تفسير سورة غافر - 10 - من قوله تعالى {إنا لننصر رسلنا والذين آمنوا في الحياة الدنيا ويوم يقوم الأشهاد} الآية 51 إلى الآية 59

للاستماع إلى الدرس

الدرس العاشر من تفسير العلامة عمر بن محمد بن حفيظ للآيات الكريمة من سورة غافر، ضمن الدروس الصباحية لشهر رمضان المبارك من عام 1447هـ ، تفسير قوله تعالى:

 إِنَّا لَنَنصُرُ رُسُلَنَا وَالَّذِينَ آمَنُوا فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَيَوْمَ يَقُومُ الْأَشْهَادُ (51) يَوْمَ لَا يَنفَعُ الظَّالِمِينَ مَعْذِرَتُهُمْ ۖ وَلَهُمُ اللَّعْنَةُ وَلَهُمْ سُوءُ الدَّارِ (52) وَلَقَدْ آتَيْنَا مُوسَى الْهُدَىٰ وَأَوْرَثْنَا بَنِي إِسْرَائِيلَ الْكِتَابَ (53) هُدًى وَذِكْرَىٰ لِأُولِي الْأَلْبَابِ (54) فَاصْبِرْ إِنَّ وَعْدَ اللَّهِ حَقٌّ وَاسْتَغْفِرْ لِذَنبِكَ وَسَبِّحْ بِحَمْدِ رَبِّكَ بِالْعَشِيِّ وَالْإِبْكَارِ (55) إِنَّ الَّذِينَ يُجَادِلُونَ فِي آيَاتِ اللَّهِ بِغَيْرِ سُلْطَانٍ أَتَاهُمْ ۙ إِن فِي صُدُورِهِمْ إِلَّا كِبْرٌ مَّا هُم بِبَالِغِيهِ ۚ فَاسْتَعِذْ بِاللَّهِ ۖ إِنَّهُ هُوَ السَّمِيعُ الْبَصِيرُ (56) لَخَلْقُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ أَكْبَرُ مِنْ خَلْقِ النَّاسِ وَلَٰكِنَّ أَكْثَرَ النَّاسِ لَا يَعْلَمُونَ (57) وَمَا يَسْتَوِي الْأَعْمَىٰ وَالْبَصِيرُ وَالَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ وَلَا الْمُسِيءُ ۚ قَلِيلًا مَّا تَتَذَكَّرُونَ (58) إِنَّ السَّاعَةَ لَآتِيَةٌ لَّا رَيْبَ فِيهَا وَلَٰكِنَّ أَكْثَرَ النَّاسِ لَا يُؤْمِنُونَ (59)

صباح الثلاثاء 21 رمضان 1447 هجري.

نص الدرس مكتوب:

 

الحمد لله مُكرمنا بالبيان، وتنزيل شريف وعظيم وعذب القرآن، على لسان عبده المختار سيد الأكوان، صلى الله وسلم وبارك وكرّم عليه في كل حينٍ وفي كل شأن، وعلى آبائه وإخوانه من الأنبياء والمرسلين سادات أهل العرفان، وعلى آلهم وصحبهم وتابعيهم والملائكة المقرّبين، وجميع عباد الله الصالحين، وعلينا معهم وفيهم إنه أكرم الأكرمين وأرحم الراحمين.

أما بعد،،،

فإننا في نعمة تأملنا لكلام الله الخالق الحق جلّ جلاله، وتبيينه لنا الحقائق، وحديثه لنا عن المآب والمرجع الكبير والمصير العظيم جلّ جلاله، الذي يجب أن يكون نصب أعيننا حاضرًا في أذهاننا؛ فذلك من أقوى أسباب استقامتنا وحُسن تصرّفنا في الحياة القصيرة، استعدادًا لحياة الأبد، بل وبناءً للشرف والكرامة والمجد فيها؛ الأبديات السرمديات (ذَٰلِكَ فَضْلُ اللَّهِ يُؤْتِيهِ مَن يَشَاءُ) [الجمعة:4]. اللهم يا من وفّق أهل الخير للخير وأعانهم عليه، وفقنا للخير وأعِنّا عليه.

ذكر ربنا سبحانه وتعالى مؤكدًا نصره للرسل؛ (إِنَّا لَنَنصُرُ رُسُلَنَا وَالَّذِينَ آمَنُوا فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَيَوْمَ يَقُومُ الْأَشْهَادُ (51)).. 

  • فهم المنصورون على الحقيقة وحدهم. 
  • ومن سواهم مغترّون، عابثون، لاعبون، انطوت عليهم حيل أنفسهم وعدوهم الشيطان في فترات ومُدد قصيرة. 

قال المؤمنون من الذين كانوا سحرة، فملأ الله قلوبهم إيمانًا واتبعوا موسى، قالوا لسلطان الأرض الغاشم الظالم الكافر مدّعي الربوبية: (فَاقْضِ مَا أَنتَ قَاضٍ ۖ إِنَّمَا تَقْضِي هَٰذِهِ الْحَيَاةَ الدُّنْيَا) [طه:72]، ما عندك ملك عظيم أصلاً، ما عندك شيء كبير، أنت في الحياة الدنيا جزء من الأرض تحكم فيه مدة معينة، أيش عندك؟.. مع أنه قبل الإيمان قالوا: (أَئِنَّ لَنَا لَأَجْرًا إِن كُنَّا نَحْنُ الْغَالِبِينَ) [الشعراء:41]، فرعون قال تبغون نقربكم؟ بنقربكم؛ يفرحون بالقرب منه.. والآن قالوا له أنت من أنت؟ انكشف الغطاء، بعدت الغشاوة والستارة عن قلوبهم؛ رأوا الحقيقة قالوا: إيش هو هذا! بيغرينا بأيش هذا بسلطانه أو بماله؟ هو من هو؟ مخلوق حقير قصير، يملك بعض قطع من الأرض في مدة معينة بحسب المُلك الخَلقي البشري وينتهي.. 

