تفسير سورة فصلت - 10 - من قوله تعالى {من عمل صالحا فلنفسه ومن أساء فعليها وما ربك بظلام للعبيد } الآية 46 إلى نهاية السورة

للاستماع إلى الدرس

الدرس العاشر من تفسير العلامة عمر بن محمد بن حفيظ للآيات الكريمة من سورة فصلت، ضمن الدروس الصباحية لشهر رمضان المبارك من عام 1447هـ ، تفسير قوله تعالى:

 مَّنْ عَمِلَ صَالِحًا فَلِنَفْسِهِ ۖ وَمَنْ أَسَاءَ فَعَلَيْهَا ۗ وَمَا رَبُّكَ بِظَلَّامٍ لِّلْعَبِيدِ (46) إِلَيْهِ يُرَدُّ عِلْمُ السَّاعَةِ ۚ وَمَا تَخْرُجُ مِن ثَمَرَاتٍ مِّنْ أَكْمَامِهَا وَمَا تَحْمِلُ مِنْ أُنثَىٰ وَلَا تَضَعُ إِلَّا بِعِلْمِهِ ۚ وَيَوْمَ يُنَادِيهِمْ أَيْنَ شُرَكَائِي قَالُوا آذَنَّاكَ مَا مِنَّا مِن شَهِيدٍ (47) وَضَلَّ عَنْهُم مَّا كَانُوا يَدْعُونَ مِن قَبْلُ ۖ وَظَنُّوا مَا لَهُم مِّن مَّحِيصٍ (48) لَّا يَسْأَمُ الْإِنسَانُ مِن دُعَاءِ الْخَيْرِ وَإِن مَّسَّهُ الشَّرُّ فَيَئُوسٌ قَنُوطٌ (49) وَلَئِنْ أَذَقْنَاهُ رَحْمَةً مِّنَّا مِن بَعْدِ ضَرَّاءَ مَسَّتْهُ لَيَقُولَنَّ هَٰذَا لِي وَمَا أَظُنُّ السَّاعَةَ قَائِمَةً وَلَئِن رُّجِعْتُ إِلَىٰ رَبِّي إِنَّ لِي عِندَهُ لَلْحُسْنَىٰ ۚ فَلَنُنَبِّئَنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا بِمَا عَمِلُوا وَلَنُذِيقَنَّهُم مِّنْ عَذَابٍ غَلِيظٍ (50) وَإِذَا أَنْعَمْنَا عَلَى الْإِنسَانِ أَعْرَضَ وَنَأَىٰ بِجَانِبِهِ وَإِذَا مَسَّهُ الشَّرُّ فَذُو دُعَاءٍ عَرِيضٍ (51) قُلْ أَرَأَيْتُمْ إِن كَانَ مِنْ عِندِ اللَّهِ ثُمَّ كَفَرْتُم بِهِ مَنْ أَضَلُّ مِمَّنْ هُوَ فِي شِقَاقٍ بَعِيدٍ (52) سَنُرِيهِمْ آيَاتِنَا فِي الْآفَاقِ وَفِي أَنفُسِهِمْ حَتَّىٰ يَتَبَيَّنَ لَهُمْ أَنَّهُ الْحَقُّ ۗ أَوَلَمْ يَكْفِ بِرَبِّكَ أَنَّهُ عَلَىٰ كُلِّ شَيْءٍ شَهِيدٌ (53) أَلَا إِنَّهُمْ فِي مِرْيَةٍ مِّن لِّقَاءِ رَبِّهِمْ ۗ أَلَا إِنَّهُ بِكُلِّ شَيْءٍ مُّحِيطٌ (54)

صباح الجمعة 10 رمضان 1447 هجري.

نص الدرس مكتوب:

 

الحمد لله الحق الحي المتفرّد الواحد الأحد، الذي يُبدي من إفضاله وعجائبه ما لا يصل إليه حَصْرٌ ولا حد، ونشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، عظُمت حِكمته فابتثّت في الوجود والعوالم في كل غيب ومشهد، وجعل العاقبة والمصير أن يجمع الناس ليحكم بينهم في يوم غد، ونشهد أن سيدنا ونبينا وقرة أعيننا ونور قلوبنا محمدًا عبده ورسوله وحبيبه الأمجد، الذي خصّه -سبحانه وتعالى- فلم يُماثله أحد ممن لهم أحب ولهم ود، فهو المُقدَّم عليهم من جميع الأولين والآخرين في كل غيب ومشهد.

اللهم أدم صلواتك على منبع الإمداد، عبدك الهادي سيدنا محمد، وعلى آله وصحبه، ومن والاه واتبع سبيله الأرشد، وعلى آبائه وإخوانه من الأنبياء والمرسلين؛ سادات كل مُكرَّمٍ ومُقرَّبٍ وممجد، وعلى آلهم وصحبهم وتابعيهم، وعلى ملائكتك المقربين وجميع عبادك الصالحين، وعلينا معهم وفيهم برحمتك يا أرحم الراحمين. وأتمم علينا النعمة بسر الصلة بك وبحبيبك ﷺ؛ فيزداد لنا ذلك ويقوى في كل نَفَسٍ، ولمحة ولحظة وخطرة وطرفة، وكل مجلس وكل وجهة، يا واحد يا أحد.

أما بعد،،

فإنّنا في نعمة تأمُّلنا لكلام ربّنا، وتدبرنا لآيات إلهنا وخالقنا ووحيه الذي أوحاه على قلب عبده ومصطفاه سيدنا محمد صلى الله عليه وعلى آله وصحبه وسلم وصلنا في سورة (فُصِّلَت) إلى أواخرها، إلى قوله جل جلاله وتعالى في علاه: 

  • (مَّنْ عَمِلَ صَالِحًا فَلِنَفْسِهِ)، وجعلنا الله وإياكم ممن عمل الصالحات، والمكثرين من الصالحات، والمحسنين لإقامة الأعمال الصالحات، واجعل جميع أعمالنا الصالحات منزهة عن الشوائب والدَّخَل، مقبولة لديك، إنك مجيب الدعوات. 
  • (وَمَنْ أَسَاءَ فَعَلَيْهَا)، جنَّبنا الله السيئات في المقاصد والنيات والأقوال والأفعال والحركات والسكنات والنظرات والمسموعات، اللهم باعد بيننا وبين الذنوب والسيئات كما باعدتَ بين المشرق والمغرب، واجعلنا في الهداة المهتدين يا رب العالمين يا وسيع الهبات.

