تفسير سورة غافر - 11 - من قوله تعالى { وما يستوي الأعمى والبصير والذين آمنوا وعملوا الصالحات ولا المسيء..} الآية 58 إلى الآية 65

للاستماع إلى الدرس

الدرس الحادي عشر من تفسير العلامة عمر بن محمد بن حفيظ للآيات الكريمة من سورة غافر، ضمن الدروس الصباحية لشهر رمضان المبارك من عام 1447هـ ، تفسير قوله تعالى:

 وَمَا يَسْتَوِي الْأَعْمَىٰ وَالْبَصِيرُ وَالَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ وَلَا الْمُسِيءُ ۚ قَلِيلًا مَّا تَتَذَكَّرُونَ (58) إِنَّ السَّاعَةَ لَآتِيَةٌ لَّا رَيْبَ فِيهَا وَلَٰكِنَّ أَكْثَرَ النَّاسِ لَا يُؤْمِنُونَ (59) وَقَالَ رَبُّكُمُ ادْعُونِي أَسْتَجِبْ لَكُمْ ۚ إِنَّ الَّذِينَ يَسْتَكْبِرُونَ عَنْ عِبَادَتِي سَيَدْخُلُونَ جَهَنَّمَ دَاخِرِينَ (60) اللَّهُ الَّذِي جَعَلَ لَكُمُ اللَّيْلَ لِتَسْكُنُوا فِيهِ وَالنَّهَارَ مُبْصِرًا ۚ إِنَّ اللَّهَ لَذُو فَضْلٍ عَلَى النَّاسِ وَلَٰكِنَّ أَكْثَرَ النَّاسِ لَا يَشْكُرُونَ (61) ذَٰلِكُمُ اللَّهُ رَبُّكُمْ خَالِقُ كُلِّ شَيْءٍ لَّا إِلَٰهَ إِلَّا هُوَ ۖ فَأَنَّىٰ تُؤْفَكُونَ (62) كَذَٰلِكَ يُؤْفَكُ الَّذِينَ كَانُوا بِآيَاتِ اللَّهِ يَجْحَدُونَ (63) اللَّهُ الَّذِي جَعَلَ لَكُمُ الْأَرْضَ قَرَارًا وَالسَّمَاءَ بِنَاءً وَصَوَّرَكُمْ فَأَحْسَنَ صُوَرَكُمْ وَرَزَقَكُم مِّنَ الطَّيِّبَاتِ ۚ ذَٰلِكُمُ اللَّهُ رَبُّكُمْ ۖ فَتَبَارَكَ اللَّهُ رَبُّ الْعَالَمِينَ (64) هُوَ الْحَيُّ لَا إِلَٰهَ إِلَّا هُوَ فَادْعُوهُ مُخْلِصِينَ لَهُ الدِّينَ ۗ الْحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ (65)

صباح الأربعاء 22 رمضان 1447 هجري.

نص الدرس مكتوب:

 

الحمدُ للهِ مولانا الحي القيوم السميع البصير اللَّطيف الخَبير، لا إلهَ إلا هو العليمُ القدير، لا شريكَ له. بعثَ إِلينَا عبدَهُ البشيرَ النَّذيرَ السِّراجَ المُنيرَ محمدًا بالهُدى ودينِ الحق (لِيُظْهِرَهُ عَلَى الدِّينِ كُلِّهِ وَلَوْ كَرِهَ الْمُشْرِكُونَ) [التوبة:33]، فصلِّ اللهم وسلِّم وبارك على عبدِك الحبيبِ الأمينِ المأمُون الذي بعثْتَهُ إِلينا لنَرتقِي أعلى مراتبَ الفهمِ عنكَ والمعرفةِ بكَ مع مَن يرتقُون على حسبِ استِجابَتِنَا لندائِك على لسانِه؛ فاللهم ارزقنا حُسنَ الاِستِجابة، وارفعنَا مع مَن ارتَضيتَ واصطفيتَ إلى أعلى ذُرَى الإِنَابةِ والإصابةِ برحمتِكَ يا أرحمَ الرَّاحمين. وصلِّ معه على آلِه وصحبِه ومَن سارَ في دَربِه، وعلى آبائِه وإخوانِه من أنبيائِك ورسلِك وآلهِم وصحبِهِم وتابعيهِم، وعلى ملائكتِكَ المُقرَّبِين، وعلى جميعِ عبَادِك الصَّالحيِن، وعلينا معهم وفيهم برحمتِكَ يا أرحمَ الرَّاحمين.

أمَّا بَعدُ،،

فإنّنا في منَّةِ وفضلِ ونعمةِ تأمُّلِنا لكلام إلهنا وربّنا وخالقنا وخالق كل شيء وربِّ كل شيء -سبحانه وتعالى-. 

مررنا في سورة غافر على قوله سبحانه وتعالى: (وَمَا يَسْتَوِي الْأَعْمَىٰ وَالْبَصِيرُ وَالَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ وَلَا الْمُسِيءُ)، فالذين آمنوا وعملوا الصالحات مكان البصير:

  • لأنهم أبصروا عن الله تبارك وتعالى آياته، وفقهوا عنه خطاباته:
    • فهم الذين أبصروا ورأوا آيات الله الواضحة البيِّنة الدَّالة على وحدانيته وعظمته. 
    • فصدَّقوا برسوله ﷺ وعمِلوا على طاعته. 
  • والمُسيئون الذين أساءوا:
    •  في الفكِر والاعتقاد بالكفر.
    • وفي الأعمال بالمعاصي والذنوب والسيئات؛ هم العُميان، كلٌّ منهم أعمى. 

عموا عن إدراك الآيات الواضحات، ولم يُبصروا سَنَا الإشارات الجليَّات والدلائل الواضحات. 

يقولُ: (وَمَا يَسْتَوِي الْأَعْمَىٰ وَالْبَصِيرُ وَالَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ وَلَا الْمُسِيءُ ۚ قَلِيلًا مَّا تَتَذَكَّرُونَ (58))، وفي قراءة: (قَلِيلٗا مَّا يَتَذَكَّرُونَ).

