تفسير سورة غافر - 12 - من قوله تعالى {هو الحي لا إله إلا هو فادعوه مخلصين له الدين الحمد لله رب العالمين} الآية 65 إلى الآية 75
الدرس الثاني عشر من تفسير العلامة عمر بن محمد بن حفيظ للآيات الكريمة من سورة غافر، ضمن الدروس الصباحية لشهر رمضان المبارك من عام 1447هـ ، تفسير قوله تعالى:
هُوَ الْحَيُّ لَا إِلَٰهَ إِلَّا هُوَ فَادْعُوهُ مُخْلِصِينَ لَهُ الدِّينَ ۗ الْحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ (65) قُلْ إِنِّي نُهِيتُ أَنْ أَعْبُدَ الَّذِينَ تَدْعُونَ مِن دُونِ اللَّهِ لَمَّا جَاءَنِيَ الْبَيِّنَاتُ مِن رَّبِّي وَأُمِرْتُ أَنْ أُسْلِمَ لِرَبِّ الْعَالَمِينَ (66) هُوَ الَّذِي خَلَقَكُم مِّن تُرَابٍ ثُمَّ مِن نُّطْفَةٍ ثُمَّ مِنْ عَلَقَةٍ ثُمَّ يُخْرِجُكُمْ طِفْلًا ثُمَّ لِتَبْلُغُوا أَشُدَّكُمْ ثُمَّ لِتَكُونُوا شُيُوخًا ۚ وَمِنكُم مَّن يُتَوَفَّىٰ مِن قَبْلُ ۖ وَلِتَبْلُغُوا أَجَلًا مُّسَمًّى وَلَعَلَّكُمْ تَعْقِلُونَ (67) هُوَ الَّذِي يُحْيِي وَيُمِيتُ ۖ فَإِذَا قَضَىٰ أَمْرًا فَإِنَّمَا يَقُولُ لَهُ كُن فَيَكُونُ (68) أَلَمْ تَرَ إِلَى الَّذِينَ يُجَادِلُونَ فِي آيَاتِ اللَّهِ أَنَّىٰ يُصْرَفُونَ (69) الَّذِينَ كَذَّبُوا بِالْكِتَابِ وَبِمَا أَرْسَلْنَا بِهِ رُسُلَنَا ۖ فَسَوْفَ يَعْلَمُونَ (70) إِذِ الْأَغْلَالُ فِي أَعْنَاقِهِمْ وَالسَّلَاسِلُ يُسْحَبُونَ (71) فِي الْحَمِيمِ ثُمَّ فِي النَّارِ يُسْجَرُونَ (72) ثُمَّ قِيلَ لَهُمْ أَيْنَ مَا كُنتُمْ تُشْرِكُونَ (73) مِن دُونِ اللَّهِ ۖ قَالُوا ضَلُّوا عَنَّا بَل لَّمْ نَكُن نَّدْعُو مِن قَبْلُ شَيْئًا ۚ كَذَٰلِكَ يُضِلُّ اللَّهُ الْكَافِرِينَ (74) ذَٰلِكُم بِمَا كُنتُمْ تَفْرَحُونَ فِي الْأَرْضِ بِغَيْرِ الْحَقِّ وَبِمَا كُنتُمْ تَمْرَحُونَ (75)
صباح الخميس 23 رمضان 1447 هجري.
نص الدرس مكتوب:
الحمد لله الذي عَلَّم بالقلم، عَلَّم الإنسان ما لم يَعلَم، وبَيَّن وأوضح الأمر على يد عبده المختار الهادي إلى السبيل الأقوم، سيدنا محمد حبيب الله الأكرم، صلى الله وسلم وبارك وكرم عليه وعلى آله وأصحابه ومن والاه واقتدى به فيما خصَّ وما عم، وعلى آبائه وإخوانه من الأنبياء والمرسلين سادات أهل الفضل والمَكارم والقيم، وعلى آلهم وصحبهم وتابعيهم، وعلى الملائكة المقربين وجميع عباد الله الصالحين، وعلينا معهم وفيهم، إنه أكرم الأكرمين وأرحم الراحمين.
أما بعد؛
فإننا في نعمة تأملنا لخطاب إلهنا مولانا -سبحانه وتعالى-، وما أوحاه إلى قلب مصطفاه سيدنا محمد ﷺ، وتعليمه إيانا وإرشاده إيانا وتوجيهه لنا -سبحانه وتعالى-، وصلنا في سورة غافر إلى قوله جلَّ جلاله: (هُوَ الْحَيُّ لَا إِلَٰهَ إِلَّا هُوَ فَادْعُوهُ مُخْلِصِينَ لَهُ الدِّينَ ۗ الْحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ (65))، وتقدم قبله آية: (وَقَالَ رَبُّكُمُ ادْعُونِي أَسْتَجِبْ لَكُمْ) [غافر:60]؛ وجاء في الخبر أن الله -سبحانه وتعالى- في خِطاباته أكرم الأمة بخطابات لم يُخاطِب بها في الأمم السابقة إلا أنبياءها..
- فمنها أنه إذا بعَث نبيًا يقول له: ادعني أستجب لك، وقال للأمة: (وَقَالَ رَبُّكُمُ ادْعُونِي أَسْتَجِبْ لَكُمْ).
