِ وَتَجْعَلُونَ لَهُ أَندَادًا ۚ ذَٰلِكَ رَبُّ الْعَالَمِينَ (9)) ثم يذكر ﷻ تكوينه للسماوات والأرض وخلقه لها في مرحلتين، الأرض يومين ثم يومين فصارت أربعة، ويومين للسماوات فصارت ستة، خلق السماوات والأرض في ستة أيام جلّ جلاله وتعالى في علاه.
ومع أنّ السماوات أكبر وأوسع خلَقها في أيام أقلّ، والأرض اعتنى بها وجعلها في أربعة أيام؛ لنعلم أنّ قدرته محيطة بكلّ شيء، وإنّما علّم عباده التدرج في الأمور والتأنّي في الأعمال، وإلّا بلفظ "كن" يخلق كل شيء. والصغير أعطاه أربعة أيام، والكبير أعطاه يومين؛ على قول أنّ قدرته يستوي فيها اللحظة واليوم واليومين والستة والأقل والأكثر، سبحانه وتعالى قدرته ما ينقصها شيء جل جلاله وتعالى في علاه.
رزقنا كمال الإيمان، ورزقنا كمال اليقين، ووفّر حظنا وإياكم من رمضان، وبارك لنا في هذه الغدوات والروحات في رمضان، "لَغَدْوَةٌ في سَبيلِ اللَّهِ أوْ رَوْحَةٌ، خَيْرٌ مِنَ الدُّنْيا وما فيها". اللهم أثبتنا في ديوان المغتنمين الغانمين للأجور الكبيرة، والخيرات الجزيلة، والثواب العظيم، والمن الفخيم، والمَنْح الجسيم، يا حي يا قيوم، يا رحمن ويا رحيم.
بسر الفاتحة
إلى حضرة النبي محمد، اللهم صلِّ وسلِّم وبارك عليه وعلى آله وأصحابه.
الفاتحة
03 رَمضان 1447