(وَمَا رَبُّكَ بِظَلَّامٍ لِّلْعَبِيدِ (46))، بل هو المحسن للجميع، وخالق الجميع من العدم، والمبيِّن بأنبيائه ورسله ووحيه للمكلفين طريق الهدى في أشرف لَقَم، فلا يَحيدُ عن السبيل الأقوم إلا من طغى وتجبر وظلم، أولئك الذين تَحِلُّ عليهم عظائم النِّقَم -والعياذ بالله تبارك وتعالى-، ولا يُعذِّب الله تعالى حتى يَبعثُ رسولاً يهدي إلى السبيل الأقوم. 

(وَمَا رَبُّكَ بِظَلَّامٍ لِّلْعَبِيدِ (46))، (وَلَٰكِنَّ النَّاسَ أَنفُسَهُمْ يَظْلِمُونَ) [يونس: 44].

(إِلَيْهِ) -سبحانه وتعالى- (يُرَدُّ عِلْمُ السَّاعَةِ)، فكُلُّ مَن تساءل عنها، وإذا رُدَّت من عالِمٍ إلى أعلم، إلى أعلم، إلى أعلم، لا انتهاء لها؛ إلّا أن يُقال: الله أعلم. حتى قال أعلم الخلق بحقائق أسرار الحق جبريل حين سأله عن الساعة: "ما المسؤولُ عنها بأعلمَ منَ السَّائلِ".

(إِلَيْهِ يُرَدُّ عِلْمُ السَّاعَةِ) وذلك تَعيِّينها وتحديد وقتها وكيفيتها بالتفصيل؛ ستره الله تعالى عن خَلْقِه ملائكة وإنسًا وجنًا، وكان ممّا استأثر بعلمه -جل جلاله وتعالى في علاه-، وذلك شأن الألوهيّة وعظمة الربوبية:

  • وليعلَم أهل السماء والأرض والأولون والآخرون أنّه لا علم لهم إلا ما علَّمهم. 
  • وليعلَموا ويُوقِنُوا أنَّ المحيط بكلّ شيء عِلمًا هو الله وحده جل جلاله. 

ولمَّا علَّم ربُّنا آدم الأسماء (ثُمَّ عَرَضَهُمْ عَلَى الْمَلَائِكَةِ فَقَالَ أَنبِئُونِي بِأَسْمَاءِ هَـٰؤُلَاءِ)، قالت الملائكة: (سُبْحَانَكَ لَا عِلْمَ لَنَا إِلَّا مَا عَلَّمْتَنَا) [البقرة:31-32]؛ وقال -جل جلاله-: (وَلَا يُحِيطُونَ بِشَيْءٍ مِّنْ عِلْمِهِ إِلَّا بِمَا شَاءَ) [البقرة:255]؛ وبذلك نعلَمُ أنَّ حقيقة العلم إذا تُؤُمِّل فيها، فهي راجعة إلى الحي القيوم؛ فلا معنى لاغترار أحد بأنّه تقدَّم في العلم، أو تطوّر في العلم، أو اتسع في العلم، أو أحاط بالعلم، ولا يحيط بالعلم إلا الله. وكل ما عدا ذلك من الاغترارات بالعلم ونحوه جهالة، جهالة يُصَابُ بها مَن يُصاب مِن الخلق.

قال: (إِلَيْهِ يُرَدُّ عِلْمُ السَّاعَةِ ۚ وَمَا تَخْرُجُ مِن ثَمَرَاتٍ مِّنْ أَكْمَامِهَا وَمَا تَحْمِلُ مِنْ أُنثَىٰ وَلَا تَضَعُ إِلَّا بِعِلْمِهِ)، كما أنّه ما تخرج من الثمرات من أكمامها: أوعيتها، أكمام جمع كِمّ، أوعيتها التي تُكَوَّن وسطها ثم تُبرَز، وكل ما غطَّى ما من شأنه أن يخرج يُقال له: كِمّ وكِمام، ومن ذلك قيل أيضًا لِمَا يُغطي اليد، ونحوه كُمّ، وقيل لما يُغطي الرأس كِمَّة ونحو ذلك.

(وَمَا تَخْرُجُ مِن ثَمَرَاتٍ مِّنْ أَكْمَامِهَا وَمَا تَحْمِلُ مِنْ أُنثَىٰ)، ما تَخرُج من ثمرة من أكمامها؛ أنواع الثمرات من أولها إلى آخرها، كيف تخرج؟ كم ستُخرِج؟ أفاسدة أم صالحة؟ إلى أين تصل؟ هي رزق مَن؟ وتذهب إلى أين؟ وإلى أي مدى تكوينها وصلاحها؟ هو الذي يعلم ذلك. كما أنَّ العلم هذا عنده؛ فعلم الساعة عنده؛ ليس للخلق. ما يقدرون أن يُحْصوا ويُبيِّنوا ماذا يخرج من الثمرات من الأكمام، مهما تطوَّروا وتقدَّموا وحاولوا:

  • فلا تحديد لحقيقة ما يخرج إلا عند الله.
  • وبعلمه وبإذنه يَخرُج ما أراد من جميع الثمرات: (أَفَرَأَيْتُم مَّا تَحْرُثُونَ * أَأَنتُمْ تَزْرَعُونَهُ أَمْ نَحْنُ الزَّارِعُونَ * لَوْ نَشَاءُ لَجَعَلْنَاهُ حُطَامًا).
  • ومن عُمِل له ذلك في شيء من مزارعه وبساتينه وأراضيه؛ (فَظَلْتُمْ تَفَكَّهُونَ) ظلّ يتفكّه بعد ما بذل وبذل.. وروَّح كل الزرع، يقولون: (إِنَّا لَمُغْرَمُونَ) وخسرنا، وأصابهم ما أصابهم وانتهى (إِنَّا لَمُغْرَمُونَ * بَلْ نَحْنُ مَحْرُومُونَ) [الواقعة:63-67].