  • (قَالُوا لَن نُّؤْثِرَكَ عَلَىٰ مَا جَاءَنَا مِنَ الْبَيِّنَاتِ وَالَّذِي فَطَرَنَا) [طه:72]، نقدمك أنت على بينات واضحات جاءتنا من عند ربنا؟! جاء رسول علِمنا صدقه، لا سحر ولا كهانة، وسحرنا كله بطل قدامه ولا هناك شيء، من عند الله جاء. 
  • (لَن نُّؤْثِرَكَ عَلَىٰ مَا جَاءَنَا مِنَ الْبَيِّنَاتِ وَالَّذِي فَطَرَنَا)، نؤثرك على واحد خلقنا و كوّننا من العدم، نقدمك أنت عليه؟ نروح قفاك ونترك هذا الذي كوّننا؟  

شفت الإيمان لما يدخل القلب كيف يعمل بفكر الإنسان وبنظرة الإنسان للحياة والشؤون. إذًا؛ فالنصر الحقيقي ليس إلا مع المرسلين وأتباعهم، رزقنا الله حسن اتباعهم وقوة الإيمان واليقين. 

(إِنَّا لَنَنصُرُ رُسُلَنَا وَالَّذِينَ آمَنُوا فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَيَوْمَ يَقُومُ الْأَشْهَادُ (51))، (فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا)؛ يبقى لهم القوة والغلبة من جهة الحجة والبرهان وعواقب الأمور تعود إليهم مهما حصلت عليهم من شدائد وآفات ومحن ومكابدات: 

  • لحكمةٍ من حكم الله تعالى: (وَلِيَعْلَمَ اللَّهُ الَّذِينَ آمَنُوا وَيَتَّخِذَ مِنكُمْ شُهَدَاءَ ۗ وَاللَّهُ لَا يُحِبُّ الظَّالِمِينَ * وَلِيُمَحِّصَ اللَّهُ الَّذِينَ آمَنُوا وَيَمْحَقَ الْكَافِرِينَ) [آل عمران:140-141]، جلّ جلاله. 
  • يكون اختبار المؤمنين، ولكن محق، تعرف المحق؟ محق للكافرين يمحقون ولا يبقى شيء.. 
    • قال سبحانه وتعالى: (وَدَمَّرْنَا مَا كَانَ يَصْنَعُ فِرْعَوْنُ وَقَوْمُهُ وَمَا كَانُوا يَعْرِشُونَ) [الأعراف:137]. 
    • قال عن قوم عاد: (سَخَّرَهَا) -أي الريح- (عَلَيْهِمْ سَبْعَ لَيَالٍ وَثَمَانِيَةَ أَيَّامٍ حُسُومًا فَتَرَى الْقَوْمَ فِيهَا صَرْعَىٰ كَأَنَّهُمْ أَعْجَازُ نَخْلٍ خَاوِيَةٍ * فَهَلْ تَرَىٰ لَهُم مِّن بَاقِيَةٍ)؟ [الحاقة:7-8] دمرنا.. انتهوا.. لا إله إلا الله الواحد الأحد وحده. 

لكن الأنبياء والرسل باقون بتعظيمهم وإجلالهم ووجود الأتباع لهم، وقيام الحجة لهم، والعواقب التي كانت أيضًا لأتباعهم قرنًا بعد قرن وزمانًا بعد زمن، وما يحصل لهم من الألطاف والإسعاف والإتحاف نصر؛ ينصرون في الدنيا وبعدين: (وَيَوْمَ يَقُومُ الْأَشْهَادُ (51)) نصر عزيز كبير مؤزّر، في كل موقف هم المنصورون منصورون منصورون، وعدوِّهم المخذولون في ذاك الموقف لا إله إلا الله..

يقول سبحانه وتعالى: (يَوْمَ لَا يَنفَعُ الظَّالِمِينَ مَعْذِرَتُهُمْ ۖ وَلَهُمُ اللَّعْنَةُ) البُعد عن الرحمة -والعياذ بالله تعالى- (أُولَٰئِكَ يَئِسُوا مِن رَّحْمَتِي) [العنكبوت:23].

(وَلَهُمْ سُوءُ الدَّارِ (52))؛ عذاب يتقلّبون فيه، لا يُفتَّر عنهم ولا يخرجون عنه؛ (سُوءُ الدَّارِ (52) وَلَقَدْ آتَيْنَا مُوسَى الْهُدَىٰ)، يقول الله تعالى أعطينا موسى الهدى: 

  • أعطيناه آيات وبينّات وحجج ودلالات وكتاب أنزلنا عليه وأحكام ومنهج يسير الناس عليه فهي هدى؛ (وَلَقَدْ آتَيْنَا مُوسَى الْهُدَىٰ). 
    • وكذلك آتى الأنبياء وأرسلهم حتى ختمهم بالذي قال عنه: (هُوَ الَّذِي أَرْسَلَ رَسُولَهُ بِالْهُدَىٰ وَدِينِ الْحَقِّ) [الفتح:28]. 
  • هدى؛ هداية تامة كاملة لكل ما يحتاجه الإنسان ويعرض له في الحياة، ولكل ما من شأنه أن يرفع قدره وأن يهيئه لنعيم الأبد وسعادة الخلد هدى؛ هذا الهدى. 

(وَلَقَدْ آتَيْنَا مُوسَى الْهُدَىٰ) فجاءهم بالهدى من عند ربهم ولكن كما قال في الآية الأخرى: (وَلَقَدْ أَرْسَلْنَا مُوسَىٰ بِآيَاتِنَا وَسُلْطَانٍ مُّبِينٍ * إِلَىٰ فِرْعَوْنَ وَمَلَئِهِ فَاتَّبَعُوا أَمْرَ فِرْعَوْنَ ۖ وَمَا أَمْرُ فِرْعَوْنَ بِرَشِيدٍ)، وهكذا أكثر الأمم.. والنهاية قال: (يَقْدُمُ قَوْمَهُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ فَأَوْرَدَهُمُ النَّارَ)، وفي الحقيقة قد أوردهم النار وهم في الدنيا؛ بعّدهم عن آيات الله وعن رسل الله وادّعى لهم ربوبية وألوهية واستخف قومه فأطاعوه فهذه الحقيقة تتبين في الآخرة وتظهر واضحة: (يَقْدُمُ قَوْمَهُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ فَأَوْرَدَهُمُ النَّارَ ۖ وَبِئْسَ الْوِرْدُ الْمَوْرُودُ * وَأُتْبِعُوا فِي هَٰذِهِ لَعْنَةً وَيَوْمَ الْقِيَامَةِ ۚ بِئْسَ الرِّفْدُ الْمَرْفُودُ) [هود:96-98]، لا إله إلا الله..