- وكذلك إذا بَعث رسولًا قال له: أنت شهيد على قومك، ثم قال للأمة: (لِّتَكُونُوا شُهَدَاءَ عَلَى النَّاسِ وَيَكُونَ الرَّسُولُ عَلَيْكُمْ شَهِيدًا) [البقرة:143]، ﷺ|.
وهكذا كانت خِطابات الحق -جلَّ جلاله- لهذه الأمة شريفة عظيمة مُشَرِّفة لمن وعاها وقام بحقها.
- يقول: (هُوَ الْحَيُّ)، الحياة الأزلية الأبدية، وهي مختصة به.
- لا يوجد حَيٌّ آخر بهذه الحياة، ولكن كما أسلفنا جعل للكائنات موتًا وحياة، وكما جعل حياة للأرض وللنبات والأشجار، وحياة للحيوان وحياة للإنسان ولجسد الإنسان.
- ولكن جعل حياة للقلوب والأرواح هي أشرف أنواع الحيوات الموهوبة للمخلوقين.
- وحياة القلوب والأرواح بمعرفة الحق -تعالى- الخاصة، وهذه أعلى أنواع الحياة الموجودة في العالم الخَلقي، وقلنا:
- إن أهل النصيب الأوفى منهم أنبياء الله.
- وأن سيد الخَلق أعرف الخَلق بالحق، فهو أعظم الخلائق حياةً ﷺ.
(هُوَ الْحَيُّ لَا إِلَٰهَ إِلَّا هُوَ فَادْعُوهُ مُخْلِصِينَ لَهُ الدِّينَ) مخلصين له العبادة، (الْحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ (65)) بداية الدعاء. وكان يقول بعض أهل العلم: إذا قلتَ لا إله إلا الله فأتبعها بالحمد لله رب العالمين، مشيرًا إلى قوله: (هُوَ الْحَيُّ لَا إِلَٰهَ إِلَّا هُوَ فَادْعُوهُ مُخْلِصِينَ لَهُ الدِّينَ ۗ الْحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ (65))، وذلك أن توحيدك له وإيمانك به؛ مِنّة كبيرة أُهديت إليك، وسِيقت إليك، وأُنعم عليك بها، فمن حقه أن تحمده، إذا شهدت له بالألوهية فاحمده فإنه الذي وفقك لذلك، وقد حرم منها قلوبًا وعقولًا ملايين مِن مثلك من بني آدم ومن الجن ما شهدوا أن لا إله إلا الله، وأنت أَكرَمَك بشهادة هذه الحقيقة فلتحمده على ذلك، فتقول: الحمد لله رب العالمين، وهي أيضًا مُفتَتَح الدعاء: (الْحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ).
وجاء في خَبر أنه ﷺ كان جالسًا في المسجد مع جماعة من أصحابه، فجاء رجل ودخل المسجد وصلى ركعتين ثم أخذ يدعو، فقال ﷺ: "عَجِلَ هذا"، استعجل في الدعاء، ثم استدعاه وقال له: إذا أردت أن تدعو فابدأ بحمد الله والثناء عليه، ثم صلِّ عليّ، ثم ادعُ.
وبينما هم جالسون إذ أقبل رجل فصلى ركعتين، ثم حمد الله وأثنى عليه وصلى على النبي محمد ودعا، فقال ﷺ: "أوجَبَ إن ختم"، أوجب يعني أوجب استجابة الله تعالى لدعائه إن ختم، قال واحد مِن أصحابه: بم يختم؟ قال: "بآمين"، فقام إليه وجاء بالقرب منه وقال له: اختم بآمين وأبشر، وختم الدعاء بآمين، قال: بم أبشر؟ قال: هذا رسول الله يقول أوجب إن ختم، سمعك بدأت بالحمد والثناء على الله ثم صليت عليه ثم دعوت فقال "أوجب إن ختم"، فقلت: بم يختم؟ قال: "بآمين"، صلى الله على سيدنا محمد وآله.
يقول ربنا تعالى لحبيبه محمد: أَعلِن هذا المبدأ الذي بعثتُ به الأنبياء وأنت سيد الدعاة إليه، وأُمتك فيهم حافظون لهذا العهد مِن بعدك إلى آخر الزمان، أَعلن وقل: (قُلْ إِنِّي نُهِيتُ أَنْ أَعْبُدَ الَّذِينَ تَدْعُونَ مِن دُونِ اللَّهِ) كما أنني نشأتُ بعناية الله بي ورعايته وسلامة فطرتي لا أسجد لصنم ولا أعبد صنمًا ولا أقرُب من صنم، ومع ذلك فالآن قد جاءني وحي من الله: (إِنِّي نُهِيتُ أَنْ أَعْبُدَ الَّذِينَ تَدْعُونَ مِن دُونِ اللَّهِ)، وكان يقول له بعض الصحابة: تعال فاعبد آلهتنا، وبعضهم قالوا له: خلِّ شهرًا تدعو به آلهتنا، فقال سبحانه وتعالى: (قُلْ إِنِّي نُهِيتُ أَنْ أَعْبُدَ الَّذِينَ تَدْعُونَ مِن دُونِ اللَّهِ)، فلا أعبد إلا الذي يستحق العبادة، الحي الذي لا إله إلا هو، (اللَّهُ الَّذِي جَعَلَ لَكُمُ الْأَرْضَ قَرَارًا وَالسَّمَاءَ بِنَاءً وَصَوَّرَكُمْ فَأَحْسَنَ صُوَرَكُمْ وَرَزَقَكُم مِّنَ الطَّيِّبَاتِ) -خالق كل شيء- (الَّذِي جَعَلَ لَكُمُ اللَّيْلَ لِتَسْكُنُوا فِيهِ وَالنَّهَارَ مُبْصِرًا)، صاحب الفضل على الناس، هذا الإله الحق الذي أعبده وحده، ولا يستحق العبادة إلا هو (إِنِّي نُهِيتُ أَنْ أَعْبُدَ الَّذِينَ تَدْعُونَ مِن دُونِ اللَّهِ).