ويقول -جل جلاله وتعالى في علاه- في تبيين هذه الحقائق لعباده، فيما أوحى إلى سيد عباده محمد صلى الله وسلم وبارك وكرم عليه وعلى آله، يقول ﷻ: (أَمَّنْ خَلَقَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ وَأَنزَلَ لَكُم مِّنَ السَّمَاءِ مَاءً فَأَنبَتْنَا بِهِ حَدَائِقَ ذَاتَ بَهْجَةٍ مَّا كَانَ لَكُمْ أَن تُنبِتُوا شَجَرَهَا ۗ أَإِلَٰهٌ مَّعَ اللَّهِ) [النمل:60]، لا إله إلا الله، سبحانه ما أحد غيره -سبحانه وتعالى-، فهو الذي يُنبِتُ هذه النباتات ويُقيم هذه الحدائق والمزارع والبساتين.

(وَمَا تَخْرُجُ مِن ثَمَرَاتٍ مِّنْ أَكْمَامِهَا وَمَا تَحْمِلُ مِنْ أُنثَىٰ وَلَا تَضَعُ إِلَّا بِعِلْمِهِ) جل جلاله وتعالى في علاه، (أَمَّنْ خَلَقَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ وَأَنزَلَ لَكُم مِّنَ السَّمَاءِ مَاءً فَأَنبَتْنَا بِهِ حَدَائِقَ ذَاتَ بَهْجَةٍ مَّا كَانَ لَكُمْ أَن تُنبِتُوا شَجَرَهَا ۗ أَإِلَٰهٌ مَّعَ اللَّهِ بَلْ هُمْ قَوْمٌ يَعْدِلُونَ) [النمل:60]، يميلون عن طريق الحق والسبيل الواضح البيِّن إلى أهواء وشهوات وجهالات يرتضونها لأنفسهم؛ ذلك هو الضلال.

(وَمَا تَحْمِلُ مِنْ أُنثَىٰ)، لِإنسٍ ولا جن ولا حيوان من الحيوانات في البر والبحر، (وَلَا تَضَعُ)، ولخفاء الأمر كرر أداة النفي: 

  • (وَمَا تَخْرُجُ مِن).
  • (وَمَا تَحْمِلُ مِنْ).
  • (وَلَا تَضَعُ).

(إِلَّا بِعِلْمِهِ)؛ هو الذي يُحَدِّدُ الوقت، ويُحَدِّدُ الكيفية، ويُحَدِّدُ اللون، ويُحَدِّدُ العدد، ويُحَدِّدُ العمر، جل جلاله. 

(وَمَا تَحْمِلُ مِنْ أُنثَىٰ وَلَا تَضَعُ إِلَّا بِعِلْمِهِ)، إذًا فمجريات ما هو محيط بكم من الأحوال تحت أمره وقهره وعلمه، فَلِمَ تغفلون؟ ولِمَ تَصُدُّون؟ ولِمَ تعصون؟ ولِمَ تخالفون؟ ولِمَ تنحرفون؟

(وَيَوْمَ يُنَادِيهِمْ)، إذا جاء يوم الجمع، وكان في الجمع:

  • مَن اِتَّخذ أصنامًا آلهة، ومن اِتَّخذ الشمس إلها، ومن اِتَّخَذَ القمر إلها، ومن اتخذ له جنا آلهة. 
  • وممن هؤلاء السقطة الفسقة أجهل الجهال من يسمون أنفسهم عبدة الشيطان: 
    • وكفى به ذَمًّا ونقيصة وسوءًا؛ أن يتخذ عدوه معبودًا له يعبده، وهو البعيد عن الخير كله، وهو رأس السوء والشر، كفى به سقاطة ومهانة وذل. 
  • ومن يعبد الأهواء، ومن يعبد غير الله تعالى. 

يجتمعون كلهم في القيامة ويناديهم الجبار الأعلى، الخالق المَلِك الحق: (أَيْنَ شُرَكَائِي)؟ أين شركائي الذين تزعمون أنهم شركاء وأنّهم شفعاء لكم وأنهم يناصروكم؟ يا عبدة الهوى، يا عبدة العلم كما تتوهمون وتسمُّونه، أين هو؟ أين هو ليُنقذكم؟ يا عبدة الاكتشافات، يا عبدة الاختراعات، أين هي؟ أين هي تنقذكم؟ تحميكم؟ تُخلصكم؟ تُخارجكم؟ أين ذهبت؟

(أَيْنَ شُرَكَائِي قَالُوا آذَنَّاكَ)، يعني: قد أعلمناك، يعني: يا ربنا.. 

  • (مَا مِنَّا مِن شَهِيدٍ (47))، ما نشهد على الأشياء ولا نحضرها ولا ندري بها. 
  • (مَا مِنَّا مِن شَهِيدٍ)؛ ما أحد مِنَّا يشهد أنّ معك إلها آخر، تبيَّنت الحقيقة، ما أحد معك إله. 

ضلوا عنا، كما قالوا، انتهوا، ما لهم حقيقة ألوهية ولا حقيقة ربوبية لشيء غيرك (مَا مِنَّا مِن شَهِيدٍ)

  • لا مِنَّا أحد يشهد ويعلم الحقائق. 
  • ولا مِنَّا أحد الآن بعد أن انكشفت الحقيقة يشهد أنَّ هناك إلها آخر. 

ما أحد إله، ما أحد إلا أنت. (وَيَوْمَ يُنَادِيهِمْ أَيْن شُرَكَائِي قَالُوا آذَنَّاكَ)؛ أعلمناك أولًا بألسن أحوالنا والآن بلسان مقالنا نقول لك: (مَا مِنَّا مِن شَهِيدٍ)، ما أحد يشهد أن معك إلها آخر. يقول: (أَئِنَّكُمْ لَتَشْهَدُونَ أَنَّ مَعَ اللَّهِ آلِهَةً أُخْرَىٰ ۚ قُل لَّا أَشْهَدُ) [الأنعام:19]. 

(مَا مِنَّا مِن شَهِيدٍ (47) وَضَلَّ عَنْهُم مَّا كَانُوا يَدْعُونَ مِن قَبْلُ)، فيَا كُلَّ عاقل في الوجود معتمد على غير الرب الإله الخالق المُكوِّن لهذه الكائنات:

  • خلِّص نفسك، صحِّح حسابك، راجع أمورك، انتبه لمصيرك.
  • إن اعتمدت على غيره سقطت وخسرت وندمت ولن ينفعك غيره. 
    • لا يجوز منا الاعتماد ولا الركون ولا الاتكال إلا على الله الواحد الأحد الذي خلق.