أو شيء واقع غير هذا في حقائق الناس وما يمضون عليه؟ ماشي غير هذا هو الواقع! لا إله إلا الله. الحمد لله على نعمة الإسلام يا رب زِدنا إسلامًا وزدنا إيمانًا واجعلنا من المؤمنين المنصورين في الحياة الدنيا ويوم يقوم الأشهاد، (وَكَانَ حَقًّا عَلَيْنَا نَصْرُ الْمُؤْمِنِينَ) [الروم:47].

يقول جل جلاله: (وَلَقَدْ آتَيْنَا مُوسَى الْهُدَىٰ وَأَوْرَثْنَا بَنِي إِسْرَائِيلَ الْكِتَابَ (53))، بعد موسى وبعد أن توفّيناه إلينا؛ أبقينا فيهم الكتاب الذي أنزلناه على موسى وهو التوراة يكفيهم، (إِنَّا أَنزَلْنَا التَّوْرَاةَ فِيهَا هُدًى وَنُورٌ ۚ يَحْكُمُ بِهَا النَّبِيُّونَ الَّذِينَ أَسْلَمُوا) [المائدة:44]؛ كيف الذين أسلموا؟ لأن كل الأنبياء مسلمون وأتباعهم مسلمون، أتباع الأنبياء مسلمون والأنبياء مسلمون كلهم، وغير الإسلام ما يُقبل عند الله، (إِنَّ الدِّينَ عِندَ اللَّهِ الْإِسْلَامُ) [آل عمران:19]. 

فسيدنا آدم مسلم وأولاده مسلمون، وإدريس مسلم وأتباعه مسلمون، ونوح مسلم وأتباعه مسلمون الذين ركبوا معه في السفينة، وهكذا إلى أن جاء عيسى ابن مريم بعد موسى، إلى أن جاء نبينا محمد خاتم النبيين، وحفظ الله الإسم الحق للدين الإسلام فيه؛ حتى ما يُسمى مسلمون غيرهم، مع أنه غيرهم مسلمون لأصنام، مسلمون للعلمانية، وما يدعونه بعلم كلهم مسلمون، لكن ما أحد منهم يسمى مسلمون؛ لأن: 

  • الإسلام الصحيح الحقيقي أن يسلم العبد لربه، فهؤلاء وحدهم مسلمون. 
  • والآخرون كلهم بأصنافهم ما حد أسلم لله؛ فإسلامهم لبعضهم البعض ما ينفعهم وهو باطل.
  • لكن هؤلاء أسلموا لله فاحتفظ الاسم هذا: مُسْلِمُون، سبحان الله.. 

هو أيضًا من جملة الآيات، وإلا كل طائفة مسلمون لقادتهم وأئمتهم ولأصنامهم ولآلهتهم ولكن ما حد يسميهم مسلمين، المسلمون هؤلاء الذين أسلموا: (بَلَىٰ مَنْ أَسْلَمَ وَجْهَهُ لِلَّهِ وَهُوَ مُحْسِنٌ فَلَهُ أَجْرُهُ عِندَ رَبِّهِ وَلَا خَوْفٌ عَلَيْهِمْ وَلَا هُمْ يَحْزَنُونَ) [البقرة:112]، حقِّقنا بالإسلام يا رب.

(وَلَقَدْ آتَيْنَا مُوسَى الْهُدَىٰ وَأَوْرَثْنَا بَنِي إِسْرَائِيلَ الْكِتَابَ (53))، فكان التوراة وما بيّن لهم موسى مما حفظوا عنه؛ هدى يهتدون به من بعده، (إِنَّا أَنزَلْنَا التَّوْرَاةَ فِيهَا هُدًى وَنُورٌ ۚ يَحْكُمُ بِهَا النَّبِيُّونَ الَّذِينَ أَسْلَمُوا لِلَّذِينَ هَادُوا وَالرَّبَّانِيُّونَ وَالْأَحْبَارُ بِمَا اسْتُحْفِظُوا مِن كِتَابِ اللَّهِ وَكَانُوا عَلَيْهِ شُهَدَاءَ) [المائدة:44]. ثم بدّلوا الكتاب وغيروا وحرّفوا في التوراة فحصل الضلال والفساد، وما حفظوه كذلك عن سيدنا موسى ضيّعوه وخالفوه وغيّروه فحصل الفساد وهكذا.

ولما أرسل الله نبينا محمد وأنزل كتاب عليه، ما عاد قال احفظوه يا أمته أنتم بما استُحفظ الأولون من كتاب الله، قال: أنا أحفظه خلاص: (إِنَّا نَحْنُ نَزَّلْنَا الذِّكْرَ وَإِنَّا لَهُ لَحَافِظُونَ) [الحجر:9]. 

من سيستقيم يستقيم منكم، ومن بيروح يروح، الكتاب محفوظ، كرامةً من الله لمحمد ﷺ، فما قدروا يغيّروا شيء في القرآن، لو اجتمع أهل الأرض من طرفهم إلى طرفهم حتى بيغيرون لنا فقط الموروث عن نبينا في المدود، المدود!.. لا في نفس الألفاظ، في المدود ما يقدرون، في الشكل حقه، لو بيغيروا شكل كلمة واحدة من كتاب الله ما يقدرون، تو يفْتَضَحون ويُكتشفون.. ما الحفظ هذا؟! سبحان القوي، (وَإِنَّا لَهُ لَحَافِظُونَ).