اللهم ارزقنا حسن التَّذكّر والتَّبصُّر برحمتك يا أرحم الرَّاحمين.

ويتذكّر الإنسان برؤية آيات الله -تبارك وتعالى-:

  • شؤون عظمته.
  • ويتذكر عهدًا بينه وبين الله، يُحسُّ به في باطِنه، أشهدنا على أنفسنا: (أَلَسْتُ بِرَبِّكُمْ) [الأعراف:172].
  • ثُمَّ يتذكّر أنَّه لا يُمكن أن يخلق الخلق عبثًا ولا لعبًا ولا لهوًا ولا هزوًا.
  • ثُمَّ يَتذكَّر أن المَصير كبير، وشأنه خطير، وأنَّ النَّاقد بصير، وأنَّه يُحاسَبُ على القليلِ والكثيرِ والنقيرِ والقطمِيرِ. 

فيا فوز من سامحه وعفا عنه وغفر له، ويا ويل من آخذه بذنوبه وأحاطت به خطيئته -والعياذ بالله تبارك وتعالى-.

هذا التَّذكّر:

  • يُنوِّر الباطن.
  • ويُزيل عنه الكدُورات.

فينبغي أن يكون هذا من ما يطرأ على فكر المؤمن ويتردد على ذهنه:

  • ليكون أصفى.
  • وليكون أوفى.
  • وليكون ذلك أشفى لباطنه مما يعلِق به من أنواع الالتفاتات إلى غير الله -جلّ جلاله وتعالى في علاه-.

ثُمَّ يقول: (إِنَّ السَّاعَةَ)، أي الساعة التي قدَّر الله -تعالى- فيها جمع الأولين والآخرين بإنهاءِ مظاهرِ هذه الأكوان التي أقامها حجَّة -سبحانه وتعالى- وأدلَّة على عظمته وقدرته وإرادته، وجعل لها أجلًا مُسمَّى، ثم تتحوّل وتتبدّل كلها فتأتي تلك الساعة التي يُنهِي فيها مظاهر هذا العالم إلى شيءٍ آخر. ثم يأمر إسرافيل بالنفخ في الصور فيُحيي كل من كان ذا نفسٍ في أيام الحياة الدنيا، من حين خلقها إلى حين النفخ في الصور ويجتمعون: (وَنُفِخَ فِي الصُّورِ فَصَعِقَ مَن فِي السَّمَاوَاتِ وَمَن فِي الْأَرْضِ إِلَّا مَن شَاءَ اللَّهُ ۖ ثُمَّ نُفِخَ فِيهِ أُخْرَىٰ فَإِذَا هُمْ قِيَامٌ يَنظُرُونَ) [الزمر:68].

(إِنَّ السَّاعَةَ) في جمع الخلائق وحشرهم وقيامهم بإذن ربّهم.

(لَآتِيَةٌ) آتية بلا ريبٍ ولا مِريةٍ ولا شكٍ.

(إِنَّ السَّاعَةَ لَآتِيَةٌ لَّا رَيْبَ فِيهَا وَلَٰكِنَّ أَكْثَرَ النَّاسِ لَا يُؤْمِنُونَ (59)).

لا يُحسِنُون استعمال ما أوتوا من نعمة: العقل، والبصر، والسمع، والإدراك.

فيحرِفونه ويصرفونه عن حسن التأمّل والإنصاف، وحسن التفكّر في الحقائق؛ اغْتِرارًا بشيءٍ من مُتع الحياة الدنيا، أو بشيءٍ ممَّا يلقيه إليهم الموسوسون والضَّالون من إبليس وجنده -من شياطين الإنس والجن-..

  • يقول: (قُلْ أَعُوذُ بِرَبِّ النَّاسِ * مَلِكِ النَّاسِ * إِلَٰهِ النَّاسِ * مِن شَرِّ الْوَسْوَاسِ الْخَنَّاسِ * الَّذِي يُوَسْوِسُ فِي صُدُورِ النَّاسِ * مِنَ الْجِنَّةِ وَالنَّاسِ) [الناس:1-6]. 
  • وقال تعالى: (وَكَذَٰلِكَ جَعَلْنَا لِكُلِّ نَبِيٍّ عَدُوًّا شَيَاطِينَ الْإِنسِ وَالْجِنِّ يُوحِي بَعْضُهُمْ إِلَىٰ بَعْضٍ زُخْرُفَ الْقَوْلِ غُرُورًا ۚ وَلَوْ شَاءَ رَبُّكَ مَا فَعَلُوهُ ۖ فَذَرْهُمْ وَمَا يَفْتَرُونَ) [الأنعام:112]. 

(إِنَّ السَّاعَةَ لَآتِيَةٌ لَّا رَيْبَ فِيهَا)، لا مجال للشك والآياتُ في إحداث هذه الكائنات واضحة بيِّنة لكل ذي عقل؛ أنَّ الذي أوجد هذا الوجود بهذه القوّة والعظمة والتَّرتيب البديع الحسن لا يعجز عن: 

  • أن يخلق أمثالنا وأمثال أمثالنا. 
  • وأن يُعيدنا، ويُعيدنا مرة وبعد مرة إذا أراد -سبحانه وتعالى-.

لا مجال للشك بعد أن يُخبرنا على ألسن رسله أنه يعيدنا: (كَمَا بَدَأْنَا أَوَّلَ خَلْقٍ نُّعِيدُهُ) [الأنبياء:104]. 

ثُمَّ يُعاتِب الذين انصرفوا عن إدراك هذه الحقيقة مُغتَرِّين بشيءٍ من مُتع الدنيا فيقول لهم وهم في النار: (أَفَحَسِبْتُمْ أَنَّمَا خَلَقْنَاكُمْ عَبَثًا وَأَنَّكُمْ إِلَيْنَا لَا تُرْجَعُونَ * فَتَعَالَى اللَّهُ الْمَلِكُ الْحَقُّ) [المؤمنون:115]، أن يكون خلق شئًا عبثًا، أو أن يعجز عن الإرجاع، أو أن يُوقِف الناس بين يديه ويحاسبهم -جلّ جلاله-  يعفو عمن يشاء ويعذب من يشاء. 