وهكذا، فإذا دُعيتم مِن قِبَل إبليس وجنده من شياطين الإنس والجن إلى أن تُدخِلوا أهواءكم أو شهواتكم مقابل أمر الله فتنصاعوا له وتعبدوه، أو آراءهم وأفكارهم أو شيئا مما يدّعونه من العلم؛ قولوا لهم: إنا نُهينا أن نعبد الذين تدعون من دون الله، معنا إله عليم بكل شيء خالق كل شيء، أنزل وحيًا على نبيه محمد، نحن مستنيرون بنوره، أغنياء به عن كل ما تصل إليه أفكاركم من كل ما خالف هذا النور وهذا المنهج: (إِنِّي نُهِيتُ أَنْ أَعْبُدَ الَّذِينَ تَدْعُونَ مِن دُونِ اللَّهِ)؛ (قُلْ أَأَنتُمْ أَعْلَمُ أَمِ اللَّهُ) [البقرة:140]، (أَلَا يَعْلَمُ مَنْ خَلَقَ وَهُوَ اللَّطِيفُ الْخَبِيرُ) [الملك:14]، (أَفَحُكْمَ الْجَاهِلِيَّةِ يَبْغُونَ ۚ وَمَنْ أَحْسَنُ مِنَ اللَّهِ حُكْمًا لِّقَوْمٍ يُوقِنُونَ) [المائدة:50].
(قُلْ إِنِّي نُهِيتُ أَنْ أَعْبُدَ الَّذِينَ تَدْعُونَ مِن دُونِ اللَّهِ) مِن آلهتكم وأصنامكم وما تَدَّعون له الألوهية كذبًا وزورًا (لَمَّا جَاءَنِيَ الْبَيِّنَاتُ مِن رَّبِّي)، أكرمني بالنبوة وبالرسالة وأنزل عليّ الآيات الواضحات وأعطاني المعجزة الكبيرة وبَيّنات من الرب -جلَّ جلاله-، (وَأُمِرْتُ أَنْ أُسْلِمَ لِرَبِّ الْعَالَمِينَ (66)) الذي يَذِلُّ له الإنس والجن والملائكة وجميع الكائنات، وهو خالقهم ومدبرهم والمُتصرف فيهم، وإليه مرجعهم وبيده أسماعهم وأبصارهم، و (مَّا مِن دَابَّةٍ إِلَّا هُوَ آخِذٌ بِنَاصِيَتِهَا) [هود:56] -جلَّ جلاله-.
(وَأُمِرْتُ أَنْ أُسْلِمَ لِرَبِّ الْعَالَمِينَ (66)) الذي يستحق العبادة وحده دون غيره، فهذا هو شأن المؤمنين؛ يُعلنون أننا في استغناء عما تدَّعونه من عِلم في كل ما خالف المنهج الحق الصواب فيما أوحى الله إلى نبيه، ونحن قد أُكرمنا بنور الحق الواضح البيِّن، فلا نترك ذلك لشيء.
وكما قال المؤمنون الذين تعمق الإيمان في قلوبهم لأول وهلة لسلطان الأرض وصاحب الاستبداد والحكم بالطاغوت فرعون: (لَن نُّؤْثِرَكَ عَلَىٰ مَا جَاءَنَا مِنَ الْبَيِّنَاتِ وَالَّذِي فَطَرَنَا ۖ فَاقْضِ مَا أَنتَ قَاضٍ ۖ إِنَّمَا تَقْضِي هَٰذِهِ الْحَيَاةَ الدُّنْيَا)، والقضية أكبر من ذلك (إِنَّا آمَنَّا بِرَبِّنَا لِيَغْفِرَ لَنَا خَطَايَانَا وَمَا أَكْرَهْتَنَا عَلَيْهِ مِنَ السِّحْرِ ۗ وَاللَّهُ خَيْرٌ وَأَبْقَىٰ)؛ لأن الغاية الكبرى لهذا الخَلق: (إِنَّهُ مَن يَأْتِ رَبَّهُ مُجْرِمًا فَإِنَّ لَهُ جَهَنَّمَ لَا يَمُوتُ فِيهَا وَلَا يَحْيَىٰ * وَمَن يَأْتِهِ مُؤْمِنًا قَدْ عَمِلَ الصَّالِحَاتِ فَأُولَٰئِكَ لَهُمُ الدَّرَجَاتُ الْعُلَىٰ * جَنَّاتُ عَدْنٍ تَجْرِي مِن تَحْتِهَا الْأَنْهَارُ خَالِدِينَ فِيهَا ۚ وَذَٰلِكَ جَزَاءُ مَن تَزَكَّىٰ) [طه:72-76]، اللهم اجعلنا ممن تزكى.