يقول: (بِمَا اسْتُحْفِظُوا مِن كِتَابِ اللَّهِ وَكَانُوا عَلَيْهِ شُهَدَاءَ)؛ فلما استُحفظوا توارثوه جيلًا بعد جيل، فجاءت أجيال ما قامت بحق الأمانة، وما استُحفظوه ضيّعوه وخانوا وبدلوا وغيروا وحرفوا واشتروا بعهد الله وآياته ثمنًا قليلًا كما قال الله تبارك وتعالى. الذي عندنا هذا الكتاب نفس الألفاظ التي تلفّظ بها نبينا وخرجت من بين شفتيه نفسها، اللهم صلِّ عليه وعلى آله.

قال: (وَأَوْرَثْنَا بَنِي إِسْرَائِيلَ الْكِتَابَ (53) هُدًى)

  • (هُدًى) يهتدي به المهتدون. 
  • (وَذِكْرَىٰ)، تُذكّر الأصل والحقيقة والغاية والنهاية، تُذكّر الإنسان أصله وحقيقته وبداية خلقه ومهمة خلقه وكيف هو ونهايته وعاقبته وغايته. 

(لِأُولِي الْأَلْبَابِ (54))، لأصحاب العقول السليمة الصحيحة؛ أولو الألباب. 

  • وأولو الألباب من ذكرهم الله في الآية الأخرى، ونبينا أحبَّ نقرأها كل ليلة: (إِنَّ فِي خَلْقِ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَاخْتِلَافِ اللَّيْلِ وَالنَّهَارِ لَآيَاتٍ لِّأُولِي الْأَلْبَابِ). 
  • وشرح الله مَن هم العقلاء على ظاهر الأرض: (الَّذِينَ يَذْكُرُونَ اللَّهَ قِيَامًا وَقُعُودًا وَعَلَىٰ جُنُوبِهِمْ وَيَتَفَكَّرُونَ فِي خَلْقِ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ رَبَّنَا مَا خَلَقْتَ هَٰذَا بَاطِلًا) لا لعب ولا مسخرة ولا هزو ولا عبث، (رَبَّنَا مَا خَلَقْتَ هَٰذَا بَاطِلًا سُبْحَانَكَ فَقِنَا عَذَابَ النَّارِ) [آل عمران:190-191]. 

أي: اهتماماتهم وتوجهاتهم وخوفهم من ماذا، واستعدادهم لماذا، ورجاؤهم في ماذا؛ مذكور في أقوالهم، هؤلاء أولي الألباب، مَن لم يعقل ذلك فليس من أولي الألباب، (أَفَمَن يَعْلَمُ أَنَّمَا أُنزِلَ إِلَيْكَ مِن رَّبِّكَ الْحَقُّ كَمَنْ هُوَ أَعْمَىٰ ۚ إِنَّمَا يَتَذَكَّرُ أُولُو الْأَلْبَابِ) [الرعد:19]. اللهم اجعلنا من أولي الألباب.

قال: وفيما أنزل الله على الأنبياء وخلّفوه في أُممهم: (هُدًى وَذِكْرَىٰ لِأُولِي الْأَلْبَابِ (54))، ولكن القوم بطغيان الشهوات والأنفس حرّفوا وبدّلوا وغيّروا، ثم لم يثبت لهم حتى أسانيد صحيحة إلى أنبيائهم، ونبينا محمد: 

  • الكتاب حُفظ. 
  • وبيان الكتاب على لسانه حُفظ. 
  • وبقيت الأسانيد في أمته إليه مسلسلة مرتبة متصلة إلى عنده. 

ولو طالبنا أحد من اليهود والنصارى يجيب سند في كلمة واحدة من كلمات سيدنا موسى من اليهود، أو من النصارى يجيب كلمة من كلمات سيدنا عيسى بسند متصل، ما عندهم، ما يقدرون.. يطلع له بعشرة أجيال، ثمانية أجيال، عشرين جيل ما هم موجودين في السند الذي يذكرونه، الله أكبر! لكن نبينا محمد… الله أكبر!. 

مسلسلةً عنهم أسانيد أخذهِم *** إلى خير محمودٍ وأشرف حمّاد 

"الإسناد من الدين، ولولا الإسناد لقال من شاء ما شاء"، الحمد لله.

يقول: (هُدًى وَذِكْرَىٰ لِأُولِي الْأَلْبَابِ (54))، جعلنا الله من أولي الألباب. وغير هؤلاء في القيامة يقولون: (لَوْ كُنَّا نَسْمَعُ أَوْ نَعْقِلُ مَا كُنَّا فِي أَصْحَابِ السَّعِيرِ* فَاعْتَرَفُوا بِذَنبِهِمْ) [الملك:10-11]، مع أنهم في الدنيا كانوا يقولون نحن العُقّال، نحن العلماء، نحن المدركون للحقائق، نحن نحن… بعدين يرجعون يقولون: (لَوْ كُنَّا نَسْمَعُ أَوْ نَعْقِلُ)؛ لو كان شيء صدق عندنا علم ما بنسلك مسلك يوصلنا إلى الخزي هذا والنار والعذاب.. عقول ما في! عقول ما في عندهم! ما كانت عندهم عقول! ولو عقلوا… (وَذِكْرَىٰ لِأُولِي الْأَلْبَابِ (54)).

قال الله لحبيبه محمد: فهذه حكمتنا في الحياة والخلق، (فَاصْبِرْ إِنَّ وَعْدَ اللَّهِ حَقٌّ)، والأمر كما ذكرنا والعواقب هي، والأنبياء قبلك أُوذوا وكُذّبوا وصبروا حتى جاء نصر الله سبحانه وتعالى، (وَلَقَدْ كُذِّبَتْ رُسُلٌ مِّن قَبْلِكَ فَصَبَرُوا عَلَىٰ مَا كُذِّبُوا وَأُوذُوا حَتَّىٰ أَتَاهُمْ نَصْرُنَا) [الأنعام:34]. يقول له: أنت حبيبنا، اصبر، (فَاصْبِرْ).. قال له في الآيات: (فَاصْبِرْ كَمَا صَبَرَ أُولُو الْعَزْمِ مِنَ الرُّسُلِ) [الأحقاف:35]، يقول: (فَاصْبِرْ إِنَّ وَعْدَ اللَّهِ حَقٌّ) الله أكبر. 