يقول جلّ جلاله: (وَلَٰكِنَّ أَكْثَرَ النَّاسِ لَا يُؤْمِنُونَ (59))، وينصرفون عن الإيمان مع وجود الأدلِّة الواضِحة لسُلطة الأهواء والأنفس والإذعان لوساوس عدوّهم. 

  • ويقول سبحانه وتعالى: (وَمَا أَرْسَلْنَا مِن قَبْلِكَ مِن رَّسُولٍ وَلَا نَبِيٍّ إِلَّا إِذَا تَمَنَّىٰ) -يعني: تمنّى هداية قومه، وإدراكهم للحقيقة، والاستمساك بالعروة الوثيقة- (أَلْقَى الشَّيْطَانُ فِي أُمْنِيَّتِهِ) [الحج:52]. 
  • يقولون: لا تُصدّقون؛ كذاب هذا! بيمنعكم من شهواتكم! 
  • أو كما تقدّم معنا: (إِن فِي صُدُورِهِمْ إِلَّا كِبْرٌ مَّا هُم بِبَالِغِيهِ).
    • يقول: تتبعونه وتصيرون أتباعاً أذلاء له! خلوكم أنتم أعزاء ما وأنتم متْبوعون! 

وما بلغوا ذلك؛ بل تغيّرت الأحوال عليهم وصاروا عِبرة للمُعتبرين، (إِن فِي صُدُورِهِمْ إِلَّا كِبْرٌ مَّا هُم بِبَالِغِيهِ) [غافر:56].

فإذا بُعِث نبي ورسول، وتمنى هداية قومه وجماعته وأمته، ألقى الشيطان في أمنيته، يقولون: لا تتبعوه، لا تصدِّقوه، سيمنعكم، هذا بشر مِثلكم! (وَمَا أَرْسَلْنَا مِن قَبْلِكَ مِن رَّسُولٍ وَلَا نَبِيٍّ إِلَّا إِذَا تَمَنَّىٰ أَلْقَى الشَّيْطَانُ فِي أُمْنِيَّتِهِ فَيَنسَخُ اللَّهُ مَا يُلْقِي الشَّيْطَانُ) من قلوب وعقول الذين أراد لهم السعادة والخير والفوز، (ثُمَّ يُحْكِمُ اللَّهُ آيَاتِهِ ۗ وَاللَّهُ عَلِيمٌ حَكِيمٌ * لِّيَجْعَلَ مَا يُلْقِي الشَّيْطَانُ فِتْنَةً لِّلَّذِينَ فِي قُلُوبِهِم مَّرَضٌ وَالْقَاسِيَةِ قُلُوبُهُمْ ۗ وَإِنَّ الظَّالِمِينَ لَفِي شِقَاقٍ بَعِيدٍ * لِّيَجْعَلَ مَا يُلْقِي الشَّيْطَانُ فِتْنَةً لِّلَّذِينَ فِي قُلُوبِهِم مَّرَضٌ وَالْقَاسِيَةِ قُلُوبُهُمْ ۗ وَإِنَّ الظَّالِمِينَ لَفِي شِقَاقٍ بَعِيدٍ * وَلِيَعْلَمَ الَّذِينَ أُوتُوا الْعِلْمَ أَنَّهُ الْحَقُّ مِن رَّبِّكَ فَيُؤْمِنُوا بِهِ فَتُخْبِتَ لَهُ قُلُوبُهُمْ ۗ وَإِنَّ اللَّهَ لَهَادِ الَّذِينَ آمَنُوا إِلَىٰ صِرَاطٍ مُّسْتَقِيمٍ)، اللهم اهدنا إلى الصراط المستقيم، (وَلَا يَزَالُ الَّذِينَ كَفَرُوا فِي مِرْيَةٍ مِّنْهُ حَتَّىٰ تَأْتِيَهُمُ السَّاعَةُ بَغْتَةً أَوْ يَأْتِيَهُمْ عَذَابُ يَوْمٍ عَقِيمٍ * الْمُلْكُ يَوْمَئِذٍ لِّلَّهِ) [الحج:52-56] الحق -جلّ جلاله وتعالى في علاه-.

يقول: (وَلَٰكِنَّ أَكْثَرَ النَّاسِ لَا يُؤْمِنُونَ (59) وَقَالَ رَبُّكُمُ ادْعُونِي): آمنوا بي و بما أنزلت على رسلي.. 

  • (ادْعُونِي) إلهاً وخالقاً قادراً أقدّم وأؤخّر، و أحيي وأميت، وأنفع وأضُر، و أشقي وأسعِد، وأنعّم وأعذّب، (ادْعُونِي).
  • (ادْعُونِي) واعملوا بطاعتي أستجب لكم، أجيب دعاءكم وأقبل أعمالكم التي تعملونها لي.

(وَقَالَ رَبُّكُمُ ادْعُونِي أَسْتَجِبْ لَكُمْ)، فدعاء الحق تبارك وتعالى بالألوهية والربوبية، وما يليق به من الصفات تنزيهه وتقديسه هو عين العبادة، هو حقيقة الإيمان؛ لهذا قال: (إِنَّ الَّذِينَ يَسْتَكْبِرُونَ عَنْ عِبَادَتِي)، فلا يدعوني ولا يتذللون لي؛ (سَيَدْخُلُونَ جَهَنَّمَ دَاخِرِينَ (60)).

وجاء في الحديث عنه ﷺ في عدد من الروايات، قال:"الدُّعاءُ هو العبادةُ ثمَّ قرأ: (وَقَالَ رَبُّكُمُ ادْعُونِي أَسْتَجِبْ لَكُمْ ۚ إِنَّ الَّذِينَ يَسْتَكْبِرُونَ عَنْ عِبَادَتِي سَيَدْخُلُونَ جَهَنَّمَ دَاخِرِينَ (60))". ولما قال بعض التابعين لبعض كبار التابعين: أبلغك أن الدعاء نصف العبادة؟ قال: لا؛ بل هو العبادة كلها، وذكر الحديث "الدُّعاءُ هو العبادةُ"، وقرأ قوله تعالى: (وَقَالَ رَبُّكُمُ ادْعُونِي أَسْتَجِبْ لَكُمْ ۚ إِنَّ الَّذِينَ يَسْتَكْبِرُونَ عَنْ عِبَادَتِي سَيَدْخُلُونَ جَهَنَّمَ دَاخِرِينَ (60)).