يا معتمدين على غير الله: أحسِنوا النظر في أموركم، وراجعوا حساباتكم قبل الندامة الكبرى، وقبل الخيبة في الأخرى، وقبل أن تُدخَلوا نارًا وقودها الناس والحجارة.

 (وَضَلَّ عَنْهُم مَّا كَانُوا يَدْعُونَ مِن قَبْلُ ۖ وَظَنُّوا مَا لَهُم مِّن مَّحِيصٍ (48))؛ وما لهم من مَخْلَص، ما لهم من مخرج، ما لهم من ملجأ إلى غير الله أصلًا.

ومع ذلكم حالهم في الدنيا: (لَّا يَسْأَمُ الْإِنسَانُ مِن دُعَاءِ الْخَيْرِ)؛ لهم رغبات في الصحة والعوافي والمال والظهور والجاه.. وراءها؛ يريدون الاستكثار منها بكل ما يرونه من الوسائل. حتى مَن يؤمن منهم بإله يقول: يا هذا الإله زيدني رزقًا، زيدني مالًا، زيدني صحة، زيدني تسخير أسباب. فكرهم في هذا ورغباتهم كلها في شؤون هذا الأمر الزائل الفاني، وما يَسْأَمُون من الاستكثار منه: "لو كان لابنِ آدمَ وادٍ مِن مالٍ لابتغى إليه ثانيًا، ولو كان له واديانِ لابتغى لهما ثالثًا، ولا يملأُ جَوفَ ابنِ آدَمَ إلّا التُّرابُ، ويتوبُ اللهُ على من تاب"، وهكذا الطبائع التي لم تُهذَّب، والنفوس التي لم تُزكَّى ، والأذهان التي لم تُنَوَّر وتُصقَل، هذا شأنها.

(لَّا يَسْأَمُ الْإِنسَانُ مِن دُعَاءِ الْخَيْرِ)؛ دنيا فوق دنيا فوق دنيا، وإذ كانوا يقولون: الذي يريد من الدنيا فوق ما يكفيه جميع الدنيا ما تكفيه، لم يَدُم ما يكفيه؛ لأنّه يريد فوق ما يكفيه.. 

  • أمَّا مَن كان عاقلا يريد الذي يكفيه؛ فاليسير يكفيه. 
  • وأما الذي يريد فوق ما يكفيه كحال الكفار ومن يشبهّٰم من المسلمين، هؤلاء لو جابوا لهم الدنيا كلّها ما تكفيهم: 
    • وسيعيشون فقراء القلوب، وراءها يلهثون، يُكدِّسون هنا، ويُخبئون هنا، ويقولون: آه آه، وفزعانين، وخائفين وتعبانين ولا هَمّ إلا هي!
    • مساكين! ضيّعوا أعمارهم، ضيَّعوا عقولهم، ضيَّعوا الخصائص التي أوتوها في الإنسانية والكرامة التي أُكرموا بها، ضاعت كلها وراء هذه الفانيات! سُلُطات وماديات ووسائل راحة وظهور بين الناس، وانتهوا هنا.

أهذه قيمة الإنسان؟ أهذه كرامة الإنسان؟ أهذه غاية الإنسان؟

ولكن مَن حُجِب عن الإله الحق وعن الإيمان باليوم الآخر ماذا تنتظر منه؟ إلا هذا الضيق، وإلا هذا التنازع على الأمر الفاني، ومن أجله يُقوِّمون الحروب، أنت ستُصَلِّح السلاح كذا، ما يُمكنك تعمل كذا، أنت ستزيد عليك كذا، أنا بأزيّد كذا... يملؤون الدنيا فوضى! العقول أين؟ لَهَفْ! عندهم قلوب ساجدة للمال والسلطة، قلوب ساجدة للثروات والتسلُّط على الناس؛ هؤلاء سقطة، وهم يحكمون في العالَم ويعملون لحقارة الدنيا! وهي عند الرب: "لو كانَتِ الدُّنيا تَزِنُ عِندَ اللهِ جَناحَ بَعوضَةٍ ما سَقى كافِرًا منها شَربَةَ ماءٍ"؛ لكنها حقيرة، حقيرة، يملكها البَرْ والفاجر، وقد ملكها النمرود، وقد ملكها فرعون، وقد ملكها قوم عاد، وقد ملكها قوم نوح الذين أهلكهم الله وأغرقهم، ولا فخر لأحدٍ منهم بشيء، ولا فخر لمن في زماننا من ملوكها من الذين لا يؤمنون بالله ولا يصدقون مع الله، لا فخر لهم، ولا عاقبة لهم، ولا نهاية لهم صالحة؛ إلا الخزيّ وإلا الخسران.

فالحمد لله على نعمة الإسلام والإيمان، اللهم كما أنعمت علينا بالإسلام فزدنا منه، وكما أنعمت علينا بالإيمان فزدنا منه، وكما أنعمت علينا بالعافية فزدنا منها، وكما أنعمت علينا بالعمر فبارك لنا فيه.

فلولا هذا الإسلام وهذا القرآن والوحي ورسالة الحبيب ﷺ، لكنَّا في معمعة السُّوء نُقَضِّي أعمارنا وأفكارنا وراء هذه الخسائس والمنقضيات والمنتهيات، ولا تَشرَّفنا بقرب الله، ولا بمعرفة الله، ولا بهذا النور الساطع، ولا بالاستعداد للقاء، ولا بالتهيؤ للمرافقة الكريمة! ولكن بنعمة الإسلام، بنعمة القرآن، بنعمة رسالة محمد ﷺ، خرجنا من هذا القفص في التنازع على الفانيات والزائلات؛ لنقصد الواحد الأحد، ولنُقِيم مُلكًا كبيرًا؛ هو بشهادة الرحمن مُلك كبير (وَإِذَا رَأَيْتَ ثَمَّ رَأَيْتَ نَعِيمًا وَمُلْكًا كَبِيرًا) [الإنسان:20]، فماذا يساوي المُلك الحقير؟ 

  • مُلكُهم حقير من أول مَلِك في الأرض إلى أن تقوم الساعة مُلك حقير، لا شرف ولا كرامة؛ إلا مَن كان منهم متصلًا بالله، مُخلصًا لوجه الله، متذللًا لعظمة الله، خاضعًا لله، عاملًا بشرع الله، مستعدًا للقاء الله فقط، غير هذا ما لهم شرف، ولا لهم كرامة.
  • والمُلك الكبير للصادقين المُخلِصين، مُلك لا يزول، وما فيه انقلابات، ولا فيه حروب، ولا فيه أتعاب، ولا فيه هم، ولا فيه غم، ولا فيه مرض، ولا فيه شدة، ولا فيه شيء من هذه البلايا.