والمسلك الذي يقوم عليه السعادة هو ما بُعِثت به وما أُنزل عليك، ليس غيره، (فَاصْبِرْ إِنَّ وَعْدَ اللَّهِ حَقٌّ). وأهل هذا المسلك لهم اعترافات وتذلّلات لجبار الأرض والسماوات (وَاسْتَغْفِرْ لِذَنبِكَ)، واشتغل بذكره وتسبيحه وتقديسه وحمده، (وَسَبِّحْ بِحَمْدِ رَبِّكَ بِالْعَشِيِّ وَالْإِبْكَارِ)، هذا شغلك الطيب الزين، هذا شغلك الذي ترتقي به، ومهمتك التي تعتلي بها، (وَسَبِّحْ بِحَمْدِ رَبِّكَ بِالْعَشِيِّ وَالْإِبْكَارِ (55)). فأي عشيّ و إبكار مرّت علينا لم نَقُمْ فيه بالتسبيح بحمد ربنا، فقد فوّتنا وضيعنا على أنفسنا وظلمنا أنفسنا وخُنّا الأمانة. 

وإلا هذه مهمة الحياة، خير ما في الحياة الدنيا: أن تذكر الله فيها، وأن تعبد الله فيها، وأن تتقرب إلى الله فيها، هذا الخير الذي في الحياة الدنيا، لا خير غيره. أما مجرد مآكل، مجرد مشارب، مجرد مناكح، مجرد ملابس، مجرد مراكب، مجرد مساكن، مجرد أموال؛ ما هي خير الحياة هذه، والذي يعطيها الله لأرذل الخلق ويعطيها لقوم لا خلاق لهم -والعياذ بالله تعالى- "ولو كانت الدنيا تزن عند الله جناح بعوضة ما سقى كافرًا منها شربة ماء"، لكن لا قَدْر لها، فخير الحياة الدنيا ما نغنمه من صحة الإيمان ووفرة العمل الصالح، تسبيحنا بحمد ربنا: (وَسَبِّحْ بِحَمْدِ رَبِّكَ بِالْعَشِيِّ وَالْإِبْكَارِ(55))؛ فهذه خيرات الدنيا.

إذًا؛ خير الدنيا مع المؤمنين المسبحين بحمد ربهم، نعم والله.. ليس مع مدّعي التطور ولا مدّعي التقدم، ما عندهم خير الدنيا، إيش من خير في الدنيا عندهم؟!.. عندهم بعض مُتع حقيرة شأنها عند العقلاء أصغر من اللُّعب والنعنع والشوكليت للأطفال مقابل المُلك والشرف والعزة، حد يعطيك شوكليت تروح تلهو به! كل ما هم فيه من ملك الدنيا لعبة: (أَنَّمَا الْحَيَاةُ الدُّنْيَا لَعِبٌ وَلَهْوٌ وَزِينَةٌ وَتَفَاخُرٌ بَيْنَكُمْ وَتَكَاثُرٌ فِي الْأَمْوَالِ وَالْأَوْلَادِ) [الحديد:20]، هات لي شيء عندهم غير هذا؟ ماذا عندهم؟ تافهين، تافهين ساقطين!.. 

وغير هذا موجود عند الأنبياء وعند المؤمنين بالأنبياء يريدون في الحياة الدنيا قُربًا ومحبة ومعرفة بالرب، واستعدادًا للقائه ونعيمًا مؤبدًا، الله أكبر! ليس مآكل ومشارب.. (كَمَثَلِ غَيْثٍ أَعْجَبَ الْكُفَّارَ نَبَاتُهُ ثُمَّ يَهِيجُ فَتَرَاهُ مُصْفَرًّا ثُمَّ يَكُونُ حُطَامًا) [الحديد:20] كما قال الله جلّ جلاله.

يقول سبحانه وتعالى لحبيبه: (فَاصْبِرْ إِنَّ وَعْدَ اللَّهِ حَقٌّ)؛ وفي هذا تذكير لأمته؛ يقول: اصدقوا معنا واثبتوا في كل زمان مهما تجيكم تيّارات، ويجيكم سلطان جائر، وتجيكم أفكار متقلبة… لا تغتروا ولا تمضوا وراءها. 

(فَاصْبِرْ إِنَّ وَعْدَ اللَّهِ حَقٌّ) و شغلك: 

  • (وَاسْتَغْفِرْ لِذَنبِكَ) اعترف للرب وتب إلى الحق -سبحانه- التواب الكريم. 
  • (وَسَبِّحْ) سبِّح وقدِّس؛ عظِّم هذا الإله الذي يستحق التعظيم جلّ جلاله. 

(وَسَبِّحْ بِحَمْدِ رَبِّكَ بِالْعَشِيِّ) -الصباح- (وَالْإِبْكَارِ). وَالْإِبْكَارِ: بُكرة النهار من الفجر إلى ما بعد طلوع الشمس، وقيل من الطلوع إلى وقت أن يضحى النهار، والمراد الصباح والمساء، والصباح من نصف الليل إلى نصف النهار، والمساء من الزوال نصف النهار إلى نصف الليل، هذا مساء، يعني استغرق الوقت كله؛ كما قال: (الَّذِينَ يَذْكُرُونَ اللَّهَ قِيَامًا وَقُعُودًا وَعَلَىٰ جُنُوبِهِمْ وَيَتَفَكَّرُونَ فِي خَلْقِ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ) [آل عمران:191]؛ يعني: في مختلف أحوالهم. 

(وَسَبِّحْ بِحَمْدِ رَبِّكَ) حامدًا له شاكرًا؛ فهو الذي استخلصك من ورطات الوهم ذا والخيال والضلال والانخداع وراء السراب، هو الذي أعطاك الإيمان، "إن الله يعطي الدنيا مَن يحب ومَن لا يحب، ولا يعطي الدين إلا مَن يحب"، فمن أعطاه الله الدين فقد أحبه. الحمد لله على نعمة الإسلام. 