معنى (دَاخِرِينَ): صاغرين ذليلين؛ وهذا يناسب ِبْبرهم؛ فإن الله يذلّ كل مُتكبّر.

وهكذا الذين يستكبِرون عن عِبادة الله -تبارك وتعالى- ويقعون في هون وذلّة عبادة أهوائهم وأنفسهم، أو عبيد مثلهم، أو شيء من الكائنات، ويستكبِرون عمّا فيه عزّهم وشرفهم وهو عبادتهم لمن يستحق العبادة -جلّ جلاله وتعالى في علاه-، وهو الله وحده -سبحانه وتعالى-.

(وَقَالَ رَبُّكُمُ ادْعُونِي أَسْتَجِبْ لَكُمْ) لهذا تأمّل فيها بعض العارفين وقال: وجدت استجابة الدعاء والوعد بالجنة والثواب كلّه مشروط؛ فوجدت هذه الآية بلا شرط، (ادْعُونِي أَسْتَجِبْ لَكُمْ)..

  • قال: آمنوا بي، وأنا أقبل منكم وأثيبكم ولا أضيع عملكم: (إِنَّا لَا نُضِيعُ أَجْرَ مَنْ أَحْسَنَ عَمَلًا) [الكهف:30] جلّ جلاله.
  • وقال في الآية الأخرى: (فَإِنِّي قَرِيبٌ ۖ أُجِيبُ دَعْوَةَ الدَّاعِ إِذَا دَعَانِ ۖ فَلْيَسْتَجِيبُوا لِي) [البقرة:186]، وقال: شرط شروطاً فيها. 
  • (وَبَشِّرِ الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ أَنَّ لَهُمْ جَنَّاتٍ) [البقرة:25]، قال شرط شروطاً فيها، جعل شروطاً فيها: آمنوا وعملوا الصالحات، وهكذا. 

وقال سبحانه وتعالى في هذه الآية: (وَقَالَ رَبُّكُمُ ادْعُونِي أَسْتَجِبْ لَكُمْ)

وقد كان يقول سيدنا عمر بن الخطاب: إني لا أحمل هم الإجابة؛ ولكن أحمل هم الدعاء، أحمل هم الدعاء؛ كيف أدعو؟ على أي حال؟ وبأي قلب؟ وبأي وجه أدعو؟ إذا قمت بالدعاء على وجهه فالإجابة مقطوع بها (وَقَالَ رَبُّكُمُ ادْعُونِي أَسْتَجِبْ لَكُمْ) جلّ جلاله وتعالى في علاه.

 وذكر لنا ﷺ في معاني الاستجابة: 

  1. إمّا أن يُعجّل له ما طلب
  2. وإمّا أن يصرف عنه من البلاء والشدائد مثل ذلك وزيادة.
  3. وإمّا أن يدّخره له ثواباً ودرجات عنده في الدار الآخرة.

فما يخرج عن هذه الثلاثة الأشياء، فالداعون بالصدق مُخلصين لوجهه رابحون من كل دعاء، بل كلما أكثروا الدعاء كان ذلك أعلى لهم عند الله في الدنيا والآخرة، ذلك ما قال سبحانه: (قُلْ مَا يَعْبَأُ بِكُمْ رَبِّي لَوْلَا دُعَاؤُكُمْ) [الفرقان:77]. وإذا أقبل أهل الجنة على بعضهم البعض قالوا: (قَالُوا إِنَّا كُنَّا قَبْلُ فِي أَهْلِنَا مُشْفِقِينَ * فَمَنَّ اللَّهُ عَلَيْنَا وَوَقَانَا عَذَابَ السَّمُومِ * إِنَّا كُنَّا مِن قَبْلُ نَدْعُوهُ ۖ إِنَّهُ هُوَ الْبَرُّ الرَّحِيمُ) [الطور:26-28] جلّ جلاله.

اللهم يا بَرُّ يا رَحِيمُ مُنَّ علينا وقِنا عذاب السموم، اللهم يا بَرُّ يا رَحِيمُ مُنَّ علينا وقِنا عذاب السموم، اللهم يا بَرُّ يا رَحِيمُ مُنَّ علينا وقِنا عذاب السموم، برحمتك يا أرحم الراحمين، يا حي يا قيوم.

(وَقَالَ رَبُّكُمُ ادْعُونِي أَسْتَجِبْ لَكُمْ)..

  • وقال سبحانه وتعالى عن نبيه وأصحابه: (إِذْ تَسْتَغِيثُونَ رَبَّكُمْ فَاسْتَجَابَ لَكُمْ) [الانفال:9] جلّ جلاله.
  • وقال عن النبي نوح: (وَلَقَدْ نَادَانَا نُوحٌ فَلَنِعْمَ الْمُجِيبُونَ) [الصافات:75]، نِعْمَ المُجيبون لربّنا سبحانه وتعالى.
  •  وقال عن سيدنا يونس: (فَنَادَىٰ فِي الظُّلُمَاتِ أَن لَّا إِلَٰهَ إِلَّا أَنتَ سُبْحَانَكَ إِنِّي كُنتُ مِنَ الظَّالِمِينَ * فَاسْتَجَبْنَا لَهُ وَنَجَّيْنَاهُ مِنَ الْغَمِّ ۚ وَكَذَٰلِكَ نُنجِي الْمُؤْمِنِينَ) [الأنبياء:87].

 فما أكرمه من رب، قريب مِنّا؛ يسمعنا ويستجيب لنا إذا دعوناه.

فلا يجوز للمؤمن أن يغفل الدعاء والرجوع إلى ربّه في كل ما رجى، حتى كان يقول فيما أوحى الله تعالى إلى سيدنا الكليم موسى -عليه السلام-، يقول: لا يمنعك حياؤك مني أن تسألني أي شيء، ولا تستبطئ أو تستبعد شيئاً سألتني مهما كان عظيماً، ولا يمنعك الحياء أن تسأل مني ما قل وحقر من أمرك، ولو أن تسألني علف شاتك. 