أول ما يدخل مَن يُعطى المُلك الكبير إلى الجنة يقال: "إنَّ لَكُم فيها أن تَحيوا فلا تموتوا أبدًا، وإنَّ لَكُم أن تَصِحُّوا فلا تسقَموا أبدًا، وإنَّ لَكُم أن تَشبُّوا فلا تَهْرَموا أبدًا، وإنَّ لَكُم أن تنعَموا فلا تبأَسوا أبدًا".

 أمَّا أهل المُلك الحقير؛ يوم بطنه، ويوم أذنه، ويوم عينه، ويوم حالة نفسية فيه، ويوم هرب، يوم ما  درى أين هو، ويوم نسي، ويوم طلع، لكن هذاك المُلك الكبير ما فيه من هذه الأعراض شيء، فكيف يُترك؟

ولذا صَدَق الحسين بن الشيخ أبي بكر بن سالم لمَّا جاءه السلطان قال: السلطنة بيدك أعطها من تشاء، قال له: يا هذا، السلطنة هذه حق الدنيا الظاهرة، لو كانت تصلح للدُّواب ما ارتضيناها لدابتنا، لا نرضاها، خذها أنت الآن في رقبتك، وانظر مِن قرابتك مَن ترى فيه تقوى الله وأنَّه يقوم بحقها أعطه إياها، ما لنا دخل فيها. نحن عندنا سلطنة أخرى، عندنا مُلك ثان، هذا الذي نريده، ولا نبيعه بهذا حقك، تضعها على رقبتي؟! نُسأل عنها في القيامة؟ خذها وراءك، ولكن صدقك مع الله وإقبالك على الله هو الذي يُخَلِّصك ويرفع درجتك عنده.

يقول تعالى: (وَيَوْمَ يُنَادِيهِمْ أَيْنَ شُرَكَائِي قَالُوا آذَنَّاكَ مَا مِنَّا مِن شَهِيدٍ (47) وَضَلَّ عَنْهُم مَّا كَانُوا يَدْعُونَ مِن قَبْلُ ۖ وَظَنُّوا مَا لَهُم مِّن مَّحِيصٍ (48) لَّا يَسْأَمُ الْإِنسَانُ مِن دُعَاءِ الْخَيْرِ وَإِن مَّسَّهُ الشَّرُّ):

  • (فَيَئُوسٌ) شديد اليأس، شديد اليأس من فضل الله -تبارك وتعالى- ومن الخير ومن الإحسان.
  • (فَيَئُوسٌ قَنُوط (49)) من رحمة الله، فهو ييأس من رَوْحِ الله ويقنط من رحمة الله: 
    • (إِنَّهُ لَا يَيْأَسُ مِن رَّوْحِ اللَّهِ إِلَّا الْقَوْمُ الْكَافِرُونَ) [يوسف:87]. 
    • (وَمَن يَقْنَطُ مِن رَّحْمَةِ رَبِّهِ إِلَّا الضَّالُّونَ) [الحجر:56].

فالمؤمن مُهذَّب: لا عنده يأس ولا قنوط، مهما جاءت الشدائد ومهما حلَّت الآفات والأتعاب، فله ملجأ قوي، وسبيل سوي، وحماية من الغوي، وركونٌ إلى حيٍّ قيّومٍ يَدَّخِرُ له في كل ما ينازله من مصائب من المواهب عجائب؛ حتى أنَّ كثيرًا من الناس في الحشر لمَّا يشاهدون درجات أهل الشدائد في الدنيا ومصائب المؤمنين يتمنى أنَّه كان من أكبر أهل التعب والمصائب في الدنيا، يتمنى أنَّ عمره مضى وكان في شدة وفي مرض وفي ابتلاء. والله يعافينا من غير ابتلاء، ويُؤجرنا من غير ابتلاء.

يقول تعالى: (وَلَئِنْ أَذَقْنَاهُ رَحْمَةً مِّنَّا) يسَّرنا له سبيله، وسخَّرنا له ماله، ومكنَّا له في بُقَعٍ من الأرض.. قال: من عندنا، وأعطيناه صحة، نحن تفضلنا بها عليه، وهو واجب عليه أن يَذكُر المُنعِم ويَشكُر، ما يَبْطُر ويَكفُر!.

  • (وَلَئِنْ أَذَقْنَاهُ رَحْمَةً مِّنَّا مِن بَعْدِ ضَرَّاءَ مَسَّتْهُ لَيَقُولَنَّ هَٰذَا لِي) لك؟! لك؟! لماذا لك؟! أنت الذي لحظة من اللحظات تَقصِفَك، وأنت الذي لا تملك حتى من خلاياك في جسمك شيئا، لو زاغَ عنك ما قدَرَت عليه، هذا لك؟! لم لك؟!
  • (هَٰذَا لِي) وهكذا يقولون! ويظنون أنَّهم حصَّلوا هذا بجهدهم وبشطارتهم وبمهارتهم وبخبرتهم وبترتيبهم وبخططهم! غرور في غرور، وزور في زور!.

فلا يجوز للمؤمن أن يشابههم، إذا جاءته نعمة أو تيسير من الله يقول: أنا عملت، أنت؟ أنت الذي كنت نطفة وعلقة ومضغة، أنت؟ أنت تستحق شيئا؟ هذا فضل ربك عليك.

  • سيدنا يوسف لمَّا ذكر النعمة: (قَالَ لَا يَأْتِيكُمَا طَعَامٌ تُرْزَقَانِهِ إِلَّا نَبَّأْتُكُمَا بِتَأْوِيلِهِ قَبْلَ أَن يَأْتِيَكُمَا ۚ ذَٰلِكُمَا مِمَّا عَلَّمَنِي رَبِّي) [يوسف:37]، ما هو من عندي، هذا فضل ربي.
  • سيدنا سليمان لمَّا أقام الله تعالى الكرامة -وهي معجزة لسليمان، وكرامة لآصِف بن بَرْخِيَا صاحبه الذي أوتي علم الكتاب ونَقلَ له عرش بلقيس من اليمن إلى فلسطين في لحظة-: (فَلَمَّا رَآهُ مُسْتَقِرًّا عِندَهُ قَالَ هَٰذَا مِن فَضْلِ رَبِّي) ما هو بنبوتي ولا بملكي ولا عندي أولياء وعندي كذا! وبعدها؟ عَبْد (هَٰذَا مِن فَضْلِ رَبِّي لِيَبْلُوَنِي أَأَشْكُرُ أَمْ أَكْفُرُ) [النمل:40] هذا مسلك الأنبياء.