(وَسَبِّحْ بِحَمْدِ رَبِّكَ) -حامدًا له شاكرًا له- (بِالْعَشِيِّ وَالْإِبْكَارِ). وبعضهم جعل فيها إشارة أيضًا إلى صلاة الصبح وإلى صلاة العصر، وهي من أعظم التسبيح والتقديس؛ السجود للحق تعالى والركوع له والوقوف بين يديه، (وَسَبِّحْ بِحَمْدِ رَبِّكَ بِالْعَشِيِّ وَالْإِبْكَارِ(55)).

وكانت لنبيّنا تسبيحات واستغفارات كثيرة  في العشيّ والإبكار وفي مختلف أحواله، بل كما قال الصحابة: "كان رسول الله ﷺ يذكر الله على كل أحيانه"، وإنا لنعد له في المجلس الواحد مائة مرة يقول: رب اغفر لي وتب علي إنك أنت التواب الرحيم". يسمعونها من نبينا في المجلس الواحد إلى مئة مرة، سيد الحاضرين مع الله، وإمام العارفين بالله ﷺ. رزقنا حسن اتباعه، وخصوصًا في العشر الأواخر:

  • تحتاج تسبيح بالعشي والإبكار بحمد ربنا 
  • والإكثار من ذكر رمضان: 
    • نشهد أن لا إله إلا الله نستغفر الله نسألك الجنة ونعوذ بك من النار. 
    • والدعاء الذي أوصى به السيدة عائشة إذا أدركت ليلة القدر: "اللهم إنك عفو تحب العفو فاعفُ عنا".

يقول: (وَسَبِّحْ بِحَمْدِ رَبِّكَ بِالْعَشِيِّ وَالْإِبْكَارِ (55) إِنَّ الَّذِينَ يُجَادِلُونَ فِي آيَاتِ اللَّهِ)؛ كل الذين يضادون الأنبياء وينكرون وحدانية الحق تعالى وألوهيته وأن المرجع إليه، (إِنَّ الَّذِينَ يُجَادِلُونَ فِي آيَاتِ اللَّهِ بِغَيْرِ سُلْطَانٍ أَتَاهُمْ)، لا علم ولا حُجّة ولا دليل ولا حقيقة ولا معرفة، ما الذي فيهم؟ (إِن فِي صُدُورِهِمْ)؛ يعني: ما في صدورهم (إِلَّا كِبْرٌ)، كبر، معاندة، ومضادة؛ كِبرًا، (كِبْرٌ)!

  • (إِن فِي صُدُورِهِمْ إِلَّا كِبْرٌ مَّا هُم بِبَالِغِيهِ)، الذي وضعوا في أنفسهم من القدر لأنفسهم وإرادة العلو لا يصلون إليه، لا يصلون إليه؛ بل يصيرون عبرة للمعتبرين. 
    • (إِن فِي صُدُورِهِمْ إِلَّا كِبْرٌ مَّا هُم بِبَالِغِيهِ)، مَن يريد النبوة إلا له من مثل بعض اليهود والذي وقع منهم، ما يحصلونها، ومن يريد المُلك إلا له وحده ما يدوم له المُلك ولا يستقر له ولا يستمر، ومن يشوف نفسه فوق، ما يدري بنفسه إلا ارتطَم تحت. 
  • (إِن فِي صُدُورِهِمْ إِلَّا كِبْرٌ مَّا هُم بِبَالِغِيهِ)، والكِبر من أقوى أسباب الصد عن معرفة الحق..
    • (سَأَصْرِفُ عَنْ آيَاتِيَ الَّذِينَ يَتَكَبَّرُونَ فِي الْأَرْضِ بِغَيْرِ الْحَقِّ)؛ فيصير وصفهم: (وَإِن يَرَوْا كُلَّ آيَةٍ لَّا يُؤْمِنُوا بِهَا وَإِن يَرَوْا سَبِيلَ الرُّشْدِ لَا يَتَّخِذُوهُ سَبِيلًا وَإِن يَرَوْا سَبِيلَ الْغَيِّ يَتَّخِذُوهُ سَبِيلًا) [الأعراف:146]. 
    • أصحاب غيّ، أصحاب ليّ، أصحاب ضلال، إن شيء ضلال ينصرونه ويقومون معه.. أما هدى ونور ما يحبونه؛ لأنه يضاد شهواتهم وأهواءهم.

(إِن فِي صُدُورِهِمْ إِلَّا كِبْرٌ مَّا هُم بِبَالِغِيهِ)، يقول الله: (فَاسْتَعِذْ بِاللَّهِ) استجر بالله من شر هؤلاء ومكرهم وكيدهم، لا يضرونك ولا يضرون أتباعك وأمتك من بعدك، (فَاسْتَعِذْ بِاللَّهِ ۖ إِنَّهُ هُوَ السَّمِيعُ الْبَصِيرُ(56)). 

  • (السَّمِيعُ) لأقوالهم وخواطرهم، العليم بأفعالهم وخططهم وتراتيبهم وخبثهم وكيدهم، هو السميع البصير جلّ جلاله. 
  • (الْبَصِيرُ)؛ يبصر أفعالهم، ويبصر تراتيبهم وخططهم. 

(وَاللَّهُ أَعْلَمُ بِأَعْدَائِكُمْ ۚ وَكَفَىٰ بِاللَّهِ وَلِيًّا وَكَفَىٰ بِاللَّهِ نَصِيرًا) [النساء:45]، (فَلَا تَخَافُوهُمْ وَخَافُونِ إِن كُنتُم مُّؤْمِنِينَ) [آل عمران:175]، (فَلَا تَخْشَوُا النَّاسَ وَاخْشَوْنِ وَلَا تَشْتَرُوا بِآيَاتِي ثَمَنًا قَلِيلًا) [المائدة:44]، كما عملت الأمم من قبلكم اشتروا بآيات الله ثمنًا قليلًا وبدّلوا وحرّفوا.

قال: (فَاسْتَعِذْ بِاللَّهِ ۖ إِنَّهُ هُوَ السَّمِيعُ الْبَصِيرُ (56))؛ فنعم الملجأ ونعم الملاذ، وياربِّ نستعيذك من شر أهل الكِبر والإفساد والإذلال والإغواء، ومريدي نشر الفساد في أراضينا وفي أمتنا وفي زمننا وفي بني آدم، اللهم إنا نستعيذك ونستعيذ بك منهم يا سميع يا بصير، فادفع شرّهم عَنّا، مَنْ على ظهر الأرض ممن يريد الإغواء والإضلال والإفساد؛ نستعيذ بك منهم فاكفنا شرّهم، وادفعهم واقطعهم واردعهم وامنعهم عنّا يا قوي يا متين. 