لهذا كان يقول بعض التابعين: إني لا أدعو ربي في كل شيء أريده حتى ملح أهلي، إذا ماشي ملح للطعام أسأل ربي -سبحانه وتعالى-.

وهكذا، ويُروى أن سيدنا الخليل إبراهيم -عليه السلام- وجد ليلةً أهله بلا عشاء؛ فخرج يستقرِض من بعض الناس، قصد الأول فلم يُقرِضه، والثاني والثالث؛ فرجع إلى البيت؛ فأوحى الله إليه: ما أخرجك؟ قال: إلهي خرجت أستقرِض لي عشاءً لأهلي وقصدتُ فلانًا وفلانًا فرفضوا أن يقرِضوني. فقال له: لو قصدتَ خليلك ما ردَّك. قال: استحييت، استحييت منك يا رب أن أسألك الدنيا. قال: اسألني ولو ملح عشاك، ولو علف دابتك. دابة ما شيء لها علف اسألني. لا إله إلا الله..

 نسألك من خير ما تعلم، ونعوذ بك من شر ما تعلم، نسألك خير هذا اليوم وخير ما فيه وخير قبله وخير ما بعده، ونعوذ بك من شر هذا اليوم، وشر ما فيه، وشر ما قبله ومن شر ما بعده، نسألك من كل خير أحاط به علمك ونعوذ بك من كل شر أحاط به علمك، يا من هو بكل شيء عليم.

(وَقَالَ رَبُّكُمُ ادْعُونِي أَسْتَجِبْ لَكُمْ ۚ إِنَّ الَّذِينَ يَسْتَكْبِرُونَ عَنْ عِبَادَتِي سَيَدْخُلُونَ جَهَنَّمَ دَاخِرِينَ (60)) صاغِرين ذليلين؛ جزاء ما كانوا يستكبِرون عن عِبادة ربّ العالمين -جلّ جلاله وتعالى في علاه-. 

ولابُدُ أن يُهين الله جميع المُستكبِرين، إنّه لا يُحب المُستكبِرين. 

  • (أَلَيْسَ فِي جَهَنَّمَ مَثْوًى لِّلْمُتَكَبِّرِينَ) [الزمر:60].
  • "لا يَدْخُلُ الجَنَّةَ مَن كانَ في قَلْبِهِ مِثْقالُ ذَرَّةٍ مِن كِبْرٍ". 

حتى يصفو قلبه عن أن يتكبّر على أحد من الخلق، ويعلم أنه عَدَم. في الأصل عَدَم ليس بشيء: (هَلْ أَتَىٰ عَلَى الْإِنسَانِ حِينٌ مِّنَ الدَّهْرِ لَمْ يَكُن شَيْئًا مَّذْكُورًا) [الإنسان:1]. وبِم تغتر؟..أوجدك من العدم، وأعطاك السمع، وأعطاك البصر، وإن وفقك في شيء، فبِم تغتر؟! المُلك مُلكه، والأمر أمره، والفضل له، والعِزّة له، والشرف له.

وأنت عبد؛ قال سيد الخلق: "إنما أنا عبدٌ، آكلُ كما يأكلُ العبدَ وأجلسُ كما يجلسُ العبدَ". فصلى الله على خير عبد، الراقي أعلى ذرى المجد، أسعدنا الله به أعلى السعد في الدنيا والآخرة، اللهم آمين.

(وَقَالَ رَبُّكُمُ ادْعُونِي أَسْتَجِبْ لَكُمْ ۚ إِنَّ الَّذِينَ يَسْتَكْبِرُونَ عَنْ عِبَادَتِي سَيَدْخُلُونَ جَهَنَّمَ دَاخِرِينَ (60) اللَّهُ الَّذِي جَعَلَ لَكُمُ اللَّيْلَ)، هذا الذي يستحق الدعاء والعبادة والألوهية وحده.

(اللَّهُ الَّذِي جَعَلَ لَكُمُ اللَّيْلَ لِتَسْكُنُوا فِيه وَالنَّهَارَ مُبْصِرًا)، أوَ أحدٌ غيره رتب هذا؟! شيء من الهيئات خلقت لنا الليل والنهار؟! شيء من الحكومات؟! شيء من الحضارات؟! شيء من الجيوش والدول؟! شيء من التكنولوجيا خلق الليل والنهار؟! في شيء؟!

(اللَّهُ الَّذِي جَعَلَ لَكُمُ اللَّيْلَ لِتَسْكُنُوا فِيهِ وَالنَّهَارَ مُبْصِرًا) بما يُشرِق فيه من ضوء الشمس في عامة بِقاع الأرض.

يقول تعالى: (اللهُ الَّذِي) هو هذا الإله الذي تدعونه وتوحِدونه وتؤمنون به هو الذي يستحق الألوهية وحده (اللَّهُ الَّذِي جَعَلَ لَكُمُ اللَّيْلَ لِتَسْكُنُوا فِيهِ وَالنَّهَارَ مُبْصِرًا ۚ إِنَّ اللَّهَ لَذُو فَضْلٍ عَلَى النَّاسِ)، هيّأَ لهم: ليلًا ونهارًا، وأرضًا وسماءً، وريحًا وهواءً، وطعامًا وغذاءً، وسمعًا وبصرًا…

(إِنَّ اللَّهَ لَذُو فَضْلٍ عَلَى النَّاسِ وَلَٰكِنَّ أَكْثَرَ النَّاسِ لَا يَشْكُرُونَ (61))؛ يُشرِكون به، ويكفرون به، ويعصونه ويُخالفون أمره، وهو مُتفضِّل عليهم، وفضله كبير لا يستطيعون حصره ولا إحصاؤه هم: (وَإِن تَعُدُّوا نِعْمَةَ اللَّهِ لَا تُحْصُوهَا) [النحل:18]. لا إله إلا الله.