فلا يجوز الاغترار بطاعة ولا بعبادة ولا بولاية ولا بشيء مما أتاك الله، الفضل فضله، والطَّوْل طوله، والنعمة نعمته، والإحسان منه، والفضل له جلَّ جلاله.

وهكذا مسالك الأنبياء، قال مرة سيدنا النبي داوود: لك الحمد يا رب، ما من ساعة في ليل أو نهار إلا واحد من آل داؤود لك عابد أو راكع أو ساجد، فأوحى الله إليه: من أين لهم هذا؟ فخرَّ ساجدًا قال: منك يا رب، منك يا رب، أنت الذي وفَّقت، وأنت الذي أعطيت، وأنت الذي هديت. 

  • وكل نعمة لنا، وكل نعمة فينا، وكل نعمة حصلت بين أيدينا ظاهرة أو باطنة من أين؟ (وَمَا بِكُم مِّن نِّعْمَةٍ فَمِنَ اللَّهِ) [النحل:53]؛ 
    • لا تنسَ، لا تنسَ! بنفسك؟ ما أنت شيء! أصلك عدم، وقُل لي: أنت قبل مائة سنة أين أنت؟ وبعد كم سنين أين أنت؟ لا شيء لك، الأمر له والمُلك له، إن شيء فضل، فهو منه.

اللهم ما أصبح بنا من نعمة أو بأحد من خلقك فمنك وحدك لا شريك لك، فلك الحمد ولك الشكر على ذلك.

فيَا باطرين، يا غافلين، يا متكبرين بالنِّعم: خافوا المُنعِم! (وَإِذْ تَأَذَّنَ رَبُّكُمْ لَئِن شَكَرْتُمْ لَأَزِيدَنَّكُمْ ۖ وَلَئِن كَفَرْتُمْ إِنَّ عَذَابِي لَشَدِيدٌ * وَقَالَ مُوسَىٰ إِن تَكْفُرُوا أَنتُمْ وَمَن فِي الْأَرْضِ جَمِيعًا فَإِنَّ اللَّهَ لَغَنِيٌّ حَمِيدٌ) [إبراهيم:7-8].

يقول: (وَلَئِنْ أَذَقْنَاهُ رَحْمَةً مِّنَّا مِن بَعْدِ ضَرَّاءَ مَسَّتْهُ لَيَقُولَنَّ هَٰذَا لِي وَمَا أَظُنُّ السَّاعَةَ قَائِمَةً)؛ هذا منطق المترددين في الإيمان من الكفار الذين لا يوقنون بالساعة يقولون: (وَمَا أَظُنُّ السَّاعَةَ قَائِمَةً).

ومع ذلك يقول: (وَلَئِن رُّجِعْتُ إِلَىٰ رَبِّي) لو كان فيه صِدِق رجعنا إلى الله. 

(إِنَّ لِي عِندَهُ لَلْحُسْنَىٰ) لم لك عنده الحسنى؟ أنت تخالفه وتعصيه وتُكذِّب رسله ولك الحسنى؟! (وَتَصِفُ أَلْسِنَتُهُمُ الْكَذِبَ أَنَّ لَهُمُ الْحُسْنَىٰ ۖ لَا جَرَمَ أَنَّ لَهُمُ النَّارَ وَأَنَّهُم مُّفْرَطُونَ) [النحل:62]؛ حسنى لماذا حسنى؟ تخالفه وتعصيه وتُكذِّب رسله ولك حسنى؟ من أين تأتيك الحسنى؟، وقد يقول: شفه أعطانا!، انت ابتلاك واختبرك بصحة وإلا بسلطة وإلا بمال، ثم تقول لي الحسنى في الآخرة؟! من أين هذا المنطق؟ على أي أساس يقوم هذا الكلام والفكر، باطل!

(وَلَئِن رُّجِعْتُ إِلَىٰ رَبِّي إِنَّ لِي عِندَهُ لَلْحُسْنَىٰ)، قال سترون (فَلَنُنَبِّئَنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا بِمَا عَمِلُوا) نوقفنَّهم على جزاء أعمالهم ذرة ذرة، ويرون كفرهم ومعاصيهم وذنوبهم وسيئاتهم وتكذيبهم بالرسل وكِبرهم وغرورهم وعُجبهم، سنوقفهم عليه واحدا واحدا، ونذيقهم جزاءه المُر.

(فَلَنُنَبِّئَنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا بِمَا عَمِلُوا وَلَنُذِيقَنَّهُم مِّنْ عَذَابٍ غَلِيظٍ (50)) ما يُبلَغ مداه ولا يُتصور: 

  • (فَيَوْمَئِذٍ لَّا يُعَذِّبُ عَذَابَهُ أَحَدٌ * وَلَا يُوثِقُ وَثَاقَهُ أَحَدٌ) [الفجر:25-26]. 
  • (وَبَدَا لَهُم مِّنَ اللَّهِ مَا لَمْ يَكُونُوا يَحْتَسِبُونَ) [الزمر:47]، -اللهم أجرنا من عذابك، اللهم أجرنا من عذابك-.

(وَإِذَا أَنْعَمْنَا عَلَى الْإِنسَانِ) أعطيناه شيئا من النِّعم الظاهرة؛ (أَعْرَضَ وَنَأَىٰ) بَعُدَ (بِجَانِبِهِ)؛ هذا أصل الطبيعة، إلا مَن تهذَّب بالإيمان، مَن تهذَّب بمعرفة الرحمن، لا يطغ ولا يتكبر ولا ييأس ولا يجزع ولا يتبرم، أمَّا عامة الناس الذين لم يتهذبوا فهذه طبيعتهم.

(أَعْرَضَ وَنَأَىٰ بِجَانِبِهِ) إذا أنعمنا.