هذا الذي أَعبُدهُ وأنا أدعوكم إليه (هُوَ الَّذِي خَلَقَكُم مِّن تُرَابٍ) في تكوين أبيكم آدم، أول جسد إنساني وآدمي كوَّنه الحق -تعالى- من تراب من طين، ثم خلطه بالماء وعجنه بالماء، فصار حَمَأً مَسنُونًا، ثم يَبِسَ وتَصَلَّب فصار صَلصالًا كالفَخَّارِ، ثم نفخ فيه من روحه جلَّ جلاله:
- (هُوَ الَّذِي خَلَقَكُم مِّن تُرَابٍ) في تكوين أبيكم آدم.
- (ثُمَّ مِن نُّطْفَةٍ) في النسل والسلسلة المنحدرة من صُلبه، جعلهم مِن نطفة، فخلق آدم من التراب، وخلق مِن ضلعه حواء، (ثُمَّ جَعَلَ نَسْلَهُ مِن سُلَالَةٍ مِّن مَّاءٍ مَّهِينٍ) [السجدة:8].
- (ثُمَّ مِن نُّطْفَةٍ ثُمَّ مِنْ عَلَقَةٍ) حوّل النطفة إلى علقة -دودة- وتحولت إلى مضغة وإلى عظام وكُسيت لحمًا، ونشأت إنسانًا.
- (ثُمَّ يُخْرِجُكُمْ طِفْلًا) لا لأحدكم يدا تَبطِش، ولا سِنا يقطع، ولا قدرة على شيء، وسلَّط الرأفة والرحمة على قلوب الأبوين.. نظّفوه وغسّلوه وأرضعوه وشرّبوه حتى كَبُر.
- (ثُمَّ يُخْرِجُكُمْ طِفْلًا ثُمَّ لِتَبْلُغُوا أَشُدَّكُمْ ثُمَّ لِتَكُونُوا شُيُوخًا).
فيبقى هذا الترتيب في التكوين البشري والمراحل التي يمر بها الإنسان، الله الذي وضعها لا غيره، ولا يستطيع أحد يغيرها.
نقول نحن تطورنا خلاص ليس هناك طفولة! خلاص نخرِّجهم يمشون! هيا بسم الله ننظر تطوركم! الحيوانات تخرج تمشي، لكن الآدمي! لا بد له من مرحلة طفولة طويلة، من الذي رتب هذا؟
- الحيوان يخرج من بطن أمه يمشي على طول، ما يحتاج إلى الطفولة هذه الطويلة؛ لأن مهمته غير مهمة الإنسان.
- مهمة الإنسان عظمى يتدرج في مراحل. لا إله إلا الله! هو رتب هذا، ومَن يَقدِر يغيره؟ لا غيره رتبه ولا غيره يقدر يلغيه ولا يغيره.
أنت ترى أن الإنسان متطور كما يقول داروين في نظريته؟ تطوَّرْ حتى تشبع، سُنَّته هي الحاكمة على رأسك وعلى حالك وشأنك، الله الخالق المُكَوِّن القادر، وشأنهم في كل ما يدَّعون شأن النمرود: (قَالَ أَنَا أُحْيِي وَأُمِيتُ)، هكذا يظنون! وقل لهم: (فَإِنَّ اللَّهَ يَأْتِي بِالشَّمْسِ مِنَ الْمَشْرِقِ فَأْتِ بِهَا مِنَ الْمَغْرِبِ) [البقرة:258]، سترى عجزهم وصل إلى أين؟ ولا يقدرون على شيء، تحت حكمه وقهره وتسييره، هو الذي يسير الشمس والقمر ما أحد غيره جلَّ جلاله.
(هُوَ الَّذِي خَلَقَكُم مِّن تُرَابٍ ثُمَّ مِن نُّطْفَةٍ ثُمَّ مِنْ عَلَقَةٍ ثُمَّ يُخْرِجُكُمْ طِفْلًا ثُمَّ لِتَبْلُغُوا أَشُدَّكُمْ)، فعند بلوغ الأشُد والانتقال من الطفولة إلى الشباب وتنتهي قوته إلى أن يبلغ أشُده..إلى الثامنة والعشرين؛ ينتهي طوله في الحادية والعشرين، وينتهي صِباه في الغالب في الرابعة عشر من عمره، وهكذا يمر بالمراحل هذه (ثُمَّ يُخْرِجُكُمْ طِفْلًا ثُمَّ لِتَبْلُغُوا أَشُدَّكُمْ ثُمَّ لِتَكُونُوا شُيُوخًا)، تصلون إلى مرحلة الشيخوخة من بعد الستين ومن بعد السبعين، (وَمِنكُم مَّن يُتَوَفَّىٰ مِن قَبْلُ) من قبل أن يبلغ الأشُد، من قبل أن يكون شيخًا، (وَمِنكُم مَّن يُتَوَفَّىٰ مِن قَبْلُ) لِمَ؟
لأنكم لا تتحكمون أنتم ولا أحد يستطيع تحديد أعماركم غيره، فمنكم مَن يُتوفى طفلًا، ومنكم مَن يُتوفى شابًّا، ومنكم مَن يُتوفى كهلًا، منكم من يُتوفى شيخًا كبيرًا. (وَلِتَبْلُغُوا أَجَلًا مُّسَمًّى)، كل واحد منكم مُرَتَّب له عمر وعدد أنفاس ولحظات من حين خروجه من بطن أمه إلى خروج روحه من الجسد، فلا يزيد ولا ينقص.