 يقول: (إِنَّ اللَّهَ لَذُو فَضْلٍ عَلَى النَّاسِ) كلُّ الناس، ويعظُم فضله على مَن: 

  • رزقه الإيمان.
  • ورزقه التوحيد.
  • ورزقه اتّباع الأنبياء. 

الله يعظُم فضله؛ حتى يستمر الفضل في الحياة، وعند الوفاة، وفي البرزخ، وفي القيامة… إلى أن يدخله الجنة.

(إِنَّ اللَّهَ لَذُو فَضْلٍ عَلَى النَّاسِ وَلَٰكِنَّ أَكْثَرَ النَّاسِ لَا يَشْكُرُونَ (61))، ويجحدون فضل الله وإنعامه عليهم، ويخالفون أمره ويعصونه ويُكذّبون رُسله وأنبياءه صلوات الله وسلامه عليهم، (وَلَٰكِنَّ أَكْثَرَ النَّاسِ لَا يَشْكُرُونَ (61)).

(ذَٰلِكُمُ اللَّهُ رَبُّكُمْ خَالِقُ كُلِّ شَيْءٍ)، قل: (هَلْ مِنْ خَالِقٍ غَيْرُ اللَّهِ يَرْزُقُكُم مِّنَ السَّمَاءِ وَالأَرْضِ) [فاطر:3] (اللَّهُ خَالِقُ كُلِّ شَيْءٍ) [الزمر:62]. 

(ذَٰلِكُمُ اللَّهُ رَبُّكُمْ خَالِقُ كُلِّ شَيْءٍ) لا إله إلا هو.. وفي الخَلق ذات الروح؛ ولو أصغر حيوان مثل الذبابة والبعوضة؛ ما يستطيع أحد أن يخلُقها غيره، ما أحد يشركه في الخلق. فُتِن الناس بأسباب ظنهم أنهم هم أو الأسباب خالقة؛ لا هم خالقين، ولا الأسباب خالقة (وَاللَّهُ خَلَقَكُمْ وَمَا تَعْمَلُونَ) [الصافات:96]؛ إنما يتسببون ويكتسِبون ويُحاسبهم على ذلك، لا إله إلا هو. 

(يَا أَيُّهَا النَّاسُ ضُرِبَ مَثَلٌ فَاسْتَمِعُوا لَهُ ۚ إِنَّ الَّذِينَ تَدْعُونَ مِن دُونِ اللَّهِ لَن يَخْلُقُوا ذُبَابًا) ولا يزال يُتحدّى أهل الشرق والغرب: اخلقوا ذبابًا! أنت مُتقدّم ومُتطوّر، اخْلق ذُبابًا! ما تستطيع. وإذا سُلِّط عليك ذُباب تتعب، ذباب يتعبك، لا إله إلا هو.  وإن أَخذ عليك شيء.. يهرُب، ولا عاد تُحصِّله  بترده بالقوة حقك كلها؟! ما تقدر؛ مظهر ضعفك، وهو ضعيف مثلك الذباب: (ضَعُفَ الطَّالِبُ وَالْمَطْلُوبُ * مَا قَدَرُوا اللَّهَ حَقَّ قَدْرِهِ) [الحج:73-74].

 ولو عرفوا الله بما يستطيع الخلق أن يعرِفونه به:

  • لما كان شيء أعظم عندهم من الله.
  • ولا شيء أكبر من الله.
  • ولا شيء أجل من الله.
  • ولا شيء أحبّ إليهم من الله -جلّ جلاله-.
  • ولا أحق بالطاعة من الله -جلّ جلاله-.

(ذَٰلِكُمُ اللَّهُ رَبُّكُمْ خَالِقُ كُلِّ شَيْءٍ لَّا إِلَٰهَ إِلَّا هُوَ)؛ لا معبود بحق إلا هو، لا يستحق العِبادة إلا هو، (فَأَنَّىٰ تُؤْفَكُونَ (62)): من أين يجيئكم هذا الإفك والانصِراف إلى غيره؟ والإيمان بغيره؟ وتعظيم غيره؟ وخوف غيره؟ ورجاء غيره؟ من أين يجيئكم هذا؟

الأدلِّة أمامكم واضحة أن الأمر له، والحُكم له، والمُلك مُلكه، والمرجِع إليه، فكيف تنصرِفون إلى غيره؟ 

(فَأَنَّىٰ تُؤْفَكُونَ (62) كَذَٰلِكَ) كما انصرفتم عن الحقيقة الواضحة وخالفتم نبيكم الآتي لكم بالدلائل القاطعة، (يُؤْفَكُ الَّذِينَ كَانُوا بِآيَاتِ اللَّهِ يَجْحَدُونَ (63)) أمثالكم من الكفار والفُجّار أُفِكُوا وأخِذوا عن الجادة والأمر الواضِح البيّن إلى الوهم والخيال والضلال. 

(كَذَٰلِكَ يُؤْفَكُ الَّذِينَ كَانُوا بِآيَاتِ اللَّهِ يَجْحَدُونَ (63) اللَّهُ الَّذِي جَعَلَ لَكُمُ الْأَرْضَ قَرَارًا) فقل لي من سخرها لك؟ ومن هيأها لك حتى تستقر على ظهر الأرض؟ مَنْ؟ مَن؟ أهل الشرق، أهل الغرب؟! مَن هم؟ قل لماذا يدعوننا أنْ نستخف بأمره، نستخف بآياته، ونعظِّم نِظامهم، ونُعظِّم أوامرهم؟! لماذا؟!

لا خلقتُمونا، ولا خلقتم أنفسكم، ولا خلقتم الأرض، وذا خالقنا وخالِق كل شيء، نترك أوامره من أجلكم؟ نترك تعظيم منهجه من أجل.. أنتم تصلّحوا لنا النظام.. أنتم؟! يا مَن خُلِقتم من التراب والنُطف والعلق والمُضغ، لا خلقتُمونا، ولا خلقتم أنفسكم، ولا صلّحتم الأرض لنا، ولا رفعتم السماء من فوقنا. ونترك الذي رفع السماء ورفع الأرض وخلقنا ونتبعكم أنتم؟! أي عقل هذا؟! أيّ إدارك؟! 