(إِن فِي صُدُورِهِمْ إِلَّا كِبْرٌ مَّا هُم بِبَالِغِيهِ ۚ فَاسْتَعِذْ بِاللَّهِ ۖ إِنَّهُ هُوَ السَّمِيعُ الْبَصِيرُ (56))، وقل لهم: ماذا يَصعُبْ في تصوّركم من البعث والنشور والإرجاع إلى الحق سبحانه وتعالى؟ 

(لَخَلْقُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ أَكْبَرُ مِنْ خَلْقِ النَّاسِ)؛ وذا جسدك تتعجَّب كيف نرجعه؟ كم طوله وكم عرضه؟ انسبه إلى الأرض، انسبه إلى السماء… يساوي كم؟! عُشر ربع عُشر عُشر عُشر عُشر؟ أيش يساوي؟! وذي الكواكب والنجوم والتسيير لها وشمس وقمر، وبعدين تقول: أنا جسدي مَن بيردَّه؟ جسدك ذا كم يساوي أذرع هذا!!... 

(لَخَلْقُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ أَكْبَرُ): 

  • الذي سيّر الكواكب والشمس والقمر: (لا الشَّمْسُ يَنبَغِي لَهَا أَن تُدْرِكَ الْقَمَرَ وَلَا اللَّيْلُ سَابِقُ النَّهَارِ) [يس:40]. 
  • وبنى: (سَبْعَ سَمَاوَاتٍ طِبَاقًا ۖ مَّا تَرَىٰ فِي خَلْقِ الرَّحْمَٰنِ مِن تَفَاوُتٍ) [الملك:3]. 
  • (وَبَنَيْنَا فَوْقَكُمْ سَبْعًا شِدَادًا) [النبأ:12]؛ مُحكمة الصنع متقنة. 

وتقول: كيف بيردّني أنا؟ أنت مَن أنت؟ أيش تساوي عند هذا الذي تشوف قدامك؟ هذا بيعجز عن مثلك أنت؟! يردّك حتى عشرين مرة، مائة مرة، إيش أنت؟ ماذا تساوي!!.. 

  • (مَّا خَلْقُكُمْ وَلَا بَعْثُكُمْ إِلَّا كَنَفْسٍ وَاحِدَةٍ) [لقمان:28]. 
  • (وَهُوَ الَّذِي يَبْدَأُ الْخَلْقَ ثُمَّ يُعِيدُهُ وَهُوَ أَهْوَنُ عَلَيْهِ) [الروم:27].

قال أنتم مما جعلته من السُّنة بينكم أن ابتكار الشيء صعب عليكم وإعادته أسهل، إعادته ثاني مرة وثالث مرة أسهل. قال: وأنا لمّا خلقتكم من لا شيء وأقول لكم سأعيدكم، تقولون كيف؟! أنتم بنفسكم في تجربتكم في الحياة: الابتكار والاختراع الأول هو الصعب أما الإعادة أسهل، وأنا بتصعبّون عليّ أُعيدكم يعني؟! أنا قد جئت بكم من العدم.. (فَسَيَقُولُونَ مَن يُعِيدُنَا ۖ قُلِ الَّذِي فَطَرَكُمْ أَوَّلَ مَرَّةٍ) [الإسراء:51]؛ الذي كوَّنكم من لا شيء واخترعكم -سبحانه- وأنشأكم هو الذي يردّكم.

(وَهُوَ الَّذِي يَبْدَأُ الْخَلْقَ ثُمَّ يُعِيدُهُ وَهُوَ أَهْوَنُ عَلَيْهِ)؛ هذا بحسب الموازين التي جعلتها لكم في حياتكم أنتم: 

  • ابتكار شيء واختراعه فيه صعوبة. 
  • لكن الإعادة سهلة؛ ثاني مرة ثالث مرة سهل. 

وأنا لمّا خلقتكم من لا شيء، والآن تقولون كيف تعيدنا ثاني مرة؟! كيف أعيدكم! أنا الذي ابتكرتكم وخلقتكم وأعيدكم كما أشاء، وخلقت شيء أعظم منكم؛ سماوات سبعًا شدادًا، (وَبَنَيْنَا فَوْقَكُمْ سَبْعًا شِدَادًا)؛ قوية محكمة الصنع متقنة، وبين السماء والأرض كواكب ونجوم لا تقدرون على عدّها، وما تصطدم ببعضها البعض ولا تسقط فوقكم، ولا تتخالف ولا تتشابك، ولا تخرج عن الترتيب البديع، وتقول لي: كيف بيردّنا؟ أنت إيش تساوي؟! الأرض التي أنت فيها، أنت مثل عُشرها؟ مثل ربع عُشرها؟ شوف كيف كوّنها ورتّبها وجبالها، وتقول كيف يردنا أنا وأنت، من أنت؟! لا إله إلا هو.. قادر على كل شيء.

(لَخَلْقُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ أَكْبَرُ مِنْ خَلْقِ النَّاسِ وَلَٰكِنَّ أَكْثَرَ النَّاسِ لَا يَعْلَمُونَ (57))؛ لا عقل ولا علم عندهم! يستبعدون شيء واضح، بيّن، قريب، هيّن، لا إله إلا الله.. 

(وَمَا يَسْتَوِي الْأَعْمَىٰ وَالْبَصِيرُ)؛ يا ربِّ بصّرنا من كل العمى.. 

  • بعث الله نبينا مُبصِّرًا من العماية ﷺ، فهدانا به من الضلالة، وبصّرنا به من العماية، وعلّمنا به من الجهالة، نقلنا من الجهالة إلى العلم، ومن الضلال إلى الهدى، ومن العمى إلى الإبصار، صلى الله على سيدنا محمد. 
  • كما قال -سبحانه وتعالى- عنه في التوراة التي أنزلها: أَفتحُ به أعينًا عُميًا، وآذانًا صُمًّا، وقلوباً غُلفًا. فتح الله به أعين عُمي فصارت بصيرة، وآذان صُم فصارت سميعة، وقلوب غُلف فصارت عاقلة واعية تدرك الحقيقة. 