وكم مِن قويٍّ صحيح مَرِحٍ يموت يقولون: مات بسكتة قلبية، ما ندري كيف جاءت له، رَوَّح الرِّجَّال! وفجأة؛ والبارح كان..! وإلا سقطة، وإلا رصاصة، وإلا قنبلة، وإلا هزة من الأرض ورَوَّح، ولا نفع صحّته ولا قوّته ولا..! وكم من مريض، وكم من متعوب، ويمتد عمره ويطول سنين، وكم من صحيح يموت، وهذا المتعوب بخير!
خرج مرّة رجلان اثنان من بعض الوديان عندنا في (دوعن) إلى المستشفى في (سيئون)، واحد مريض، والثاني أخ له يُمرِّضه، والذي جلس أيّامًا يُمرِّض أخاه مات وهو الصّحيح ! والمريض تعافى ورجع، والناس يسألون يقولون مات فلان؟، قالوا: لا، الذي مات فلان أي الصحيح!، قالوا: كيف؟ المريض فلان؟، قالوا: المريض تعافى ! والذي خرج يعالجه هو الذي مات! لا إله إلا الله.
(وَلِتَبْلُغُوا أَجَلًا مُّسَمًّى) محدّدا معيّنا من قِبل الخالق، تأتيه لحظة كذا في مكان كذا في حالة كذا وتقبض روحه وانتهت المسألة! فلا يتقدّم ولا يتأخّر.
وكم من مُعادَى متربَّص به، ويصلّحون له محاولات اغتيال ثلاث مرات وأربع وعشر.. ولا يموت! وواحد ما أحد يعاديه، ولا أحد يتربّص به، و لا أحد يغتاله، يمشي في الطريق يموت! سبحان (الَّذِي يُحْيِي وَيُمِيتُ) جلّ جلاله!
(وَمِنكُم مَّن يُتَوَفَّىٰ مِن قَبْلُ ۖ وَلِتَبْلُغُوا أَجَلًا مُّسَمًّى وَلَعَلَّكُمْ تَعْقِلُونَ (67))، هذه الحقيقة! انظروا من المحيي المميت؟ من خالق الحياة والموت؟
- (هُوَ الَّذِي يُحْيِي وَيُمِيتُ) -جلّ جلاله وتعالى في علاه-..
- لا غيره يحيي، و يخلق من العدم، ويُميت من يشاء.
- ويحيي الأموات متى شاء، ويُميت الأحياء متى شاء.
- فهو الحيّ قبل أن يكون حيّ، وهو الحيّ بعد كل حيّ -سبحانه وتعالى-.
- وهو الحيّ الذّي يحيي الموتى ويميت الأحياء، لا إله إلا هو.
(هُوَ الَّذِي يُحْيِي وَيُمِيتُ ۖ فَإِذَا قَضَىٰ أَمْرًا) حكم بأمرٍ، وأراد أمرًا (فَإِنَّمَا يَقُولُ لَهُ كُن فَيَكُونُ (68))، يعني الوجود والكائنات طوع أمره وإرادته، ما يحتاج فيه إلى معالجة ولا محاولة، كما إذا أردتم شيئًا أنتم تحاولون وترتبون أنفسكم، إنّما مجرّد إرادته هي الفعّالة، فإذا أراد شيئا.. فإنما يقول له: (كُنْ)، يعني بمجرّد أن يريده أن يكون يكن كما كان، أن (يَقُولُ لَهُ كُن فَيَكُونُ) كما أراد، وكما رتّب -سبحانه وتعالى-. فما لنا جسد ولا روح إلّا من تحت إرادة الرحمن، من تحت سرّ (كُنْ)، وبصرك تحت سرّ (كُنْ)، وسمعك تحت سرّ (كُنْ)، وحياتك تحت سرّ (كُنْ)، وموتك تحت سرّ (كُنْ).
كلّه (إِنَّمَا يَقُولُ لَهُ كُنْ فَيَكُونُ)، لا إله إلا الله، أي: الوجود وما فيه تحت إرادته فلا يكون إلّا ما أراد، ما شاء الله كان وما لم يشأ لم يكن (هُوَ الَّذِي يُحْيِي وَيُمِيتُ ۖ فَإِذَا قَضَىٰ أَمْرًا فَإِنَّمَا يَقُولُ لَهُ كُن فَيَكُونُ (68))
قال الله فتعجَّبْ في هؤلاء المجادلين في الآيات: (أَلَمْ تَرَ إِلَى الَّذِينَ يُجَادِلُونَ فِي آيَاتِ اللَّهِ) وهي واضحة بيّنة (أَنَّىٰ يُصْرَفُونَ (69))، عن الحقّ وعن الهدى وعن الرُّشد، وعن الأمر الواضح الطّيّب (أَنَّىٰ يُصْرَفُونَ)، من الذي يصرفهم ويحرفهم إلى الباطل؟!