(اللَّهُ الَّذِي جَعَلَ لَكُمُ الْأَرْضَ قَرَارًا) ويُذكِّركم من وقت لوقت؛ قليل زلزلة حتى مدة ثوانٍ تنتهون أنتم وما عندكم، ولا تنفع أجهزة، ولا تنفع أسلِحة، ولا تنفع.. قليل هزّة أرضيّة كذا وراحت عمائر، وراحت بيوت، وراحت.. في لحظات! هو الذي جعل  لنا الأرض قراراً، ما أحد غيره.

(اللَّهُ الَّذِي جَعَلَ لَكُمُ الْأَرْضَ قَرَارًا) يقول عن الذين يَدعون مع الله إلهًا آخر: (أَرُونِي مَاذَا خَلَقُوا مِنَ الْأَرْضِ)، عيّنوا لنا البُقعة التي خلقوها هم، أين هي؟ خلقوا أيّ من الدول؟! خلقوا أيّ من البلدان؟! خلقوا أيّ من البحر؟!

 ما أحد غيره خلق، هو الذي خلق كل شيء، (قُلْ أَرَأَيْتُم مَّا تَدْعُونَ مِن دُونِ اللَّهِ أَرُونِي مَاذَا خَلَقُوا مِنَ الْأَرْضِ أَمْ لَهُمْ شِرْكٌ فِي السَّمَاوَاتِ ۖ ائْتُونِي بِكِتَابٍ مِّن قَبْلِ هَٰذَا أَوْ أَثَارَةٍ مِّنْ عِلْمٍ) [الأحقاف:4]، أدنى دليل هاتوه؛ ما أحد خلق إلا هو جلّ جلاله.

(اللَّهُ الَّذِي جَعَلَ لَكُمُ الْأَرْضَ قَرَارًا وَالسَّمَاءَ بِنَاءً) مرفوعاً فوقكم مُتقنًا مُحكماً، بينكم وبين السماء كواكِب ونجوم وفضاء، وجعل لكم هواء وسحاباً مُسخّراً بين السماء والأرض تترتّب عليه أنواع مصالحكم في الأرض، من الذي دبّر هذا؟ من الذي أقام هذا؟ 

  • يقول: (اللَّهُ الَّذِي جَعَلَ لَكُمُ الْأَرْضَ قَرَارًا وَالسَّمَاءَ بِنَاءً وَصَوَّرَكُمْ).
  • (هُوَ الَّذِي يُصَوِّرُكُمْ فِي الْأَرْحَامِ كَيْفَ يَشَاءُ) [آل عمران:6]. 

أوْ أحد غيره صوَّركم وكوّنكم؟ لا إله إلا الله. 

(وَصَوَّرَكُمْ فَأَحْسَنَ صُوَرَكُمْ) جعلكم على صورة الآدميين، صورة الإنسان من أحسن ما يكون في التصوير والتركيب (لَقَدْ خَلَقْنَا الْإِنسَانَ فِي أَحْسَنِ تَقْوِيمٍ) [التين:4].

(وَصَوَّرَكُمْ فَأَحْسَنَ صُوَرَكُمْ وَرَزَقَكُم مِّنَ الطَّيِّبَاتِ): 

  • الطيبات في المعنى: ما أحل وأباح لكم. 
  • وهي أيضًا طيبات في الحس: لذيذة وحسنة وشهية.

سبحانه وتعالى أعطاكم طيبات: من المطاعم، ومن المشارب، ومن الملابس، ومن المساكن..

أعطاكم طيبات سبحانه وتعالى، (وَرَزَقَكُم مِّنَ الطَّيِّبَاتِ ذَٰلِكُمُ اللَّهُ رَبُّكُمْ) كل شيء ينطق بعظمته وأنتم تغفلون عنه! 

(ذَٰلِكُمُ اللَّهُ رَبُّكُمْ ۖ فَتَبَارَكَ اللَّهُ) تعالى وتعاظم وجل، وعظم كرمه وإحسانه وجوده، 

(رَبُّ الْعَالَمِينَ (64)) مالك الإنس والجن والملائكة، مُربّيهم ومُدبّرهم ومالكهم -سبحانه وتعالى- والمُتصرّف فيهم ربُّ العالمين.

(هُوَ الْحَيُّ) وما حقيقة الحياة إلا له، حياته: أزلية، أبدية، سرمدية؛ لا ابتداء لها، ولا سبب لها.

(هُوَ الْحَيُّ) وأي شيء غيره أحياه؛ فبعد أن كان عدمًا. كان كل شيء غيره مهما حَيِي هو بعد العدم لم يكن حيًّا؛ ولكن الحياة الحقيقية السرمدية الأزلية التي لا ابتداء لها حياة الله،

(هُوَ الْحَيُّ) -جلّ جلاله وتعالى في علاه- ثم جعل مراتِب ومعاني للحياة في الكائنات إلى رُتب حدّدها سبحانه وتعالى.

  • جعل من أسناها وأعظمها حياة القُلوب والأرواح إذا حَيِيَتْ بمعرِفته الخاصة، هذه أعلى معاني الحياة.
  • والذين في ذُراها وقِمّتها أنبياء الله ورسله والملائكة المُقرّبون؛ فهؤلاء هم أولى مَن يوصف بالحياة من حياة جسد، من حياة أرض، من حياة حيوان، من حياة شجر؛ هذه الحياة التي هي أعلى معنى، وأمجد حقيقة، وأرفع شأناً، حياة معرفته. 
    • (يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اسْتَجِيبُوا لِلَّهِ وَلِلرَّسُولِ إِذَا دَعَاكُمْ لِمَا يُحْيِيكُمْ) [الأنفال:24].
    • هذه الحياة التي قال عنها: (أَوَمَن كَانَ مَيْتًا فَأَحْيَيْنَاهُ وَجَعَلْنَا لَهُ نُورًا يَمْشِي بِهِ فِي النَّاسِ) [الأنعام:122]. 