فيا رب نبينا افتح قلوبنا، وافتح أعيننا لتحسُن منّا البَصارة، وافتح أسماعنا ليحسُن منّا الاستماع والوعي برحمتك يا أرحم الراحمين.

(وَمَا يَسْتَوِي الْأَعْمَىٰ وَالْبَصِيرُ وَالَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ وَلَا الْمُسِيءُ)؛ مؤمن يعمل الصالحات وواحد مسيء، كيف يستوون؟ 

  • (أَفَمَن كَانَ مُؤْمِنًا كَمَن كَانَ فَاسِقًا ۚ لَّا يَسْتَوُونَ) [السجدة:18]. 
  • (أَمْ نَجْعَلُ الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ كَالْمُفْسِدِينَ فِي الْأَرْضِ أَمْ نَجْعَلُ الْمُتَّقِينَ كَالْفُجَّارِ) [ص:28] لا إله إلا الله! 
  • (أَمْ حَسِبَ الَّذِينَ يَعْمَلُونَ السَّيِّئَاتِ أَن يَسْبِقُونَا ۚ سَاءَ مَا يَحْكُمُونَ) [العنكبوت:4]. 
  • يقول سبحانه وتعالى: (أَمْ حَسِبَ الَّذِينَ اجْتَرَحُوا السَّيِّئَاتِ أَن نَّجْعَلَهُمْ كَالَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ سَوَاءً مَّحْيَاهُمْ وَمَمَاتُهُمْ ۚ سَاءَ مَا يَحْكُمُونَ) [الجاثية:21]؛ لا المحيا سواء ولا الممات سواء. 

وهكذا قال أبو سفيان يوم كان في كفره بعد غزوة أُحد: يومٌ بيوم بدر؛ هذا مقابل يوم بدر، قال النبي: أجيبوا عليه، قالوا: كيف نقول؟ قال: "قولوا: لا سواء، قتلانا في الجنة وقتلاكم في النار"؛ ما هو سواء، لسنا سواء نحن وإياكم، قتلاكم إلى النار وقتلانا إلى الجنة: (لَا يَسْتَوِي أَصْحَابُ النَّارِ وَأَصْحَابُ الْجَنَّةِ ۚ أَصْحَابُ الْجَنَّةِ هُمُ الْفَائِزُونَ) [الحشر:20].

(وَمَا يَسْتَوِي الْأَعْمَىٰ وَالْبَصِيرُ وَالَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ وَلَا الْمُسِيءُ ۚ قَلِيلًا مَّا تَتَذَكَّرُونَ (58) إِنَّ السَّاعَةَ لَآتِيَةٌ لَّا رَيْبَ فِيهَا). 

  • (أَتَىٰ أَمْرُ اللَّهِ فَلَا تَسْتَعْجِلُوهُ) [النحل:1]. 
  • (وَمَا نُؤَخِّرُهُ إِلَّا لِأَجَلٍ مَّعْدُودٍ) [هود:104]. 
  • وإذا جاء وقتها: (وَمَا أَمْرُ السَّاعَةِ إِلَّا كَلَمْحِ الْبَصَرِ أَوْ هُوَ أَقْرَبُ) [النحل:77].

(وَلَٰكِنَّ أَكْثَرَ النَّاسِ لَا يُؤْمِنُونَ (59))؛ اغترارًا بالماديات والشهوات والأهواء، لا إله إلا الله.. (وَلَٰكِنَّ أَكْثَرَ النَّاسِ لَا يُؤْمِنُونَ (59)).

اللهم ارزقنا كمال الإيمان وزدنا إيمانًا، اللهم كما أنعمت علينا بالإسلام فزِدنا منه، وكما أنعمت علينا بالإيمان فزِدنا منه، كما أنعمت علينا بالعافية فزِدنا منها، وكما أنعمت علينا بالعمر فبارك لنا فيه، وكما أنعمت علينا برمضان فتقبّل منّا ما مضى وبارك لنا في باقيه، واجعلنا من خواصّ أهليه، وما تجود به في العشر الأواخر اجعل حظنا منها الحظ الوافر في الباطن والظاهر، ارفعنا إلى المقام العلي الفاخر، يا عليم يا عليّ يا حكيم يا قادر، يا أكرم الأكرمين ويا أرحم الراحمين.

بِسِرِّ الْفَاتِحَةِ

 إِلَى حَضْرَةِ النَّبِيِّ محمد، اللهمَّ صَلِّ وَسَلِّمْ وَبَارِكْ عَلَيْهِ وَعَلَى آلِهِ وَصَحْبِهِ 

الْفَاتِحَة

ويُعلي الله درجات المنتقلين إلى رحمة الله السيد محمد نقيب العطاس، والشيخ مفتي بن أحمد ناصحين، يجمعنا بهم في الدرجات العلى مع النبيين والصديقين والشهداء والصالحين، ويجعل قبورهم رياض من رياض الجنة، ويجعل لهم من عذابه وقاية وجُنة، ويبارك في آثارهم، ويبارك في أولادهم، ويبارك فيما قاموا به من دعوة وخير، ويجعل لها استمرار ودوام نفع للقريب والبعيد، ويجزيهم خير الجزاء، ويتقبل جميع حسناتهم ويضاعفها إلى ما لا نهاية، ويجعل قبورهم رياضًا من رياض الجنة، ويدخل عليهم في قبورهم رَوْحًا منه وسلامًا منّا في كل لمحة ونفس، ويُظِلّهم في ظل عرشه يوم لا ظل إلا ظله، ويورِدهم على الحوض المورود في أوائل أهل الورود. 

بسِرّ الفاتحة

 إلى حضرة النبي ﷺ 

 

تاريخ النشر الهجري

22 رَمضان 1447

تاريخ النشر الميلادي

11 مارس 2026

اضافة إلى المفضلة

كتابة فائدة متعلقة بالمادة

الأقسام