(أَلَمْ تَرَ إِلَى الَّذِينَ يُجَادِلُونَ فِي آيَاتِ اللَّهِ أَنَّىٰ يُصْرَفُونَ (69) الَّذِينَ كَذَّبُوا بِالْكِتَابِ) المُنزَّل، وما أنزل الله من كتب:
- فلا يَصِحُّ إيمان إنسيٍّ ولا جنّيٍّ حتّى يؤمن بجميع كتب الله المنزلة أنّها حقٌّ وصدق، وبقي منها الذي لم يصله أدنى تحريف ولا تغيير؛ القرآن الكريم.
- والتوراة والإنجيل والزبور والقرآن، وجميع الكتب المنزلة على الأنبياء والصحف المنزلة على الأنبياء؛ هي كلام الله و هي حقٌّ وصدق؛ فلا بد من الإيمان بالكتب.
وهؤلاء (الَّذِينَ كَذَّبُوا بِالْكِتَابِ وَبِمَا أَرْسَلْنَا بِهِ رُسُلَنَا)، وكان ينظر أيضًا بعض أهل العلم إلى الذين يُكذِّبون بالقضاء والقدر من قِبَل الله -تبارك وتعالى-، وكان هؤلاء (يُجَادِلُونَ فِي آيَاتِ اللَّهِ أَنَّىٰ يُصْرَفُونَ(69)) عن الحقيقة، فالحق -تعالى- يقول لهم:
- (وَمَا تَشَاءُونَ إِلَّا أَن يَشَاءَ اللَّهُ رَبُّ الْعَالَمِينَ) [التكوير:29].
- و (إِنَّمَا قَوْلُنَا لِشَيْءٍ إِذَا أَرَدْنَاهُ أَن نَّقُولَ لَهُ كُن فَيَكُونُ) [النحل:40].
قال: هؤلاء يجادلون في آيات الله وصُرفوا عن الحق، و (كَذَّبُوا بِالْكِتَابِ) أي: بالقضاء والقدر، بما كتبنا في الأزل من تكوين الأشياء على ما أردنا، وما سبق في الكتاب، أي كتبناه، قضيناه وحكمنا به، أي: ينكرون القدر والقضاء، ولا يعلمون أن كل شيء مُقدَّر ولا يكون إلا ما شاء الرحمن -جل جلاله وتعالى- (إِنَّا كُلَّ شَيْءٍ خَلَقْنَاهُ بِقَدَرٍ) [القمر:49] جل جلاله.
(الَّذِينَ كَذَّبُوا بِالْكِتَابِ وَبِمَا أَرْسَلْنَا بِهِ رُسُلَنَا) من أنه لا يكون كائن إلا بأمرنا، (فَسَوْفَ يَعْلَمُونَ (70))، وجميع المشركين والكفار من باب أولى هم الذين تنصرف الآية إليهم أولًا.
(فَسَوْفَ يَعْلَمُونَ (70) إِذِ الْأَغْلَالُ) في ساعة المرجع إلى الحق وانكشاف الحقائق ووقوع العذاب عليهم، يعلمون أنَّ جدالهم الباطل ما ينفعهم، ويتمنّون لو كانوا آمنوا (رُّبَمَا يَوَدُّ الَّذِينَ كَفَرُوا لَوْ كَانُوا مُسْلِمِينَ) [الحجر:2]، يجيء وقت كل الكفار يودُّوا أنهم أسلموا في الدنيا، وأنهم اتبعوا الأنبياء، (فَذَرْهُمْ يَخُوضُوا وَيَلْعَبُوا) [المعارج:42]، (وَيُلْهِهِمُ الْأَمَلُ ۖ فَسَوْفَ يَعْلَمُونَ) [الحجر:3].
(فَسَوْفَ يَعْلَمُونَ (70) إِذِ الْأَغْلَالُ فِي أَعْنَاقِهِمْ)، تُغَلُّ بها الأعناق في القيامة ثم في النار، (وَالسَّلَاسِلُ)، (ثُمَّ فِي سِلْسِلَةٍ ذَرْعُهَا سَبْعُونَ ذِرَاعًا فَاسْلُكُوهُ) [الحاقة:32].
(يُسْحَبُونَ (71) فِي الْحَمِيمِ)، الحميم: الماء الحار بالقيح والصَّديد الذي يخرج من فروج الزُّناة وأهل الفواحش، يُغلى في النار، ويكون شراب أهل النّار:
- (كَالْمُهْلِ يَشْوِي الْوُجُوهَ ۚ بِئْسَ الشَّرَابُ وَسَاءَتْ مُرْتَفَقًا) [الكهف:29].
- (وَسُقُوا مَاءً حَمِيمًا فَقَطَّعَ أَمْعَاءَهُمْ) [محمد:15].
إذا قرّبوه من الوجه شَوَى الوجه، إذا سُقوه قطَّع الأمعاء، وتعود الأمعاء، ويعود الوجه، وثاني مرة وثالث مرة وهكذا، (لَّابِثِينَ فِيهَا أَحْقَابًا) [النبأ:23] بلا نهاية. اللّهم أجرنا من النار.