(وَإِذَا مَسَّهُ الشَّرُّ فَذُو دُعَاءٍ عَرِيضٍ (51)) ، (دُعَاءٍ عَرِيضٍ) يعني: كثير، كما إذا أصابتهم وهم مشركون الريح العاصفة في البحر: يا الله يا الله! ولا أحد يذكُر صنمه ولا أحد يذكر شيئا من هذا، فلمَّا نجاهم إلى البَرِّ أعرضوا! (فَلَمَّا نَجَّاكُمْ إِلَى الْبَرِّ أَعْرَضْتُمْ) [الإسراء:67].

قال: (وَإِذَا مَسَّهُ الشَّرُّ فَذُو دُعَاءٍ عَرِيضٍ (51) قُلْ) لهؤلاء الذين أمامك ينكرون ما جئت به يا محمد (قُلْ أَرَأَيْتُمْ إِن كَانَ مِنْ عِندِ اللَّهِ) هذا الوحي الذي أوحاه إلي، (ثُمَّ كَفَرْتُم بِهِ) من عند الرب الذي خلقكم جاء؛ (مَنْ أَضَلُّ مِمَّنْ هُوَ فِي شِقَاقٍ بَعِيدٍ (52)) من أضل منكم على ظهر الأرض؟ يجيكم من عند الإله الذي خلق، رسالة ورسول ووحي، ثم تنكرونه؟ من أضل منكم في العالم؟ ما حُجتكم؟

(قُلْ أَرَأَيْتُمْ إِن كَانَ مِنْ عِندِ اللَّهِ ثُمَّ كَفَرْتُم بِهِ مَنْ أَضَلُّ مِمَّنْ هُوَ فِي شِقَاقٍ بَعِيدٍ (52)) يعني: مَن أضل منكم يا أهل الشقاق تشاقُّون والبينات واضحة والدلائل بيِّنة؟!

يقول تعالى: (مَنْ أَضَلُّ مِمَّنْ هُوَ فِي شِقَاقٍ بَعِيدٍ (52) سَنُرِيهِمْ آيَاتِنَا فِي الْآفَاقِ)

  • ومع هذا التهديد الكبير والوعيد، يقول تقفلت الأبواب عليهم، قال: ربي أنا وراءهم أُبيَّن وأوضح، ما يرجع الراجع منهم ويتذكر المتذكر.
  • (سَنُرِيهِمْ آيَاتِنَا فِي الْآفَاقِ).. 
    • في الأقطار، والفضاء، والكواكب، والنجوم، والبحار، والأرض، والحيوان، وأحوال الناس.
    • ونصرنا لنبينا محمد ﷺ، ودخول دينه إلى الشرق وإلى الغرب وانتشاره قرنا بعد قرن بعد قرن. 
    • ومجيء خلفاء له ومجيء ورثةً له يحملون أنواره وينشرونها هنا وهنا وهناك، ولا يزال في ظهور بعد ظهور، وهكذا إلى أيامنا وليالينا. 

في سنوات سابقة كان الذي يُظهر الدين والإسلام في روسيا أمامه السجن والقتل، والآن تفضل وأنت مُكَرَّم! وإلى وقت قريب كان في الصين الذي يُظهر الصيام في رمضان يستحق السجن، والذي يُظهر الصلاة يستحق العقاب!.

وفي هذه السنة ابتكر المسلمون إعلان فطور وصلاة في سور الصين، تجمعوا من الأقطار ملايين، ويجيء رئيس الدولة حقهم يبارك لهم في شهر رمضان!: (سَنُرِيهِمْ آيَاتِنَا) من يحمي هؤلاء؟ في أحد من أهل الشرق والغرب قال: مستضعفين ومساكين نحن نحميهم؟ الله من فوق أوحى إلى قلوب الذين كانوا يقولون سنبيدكم سنقتلكم، يقولوا: أنتم قوة لا تُقهر؛ مرحبًا أهلًا وسهلًا تفضلوا صلُّوا.

(سَنُرِيهِمْ آيَاتِنَا فِي الْآفَاقِ وَفِي أَنفُسِهِمْ) إلى أين حُمل ذكر محمد ورسالته؟ شرق غرب جنوب شمال، عرب عجم، مختلط -مختبل-! من حملها؟ وكيف بقيت؟

  • وأشهد أن لا إله إلا الله وأشهد أن محمدًا رسول الله يُنادى بها في عامة أقطار الأرض.
  • وعاد الأمر مُقبِل؛ أن لا يبقى بيت من البيوت على ظهر هذه الأرض إلا ودخله هذا الدين، وارتفعت شهادة أن لا إله إلا الله وأن محمدًا رسول الله.

(سَنُرِيهِمْ آيَاتِنَا فِي الْآفَاقِ) وكلمَّا اكتشفوا في الفضاء وفي الأرض يجدون صدق ما قال محمد، والذي في الآيات التي نزلت عليه هو هو الكلام هذا ولا شيء غيره!

الله الله! (سَنُرِيهِمْ آيَاتِنَا فِي الْآفَاقِ وَفِي أَنفُسِهِمْ)

  • حصَّلوا صحتهم فيما قال محمد، راحت نفوسهم فيما جاء به محمد، استقرار مجتمعاتهم فيما شرعه محمد؛ حتى صلاح أحوال سياستهم فيما جاء به محمد. 
  • وكل ما خالف محمد مشكلة، إن كان في السياسة، في الاجتماع، في الاقتصاد؛ كل ما خالف محمد مشكلة مشكلة مشكلة.

(سَنُرِيهِمْ آيَاتِنَا فِي الْآفَاقِ) رِبا رِبا رِبا؛ بعد ذلك: (يَمْحَقُ اللَّهُ الرِّبَا) [البقرة:276]، يقولون أزمة مالية، فشلنا، جاءوا يخالفون الشرع عن محمد ويقولون: اشتراكية.. سقطت، يقولون: رأسمالية.. سقطت، وبعدها؟ (سَنُرِيهِمْ آيَاتِنَا فِي الْآفَاقِ وَفِي أَنفُسِهِمْ) في صحتهم، في اجتماعهم، في علائقهم، في سياساتهم، في إداراتهم للأمور.

(سَنُرِيهِمْ آيَاتِنَا فِي الْآفَاقِ وَفِي أَنفُسِهِمْ) ونجعل الكتاب محفوظا يُقرأ كما نطق به محمد ﷺ، وكل وقعة من الوقائع في أمته تَحمِل معجزات تدل آيات تدل على صدق محمد، وعلى مختلف القرون.