إذا كان كذلك: 

  • فأحق مَن يوصف بالأحياء أنبياءُ اللهِ تعالى وملائكته؛ لهذا قال رسول الله ﷺ: "إنَّ الأنبياءَ أحياءٌ في قُبورِهم يُصَلُّونَ".
  • ثم أوحى الله إليه قال: قل للمؤمنين لا تسمّوا الذين قُتلوا في سبيلي وقدّموا أرواحهم من أجلي أموات، ولا تظنّوا وتعتقدوا أنّهم أموات: 
    • (وَلَا تَقُولُوا لِمَن يُقْتَلُ فِي سَبِيلِ اللَّهِ أَمْوَاتٌ ۚ بَلْ أَحْيَاءٌ وَلَٰكِن لَّا تَشْعُرُونَ) [البقرة:154]؛ بعظمة حياتهم، أعلى من حياتكم التي أودعتها لكم في الدنيا. 
    • ويقول: (وَلَا تَحْسَبَنَّ الَّذِينَ قُتِلُوا فِي سَبِيلِ اللَّهِ أَمْوَاتًا ۚ بَلْ أَحْيَاءٌ عِندَ رَبِّهِمْ يُرْزَقُونَ) [آل عمران:169]؛ حياة كريمة.

 إذا كان الأمر كذلك: 

  • فالأنبياء أعظم حياة من الشهداء غير الأنبياء.
  • وأولي العزم من الرسل أعظم الأنبياء حياة. 
  • ومحمد أحيَى حيٍّ من خلق الله. 

ما في الأحياء من هو مثله في الرتبة والدرجة ولا يُقاربه -صلوات ربي وسلامه عليه وعلى آله- أعرف الخلق بالخالق، وأعظمهم تجليًّا من الخالق في التعرّف إليه والاصطِفاء والاجتباء له؛ فحياته أعظم حياة بكل المعاني والمقاييس. فما أعظمه من حي في الخلق! ومع ذلك لم يكن موجودًا فأوجده الحق، ولكن أحياه بحياة جعله في قِمّتها وأعلاها. 

فيا رب صلِّ عليه، وأحْيِنَا من سر حياته، أحيِي قلوبنا من سرِّ حياة قلبه، أحيِي أرواحنا من سرِّ حياة روحه، برحمتك يا أرحم الراحمين.

(هُوَ الْحَيُّ لَا إِلَٰهَ إِلَّا هُوَ فَادْعُوهُ) اعبدوه ووحِدوه وآمنوا به، واسألوه واطلبوه حوائجكم: 

  • وقد قال ﷺ: "مَن لم يسألِ اللهَ يغضبْ علَيهِ". 
  • "إن الله يُحب المُلحّين في الدعاء". 
  • وكان يقول بعض التابعين: إذا رأيت الله فتح لك باب الدعاء فادعه، فإنه يستجيب لك. 

ولهذا يقول:

لو لم تُرِدْ نَيْلَ ما أرجو وأطلبُهُ *** من فيض فضلك ما ألهمتني الطلبَ

وكان يقول بعض العارفين وفيهم من المُتأخرين الإمام عبد الله بن حسين بن طاهر: إذا قذف الله في قلبك سؤال شيء وألهمك الإلحاح عليه فيه؛ فاعلم أنه ما قذف ذلك في قلبك إلا وهو يُريد أن يعطيك إيّاه. 

فلا تستكثر على الله شيئًا، ولا تستكبر على الله شيئًا، فكله عند الله ما أيسره، لا إله إلا هو.

(هُوَ الْحَيُّ لَا إِلَٰهَ إِلَّا هُوَ فَادْعُوهُ مُخْلِصِينَ لَهُ الدِّينَ ۗ الْحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ (65))، أثنوا عليه واحمدوه. 

وقال بعض العارفين: علَّمَنا كيف ندعوه: نبدأ بالحمد والثناء، وندعوه: (الْحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ (65))، هذه بداية الدعاء، احمدوني واسألوني.

الْحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ، اللهم صلِّ على حبيبك الأمين، اللهم اجعلنا فيمن ترعاهم عين عنايتك في جميع الأطوار، وممن تتولاهم في جميع الشؤون في السرّ والإجهار، وممن تربطهم بحبيبك المُختار في الدنيا والبرزخ ودار القرار، يا حي يا قيوم، يا كريم يا غفّار؛ عجِّل بتفريج كروب المسلمين، ودفع البلاء عن المؤمنين، واجمع شملهم، وألِّف ذات بينهم، ورُدَّ كيد أعدائك أعداء الدين، اجعل كيدهم في تضليل واجعلهم (كَعَصْفٍ مَّأْكُولٍ) [الفيل:5]، يا قوي يا متين، يا أكرم الأكرمين، يا أرحم الراحمين. 

الْحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ، صلِّ على عبدك الأمين، وأدخلنا في حِماه، وأسعِدنا بنظر مُحيّاه، وارزقنا الاقتداء به والاهتداء بهديه في جميع الشؤون، في الظهور والبطون، حتى ننال سرِّ محبتك في حقيقة قولك: (قُلْ إِن كُنتُمْ تُحِبُّونَ اللَّهَ فَاتَّبِعُونِي يُحْبِبْكُمُ اللَّهُ وَيَغْفِرْ لَكُمْ ذُنُوبَكُمْ) [آل عمران:31]، فاجعلنا من المحبوبين في عافية يا أرحم الراحمين. وصلى الله على سيدنا محمد وآله وصحبه وسلم والحمد لله رب العالمين، تقبّل الله ذلك لنا ولكم ومِنّا ومِنكم، واجعله لكلٍّ من أهالينا وذوينا وجميع الحاضرين والسامعين وأهاليهم وذويهم والمسلمين.

بِسِرِّ الْفَاتِحَةِ

 إِلَى حَضْرَةِ النَّبِيِّ محمد، اللهمَّ صَلِّ وَسَلِّمْ وَبَارِكْ عَلَيْهِ وَعَلَى آلِهِ وَصَحْبِهِ 

الْفَاتِحَة

 

 

 

تاريخ النشر الهجري

23 رَمضان 1447

تاريخ النشر الميلادي

12 مارس 2026

اضافة إلى المفضلة

كتابة فائدة متعلقة بالمادة

الأقسام