(إِذِ الْأَغْلَالُ فِي أَعْنَاقِهِمْ وَالسَّلَاسِلُ يُسْحَبُونَ (71) فِي الْحَمِيمِ ثُمَّ فِي النَّارِ يُسْجَرُونَ (72))، يُشوَون يصلونها فيُشوَون فيها، وتحرق جلودهم، وتحرق لحومهم، وتصدع قلوبهم، وتحرق عظامهم، ثم تعود، (كُلَّمَا نَضِجَتْ جُلُودُهُم بَدَّلْنَاهُمْ جُلُودًا غَيْرَهَا لِيَذُوقُوا الْعَذَابَ) [النساء:56]. اللّهم أجرنا من عذابك.
(ثُمَّ قِيلَ لَهُمْ أَيْنَ مَا كُنتُمْ تُشْرِكُونَ (73) مِن دُونِ اللَّهِ)، أين الذي كنتم تعتمدون عليه غير الله؟ والذي كنتم تستندون إليه؟ (قَالُوا ضَلُّوا عَنَّا بَل لَّمْ نَكُن نَّدْعُو مِن قَبْلُ شَيْئًا)، يقعدون ينكرون، يقولون: والله ما كنا مشركين! (وَإِذَا رَأَى الَّذِينَ أَشْرَكُوا شُرَكَاءَهُمْ قَالُوا رَبَّنَا هَٰؤُلَاءِ شُرَكَاؤُنَا الَّذِينَ كُنَّا نَدْعُو مِن دُونِكَ ۖ فَأَلْقَوْا إِلَيْهِمُ الْقَوْلَ إِنَّكُمْ لَكَاذِبُونَ * وَأَلْقَوْا إِلَى اللَّهِ يَوْمَئِذٍ السَّلَمَ) [النحل:86-87]، كلهم استسلموا، (وَضَلَّ عَنْهُم مَّا كَانُوا يَفْتَرُونَ) [هود:21].
(أَيْنَ مَا كُنتُمْ تُشْرِكُونَ (73) مِن دُونِ اللَّهِ ۖ قَالُوا ضَلُّوا عَنَّا بَل لَّمْ نَكُن نَّدْعُو مِن قَبْلُ شَيْئًا ۚ كَذَٰلِكَ يُضِلُّ اللَّهُ الْكَافِرِينَ (74))، لهم مسالك على ظهر الأرض يفرحون بغير حقّ، يمرحون بغير حقّ، يفرحون بالذّنوب وبالمعاصي، وبالإفساد وبقواهم وباختراعاتهم، يفرحون بها: (فَلَمَّا جَاءَتْهُمْ رُسُلُهُم بِالْبَيِّنَاتِ فَرِحُوا بِمَا عِندَهُم مِّنَ الْعِلْمِ وَحَاقَ بِهِم مَّا كَانُوا بِهِ يَسْتَهْزِئُونَ (83)).
ثم قال: (فَلَمَّا رَأَوْا بَأْسَنَا) نزل بهم العذاب، (قَالُوا آمَنَّا بِاللَّهِ وَحْدَهُ وَكَفَرْنَا بِمَا كُنَّا بِهِ مُشْرِكِينَ (84) فَلَمْ يَكُ يَنفَعُهُمْ إِيمَانُهُمْ لَمَّا رَأَوْا بَأْسَنَا ۖ سُنَّتَ اللَّهِ الَّتِي قَدْ خَلَتْ فِي عِبَادِهِ ۖ وَخَسِرَ هُنَالِكَ الْكَافِرُونَ (85)) -والعياذ بالله تبارك وتعالى-.
(كَذَٰلِكَ يُضِلُّ اللَّهُ الْكَافِرِينَ (74) ذَٰلِكُم بِمَا كُنتُمْ تَفْرَحُونَ فِي الْأَرْضِ بِغَيْرِ الْحَقِّ)، لكن المؤمنون، نحن فرحنا برمضان، وسُررنا به، هذا فرح بحق؛ لأنّ رمضان شهر اصطفاه الحقّ -تعالى-، وأنزل فيه القرآن، وجعل فيه رحمات لنا وخيرات، فإذا فرحنا، فرحنا بحق، لكن أولئك يفرحون بماذا؟ يفرحون أنّهم قتّلوا أم أنّهم فتحوا أماكن خلاعة؟! يفرحون بغير الحق، ويفرحون إنّنا علمنا كذا، وطلعنا كذا، واحد قال: وصلنا القمر، وواحد قال: وصلنا المريخ، وكلّهم مَقْمرون مَمْرخون!، ولا جابوا لنا فائدة، لا من القمر ولا من المريخ، ولا صلّحوا للأرض شيئًا، ما الذي أحدثوه في الأرض؟ ما الذي تغيّر في حياة الأرض يوم وصلوا القمر؟ الذي ادّعوه -إن كان وصلوا-، الفريق الثاني يقول: كذابون لا وصلتم ولا جئتم، كلهم يقولون عنهم : علميّين، يكذب بعضهم بعضًا، ولو كان علما صحيحا ما يقع تكذيب لبعضهم البعض، العلم واحد: إدراك الأمر على ما هو عليه في الواقع، لكن ما عندهم علم، لا إله إلا الله.