(وَفِي أَنفُسِهِمْ) ومن جملة في أنفسهم أهل مكة، ومكة التي أنتم فيها سيفتحها محمد، سترون ظهور دينه، وسيقف على باب الكعبة ويُعلنها: أشهد أن لا إله إلا الله، أشهد أن محمدًا عبده ورسوله، "لَا إِلَهَ إِلَّا اللَّهُ صَدَقَ وَعْدَهُ، وَنَصَرَ عَبْدَهُ، وَأَعَزَّ جُندَهُ"، "يا معشر قريشٍ، ما ترون أني فاعلٌ بكم؟"، ونكسوا رؤوسهم وردَّد عليهم، قالوا: خيرًا، أخٌ كريمٌ وابنُ أخٍ كريمٍ!!. أين ساحر؟ أين كاهن؟ أين مجنون؟ أين الكلام الذي راح؟ ويرون من كريم خلقه: "اذهبوا فأنتم الطلقاءُ".

(سَنُرِيهِمْ آيَاتِنَا فِي الْآفَاقِ وَفِي أَنفُسِهِمْ حَتَّىٰ يَتَبَيَّنَ لَهُمْ) لكل عاقل ولكل منصف (أَنَّهُ الْحَقُّ (53)).. 

  • معنى (أَنَّهُ الْحَقُّ): أنَّ هذا القرآن من عند الله، وأنَّ محمدًا رسول الله، وأنَّ الدين الصواب الهدى الإسلام فقط؛ غير هذا لا يوجد.
  • (حَتَّىٰ يَتَبَيَّنَ لَهُمْ أَنَّهُ الْحَقُّ) هذا قرآن من عند الله، هذا محمد مُرسلٌ من عند الله، هذا الدين دين الله، دين الإسلام هو الصواب، وهو الهدى.

(حَتَّىٰ يَتَبَيَّنَ لَهُمْ أَنَّهُ الْحَقُّ ۗ أَوَلَمْ يَكْفِ بِرَبِّكَ أَنَّهُ عَلَىٰ كُلِّ شَيْءٍ شَهِيدٌ (53)) -جلَّ جلاله وتعالى في علاه- حاضر وقائم على كل نفس بما كسبت، محيط بكل شيء.

(أَلَا إِنَّهُمْ فِي مِرْيَةٍ مِّن لِّقَاءِ رَبِّهِمْ) شكّ وتخبُّط (أَلَا إِنَّهُ بِكُلِّ شَيْءٍ مُّحِيطٌ (54))؛ ويرجع الكل إليه، (فَلَنَسْأَلَنَّ الَّذِينَ أُرْسِلَ إِلَيْهِمْ وَلَنَسْأَلَنَّ الْمُرْسَلِينَ * فَلَنَقُصَّنَّ عَلَيْهِم بِعِلْمٍ ۖ وَمَا كُنَّا غَائِبِينَ) [الأعراف:6-7].

وانتهت السورة الكريمة، التي جاء أيضًا عند البيهقي في الشُّعَب أنَّ رسول الله ﷺ كان من اعتنائه بها أنَّه لا ينام حتى يقرأ المُلك (تبارك) وحم (السجدة)، يقرأ هذه السورة، كثيرًا ما يقرأها في لياليه ﷺ، قبل نومه يقرأ هذه السورة، ما أعظمها!

وقرأها يومًا عليهم ثم سجد، ثم قال: "سَجَدْتُ شُكرًا لرَبِّي عزَّ وجلَّ فيما أَبلَاني في أُمَّتي"، قال له أبو بكر: ما أبلاك في أمتك؟ 

  • قال: "أعطاني سبعين ألفًا يدخلون الجنة بغير حساب"، قال: إنَّ أمتك كثير، فازدد، قال: "قد فعلت، فزادني مع كل واحد من السبعين سبعين ألفًا". 
  • ثم جاء في رواية أخرى: "فاستزدت ربي"، قال: "فأعطاني مع كل واحد من السبعين سبعين ألفًا وثلاث حثيات من حثيات ربي".

يا ربِّ صلِّ عليه، واجزه عنَّا خير الجزاء، وتكرَّم علينا وأدخلنا في هذه الحثيات التي تحثوهم لدخول الجنة بغير حساب، يا ربنا يا ربنا يا ربنا يا ربنا: لا يُدخِل الجنة إلا أنت، ولا يُنجِّي من النار إلا أنت، فيَا من بيده الملك والملكوت أدخلنا في هذه الحثيات التي وعدتَ بها خير البريات؛ حتى تُدخلنا جنَّتك بغير حساب يا رب الأرباب، يا كريم يا وهَّاب يا غافر.

وننتقل من سورة (فُصِّلَت) إلى (غافر)، وفي يوم المغفرة يوم الجمعة من أيام رمضان، نسأل الغفَّار أن يغفر لنا بأوسع المغفرة، وأشمل المغفرة، وأعظم المغفرة، وأتمّ المغفرة، وأجلّ المغفرة، يا غفَّار اغفر لنا يا خير الغافرين، مغفرةً لا تغادر ذنبًا ولا حوْبًا ولا صغيرةً ولا كبيرةً ولا سرًا ولا علانيةً إلا محتها وبدَّلتها إلى حسنات تامَّات مُوصِلات، يا مجيب الدعوات، يا بارئ الأرضين والسماوات، يا مُنزِل الآيات على قلب خير البريات؛ آمنا بك وبالقرآن الذي أوحيت والنبي الذي أرسلت وما جاء به عنك فزدنا إيمانًا وزدنا يقينًا، وتولَّنا بما أنت أهله في ظواهرنا وخوافينا في دنيانا وآخرتنا برحمتك.

 

بِسِرِّ الْفَاتِحَةِ 

إِلَى حَضْرَةِ النَّبِيِّ مُحَمَّدٍ، اللهمَّ صَلِّ وَسَلِّمْ وَبَارِكْ عَلَيْهِ وَعَلَى آلِهِ وَصَحْبِهِ 

الْفَاتِحَة

 

تاريخ النشر الهجري

11 رَمضان 1447

تاريخ النشر الميلادي

28 فبراير 2026

اضافة إلى المفضلة

كتابة فائدة متعلقة بالمادة

الأقسام