(ذَٰلِكُم بِمَا كُنتُمْ تَفْرَحُونَ فِي الْأَرْضِ بِغَيْرِ الْحَقِّ وَبِمَا كُنتُمْ تَمْرَحُونَ (75)) بغير الحق، يدورون لهم، سلوة لنفوسهم وفرح، ولا يحصل لهم الفرح! يمرحون ويختلطون ويعزفون ويأتون الآلات المحرّمة، ولا فائدة!، الهمّ فيهم والغمّ فيهم، يصنعون مرح و يوجد فرح ولا طمأنينة! وإن فرحوا، فرحوا بغير الحق! لا سرور لهم، ولا طمأنينة في قلوبهم.
لكن المؤمنون:
- (قُلْ بِفَضْلِ اللَّهِ وَبِرَحْمَتِهِ فَبِذَٰلِكَ فَلْيَفْرَحُوا هُوَ خَيْرٌ مِّمَّا يَجْمَعُونَ) [يونس:58].
- (الَّذِينَ آمَنُوا وَتَطْمَئِنُّ قُلُوبُهُم بِذِكْرِ اللَّهِ ۗ أَلَا بِذِكْرِ اللَّهِ تَطْمَئِنُّ الْقُلُوبُ) [الرعد:28].
فالفرِحون بغير حق، فرِحون بغير الله ورحمته، هم الذين يكرههم الله، قال فيهم: (قَالَ لَهُ قَوْمُهُ لَا تَفْرَحْ ۖ إِنَّ اللَّهَ لَا يُحِبُّ الْفَرِحِينَ) بالأموال وبالفانيات وبالسّلطة على النّاس، قال: (لَا تَفْرَحْ إِنَّ اللَّهَ لَا يُحِبُّ الْفَرِحِينَ) [القصص:76]، لكن يحب الفرحين بفضله: (قُلْ بِفَضْلِ اللَّهِ وَبِرَحْمَتِهِ فَبِذَٰلِكَ فَلْيَفْرَحُوا) [يونس:58]؛ لأنّ هذا فرح بحق، الفرح بغير رحمة الله وفضله فرح بباطل. لا إله إلا الله.
ثم يذكر لنا ما ينازلهم في الآخرة وما يقال لهم في المستقبل الكبير الذي نقبل كلّنا عليه من آمن ومن كفر، ولا نجد إلّا إلهًا واحدًا وحاكمًا واحدًا:
- (قَوْلُهُ الْحَقُّ ۚ وَلَهُ الْمُلْكُ يَوْمَ يُنفَخُ فِي الصُّورِ ۚ عَالِمُ الْغَيْبِ وَالشَّهَادَةِ ۚ وَهُوَ الْحَكِيمُ الْخَبِيرُ) [الأنعام:73].
- (وَسَيَعْلَمُ الَّذِينَ ظَلَمُوا أَيَّ مُنقَلَبٍ يَنقَلِبُونَ) [الشعراء:227].
- (قُلْ فَانتَظِرُوا إِنِّي مَعَكُم مِّنَ الْمُنتَظِرِينَ) [يونس:102].
- (فَهَلْ يَنظُرُونَ إِلَّا سُنَّتَ الْأَوَّلِينَ ۚ فَلَن تَجِدَ لِسُنَّتِ اللَّهِ تَبْدِيلًا ۖ وَلَن تَجِدَ لِسُنَّتِ اللَّهِ تَحْوِيلًا) [فاطر:43].
- (قُلْ يَجْمَعُ بَيْنَنَا رَبُّنَا ثُمَّ يَفْتَحُ بَيْنَنَا بِالْحَقِّ وَهُوَ الْفَتَّاحُ الْعَلِيمُ) [سبإ:26]، -جل جلاله-.
اجعل اللّهم مآلنا خيرًا وسعادة، واربطنا اللّهم بسيّد السّعداء في الغيب والشّهادة، وهب لنا منك الحسنى وزيادة، وعاملنا بفضلك وما أنت أهله في جميع الشؤون في الظّهور والبطون، يا من يقول للشيء كن فيكون. اجعلنا في أهل السّعادات الكبرى، وتولّنا بما أنت أهله في الدنيا والأخرى، واجعلنا ظافرين بخيرات خاتمة رمضان، وما فيه من العطايا الحسان والمنح الرِّزان، والجود والإحسان وما لا يصل إليه حد ولا حصر ولا بيان.
اللّهم لا تحرمنا خير ما عندك يا ذا الامتنان لشر ما عندنا من الغبش والكدر والعصيان، اللّهم اعف عنّا واغفر لنا إنّك عفو تحبّ العفو فاعف عنّا، ولا تحرمنا خير ما عندك لشر ما عندنا، وزدنا من فضلك ما أنت أهله.
بِسِرِّ الْفَاتِحَةِ
إِلَى حَضْرَةِ النَّبِيِّ محمد، اللهمَّ صَلِّ وَسَلِّمْ وَبَارِكْ عَلَيْهِ وَعَلَى آلِهِ وَصَحْبِهِ
الْفَاتِحَة
23 رَمضان 1447